Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:3–9
25:3–9Page 360
وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗ لَّا يَخۡلُقُونَ شَيۡـٔٗا وَهُمۡ يُخۡلَقُونَ وَلَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَلَا يَمۡلِكُونَ مَوۡتٗا وَلَا حَيَوٰةٗ وَلَا نُشُورٗا ٣
But they have taken besides Him gods which create nothing, while they are created, and possess not for themselves any harm or benefit and possess not [power to cause] death or life or resurrection.
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ إِفۡكٌ ٱفۡتَرَىٰهُ وَأَعَانَهُۥ عَلَيۡهِ قَوۡمٌ ءَاخَرُونَۖ فَقَدۡ جَآءُو ظُلۡمٗا وَزُورٗا ٤
And those who disbelieve say, "This [Qur’ān] is not except a falsehood he invented, and another people assisted him in it." But they have committed an injustice and a lie.
وَقَالُوٓاْ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٱكۡتَتَبَهَا فَهِيَ تُمۡلَىٰ عَلَيۡهِ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٥
And they say, "Legends of the former peoples which he has written down, and they are dictated to him morning and afternoon."
قُلۡ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعۡلَمُ ٱلسِّرَّ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٦
Say, [O Muḥammad], "It has been revealed by He who knows [every] secret within the heavens and the earth. Indeed, He is ever Forgiving and Merciful."
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأۡكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمۡشِي فِي ٱلۡأَسۡوَاقِ لَوۡلَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مَلَكٞ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ٧
And they say, "What is this messenger that eats food and walks in the markets? Why was there not sent down to him an angel so he would be with him a warner?
أَوۡ يُلۡقَىٰٓ إِلَيۡهِ كَنزٌ أَوۡ تَكُونُ لَهُۥ جَنَّةٞ يَأۡكُلُ مِنۡهَاۚ وَقَالَ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٨
Or [why is not] a treasure presented to him [from heaven], or does he [not] have a garden from which he eats?" And the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."
ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَٰلَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٩
Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.
(...) الآية الآن، ذُكر أولًا تنزيل القرآن (...).
* طالب: (...) ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان ٤ - ٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [الفرقان ٣].
(﴿وَاتَّخَذُوا﴾ أي: الكفار ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: الله)، أمَّا الضمير الأول: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ فلمْ يُذكَر له مرجعٌ لفظيٌّ، لكنَّه مرجعه معلومٌ بحسب الحال؛ يعني ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾ مَن هم؟
* طالب: الكفار.
* الشيخ: الكفار المتَّخذون، فهو لا مَرجِع له لفظًا، لكن مَرجعه معلومٌ بحال الواقع.
وأمَّا ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ فمَرجعه ظاهرٌ مما سبق؛ لأنَّ الله تحدَّث عن نفسه بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ﴾.
ومناسبة هذه الآية لِمَا قبلها أنَّ الله لَمَّا أثنى على نفسه بما أثنى به ناسبَ أن يذكر تلك الأصنام التي اتُّخذتْ من دونه -يعني مِن دون الله- آلهةً، ليتبيَّن حالُهم؛ لأنَّ الأشياء تتبيَّن بما يكون لها من صفات.
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، وقوله: ﴿آلِهَةً﴾ جمع (إله)، وهذه الآلهة إنما كانت آلهةً باتِّخاذهم، أمَّا في الحقيقة فليست آلهةً لأنها ليستْ مستحقةً للعبادة، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم ١٩ - ٢٣]، وقال يوسف: ﴿أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٣٩، ٤٠]، فهي آلهةٌ لاسمهم واعتقادهم، أمَّا في الواقع فليست آلهةً؛ بمعنى أنها لا تستحقُّ أن تكون آلهة. واضح يا جماعة؟
فعلى هذا مثلًا إذا قال قائل: كيف أثبتَ الله هنا أنها آلهة ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، مع أنَّ الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم يقولون لأقوامهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود ٦١]، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، كيف نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات؟
نقول: نجمع بين هذا النفي وبين هذا الإثبات أنَّ النفي باعتبار الحقيقة والواقع؛ فإنَّه لا إله إلا الله ولا شك في ذلك، وأمَّا الإثبات فهو بحسب أيش؟ بحسب عمل هؤلاء حيث جعلوا هذه آلهةً؛ أي: معبودةً، وهي لا شك أنها تُعبَد، لكنَّها ليست مستحقَّة للعبادة، فبحسب الاستحقاق يكون النفي، وبحسب الواقع يكون الإثبات. واضح الأمر ولَّا لا؟
بحسب الاستحقاق يكون النفي؛ يعني: لا أحد يستحقُّ ولا أحد يكون حقيقةً إلهًا سوى الله عز وجل. وأمَّا باعتبار الاعتقاد وباعتبار العمل فإنَّ مِن الناس مَن اعتقد وعَمِل فجعل مع الله إلهًا آخَر، وحقيقة هذه الآلهة أنها ليست بشيء، صحيح أنها تُعبَد وتُدعى ويُركَع لها ويُسجَد ويُنذَر لها، لكنَّها في الواقع ليست مستحقَّة لهذا الأمر، فليست آلهة.
ثم بيَّن الله هذه الآلهة المتَّخَذة: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾، وعدم خلْقهم دليلٌ على عَجْزِهم، وعَجْزُهم دليلٌ على أنهم ليسوا آلهة؛ لأنَّ الإله لا بدَّ أن يكون قادرًا؛ لأنَّ القدرة من كماله، وهذا العجز الذي اتَّصفتْ به هذه الآلهة يمنع أن تكون آلهة.
ثانيًا: ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾، مين اللي ﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾؟ الآلهة. إذَنْ هي حادثةٌ بعد أن لم تكن، والربُّ يجب أن يكون أوَّليًّا ليس قبله شيء؛ لأنَّ الربَّ المستحقَّ للعبادة لا بدَّ أن يكون خالقًا، وإذا كان مخلوقًا فهو حادثٌ، وإذا كان حادثًا فمَن قبله ليس من خلْقه، وعلى هذا يكون في قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ بيانٌ لعدم صلاحيتهم للآلهة من حيث أيش؟ انتفاء القدرة.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يصلح أيضًا أن يكونوا آلهةً من وجهين:
أولًا: الحدوث؛ لأنهم محدَثون، والإله لا يمكن أن يكون مُحْدَثًا.
الأمر الثاني: أنَّ مَن قبلهم ومَن سبقهم ليس مِن خلْقهم، على فرض أن يكونوا يَخلقون، وهذا دليلٌ على عدم صلاحيتهم للألوهية.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان ٣] يقول المؤلف: (﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أي: دَفْعه). ونحن نقول: دَفْعه وجَلْبه أيضًا. ويش المانع؟! لو أرادوا أن يضرُّوا أنفسَهم ما ضرُّوها، ولو أرادوا أن يدفعوا عنها ضررًا ما دفعوا عنها، فإبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ ﴿لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ أيش؟ لا جَلْبًا للضرِّ ولا دَفْعًا له، حتى الضرر الذي يمكن أن يكون سهلًا لو أرادوه لأنفسهم ما استطاعوا؛ يعني لو أرادتْ هذه الأصنام أن تُتلف نفسَها تستطيع ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لو أرادتْ أن تُمرِض نفسَها -إذا كانت مما يَلْحقه المرض- هل تملك ذلك ولَّا لا؟ لا تملك. ولو أراد أحدٌ أن يعتدي عليها تملك دَفْعه ولَّا لا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما تستطيع، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ وهذا يدلُّ على أهميته؛ أَمْر الله تعالى لنا بأنْ نستمع لهذا المثل يدلُّ على أهميته.
المثل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾، الذباب اللي هو مِن أَهْون الحيوانات وأَضْعفها لو أنَّهم اجتمعوا على أن يخلقوه ما استطاعوا.
أمرٌ آخَر: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ على ضعفه ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ ما يستطيعون أن يستنقذوه، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [الحج ٧٣].
فهؤلاء لا يملكون لأنفسهم ضَرًّا؛ لا دَفْعَه ولا جَلْبَه، ولا يملكون أيضًا نَفْعًا، يقول المؤلف: (أي: جَرَّه)، يعني: ما يملكون أن يجرُّوا لأنفسهم نفعًا. كذا؟ عندي: (أي: جَرَّه)؟
* طالب: إي نعم، (جَرَّه).
* الشيخ: إي نعم، فهُم لا يملكون أن يجرُّوا النفع إلى أنفسهم، ولا يملكون أيضًا أن يدفعوه عن أنفسهم، مِثل الأول، يعني ينبغي أن نجعلها على سبيل العموم، وإنْ كان مقتضى الحال أنَّ الإنسان يريد الدفع .. أو أنَّ أيَّ واحدٍ يريد دَفْع الضرر ويريد جَلْب النفع، ولكن إبقاء الآية على العموم أَوْلى؛ يعني: لا يستطيعون شيئًا لأنفسهم، وإذا كانوا لا يستطيعون ذلك لأنفسهم فمِن باب أَوْلى ألَّا يستطيعوه لعابديهم.
(﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتةً لأحدٍ وإحياءً لأحدٍ ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ أي: بعثًا للأموات).
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: ما يملكون أن يموِّتوا أحدًا (...)، نعرف أنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه وقال: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨] أنَّه كاذب ولَّا صادق؟ كاذب.
﴿لَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ يعني: لا يملكون أن يَجْلبوا موتًا لأحدٍ ولا أن يَجْلبوا حياةً لأحد مهما اجتمعوا لذلك.
فإذا قال إنسان: أليس يمكن أن يقتلوا أحدًا؟
فالجواب: هذا سببُ الموت وليس هو الموت؛ يعني يمكن الإنسان يفعل سببَ الموت، لكن ما يمكن أن يُوقِع الموت، وبين الأمرين فرق، ولهذا أحيانًا يوجد سبب الموت ولا يموت الإنسان، وأحيانًا يموت الإنسان بدون سبب؛ يعني بدون سببٍ معلومٍ.
فإذَنْ هؤلاء لا يملكون موتًا لأحدٍ ولا حياةً، لا يملكون أن يُحْيُوا أحدًا من الأموات لأنَّ ذلك إلى الله عز وجل.
وأمَّا إحياء عيسى للأموات فليس من هذا الباب، ليس من الأمر الذي نفاه الله؛ لأنَّ الذي يُحْيِي حقيقةً للأموات هو الله، ولهذا قيَّد الله إحياءَه للموتى بقوله: ﴿بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠]، فليس هو يستقلُّ بهذا، وإنما يكون قوله سببًا للحياة التي يخلقها الله عز وجل. واضح؟
﴿وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ النُّشور هو بَعْثُ الموتى وتفريقُهم، نَشْرُهم معناه أنَّهم يُفَرَّقون؛ يخرجون من الأجداث وينتشرون في الأرض يتفرَّقون فيها، فهُم لا يملكون شيئًا من هذا كلِّه.
فإذا تبيَّن عَجْزهم الذاتي والعَرَضي تبيَّن أنها لا تصلح أن تكون آلهة، ففيهم عجز ذاتي وعَرَضي.
طيب، ما مقام أو ما حال ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ بالنسبة لقوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾؟
عَطْفها على قوله: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ من باب عطْف الخاصِّ على العامِّ أو التفصيل بعد الإجمال.
تجدون الآن الآية الكريمة تترقَّى من الأدنى إلى الأعلى: ﴿ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾، ﴿مَوْتًا﴾ و﴿حَيَاةً﴾ و﴿نُشُورًا﴾، معلوم؛ لأنَّ الحياة أشدُّ من الموت؛ يعني وجود سبب الحياة أو القدرة على الحياة أعظم من الموت، كذلك أيضًا النفعُ والضررُ؛ أيُّهما أعظم؟ النفع؛ لأن الضرر .. الإنسان يريد من الضرر دَفْع الشيء، ودَفْع الشيءِ أسهل من جَلْبه؛ لأنَّ الجلب إيجابيٌّ والدفْع سلبيٌّ، وغالبًا أن السلبي يكون أَهْون من الإيجابي، فانتقل الله سبحانه وتعالى في بيان عَجْز هذه الآلهة وأنها لا تَصْلح من الأدنى إلى الأعلى، هذا بالنسبة للتفصيل، أمَّا بالنسبة للإجمال فقال: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾.
* وفي هذا من الفوائد: دليلٌ على أنَّه ينبغي للإنسان أن يسوق للخَصْم ما يُقِرُّ به لزومًا حتى تقوم الحجَّة عليه.
هؤلاء الذين جعلوها آلهةً هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تَخْلق؟ لا.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها غير مخلوقة؟ لا؛ لأنهم يعرفونها موجودةً وليستْ من قبل.
هل يمكن أن يدَّعوا بأنها تنفع أو تضرُّ؟ نقول: يمكن أن يدَّعوا ذلك، وفِعْلًا يدَّعون ذلك؛ يقولون: إنَّ الأولياء ينفعون، وإنهم يضرُّون، وإنَّ مَن لم يذبح لهذا الولي أو ينذر له فإنَّه يضرُّه. هذه دعوى.
يُطالَبون بأيِّ شيء إذا ادَّعوا؟ يُطالَبون بالدليل، نعم، الدليل أنْ يُقال لهم مثلًا: ادعوا هذا الوليَّ بأمرٍ معيَّن وانظروا هل يجلب لكم ذلك أو لا يجلبه، مِثْلما أنهم هم يطالبون الرُّسُلَ بأشياء معيَّنة؛ يقولون مثلًا لَمَّا قالت لهم الرُّسُل: إنَّ الله يُحْيي الموتى، قالوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، مع أنَّ الرُّسُل ما قالت لهم: إنَّ البعث في الدنيا، حتى يقولوا: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾، إنما قالت لهم: إنَّ البعث متى؟ بعد الموت. وهذا غير ما طالب به هؤلاء الخصْم للرُّسُل، فقولهم: ﴿ائْتُوا بِآبَائِنَا﴾ هو في الحقيقة مصادرة؛ يعني: طلبُ دليلٍ لشيءٍ لم يقُله الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ إذ لم يقولوا: إنهم يُبعثون الآن.
فعلى كل حالٍ هذه الدعوى أنَّهم يملكون نفعًا أو ضرًّا، هذه دعوى تحتاج إلى بيِّنة.
أمَّا دعوى الموت والإحياء فهي أيضًا أوضح بُطلانًا، بل لَرُبَّما تُدَّعى؛ لأنَّ الذي حاجَّ إبراهيمَ في ربِّه قال له: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فربما تُدَّعى.
وفي مناظرة إبراهيم عليه الصلاة والسلام -يعني يمكن أنْ ننتفع بها هنا- دليلٌ على أنَّه إذا ادَّعى المبطِل دعوى فإنَّنا ننقله إلى ما هو أَوْضح؛ لأنَّ المقصود ما هي بالمجادلة، المقصود إقامة الحجَّة على بُطلان هذا الأمر، وهو إذا بَطَل ولو من دليلٍ واحدٍ كفى، ما حاجة لأننا نُبْطله من الدليل الذي يُعيِّنه الخصم، قد نُبْطله من دليلٍ آخَر، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لو أراد أن يحاجَّ هذا الرجل ويجادل هذا الرجل لَقال له: لستَ تُحيي وتميت، وإنما تفعل سببَ الإحياء والإماتة. لكنَّه عليه الصلاة والسلام ذهب إلى دليلٍ أَوْضح وأَبْين ولا تمكن المحاجَّة فيه؛ قطعًا لأيِّ شيء؟ قطعًا للنزاع والمجادلة؛ لأنَّ الإنسان اللي يجادل قابِلْه بدليلٍ لا يمكنه دَفْعه، فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨]، إلزام ولَّا ما هو بإلزام؟ إلزامٌ لا يتمكَّن معه أن يدَّعي شيئًا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة ٢٥٨].
المهم الآن اللي عندنا: ﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا﴾ مُسَلَّم، ويمكن دعوى نَفْيه ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، حتى عند العابدين: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، حتى عند العابدين ما يمكن يدعون هذه الصفة المنفية.
﴿وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لا يمكن أيضًا أن يدَّعوا أنها ليستْ مخلوقة؛ لأنها مصنوعة، هُم صنعوها بأيديهم؛ يقول إبراهيم لهم: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦].
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ هذه قُلنا: إنه يمكن أن يُدَّعى أيش؟ خلافُ هذا النفي، وجوابُنا عليه من أمرين:
إمَّا إبطال هذه الدعوى بعينها ونقول: هذا أمرٌ لا يمكن، وإذا شئتم فادْعوا.
وإمَّا أن يقال: ننتقل عن هذا النفي عند المجادلة -ترى- لا ننتقل عن هذا النفي لعدم إيمانٍ بالله؛ يجب علينا أنْ نؤمن بأنهم لا يملكون ذلك، لكنْ عند المخاصمة ويش ننتقل إليه؟ إلى أمرٍ أعظم وأَبْين وأوضح.
مثلًا لو نزلتْ أمطارٌ كثيرةٌ مغرِقةٌ أو حصلتْ زلازل، ممكن نقول لهم: ادْعوا هذه الأصنام وانظروا هل (...) السماء؟ وهل تتوقَّف الأرض عن الزلازل؟ وما أشبهَ ذلك. لكنْ مهما كان لو ادَّعوا ما يدَّعون فإنَّنا ننتقل عند المجادلة إلى أمرٍ أوضح لا يتمكَّنون من نفيه. ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
ولَمَّا ذكر الله سبحانه وتعالى ما يعود إلى التوحيد انتقل إلى ما يعود إلى الرسالة؛ لأنَّ (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله)، فقال تعالى..
* طالب: (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أنَّ النشور عامٌّ، وأمَّا الحياة فهي خاصَّة، الحياة لواحدٍ معيَّن؛ مِثل أن يُقال لهم: أحيوا هذا الميت. النُّشُور عامٌّ، ولهذا قُلنا: إنَّه من النَّشْر بمعنى التفريق والانتشار، فهو أعمُّ.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ محمَّد ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ [الفرقان ٤] وهم من أهل الكتاب).
هذا الأصل الثاني من الأصول في التوحيد وهو إثبات الرسالة، إثبات الرسالة لا شك أنَّه أحدُ شطري التوحيد: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمدًا رسول الله)، ولا يمكن أن يُعبَد الله سبحانه وتعالى إلا بما جاءت به الرسل؛ لأنَّ العبادة طريقٌ للمرء إلى ربِّه.
وهل يمكن أن نتوصَّل إلى الله بطريقٍ لم يجعله طريقًا؟ ويش الجواب؟
* طلبة: لا يمكن.
* الشيخ: لا، وهذا الطريق الذي جعله الله طريقًا إليه جاء بواسطة الرسل، إذَنْ فالعبادة لا بدَّ لها من رسالة، ولا يمكن أنْ يُعبَد الله بمجرَّد العقل؛ لأن العبادة طريقٌ يوصل إلى الله، وهذا الطريق لا يمكن إلا بوضعٍ من الله، والله سبحانه وتعالى جعله بواسطة من؟ بواسطة الرسل.
المكذِّبون للرسل أيضًا قدحوا في الرسل وبما جاءوا به؛ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ هنا صرَّح بالاسم الظاهر، بالأول قال: ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ [الفرقان ٣] ليعمَّ جميع المشركين من العرب وغيرهم، وهنا قال: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني من العرب الذين ردُّوا رسالة النبي عليه الصلاة والسلام.
(﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما القرآن)، المؤلف دقيقٌ في التفسير، فسَّر لنا الآن -رحمه الله- فسَّر لنا ﴿إِنْ﴾، وفسَّر لنا اسمَ الإشارة.
﴿إِنْ﴾ بمعنى (ما) فهي نافية، ﴿هَذَا﴾ يقول: (القرآن)، فالمشار إليه إذَن القرآن.
﴿إِنْ هَذَا﴾ أي: ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾، شوف -والعياذ بالله- أَتَوْا بالحصر؛ يعني ما يمكن يكون إلا إفكًا، لا يمكن أن يكون فيه صِدْق، فأَتَوا بالحصر عن طريق النفي والإثبات؛ (ما هذا إلا إفكٌ) يعني: ولا يمكن أن يكون صدقًا.
(كَذِبٌ ﴿افْتَرَاهُ﴾ ) يعني اختلقه؛ أي: النبي ﷺ.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يقول: (من أهل الكتاب)، ومنه أيضًا الرجُل الذي قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣].
يقولون: إنَّ هذا ليس من الله، بل هو من محمدٍ ﷺ افتراه مع مساعدة غيره.
يقول الله عز وجل مبطلًا لكلامهم: (﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ [الفرقان ٤] كُفْرًا وكَذِبًا).
﴿جَاءُوا ظُلْمًا﴾ المؤلف فسَّر الظُّلم بالكفر لأنَّ الكفر ظُلم؛ ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣]، ثم أيضًا هو ظلمٌ بالنسبة للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنه اعتداءٌ عليه ووصْفٌ له بالكذب، ولو أنَّ إنسانًا وَصَف أحدًا من الناس بالكذب لَقُلنا: إنَّه ظالِمٌ له ومُعْتدٍ عليه.
﴿وَزُورًا﴾ الزُّور في الأصل: كلُّ ما انحرف عن الصراط المستقيم، كلُّ انحرافٍ فهو زُور؛ ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ [الكهف ١٧]؛ تميل، فكلُّ مَيْلٍ فهو زُور، وفي الحديث: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ» » والمراد به كلُّ قولٍ منحرفٍ، «والْعَمَلَ بِهِ»[[الحديث بتمامه: «مَن لم يَدَعْ قولَ الزُّور والعملَ به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَعَ طعامَه وشرابَه» أخرجه البخاري (١٩٠٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
الزُّور إذَن الكذب، فهُم من أكذَبِ الناس، بل أكذَبُ الناس فيما قالوا؛ هل قولهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ فيه شيءٌ من الصدق؟ لا، بل هو كَذِبٌ وظلمٌ وعدوانٌ على الرسول ﷺ.
ثم نقول لهم: إذا كان محمدٌ ﷺ هو الذي افتراه وأعانه عليه قومٌ آخرون فأْتوا بسورةٍ من مِثله؛ ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور ٣٤]، ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].
ثم إنَّ محمدًا ﷺ عاش فيهم قبل الوحي كم؟ أربعين سنة، ما قال يومًا من الأيام: إنَّه يُوحى إليه، والذي يريد أن يكذبَ يكذبُ في عُنفوان شبابه ليكسب الأتباع من أول الأمر، فلمَّا لم يكن هذا إلا بعد مُضِيِّ أربعين سنةً، دلَّ ذلك على أنَّ دعواهم يُكَذِّبها الواقع أيضًا؛ فإنَّ هذا الوحي جاء والرسولُ عليه الصلاة والسلام في سِنِّ الأربعين، ولا يمكن أن يكون الكذب يتجدَّد له في هذا السن.
ثم إنَّنا نقول: مِمَّا يبيِّن أنَّه الغرور أنَّ هؤلاء الذين يقولون: إنه افتراه، هم بأنفسهم يشهدون للرسول ﷺ بالصدق، وكانوا يُسَمُّونه الأمين[[أخرج الحاكم (١٧٠١) من حديث عبد الله بن السائب رضي الله عنه: «وكانوا يُسَمُّونه في الجاهلية الأمينَ».]]، ولا يشكُّون في صِدْقه، ولا يشكُّون في عدالته ﷺ. فأين كانوا من قبل؟
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ [الفرقان ٥].
(﴿وَقَالُوا﴾ أيضًا هو ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ أكاذيبهم؛ جمع (أُسطورة) بالضمِّ ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها من ذلك القوم) أيش؟
* طالب: (لغيره).
* الشيخ: (بغيره).
* الطالب: باللام.
* الشيخ: (لغيره)؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي بالباء، (بغيره ﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ تُقرأ ﴿عَلَيْهِ﴾ ليحفظها ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غُدوةً وعشيًّا).
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾، ﴿أَسَاطِيرُ﴾ جمع أُسطورة، وهي الأحاديث الرائجة التي لا أصل لها، وعند العامَّة يسمُّونها (...)، هذه الأسطورة. قالوا: إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أتى بأساطير الأوَّلين؛ يعني: أقاصيصهم وأحاديثهم التي لا أصل لها.
هذا القول الذي قالوه هل هو عن عقيدة ولَّا حسب الواقع؟ يعني: هل هو عن عقيدةٍ كاذبةٍ؟ يعني: قالوه بألسنتهم، ولَّا قالوه بحسب الواقع؟ يعني هل هم ادَّعَوْا ذلك دعوى، أو هذا الذي يعتقدونه وهذا الذي تبيَّن لهم؟
يمكن هذا ويمكن هذا، والله سبحانه وتعالى يقول في سورة المطففين: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (١١) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٣) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ٧ - ١٤]، هذا يدلُّ على أنَّ قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ليس دعوى بل اعتقاد، وأنَّ هذا هو الذي يعتقدونه، فإنْ كانت دعوى وهم يعتقدون أنها وحيٌ وصِدْقٌ فهذه دعوى باطلةٌ مثل غيرها من الدعاوى، وإنْ كان هذا ما يعتقدونه وهو ما ظهر لهم من القرآن فليس بغريبٍ أيضًا؛ لأنَّ الإنسان -والعياذ بالله- إذا حُجِبَ قلبُه رأى الحقَّ باطلًا والباطلَ حقًّا، فيمكن أن هؤلاء لظلمهم وكفرهم وعدوانهم لم يتبيَّن لهم حقيقة القرآن وظنُّوها أساطير. وهذا في الحقيقة معنًى جيِّد -الأخير- أنهم يقولونه لا مجرَّد دعوى لتكذيب الرسول ﷺ، ولكن بحسب الواقع فيما يعتقدون؛ وذلك لأنهم ليس عندهم اتجاهٌ سليمٌ صحيحٌ لقبول الحقِّ، فأُرُوا الحقَّ باطلًا.
الآن لو قرأْنا القرآنَ على إنسانٍ مُعْرِضٍ هل يتذوَّق حلاوتَه؟ هل يُحِسُّ بأنَّه كلام الله؟ هل يُحِسُّ بأنَّه أصدَقُ الأخبار وبأنَّه أعدَلُ الأحكام؟ لا، أبدًا، تجده مُعْرِضًا عنه، وليس بشيءٍ عنده حقيقةً باعتبار الواقع. ليش؟ لأنه -والعياذ بالله- كما قال الله عز وجل: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام ١١٠].
فهو -قولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ - قد يكون ذلك عن عقيدةٍ وأنَّ هذا بحسب الواقع لأنَّ حالهم تقتضي ذلك، وكلَّما أعرضَ الإنسانُ عن القرآن يكون أشدَّ خفاءً عليه وأبعدَ عن معرفته، وكلَّما أقبلَ عليه ازدادَ به يقينًا ومعرفةً. أفهمتم الآن؟
ولِهذا أنا أدعوكم ونفسي إلى أنْ يتأمل الإنسان دائمًا في القرآن ويتدبَّر لئلَّا يكون أُمِّيًّا. الله تعالى سَمَّى اللي ما يعرفون المعنى سَمَّاهم أُمِّيِّين، اللي ما يعرف المعنى وإنْ كان يعرف اللفظَ سَمَّاه الله أُمِّيًّا؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨]، أيش معنى ﴿أَمَانِيَّ﴾؟
* الطلبة: قراءة.
* الشيخ: قراءة، فسَمَّى هؤلاء الذين لا يعلمون الكتاب إلا قراءةً سَمَّاهم أُمِّيِّين؛ لأنَّ مَن يقرأ ولا يفهم فهو كمَنْ لا يقرأ، لا فرق بينهما، إلَّا أنَّ هذا عنده فهمٌ للَّفظ وذاك ليس عنده (...)، واللفظ ماذا يستفيد به المرء وهو لا يعرف معناه؟! لأنَّ اللفظ هو بمنزلة الثوب للجسم؛ إذا كان عند الإنسان ثيابٌ هل تكون رجالًا؟ واحد عنده عشرون ثوبًا، قال: واللهِ أنا أبغي آخذه على هؤلاء الجماعة (...) عليهم. أيش عندك؟ قال: عندي عشرين ثوب. تنفعه هذه الثياب؟ ليست عشرون الثوب تكون عشرين رجلًا.
فالمهم أنَّنا نقول: إنَّ الواقع أنَّ الرجل إذا لم يُقبل على القرآن وهو يتأمَّله ويحرص على معرفة معناه فإنَّه لا يستفيد من القرآن شيئًا، وكما تعرفون حال الصحابة رضي الله عنهم؛ لا يتجاوزون عَشْر آياتٍ حتى يتعلَّموها وما فيها من العلم والعمل[[أخرج الطبري في تفسيره (١ / ٨٠) عن أبي عبد الرحمن قال: حدثنا الذين كانوا يُقرِئوننا أنهم كانوا يستقرئون من النبيِّ ﷺ، فكانوا إذا تعلَّموا عشر آياتٍ لم يخلِّفوها حتى يعملوا بما فيها من العمل، فتعلَّمنا القرآن والعمل جميعًا.]]، فتعلَّموا القرآنَ والعلمَ والعملَ جميعًا.
والذي يضرُّنا نحن أنَّنا نحرص على تلاوة القرآن لفظًا، وهذا طيب، لكن معنًى أيضًا. ومن الممكن أنَّ الإنسان يقرأ ما تيسَّر لفظًا، ثم إذا كان ما قد مَنَّ الله عليه بحفظه يتأمَّله وهو يمشي، يتأمَّله وهو على فراشه، وبتأمُّل القرآن يفتح الله على الإنسان معاني ما كان يعرفها ولا تخطر له على البال؛ ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٧]، وجرِّبْ تَجِدْ؛ لأنَّ القرآن تبيانٌ لكلِّ شيء، وهذا كلام الله عنه، والذي يحول بيننا وبين هذا التبيان لكلِّ شيءٍ هو عدمُ إقبالنا على هذا القرآن والتأمُّل فيه والتفكُّر فيه، وإلا لو أنَّنا تأمَّلْناه لَوجدناه تبيانًا لكلِّ شيء.
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ يعني: استنسخها من غيره. وأيضًا الرسولُ ﷺ يعرفون هم أنَّه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب، لكنَّه أَمَر غيره أن يكتبها له، ولهذا المؤلف يقول: (انتسخها من ذلك القوم بغيره) انتسخها بغيره، لأنهم ما قالوا: كتبها، قالوا: ﴿اكْتَتَبَهَا﴾؛ يعني أَمَر غيرَه أن يكتبها له؛ لأنهم هم يعرفون الرسول ﷺ أنه كان أُمِّيًّا لا يقرأ ولا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان ٥] ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ يعني: تُقرأ عليه، ليس تُملى عليه ليكتبها؛ لأنه لا يكتب، ولكنْ تُقرأ عليه ﴿بُكْرَةً﴾ في أول النهار ﴿وَأَصِيلًا﴾ في آخر النهار، ثم يأتي بها للناس ويقول: هذا كلام الله وهذا وَحْيٌ يُلقى إليه، وهو في ذلك -على زعمهم- ليس بصادق.
قال الله تعالى ردًّا لقولهم ..
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: يمكن أن يكون (...)، يجوز هذا وهذا، ويمكن بعضهم مِثْل كُبَرائهم لا شكَّ أنهم يعرفون الحقَّ، لكن عوامهم قد لا يعرفون، قد يخفى عليهم هذا الأمر ويقولون: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: (...)، يؤخذ من هذا أنَّ (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بيؤخذ، يؤخذ من هذا العموم ومن كلِّ وقت، دائمًا إذا أُرِيدَ العمومُ يُذكَر البُكرة والعشي؛ ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢] مع أنَّ رزقهم لا ينقطع في الجنة؛ ﴿لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٣]، لكنَّه يُذكَر هذان الوقتان للدوام.
أمَّا بالنسبة للواقع والتجربة فإنَّنا جرَّبْنا أنَّ الحفظ في أول النهار أسرع، والحفظ في آخر النهار -حسب ما جرَّبتُ أنا- إذا حفظت في آخر النهار ما هو سريع الحفظ، لكنَّك إذا قُمت من النوم وجدت أنك حافظ، فكلُّ واحدٍ منهما له مزيَّة بالنسبة للحفظ.
ردَّ الله عليهم بقوله: (﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا﴾ للمؤمنين ﴿رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦] بهم).
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أمْرٌ للنبيِّ عليه الصلاة والسلام بأنْ يقول لهم في ردِّ قولهم: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، ونحن ذكرنا فيما سبق أنَّ القرآن كلَّه قد أُمِرَ النبيُّ ﷺ بتبليغه، ولكنَّه إذا جاء حُكمٌ من الأحكام أو خبرٌ من الأخبار وأُمِرَ النبيُّ ﷺ أن يقوله، ويش يدلُّ عليه؟ على الاهتمام به والعناية به، كأنَّه وصيَّةٌ خاصَّةٌ بهذا الأمر.
وفي هذا المقام الذي معنا فيه أيضًا زيادةٌ على ذلك أنَّه دعمٌ للرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه إذا كان الله هو الذي يُلَقِّنه الحُجَّة، كان ذلك أبلغ في دَعْمه وتقويته، أليس كذلك؟ يعني كأنَّ الله يُلَقِّنه الحُجَّة ليُحاجَّ عنه لكن على لسانه.
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ أي: القرآن ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قد يبدو للإنسان أن هذا الجواب ليس بمقنع؛ لأن هذا الجواب هو نفس الشيء الذي كان الرسول يقوله؛ فإنَّ الرسول يقول: إنَّ هذا الوحي أنزله الله، من الأصل، فهل يمكن.. أنتم فاهمون الكلام الآن؟
يعني قد يبدو للإنسان مِن أوَّل وَهْلةٍ أنَّ هذا الجواب غير مقنع، كيف ذلك؟ لأنَّ الرسول ما زال يقول: إن الذي أنزله الله، فكيف يكون هذا الجواب مُفْحِمًا لهم ومُبْطِلًا لقولهم؟
* طالب: لأنَّ الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: وهي؟
* الطالب: ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦] (...).
* الشيخ: زين، هذا وجه. ووجه آخر: في نفس ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾؛ ولهذا الله قال: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [الفرقان ٦]، وفي أخبار هذا القرآن ما هو من الأسرار التي لا يطَّلع عليها محمدٌ ﷺ ولا غيره؛ ولهذا عدلَ الله سبحانه وتعالى عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾، يعني هو في القرآن من الأسرار ما هو معلوم، يُخبر بالخبر فيقع، هل الرسول عليه الصلاة والسلام يمكنه أن يعلم ذلك؟ لا يعلم ذلك، وإنما الذي يعلمه الله، وهو الذي أنزله، فنأخذ من قوله: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ نأخذ منه البرهان القاطع على أنَّ هذا القرآن ليس من كلام الرسول عليه الصلاة والسلام، وليس أساطير الأولين؛ لأنَّ فيه إخبارًا عن أمورٍ مستقبَلةٍ تقع كما أخبر، ولا أظنُّ أنَّ بشرًا يتمكَّن من ذلك، هذا وجهٌ بيِّنٌ جدًّا.
وجهٌ آخَر يمكن أن يؤخذ؛ وهو أنَّه إذا كان هذا القرآن من عند محمدٍ ﷺ وينسبه إلى الله، فإنَّ الله لا يمكن أن يُقِرَّه على هذا الأمر؛ لأنَّ الله تعالى يعلم السِّرَّ، وهذا الذي فعله محمدٌ ﷺ على فرض أنَّه ليس بصحيحٍ سرٌّ ولَّا جَهْر؟ جَهْرٌ. فإذا كان الله يعلم السِّرَّ فإنَّه يعلم الجهرَ من باب أَوْلى، وإذا كان يعلم الجهرَ ومحمدٌ ﷺ يقول: إنَّ هذا كلام الله، فإنَّ الله تعالى لا يمكن أن يُهمله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، ﴿بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ ما هي بكلِّها ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].
إذَنْ فهذه حُجَّة من وجهين:
منين الوجه الأول؟ أنَّ في القرآن أسرارًا وأخبارًا بالغيب لا يمكن أنْ يأتي بها بَشَر.
الأمر الثاني: أنَّه لو كان القرآن من عند محمدٍ ﷺ وهو (...) إلى الله ويجاهد به أيضًا، ويجاهد به وعليه، لَكان الله سبحانه وتعالى يُعاجله بأيِّ شيء؟ بالعقوبة؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾، وهذا هو السرُّ في العدول عن قوله: قلْ أنزله الله، إلى قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences