Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:61–63, continued
ودليلهم على هذا: قياس غير الأولاد على الأولاد، قالوا: لأنه إذا جاز أن يصل عمل غير الإنسان إليه فلا فرق بين أن يكون ولدًا أو غير ولد، الشأن هل ينتفع الإنسان بعمل غيره؟
والذين قالوا بالمنع قالوا: إن الولد ليس كغيره؛ لأن الولد من أثر الإنسان ومن كَسْبه وفعله، وليس كالأخ والقريب والصديق ونحوهم.
أما الدعاء للمسلمين فهذا أمر مجمع عليه، وفيه نص الكتاب والسنة والإجماع، ولا أحد يخالف في ذلك.
فإذا سألنا سائل: أيما أولى أن أصلي ركعتين وأتصدق بثواهما لشخص من أقاربي غير الأب، أو أن أدعو لهذا الشخص في صلاتي؟
نقول: الأفضل أن تدعو له في صلاتك؛ لأن هذا أمر مجمع على نفعه، وأما أن تتصدق عليه بثواب صلاتك فهذا مختلف فيه؛ من العلماء من يرى جوازه، ومنهم من يرى أنه ليس بجائز وليس بمشروع، وأن الميت لا ينتفع به.
هذا في غير من استؤجر لعمل صالح ليُهديَه إلى غيره، كاستئجار بعض القراء ليقرؤوا قرآنًا للميت، فإن هذا لا ينتفع به الميت قطعًا؛ لأن هذا الرجل الذي قرأ لأجل المال إنما قرأ للدنيا، ومن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فليس له حظٌّ في الآخرة.
وعلى هذا فلا ثواب لهذا القارئ، وإذا لم يكن له ثواب هل ينتفع الميت بذلك؛ لأنه إنما ينتفع بالثواب لا بمجرد القراءة؟ فإذا قلنا: هذا القارئ لا ثواب له؛ لأنه أراد بعمل الآخرة الدنيا بقي الميت غير مستفيد من هذه القراءة.
* طالب: (...) وقال: اللهم هذا عن (...)؟
* الشيخ: هذا يستدل به، لكن هذا من باب الصدقة، وهو المال، وليس من باب العبادات البدنية المحضة.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لكن أهدى ثوابًا له، التقرب إلى الله ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج ٣٧]، فهذا الثواب الذي حصل له بهذا الذبح، هذا الذبح عمل مالي، ما هي بعمل بدني محض، مالي فهو كالصدقة، وأما عمل بدني محض؛ بيصلي الإنسان مثلًا أو يسبح أو يهلل أو يقرأ، فليس مثل هذا.
* الطالب: (...) الصدقات؟
* الشيخ: (...) الأعمال الصالحة.
* الطالب: حتى الأعمال البدنية (...) يتصدق بصدقة وهو (...) عن فلان.
* الشيخ: هذه يجوز عند أكثر أهل العلم؛ لأنهم يستدلون بحديث «الرجل الذي قال: إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؟ قال: «نَعَمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤ / ٥١) من حديث عائشة.]].
ويستدلون أيضًا بالأضحية؛ أن الرسول ضحَّى عن أمته وفيهم من هو حي وميت وليس النبي عليه الصلاة والسلام لهم.
لكن لقائل أن يقول: إن الرسول عليه الصلاة والسلام أبٌ للمؤمنين، فهو كالرجل يضحي عن أهل بيته.
فالمسألة ما هي من الأمور التي يطمئن الإنسان إلى صحة القول بأن كل الأعمال تنفع الميت إذا أهديت له، أو تنفع الحي إذا أهديت له، ليست من الأمور التي يطمئن فيها الإنسان إلى هذا القول؛ ولهذا نرى أن الدعاء للأموات خير من إهداء القرب لهم، إلا ما ورد به النص فيتبع.
لكن الجمهور -كما عرفتم- الذين يقولون بالجواز يقيسون من عدا الأولاد على الأولاد، ويقيسون ما عدا الأموال على الأموال، ويقولون: المهم أن يصل الثواب إلى الميت من غيره، هذا هو المطلق، والقائلون بالمنع يقولون: إن الأولاد ليسوا كغيرهم ولا يقاسون على غيرهم؛ لأن الولد من كسب المرء.
وسبق أيضًا أن الله نهى المؤمنين أن يجعلوا دعاء الرسول بينهم كدعاء بعضهم بعضًا.
* فيستفاد منه: وجوب احترام النبي ﷺ وتعظيمه، وأنه لا يجوز للإنسان أن يناديه كما ينادي غيره من الناس؛ لما له من التعظيم والتوقير.
* وفيه أيضًا: على الوجه الثاني في معنى الآية: أن دعاء النبي عليه الصلاة والسلام الأمة ليس كدعاء غيره، فإذا دعاك النبي ﷺ إلى أمر أو أمرك به فإنه يجب عليك ألَّا تجعل هذا الدعاء كدعاء غيره؛ لما في إجابته من امتثال أمر الله ورسوله.
* وفيه أيضًا: تحذير المتسللين في الأمور الجامعة بدون عذر واستئذان؛ لقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences