Ibn 'UthayminAl‑Furqan · 25:60–62

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Furqan 25:60–62

25:60Page 365

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسۡجُدُواْۤ لِلرَّحۡمَٰنِ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحۡمَٰنُ أَنَسۡجُدُ لِمَا تَأۡمُرُنَا وَزَادَهُمۡ نُفُورٗا۩ ٦٠

And when it is said to them, "Prostrate to the Most Merciful," they say, "And what is the Most Merciful? Should we prostrate to that which you order us?" And it increases them in aversion.

ثم قال الله تعالى بعد ذلك، بعد أن ذكر عظمته وربوبيته في خلق السماوات والأرض واستواءه على عرشه، قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ [الفرقان ٦٠]، قال المؤلف: (لكفار مكة ﴿اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان ٦٠]).

هذا السجود يحتمِل أن يراد به السجود الخاص الذي هو خرور الإنسان على أعضائه السبعة، ويَحتمل أن المراد به السجود العام الذي هو الخضوع المطلق؛ لأن السجود يطلَق بالمعنيين: السجود العام الذي هو الخضوع والذل مطلقًا، أو السجود الخاص على هذه الأعضاء المعروفة.

إذا قيل لهم ذلك قالوا: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾، فأنكروا المسجود له ثم استكبروا عن السجود: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وهذا الاستفهام استفهام إنكار واستبعاد: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، والأول: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ استفهام إنكار، يعني أنهم ينكرون الرحمن، والمراد بإنكارهم الرحمن إنكار هذا الاسم، لا إنكار الله، يعني أنكروا الاسم دون الذات، فهم يؤمنون بالله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولكنهم أنكروا الرحمن، أنكروا هذا الاسم لله سبحانه وتعالى وقالوا: لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة[[أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (١٥٣٠٥) عن عطاء: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٦٠] ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣]. ]]، ما نعرف أن هناك أحدًا اسمه رحمن إلا هذا الموصوف برحمن اليمامة، فأنكروا هذا الوصف العظيم لله عز وجل الذي هو من أعظم أوصافه وأعظم أسمائه، وهي الرحمة التي وسعت جميع المخلوقات، وهذا الإنكار لا وجه له؛ لأنه ما دام قد أثبت بطريق الرسالة فلا وجه له لكونهم لا يعرفونه؛ لأن الإنسان الذي لا يؤمن إلا بما يعرف هل هو مؤمن بالرسل ولَّا تابع لهواه؟

* طالب: متبع لهواه.

* الشيخ: تابع لهواه، الذي لا يؤمن إلا بما يعرف، ومنه ما يفعله بعض العامة الآن؛ إذا أحييت سنة من السنن التي أُميتت قالوا: ويش هذا؟ هذا دين جديد لا نقبله ولا نريده؟ نقول لهؤلاء: إنهم يشبهون هؤلاء الكفار من بعض الوجوه، حيث أنكروا ما لا يعرفونه وقالوا: ما نقبل، أين المشائخ من هذا الدين؟ وأين فلان؟ وأين فلان؟ وهذا ليس بحجة؛ لأن الحق يجب أن يُقبل، وأن يكون هوى الإنسان تابعًا للحق، لا أن الحق تابع لهواه: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون ٧١]. والواجب على المؤمن إذا رأى ما لا يعرفه، أو سمع ما لا يعرفه، الواجب عليه التثبت، صحيح أن الإنسان يستنكر ما لا يعرف، ولكن الواجب عليه نحو ذلك ألا ينكر، الواجب عليه التثبت وأن يعرف مصدر هذا الشيء، أما أن يقول: أتيتم بدين جديد ولا نقبله فليس كذلك، بل إن الذي يحيي سنة هو الذي أتى بالدين القديم، ومن خالف السنة فهو الدين الجديد المحدَث، أما السنة فهي الدين القديم الذي عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه.

والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا وفيها مشابهة بكفر من الكفر، لا تكاد تجد معصية من المعاصي إلا ولها شبيه - يعني من جنسها - من الكفر.

﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، هذا أيضًا إنكار واستكبار، يعني كيف نسجد لما تأمرنا، قال: (بالفوقانية والتحتانية والآمر محمد) ﷺ.

قوله: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، (ما) هذه بمعنى (من) أو (ما) مصدرية؟ يعني: هل المعنى لمن تأمرنا بالسجود به، فتكون موصولة بمعنى (من)، أو أنها مصدرية، أي: لأمرك؟

* طالب: كلها.

* الشيخ: ما يمكن تصير كلها.

* طالب: كلاهما أظن.

* الشيخ: كلاهما ممكن، الشارح يقول: (ولا نعرفه) يشير إلى أن (ما) اسم موصول، يعني: للذي تأمرنا بالسجود له ونحن لا نعرفه، فعلى مقتضى تفسيره أن تكون (ما) بمعنى (من)، وحينئذ التعبير بـ(ما) بدل (من) في غير الجماد أو في غير من لا يعقل كما يقولون خلاف الأصل؛ لأن الأصل أن يعبر عن ذي العلم بـ(من)، لا بـ(ما)، ولا يعبر بـ(ما) إلا لملاحظة شيء، مثل قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، لم يقل: من طاب، فما هو هذا الشيء؟

نقول: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ هو لا يريد امرأة بعينها حتى يعبر عنها بـ(من)، إنما يريد الجنس الذي يتزوج لطيبه، فيكون في ذلك مراعيًا للصفة، لا للموصوف، ولهذا أتى بـ(ما): ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: هذا (...) للعموم من باب التغليظ.

كذلك أيضًا هنا: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠]، إذا جعلنا (ما) بمعنى (من)، نقول: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ عدلوا عن الموصوف إلى الإشارة إلى الصفة؛ لأنهم ينكرون هذا الوصف الذي هو الرحمن، فكأنهم قالوا: أنسجد لأمر مجهول غير معلوم، وهو ما تأمرنا بالسجود له.

أما على أن تكون (ما) مصدرية فالأمر واضح جدًّا، يعني كأنهم يقولون: أنسجد لأمرك وأنت لست بشيء عندنا؛ لأنهم قالوا: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ [الفرقان ٤١، ٤٢]، فيكونون هنا جمعوا بين الإنكار والاستكبار، الإنكار لصفة من صفات الله واسم من أسمائه، ثم الإنكار لما أمروا بالسجود له، ثم الاستكبار عن أمر النبي ﷺ: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ [الفرقان ٦٠].

(﴿وَزَادَهُمْ﴾ هذا القول لهم ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠] عن الإيمان)، والعياذ بالله!

يعني ما زادهم إقبالًا ولا امتثالًا، بل زادهم نفورًا، وفي هذا دليل على أن واجب الداعية أن يدعو إلى الله، سواء امتثل المدعو أم نفر، وقد كان بعض الناس يسأل يقول: إذا كان هذا المدعو إذا دعوته يزداد نفورًا وكراهية للشرع ولما يؤمر به، هل يجوز أن أدعوه، أو يحرم أن أدعوه لأني أكون سببًا لنفوره واستكباره، ونفوره واستكباره أعظم من معصيته المجردة، فما رأيكم في هذا السؤال؟ أو ما فهمتم السؤال؟

* طالب: بلى.

* الشيخ: يقول: أنا إذا دعوت أخي أو عمي أو أبي ازداد نفورًا واستكبارًا، فأكون سببًا لاستكباره ونفوره وكراهيته للحق، وذلك أعظم من مجرد المعصية أو ترك الواجب، فهل أتركه أو أدعوه وحينئذ أرى نفسي في حرج أني تسببت له فوقع في هذا الأمر العظيم؟ فنقول؟

* طالب: يدعوه.

* طالب: عمل (...) مأمور به، ما دام (...) فكيف يـ...؟ النتيجة ما يزعل عليها.

* الشيخ: يعني معناه أنه يأمره (...)؟

* الطالب: يأمره، والهداية بيد الله.

* طالب: (...) قد لا يتجاوب لهذا ويتجاوب لهذا.

* الشيخ: إي نعم، حتى لو تجاوب، حتى لو كان نفورًا من الشخص نفسه فإنه لا يترك الدعوة.

* طالب: أرى أنه إذا كان مثلًا (...) أعظم من صلاحه أو دعوته.

* الشيخ: إي، لكن الآن اللي معنا، الرسول عليه الصلاة والسلام يقول الله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠]، هل الرسول عليه الصلاة والسلام لما رأى هؤلاء يزدادون نفورًا ترك الدعوة؟

* طالب: مطلقًا لا، لكن تركها لهؤلاء.

* الشيخ: لا، ما تركها لهؤلاء أبدًا.

* طالب: طيب، إذا كان يعني للعاصي فتجوز دعوته، إذا كان الكفر سواء يبلغ به درجة الكلام الكفر وقول الكفر فيترك.

* الشيخ: لا، الذي نرى أنه يجب أن تدعو.

* طالب: على العموم؟

* الشيخ: على العموم، و﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]؛ لأنك إذا سكت عنه استمرأ المعصية ولم يرها معصية ولم يستقم، ثم هو أيضًا ربما يستكبر ولكنه بعد ذلك يرجع ويحاسب نفسه، والكلمة التي تقال لله لا بد أن تؤثر، كل كلمة تقال لله لا بد أن تؤثر تأثيرًا بالغًا، وما نحن ببعيد عن تكرار قضية موسى عليه الصلاة والسلام حينما تكلم للناس جميعًا وللسحرة بالأخص، فقال لهم: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١]، هذا كلام عظيم، يعني: كلام رادع، توعد ووعيد، ومع ذلك أثر ولَّا لا؟

* طالب: أثر.

* الشيخ: أثر.

* الطالب: ﴿فَتَنَازَعُوا﴾.

* الشيخ: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [طه ٦٢]، والفاء تدل على التفريع والتعقيب، يعني هذا التنازع أثارته هذه الكلمة، بمنزلة ما يسمونه بالقنبلة التي فرقتهم، فأنت لا تظن أن كلمتك التي تقولها لله لا تظن أنها تضيع سدى، لا بد لها من تأثير، وهذا التأثير وإن كان قد لا يكون في الوقت الحاضر ولكنه لا بد أن يؤثر.

قالوا: (﴿وَزَادَهُمْ﴾ هذا القول لهم ﴿نُفُورًا﴾ [الفرقان ٦٠] عن الإيمان).

* طالب: شيخ.

* الشيخ: نعم (...) إلى حد أنهم يضعون السلى على رأسه وهو ساجد[[أخرج البخاري - واللفظ له - (٣٨٥٤) ومسلم (١٧٩٤ /١٠٧) عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: بينا النبي ﷺ ساجد، وحوله ناس من قريش، جاء عقبة بن أبي معيط بسلى جزور، فقذفه على ظهر النبي ﷺ، فلم يرفع رأسه، فجاءت فاطمة عليها السلام فأخذته من ظهره، ودعت على من صنع. الحديث.]]، وإلى حد أنهم يلقون العذرات والأقذار عند عتبته، نعم، هذا ليس بصحيح. وأنت إذا كنت مؤمنًا بقول الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود ٤٩]، هذا ما يضرك، العاقبة للمتقين، وأنا قلت لكم قبل هذا، قلت: إن المراد بنجاح الدعوة نجاح الجنس، لا الشخص، قد لا تنجح أنت بشخصك وتموت وأنت ما نلت المقصود، لكن الكلام على الدعوة أنها نجحت وأثرت، وهذا لا بد أن يكون، ونحن قلنا هذا من قبل، واضح ذلك؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: إي نعم. ثم إنكم اقرءوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا﴾ [الإنسان ٢٣]، ويش بعده؟ ما قال: فاشكر نعمة ربك على هذا الإنزال، قال: ﴿فَاصْبِرْ﴾ [الإنسان ٢٤]، معنى ذلك أن الذي يتحمل هذا القرآن سواء نزل عليه أو حفظه لا بد أن يناله ما يناله، سواء بالنسبة لنفسه التي تأمره بالسوء وبمخالفة هذا الوحي، أو بالنسبة لغيره، أما هذه الأشياء هذه جبن في الحقيقة ومن الشيطان: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥].

وإحنا نقول هذا ونقرره وإن كنا مقصرين، لكن لا بد من بيان الحق، والتقصير على أنفسنا في الحقيقة، لكننا نحن نرى أن الداعية إلى الله، بل والعالم الذي أعطاه الله علمًا، لا بد أن ينشره، وأن يدعو إليه، وإلا صار حجة عليه.

* طالب: وهم ما يكرهونه إلا بالظاهر يا شيخ؟

* الشيخ: إي نعم، وربما إنه لا يكرهونه إلا بالظاهر، أن ما في أنفسهم من الحسد أو ما في أنفسهم من كراهة مخالفة هواهم يؤدي إلى أنهم ينابذونه ظاهرًا، وإن كانت قلوبهم تحبهم، ربما يكون هذا أيضًا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: على كل حال هي المسألة إن أصابك ما أصابك من الأذى مع الاستقامة فإن هذا لرفعة درجاتك، وإن أصابك ما أصابك من الأذى مع عدم الاستقامة، يعني إما خطأ في سبيل الدعوة، ما استعملت ما أرشد الله إليه من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فإن هذا الأذى يكون تكفيرًا لسيئاتك التي وقعت منك، فأنت على كل حال لا بد أن تُنال بأذى، لكنه إما رفعة درجات أو تكفير سيئات.

* طالب: (...)، الذين لا يؤيدون أن يكون الإنسان داعية دائمًا يقولون مثلًا: كيف ندعو الناس ونحن عاجزون عن إصلاح أنفسنا؟

* الشيخ: إذا لم تدع الناس فأنت أفسدت نفسك باختيارك؛ لأن من إصلاح نفسك الدعوة إلى الله، فإذا لم تدع إلى الله فأفسدت نفسك باختيارك (...) اتق الله ما استطعت، أما أن تترك واجبًا لأنك تترك واجبًا آخر ما هو بصحيح، وهو لا شك أنه من سوء الأدب ومن عدم الحكمة أن الإنسان يدعو إلى أمر وهو متلبس بضد ما يأمر به:

لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِي مِثْلَهُ ∗∗∗ عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ

لكن ليس معنى ذلك أنك تترك الواجب، حاول أن تصلح غيرك وأن تصلح أمر غيرك.

﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١].

25:61Page 365

تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَٰجٗا وَقَمَرٗا مُّنِيرٗا ٦١

Blessed is He who has placed in the sky great stars and placed therein a [burning] lamp and luminous moon.

(﴿تَبَارَكَ﴾ [الفرقان ٦١] تعاظم)، ومر علينا أنه لا ينبغي الاقتصار فيها على (تعاظم)، فإنها تدل على كثرة خيراتها وسعتها؛ لأن هذه البروج التي ستأتي فيها من الخير للناس والمصلحة والمنفعة ما يناسب هذا الوصف: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾.

وكلمة (تبارك) مبالغة من البركة؛ لزيادة التاء، وهي تقال لله عز وجل، والعامة عندنا يقولونها لغير الله، يقولون: تبارك علينا، وما أشبه ذلك، فبعض الناس يقول: إن هذا الوصف خاص بالله، ولا يجوز أن تقول للإنسان: تباركت، ولكن الذي نرى أنه لا بأس به؛ لأن الناس يريدون بـ(تباركت) أن الله وضع فيك بركة، لا أنها بركة ذاتية، ولا بأس بها، والعبرة بالمعاني، واللفظ إذا لم يكن فيه محظور شرعي فلا بأس به.

وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، (جعل) بمعنى صير ولَّا بمعنى وضع؟

بمعنى وضع، وعلى هذا فتعدى لمفعول واحد، وهو قوله: ﴿بُرُوجًا﴾ جمع برج، والبرج في الأصل: البناء العالي المرتفع، وهذه البروج الشاملة للنجوم هي بالحقيقة مثل الأبنية الشامخة العالية، لعلوها.

وهي يقول: (اثني عشر) هذه بدل من ﴿بُرُوجًا﴾.

(اثني عشر: الحمل، والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت)، اثنا عشر برجًا.

بدأ المؤلف بـالحمل لأنه وقت اعتدال الزمان الربيعي؛ لأنه إذا حلت الشمس أول يوم من برج الحمل تساوى الليل والنهار ربيعًا عند ابتداء برج الحمل، يعني يكون الليل اثنتي عشرة ساعة والنهار اثنتي عشرة ساعة.

ثلاثة بروج: (الحمل والثور والجوزاء)، إذا تمت الجوزاء وبدأ السرطان انتهى الليل في القصر، والنهار في الطور، يعني أن الشمس تنتهي إلى البروج الشمالية بعد الثلاثة: (الحمل والثور والجوزاء)، ثم بعد ذلك تنصرف الشمس إلى الجنوب.

(السرطان والأسد والسنبلة)، هذه ثلاثة، إذا مضت الثلاثة تساوى الليل والنهار خريفًا بعد انتهاء طول النهار. فهمتم الآن؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: طيب، (الميزان والعقرب والقوس)، الثلاثة هذه إذا انتهت ينتهي طول الليل وقصر النهار.

ثم تعود الشمس في (الجدي والدلو والحوت)، إذا انتهى الحوت تساوى الليل والنهار ربيعًا.

وقد اختلف الناس هل يبدأ بالحمل؛ لأنه أحسن أيام السنة، حيث إن فيه الاعتدال الربيعي، أو يبدأ بالميزان؛ لأنه هو الوقت الذي ينتهي به النهار قصرًا والليل طولًا؟

* طالب: يعتدل يا شيخ.

* الشيخ: اعتدال الزمان الخريف.

المعروف والمشهور والأكثر الذي مشى عليه المؤلف، أنه يُبتدأ بما فيه الاعتدال الربيعي، لكن بعض الناس يبتدئ بالطرف الثاني ويزعم أن هذه هي طريقة العرب، والله أعلم، إنما اللي أنا أشوف أن التقاويم أكثرها تبدأ بهذا، ويقول: إن العرب يبتدئون من الاعتدال الخريفي، وإن العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي. وكون العجم يبتدئون من الاعتدال الربيعي هذا واضح؛ لأن العجم الآن إيران و(...) تؤرخ ابتداء السنة بالحمل، يعني عندهم السنون شمسية ويبدؤونها ببرج الحمل.

يقول المؤلف: (وهي منازل الكواكب السبعة السيارة؛ المريخ وله الحمل والعقرب، والزهرة ولها الثور والميزان، وعطارد وله الجوزاء والسنبلة، والقمر وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس والحوت، وزحل وله الجدي والدلو).

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، هي على كل حال هذا التقسيم الأخير ما أعرف أنا وجهه، ولا أدري عنه، لكن هذه البروج الشمس تقطعها في السنة كما سمعنا قريبًا، والقمر يقطعها في الشهر، كل شهر يقطع القمر، هذه البروج، وله منازل ثمان وعشرون منزلة، تشتمل على هذه البروج الاثني عشر، أما الشمس فإنما تقطعها بالسنة.

هذه البروج يدل على عظمتها أن الله قال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ﴾، وقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [الفرقان ٦١] المراد به العلو، وليس المراد به السقف المحفوظ، بل هو العلو؛ لأن هذه البروج دونها.

(﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أيضًا ﴿سِرَاجًا﴾ هو الشمس ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ [الفرقان ٦١]، وفي قراءة: برجا بالجمع، أي: نَيِّرات، وخَصَّ القمر منها بالذِّكر).

* طالب: ﴿سُرُجًا﴾ .

* الشيخ: ﴿سُرُجًا﴾ نعم، ﴿سُرُجًا﴾ صح، (﴿سُرُجًا﴾ بالجمع أي: نَيِّرات).

* طالب: عندي ﴿سِرَاجًا﴾.

* الشيخ: لا ﴿سِرَاجًا﴾ هي اللي بالقرآن.

* الطالب: (...).

* الشيخ: واللي بالأصل؟

* الطالب: كذلك.

* الشيخ: لا، (﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ ) بالأصل؟

* الطالب: (﴿وَجَعَلَ فِيهَا﴾ أيضًا ﴿سِرَاجًا﴾ ).

* الشيخ: إي، الثانية: (﴿سُرُجًا﴾ بالجمع)، بالجمع: سُرُج.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي نعم.

على هذه القراءة (خصَّ القمر منها بالذِّكر لنوع فضيلة).

﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ يعني سُرُجًا، ﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ يقول: عطف على سرج، وهو منها (لنوع فضيلة)، ولكن على قراءة الإفراد المراد بالسراج الشمس، وسُميت سراجًا والقمر منيرًا لأن الشمس نورها ذاتي وحار، والقمر نوره مكتسب من الشمس، فليس بنفسه سِراجًا، وإنما هو منير أو نور، لكن نوره مكتسب.

وعلى قراءة: ﴿سُرُجًا﴾ ، يقول المؤلف: (يعني نَيِّرَات) ومنها القمر نير، لكن خصه لنوع فضيلة.

إذا قلنا: إن منه القمر، يعني ومنه الشمس ولَّا لا؟ هي أم السرج، الشمس في الحقيقة.

* طالب: عندنا (لنوع فضيلته)؟

* الشيخ: اللي عندي (فضيلة) بالتاء، يصلح، اللي عندنا أحسن.

* طالب: (فضيلته)؟

* الشيخ: لا، أنا عندي: (فضيلة) فقط.

أقول: إن كلام المؤلف رحمه الله فيه نظر، ولكن عطف القمر المنير على السرج من باب عطف المتغايرين، لا من باب عطف الخاص على العام، فالقمر ليس من السرج، ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ [نوح ١٦]، الشمس بلا شك أنها سراج، ولكن القمر نور، فعليه لا يكون منها، ولا يحتاج إلى الجواب الذي ذكر المؤلف: (خص القمر لنوع فضيلة)، بل نقول: إن هذا ليس من باب التخصيص، ولكن من باب عطف أيش؟ المتغايرين.

لكن على قراءة الجمع: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سُرُجًا﴾ يدل على أن غير الشمس من الكواكب فيه حرارة وفيه إضاءة أيضًا، لكنها لا تصل إلى الأرض، لماذا؟

* طالب: لبعدها.

* الشيخ: للبعد، لا تصل إلى الأرض للبعد، ولكن هذه الآية تدل على أن فيها الحرارة والإضاءة.

وإنما ذكر السرج والقمر المنير مع البروج؛ لأن البروج منازل، وهذه الأشياء نازلة، فذكر المنازل والنازل جميعًا، وكلاهما مما يدل على آيات الله سبحانه وتعالى العظيمة التي لا يمكن أن يقابلها أي أحد.

25:62Page 365

وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢

And it is He who has made the night and the day in succession for whoever desires to remember or desires gratitude.

(...) ثم قال: (﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف كل منهما الآخر ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ [الفرقان ٦٢] بالتشديد والتخفيف) ﴿يَذَّكَّرَ﴾ و﴿يَذْكُرَ﴾ (كما تقدم ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان ٦٢] أي: شكرًا لنعمة ربه عليه فيهما).

﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾، الضمير في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي﴾ يعود على ﴿الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان ٦١]، يعني: ومن آياته ونعمه أنه جعل الليل والنهار خلفة، يعني يخلف بعضهما الآخر. هذه الخلفة فيها فائدة عظيمة جدًّا، بل فائدتان عظيمتان: أولًا: التذكر والاتعاظ، والشيء الثاني: شكر النعمة.

فالتذكر المؤلف يقول: (ما فاته في أحدهما من خير فيفعله في الآخر)، وهذا نوع من التذكر في الواقع، لكن من التذكر أن تتذكر بذلك قدرة الله عز وجل، حيث أتى بالليل بدل النهار، وبالنهار بدل الليل، ولو اجتمع الخلق على أن يغيروا هذا النظام فيأتوا بالليل بدل النهار أو بالعكس، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

ثانيًا مما تتذكره في هذا الليل والنهار: تتذكر الموت والحياة، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾ [الأنعام ٦٠]، وفي الحقيقة أن الإنسان إذا قام من الليل يشعر كأنه خلق من جديد، يعني لو يتصور الإنسان أن الوقت كله نهار أو كله ليل ما حصل هذا النشاط الذي يتجدد له كل يوم، ويشعر بأنه دخل في حياة جديدة؛ ولهذا سماه الله تعالى بعثًا: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ [الأنعام ٦٠]، فتذكر أنت البعث بعد الموت.

كذلك أيضًا مما يتذكر ويتعظ به أنه يتذكر ما هو مطلق البعث وأن الله قادر، يتذكر أنه لا بد من يقظة بعد الرقدة؛ وذلك في يوم القيامة: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس ٥٢]، فلا بد من هذا؛ لأن هذه سنة الله، لكن يوم القيامة يوم واحد لا ليل فيه، بل هو دائمًا على ما هو عليه.

كذلك أيضًا ما قاله المؤلف من التذكر العملي: أن الإنسان إذا نسي عبادة في ليل قضاها في النهار، أو في نهار قضاها في ليل، أو إذا لم يتب في النهار تاب في الليل: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩/٣١)، وأحمد، واللفظ له (١٩٦١٩)، من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، والنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا غلبه نوم أو وجع قضى ما يصليه في الليل قضاه في النهار[[أخرج أحمد (٢٦٠٥٨) أن أبا الدرداء كان يخطب الناس أن لا وتر لمن أدرك الصبح، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة فأخبروها، فقالت: كان رسول الله ﷺ يصبح فيوتر.]]، فهذا أيضًا من التذكر العملي.

وأما ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ فـ(أو) هنا هل هي للتقسيم والتنويع، يعني بمعنى أن يجعل هذا قسيمًا للأول فتكون مانعة اجتماع، أو هي مانعة خلو؟

* طالب: مانعة خلو (...).

* الشيخ: هل هي مانعة خلو ولّا مانعة اجتماع.

* الطالب: كلها مانعة خلو.

* طالب: (...).

* الشيخ: مانعة خلو نعم، مانعة الاجتماع معناه أنه إذا وُجد الأول امتنع الثاني، إذا وجد إحداهما يعني، لكن مانعة الخلو أن معناه أنه إما أن يوجد هذا أو هذا أو هما.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، فهل يمكن أن يجتمعا؟

* طالب: لا، ما يجتمعان.

* الشيخ: إذن، هي مانعة خلو.

﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾، يعني أن من أراد أن يشكر نعمة ربه عليه في هذا النهار والليل فإنه له المجاز، ولا شك أن من تذكر نعمة الله سبحانه وتعالى في هذا الليل والنهار فلا بد أن يشكر الله، يعني الليل سكون وغدو، وكل راقد وكل ساكن فيطيب النوم ويلذ وتحصل الراحة الكاملة، هذه نعمة عظيمة، وفي النهار الأمر بالعكس: كل الإنسان نشاط وقوة ورغبة في الكسب والعمل، فيزداد بذلك شكرًا لله سبحانه وتعالى على هذه النعمة. وليس هذا المجال أو هذا المكان بمحيط لما يتصوره الإنسان من نعمة الله تعالى عليه بهذا الليل والنهار، الإنسان أحيانًا يفتح عليه عند التأمل والتفكر ما يتبين به نعمة الله سبحانه وتعالى أكثر مما نقول ومما نستطيع أن نقول، ولو أن الإنسان سهر ليلة من الليالي لتبين له نعمة الله سبحانه وتعالى على الناس بهذا الليل وهذا النهار.

﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском