Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:71–73
25:71Page 366
وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١
And he who repents and does righteousness does indeed turn to Allāh with [accepted] repentance.
(﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من ذنوبه غير مَنْ ذُكِر)، ولهذا قال فيمن سبق: (﴿وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ منهم)، من هؤلاء.
وإنما قال: (غير مَنْ ذُكِرَ) لئلا يلزم التكرار، ولكن لا مانع أن نقول: لا حاجة للاستثناء، وتكون الآية الثانية عامة، فيكون من باب ذِكْر العام على الخاص؛ لأن إخراج مَنْ سَبَق من عموم الآية هذه لا وجه له، فالأولى أن يقال: إن الآية الثانية عامة تشمل مَنْ سبق وغيرهم.
(﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ أي: يرجع إليه رجوعًا فيجازيه خيرًا).
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ ﴿تَابَ﴾ رجع من ذنبه، ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: استزاد من العمل الصالح، فيكون هذا الرجل استعتب مما فعل وازداد خيرًا.
يقول: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ تامًّا، فالمصدر هنا لتعظيم هذه التوبة؛ أي: ﴿مَتَابًا﴾ عظيمًا لكمال هذه التوبة. وإلا لو قال قائل: إن هذا تحصيل حاصل، مَنْ تاب فإنه يكون تائبًا! لا، المقصود أنَّ توبته هذه توبة كاملة عظيمة، الإتيان بالمصدر: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ للدلالة على أن هذه التوبة وقعت موقعَها وأنها كاملة، وهذا حق فإن الرجل إذا تاب وازداد عملًا صالحًا تبيَّن بذلك صحة توبته وكمالها.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله: هل يُشترَط للتوبة إصلاح العمل أو لا يُشترَط؟
فمنهم من قال: إنه يشترط لها إصلاح العمل، وعلى هذا فيكون هذا شرطًا سادسًا زائدًا على الشروط الخمسة، وأن مَنْ تاب ولم يُصْلِح عملَه فإنه ليس بتائب.
وقال بعض العلماء: بل تصحُّ التوبة مع عدم إصلاح العمل.
وقال بعضهم: إن كان العمل من جنس ما تاب منه فلا بد من إصلاحه، وإلا فلا تصح التوبة.
مثال ذلك: رجل تاب من الزنا ولكنه يسرق، فعلى القول الأول لا تصح توبته من الزنا؛ لعدم إصلاح العمل، وعلى القول الثاني تصح؛ لأن السرقة ليست من جنس الزنا، وعلى القول الثالث من باب أولى أنه لا يشترط إصلاح العمل مطلقًا، وأن من تاب من ذنب قُبِلَت توبته.
ورجل آخر تاب من الزنا ولكنه استمر في النظر المحرم، استمر ينظر إلى النساء نظرًا محرمًا، فهذا على القول بأنه لا يشترط إصلاح العمل تصحُّ توبته من الزنا، وعلى القول بأنه لا بد من إصلاح العمل لا تصح توبته من الزنا، وعلى القول بأنه بالوسط اللي يقول: إذا كان من جنس ما تاب منه ولم تقبل أيضًا لا تصح؛ لأن هذا زنا العين كما قال النبي ﷺ[[أخرج أحمد (٨٣٥٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، قال: «العين تزني، والقلب يزني، فزنا العين النظر، وزنا القلب التمني، والفرج يصدق ما هنالك أو يكذبه».]].
ولكن الصحيح أن يقال: أما إن أريد بالتوبة وصف هذا الرجل بأنه من التائبين الذين يلحقهم الثناء، ويصدُق عليهم أنهم تائبون، فهذا لا يمكن أن تصح منه التوبة أو أن يستحق وصف التوبة إلا بإصلاح العمل؛ لأنه لم يتب التوبة المطلقة، وإنما عنده مطلق توبة.
وأما إن أريد بالتوبة التوبة من العمل المعين، فالصواب الجزم بأن توبته تقبَل؛ لأن هذا مقتضى عدل الله عز وجل: مَنْ عمل خيرًا فله، ومن عمل شرًّا فعليه، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨]، فكيف نقول: إن هذا الرجل لا تصح توبته من عمل تاب منه ورجع وندم؛ لأنه مُصِرٌّ على غيره؟! ما يصلح.
فالصواب في هذا أن يقال: أما استحقاق وصف التائبين على وجه الإطلاق، فهذا لا يستحقه التائب إلى بإصلاح العمل؛ لأنه كيف يكون تائبًا إلى الله مَنْ هو مُصر على معصيته ولو من غير جنس ما تاب منه أو من جنسها؟!
وأما إذا كان المقصود التوبة من هذا العمل المعيَّن؛ يعني: مطلق توبة لا توبة مطلقة، فإنها تصح جزمًا؛ لأن هذا مقتضى عدل الله سبحانه وتعالى.
* طالب: شيخ، في الحديث أن رجلًا أذنب ثم تاب ثم أذنب ثم تاب، ثم أذنب ثم تاب، ثم قال الله سبحانه وتعالى: علم عبدي أن (...)[[أخرج البخاري (٧٥٠٧)، ومسلم –واللفظ له- (٢٧٥٨ / ٢٩) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ، فيما يحكي عن ربه عز وجل، قال: «أذنب عبدي ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا، فعلم أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي ربِّ اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا، فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك».]]، هذا دليل على أنه يعني إذا تاب ثم رجع إلى العمل لم تُقْبَل توبته؟
* الشيخ: إي نعم، هذا العمل ما هي بمسألتنا هنا.
* الطالب: ربما يكون عملًا آخر؟
* الشيخ: لا، هذه غير مسألتنا، نقول: الرجل هذا تاب من الذنب ولا رجع إليه، لكنه عاص لله من جهة أخرى، هذا هو بحثهم.
* طالب: إذا قلنا بأن (...)، فهناك أحكام كثيرة تترتب على التوبة؛ مثل قلب السيئات إلى حسنات.
* الشيخ: نقول: نعم، بالنسبة لهذا العمل المعين إذا تاب منه صار حسنة.
* طالب: تُقْلَب (...)؟
* الشيخ: الكلام اللي قلنا قبل: هل هو قلب جزائي ولّا قلب قدري؟
* الطالب: إي، بس لا هذا العام؟
* الشيخ: لا أبدًا، لكن إما الشرك والزنا وقتل النفس.
* الطالب: إي، لكن تاب توبة نصوحًا كاملة.
* الشيخ: لا، تاب من هذه الأشياء، المهم أنه حتى مَنْ تاب توبة خاصة مِنْ ذنب خاص بُدِّلَت سيئاته حسنات، السيئة اللي تاب منه تكون حسنة، أولًا لأنه تركها لله، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن مَنْ هَمَّ بسيئة فتركها كُتِبَت له حسنة[[أخرج البخاري (٦٤٩١) عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ، فيما يروي عن ربه عز وجل قال: قال: «إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بيَّن ذلك، فمن همَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومَنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هَمَّ بها فعملها كتبها الله له سيئة واحدة».]]؛ لأنه تركها لله، فهذا مثله. ثم إن مجرد أن يتوب إلى الله ويعرف أن له ربًّا يؤاخذه ويعاقبه ويشعر بالخجل مِنَ الله عز وجل والحياء منه؛ هذه من الحسنات العظيمة.
* الطالب: ما دام عليه وصف العاصي (...).
* الشيخ: إي، عاص بالنسبة لكذا، تائب بالنسبة لكذا.
* الطالب: طيب، ما الفرق بين الزنا (...)؟
* الشيخ: كيف الفرق؟
* الطالب: يعني مثلًا (...) كلهم مثلًا؟
* الشيخ: الفرق بينهم أن هذا يُجْلَد، وهذا تُقْطَع يده، وهذا يكون فاسقًا من وجه وذاك فاسق من وجه آخر؛ هذا باعتبار الأعراض، وهذا باعتبار الأموال، (...) من الفروق، ليس كل الذنوب على حد سواء لا في النوع ولا في القَدْر ولا في الإثم؛ ولهذا قلنا: إن الوصف المطلَق للتوبة لا يصح، لأنه حقيقة ما هو بتائب؛ إذ إنه عاص لله سبحانه وتعالى من وجه، لكن كوننا نقول: ما يُقْبَل توبتك من الزنا؛ لأنك تسرق، هذا ليس بصحيح.
* الطالب: طيب، ما يمكن بدل ما نفرق بينهم من ناحية الجنس، نفرق بينهم من ناحية الدرجة؟
* الشيخ: كيف من ناحية الدرجة؟
* الطالب: يعني مثلًا فيه هناك كبائر يعني شديدة، وهناك (...)؟
* الشيخ: هو يستحق ما حصل، اللي هو تاب منه يُغْفَر له، واللي أصرَّ عليه يبقى عليه، صغيرة كانت أم كبيرة؛ لأن هذا مقتضى عدل الله، أليس هذا عمل خيرًا بتوبته؟
* طالب: هو ربما وصفه يعني واضح، لكن أن تُقْلَب إلى حسنة يعني (...).
* الشيخ: طيب، نحن قلنا: إن قلب السيئة حسنة بالتوبة؛ لأن مجرد رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى وتركه لها وتوبته منها حسنة، هذا إذا قلنا: إن المراد بالحسنة الحسنة الجزائية؛ أنه يجازى على نفس السيئة حسنة، إذا قلنا: إنه قدري بمعنى أن إقلاع هذا الرجل عن هذا الذنب واستقامته، هذا (...)، حتى الجزائي ما فيه إشكال أبدًا.
* طالب: القدري واضح.
* الشيخ: والجزائي أيضًا؛ لأن كرم الله سبحانه وتعالى أسرع وأسبق من عقوبته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: قدريٌّ من القدر.
* الطالب: وأيضًا الجزائي مِنَ القدر.
* الشيخ: إي، لكنه ثواب، لكن هذا قدري بمعنى أنه يُقَدَّر له حسنات جديدة غير الأولى، والجزائي بمعنى أنه يجزى على نفس السيئات حسنات.
* طالب: الواو يا شيخ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا﴾ (...) ويش نعربها؟ عاطفة؟
* الشيخ: إي نعم، عاطفة.
* الطالب: إذا كانت عاطفة نرجع إلى الشرط السادس الذي يقول لا بد من صلاح العمل.
* الشيخ: إي، لكن عاد عمل صالحًا نحن قلنا: ما يستحق وصف التوبة المطلق إلا بهذا، بالعمل الصالح.
* الطالب: هناك يا شيخ آيات من القرآن تصف الإنسان بالتوبة ولو ما عمل عملًا صالحًا (...)؟
* الشيخ: إي، مثل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤].
* طالب: ذكرنا أن العاصي يعرف من نفسه أنه ضعيف الإيمان وسيُسَلَّط عدوه عليه، وأنه سوف يعود إلى هذه المعصية (...) كل ما يعمل معصية يتوب وإلا (...)؟
* الشيخ: لا، يتوب، ويش يدريه؟
* الطالب: سيعرف أنه سيذنب.
* الشيخ: لا، بس نقول: توبته هذه ما تصح، لكن مجرد شعوره بأنه مخطئ قد ينفعه هذا، أما أننا نقول: لا تستمر، ما يجوز هذا.
* الطالب: هو من أصله معترف أنه مخطئ.
* الشيخ: طيب، معترف أنه مخطئ لكن هو يقول: أنا أبغي أستمر، ما أنا بمقلع لا بقلبي ولا بفعلي، كلما سنحت لي الفرصة بأفعل، هذا شر، لكن كونه يتوب إلى الله ويخجل ويصير عنده نوع من التقرب إلى الله أحسن من عدمه.
* الطالب: ولو تعددت توبته؟
* الشيخ: ولو تعددت توبته، لكن الواجب على المؤمن أنه يتوب جزمًا، وإذا قُدِّر فيما بعد أن أسباب المعصية توفرت لديه وأن نفسه غلبته فإن ذلك لا ينقض توبته الأولى، سيؤاخذ من جديد بالمعصية الجديدة ثم يتوب.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: واستغفارك أيضًا..
هذا أمر غير وارد، إلا على مذهب الجبرية (...) فالتروك أهون من الأفعال؛ ولهذا ما تجد الترك مثلًا رُتب عليه مثلًا الثواب المطلق، بخلاف الفعل؛ الفعل أشق على النفس؛ لأنه جهاد للنفس من وجهين، لكن الترك من وجه واحد، فكلمة (...) ما هو بصحيح.
* طالب: طيب، يا شيخ كلمة...
* الشيخ: هذا سلمك الله لو أن سوط السلطان في ظهره مرة وفي بطنه مرة، يعجز ولَّا ما يعجز؟
* الطالب: لا، ما يعجز، لكن (...).
* الشيخ: ما هو بصحيح، أنا أشهد أنه (...)؛ لأن فيه أناسًا تابوا، صدقوا العزيمة وتابوا وأقلعوا عنه، إي نعم. الصحابة رضي الله عنهم قبل أن ينزل الخمر كانوا مدمنين على الخمر، وإمساك الخمر لشاربها أكثر من إمساك الدخان، ومع ذلك بيوم واحد كلهم (...)، الكلام على صدق العزيمة، إي نعم.
الآن في غير الصيام هذا الشارب ما يستطيع يتوقف على زعمه النهار كله، ما يقدر على زعمه يمسك النهار كله عن الدخان، وفي الصيام، حيث إنه عازم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ [الفرقان ٧١].
قلنا: إن قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا﴾ ليست كقول القائل: الأرض تحتنا والسماء فوقنا، يعني تحصيل حاصل. بل إن المعنى أن هذه هي التوبة الصادقة الحقيقية الكاملة.
وقوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أي: يرجع إلى الله رجوعًا تامًّا كاملًا كما قال المؤلف.
﴿ ﴾
25:72Page 366
وَٱلَّذِينَ لَا يَشۡهَدُونَ ٱلزُّورَ وَإِذَا مَرُّواْ بِٱللَّغۡوِ مَرُّواْ كِرَامٗا ٧٢
And [they are] those who do not testify to falsehood, and when they pass near ill speech, they pass by with dignity.
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢]، هذه معطوفة على قوله؟
* طالب: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ﴾ [الفرقان ٦٣].
* طالب آخر: لا، على مجموع الأوصاف.
* الشيخ: على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ [الفرقان ٦٣]، وسبق أن الصحيح أن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ خبر وليست صفة كما قال المؤلف.
(﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان ٧٢] أي الكذب والباطل).
هذا معنى (الزور) من ازورَّ، أي: مال وانحرف، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ [الكهف ١٧]. فالمعنى الزور: كل ميل قولي أو فعلي، إن كان قولًا وصف بالكذب، وإن كان فعلًا وصف بالباطل، فكل قول أو فعل مائل عن الطريق فإنه زور.
الكذب زور، والشتم واللعن والغيبة زور أيضًا، والغصب والسرقة والزنا وغيرها زور أيضًا.
* طالب: باطل.
* الشيخ: زور، هو زور، لكن قد نسميه باطلًا إذا كان فعلًا.
فالمهم أنهم لا يشهدون الزور، وإذا كانوا لا يشهدون الزور فهل يفعلونه؟
* طالب: لا.
* الشيخ: من باب أولى؛ لأنهم إذا كانوا لا يحضرونه فإنهم لا يفعلونه قطعًا، إذ لو فعلوه لحضروه، كل فاعل حاضر، وليس كل حاضر فاعلًا على وجه الحقيقة، لكنه فاعل حكمًا؛ لقول الله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، فدل هذا على أن القاعد سواء قاعد أو مضطجع أو واقف، المهم أن المشاهد لفعل العاصي مثل العاصي حكمًا عند الله، نعم، إلا من أُكره على الحضور فهذا شيء آخر لا حكم له، كمن أكره على الفعل.
* طالب: كل المعاصي يا شيخ؟
* الشيخ: كل المعاصي نعم.
(﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ من الكلام القبيح وغيره ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢] معرضين عنه).
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾، (اللغو) الصواب أنه ليس الكلام القبيح؛ لأن الكلام القبيح داخل في ﴿الزُّورَ﴾، لكن المراد باللغو: ما لا فائدة فيه، كل ما لا فائدة فيه فهو لغو؛ وذلك لأنه لا يقصد، وما لا يقصد فهو لغو: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]. فاللغو ما لا فائدة فيه.
* طالب: لو كان مباحًا؟
* الشيخ: سواء كان قولًا أو فعلًا.
وقوله هنا: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان ٧٢]، ما قال مثلما سبق: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان ٦٣]؛ لأنه هناك خطاب معين مباشر، فيقولون لا بد أن يقولوا قولًا يسلمون به، لكن هنا يمرون بالشيء بدون أن يخاطبوا به، والمراد بالمرور به سواء كانوا مارين هكذا في طريق أو مارين مثلًا جالسين فجاء شيء لا فائدة فيه، لغو، فإنهم يمرون كرامًا، ومعنى مر الكرام هنا أي أنهم لا يلحقهم منه شيء، بل يحاولون الإصلاح؛ لأن الكريم يعطي غيره، ينفع نفسه وغيره، فهم إذا مروا باللغو يمرون كرامًا، يحاولون أن يفيدوا من وجودهم؛ وذلك بأن ينقلوا هذا اللغو إلى أمر مفيد. ولهذا قال: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ ما قال: قالوا سلامًا؛ لأنه هناك يخاطبون بما يسيء إليهم فيقولون قولًا يسلمون به؛ لأن المقام يقتضي بس أنك تسلم، لكن هنا ما يؤذون، إنما يمرون بلغو لا فائدة منه، فيمرون كرامًا مفيدين ومستفيدين.
﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾، قال: (معرضين عنه) ما هو بصحيح أيضًا، قد لا يعرضون عنه لكن يفيدون ويستفيدون، والإنسان الموفَّق يستطيع أن يفيد ويستفيد حتى فيما إذا كان المجلس مجلس لغو، يعني كلامًا مباحًا، يستطيع أن يحوله إلى كلام مطلوب؛ وذلك بما يستعرضه مثلًا من كون هذا الشيء الذي يتحدثون به دليلًا على قدرة الله ولّا على رحمة الله ولّا على حكمة الله مثلًا، فيفيد ويستفيد. لكن هذه الأمور في الحقيقة تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم قادة مصلحين، ما تريد رجالًا يعتبرون أنفسهم من جنس مجتمعهم يمشون الهوينى بدون إصلاح؛ ولهذا يفوتنا كثيرًا في هذه الأمور، يفوتنا كثيرًا والله من هذه الناحية، نجلس مجالس اللغو لا نفيد ولا نستفيد، غاية ما هنالك إن كان الإنسان استحضر نية التأليف وعدم الانزواء وما أشبه ذلك، وهذا خير لكن ولو، الخير والأكمل أن تحاول الإفادة والاستفادة.
وبعض الناس أيضًا يريد بالمجالس التسلي فقط، ما يريد معنى وراء ذلك، وهذا فاته خير كثير. فعلى كل حال الناس يختلفون، والمسائل تعود على النيات، وكم من عمل عمله شخص وعمله آخر فصار بينهما مثل ما بين السماء والأرض: السجود يكون شركًا ويكون طاعة، إن سجدت لصنم كان شركًا، ولله كان طاعة، وهكذا جميع الأعمال في الحقيقة النية لها تأثير كبير في إصلاحها أو إفسادها.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أصلًا ما تحوله (...)، لكن تستطيع شوي شوي، نعم، الآن مثلًا عندما تحاول أن تمنع الماء الكثير المنحدر في مرة واحدة ما تستطيع، حتى مثلًا (...) الجوانب شوي شوي يمكن تقضي عليه.
* طالب: شيخ سؤال مثلًا لو كان الأشخاص هؤلاء مثلًا يعني شباب يعني همهم (...)، هم على قصد وأنا على قصد، أنا قصدي بأصلحهم مثلًا أحاول أعالجهم، وهم قصدهم غير قصدهم أني معهم، يعني في اللهو معهم، وأنا لي هدف يا شيخ؟
* الشيخ: ما يخالف، أنت إذا قصدت الإصلاح، فهذا طيب، بس أخشى أنهم يغلبونك.
* الطالب: لا إن شاء الله (...).
* الشيخ: نعم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أصلًا ما هي بالنوادي محرمة، من يقول: إن النوادي محرمة؟
* طالب: بعض الأفعال فيها.
* الشيخ: بعض الأفعال فيها، لا بأس، بعض الأفعال فيها قد يكون غير مرضي، لكننا ما نحاول أن نقول: إن هذا محرم؛ لأن بعد تركهم وترك الاختلاط بهم مشكلة بعد، معناه أنهم نخلوهم والشياطين.
* طالب: (...).
* الشيخ: يحاول ينصحهم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ليس إصلاحًا (...).
* الطالب: أبدًا (...).
* الشيخ: هي على كل حال، ما فيه شك أنه يمكن المراد منها، وأصل المؤسسين لها أن قصدهم صد الناس عن دين الله، وهذا هو الواقع؛ لأنها هي أيضًا مثل القات، لكن مع ذلك ما نقول: إنها معدومة الخير مئة بالمئة.
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، ويش رأيكم؟ ويش نسوي؟
* الطالب: ما يقربون ولا يؤيدون؛ لأن البعض ممكن (...).
* الشيخ: لا ما نؤيدهم، نحن ما نؤيدهم على أعمالهم ولا على نواديهم بالحقيقة، ونرى أنه من المصلحة أن يصرف الشباب إلى شيء آخر، إلى تعلم الرماية وإلى تعلم السباحة وإلى السباق وإلى الأشياء المفيدة (...)، ما يهم، المهم بس شيء يفيدون الناس. أما هذه أنا ما أقول إني أؤيد النوادي، بل أقول: إن ضررها أكثر من نفعها، وإن كان مع ذلك ما نقول: إن ضررها مئة بالمئة، نقول: ضررها أكثر من نفعها.
* طلبة: (...).
* الشيخ: ألا ترون أن ها الشباب الكثير هذا لو بقي مسرحًا في الأسواق ما يحصل فيه مفسدة؟
* طالب: لا بد أنه...
* الشيخ: والله أنا عندي أن هي كافة هي، يعني كافة...
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، بس أنا عندي أن بقاءهم أفسد، لو بقوا مسرحين في الأسواق لكان أفسد لهم.
* طالب: (...) ومكتبات.
* الشيخ: اتفقنا على هذا، على أنها تحتاج إلى توجيه، وأن وجود النوادي ضرر، لكن ما نقول: إنها ضرر محض؛ لأنها كافة بعد عن أشياء كثيرة، تجد هذا الشباب لو أنهم مثلًا قام يتجول في الأسواق ويتجمعون تجمعات، كان يحصل شيئًا كثيرًا.
* طالب: (...) ومكتبات وحدائق وكذا فيستفادوا يا شيخ.
* الشيخ: هو ما أنا بأقول: إن هذه فكرة جيدة، ما هي (...)، ما هي بسليمة أبدًا، ولا هي مقصود بها الخير للمسلمين أيضًا، أنا أجزم والله أعلم أنه ما قصد بها الخير للمسلمين، إنما قصد بها إلهاء الناس وصدهم عن دين الله.
* طالب: بس يا شيخ (...)؟
* الشيخ: لا، لكن مع ذلك ما نقول: إنها شر محض، هذا الكلام العام الذي هو موضع النقاش هل هي شر محض أو فيها خير؟ وأقصد بالخير ما هو بالخير الإيجابي، لا أقصد به خيرًا إيجابيًّا، لكن خيرًا سلبيًّا بمعنى أنك تكف عن مفاسد في ظني أكثر منها.
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: متدهورة؟
* الطالب: متدهورة، إي الكرة السعودية متدهورة اليوم وضعيفة.
* الشيخ: إي.
* الطالب: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة ١١١].
* الشيخ: الاستشهاد (...)!
* الطالب: الاستشهاد بالقرآن، ثم علم لا إله إلا الله محمد رسول الله قد (...).
* طالب: أكثر (...)، لو كان مع يهود مع أي شيء؟
* الشيخ: هو ما فيها شك، ولهذا تجد أن بعضهم يشجع ناسًا مثلما يقول من النصارى واليهود من هؤلاء اللاعبين، وتجدهم إذا جاءت مباراة في التلفزيون لو أقيمت الصلاة يسمع إقامة الصلاة ما يقوم للصلاة، هذا صحيح، ما أنا أقول: إنه...
* طالب: ويحبون هؤلاء أكثر أي شخص.
* الشيخ: إي نعم، يحبون من يشجعونهم من هؤلاء يمكن أشد من حب الله ورسوله.
* طالب: (...).
* طالب: ما تعتبر صنمًا هذا؟
* طالب: عبادة يعني.
* طالب: يقدمون طاعتها على طاعة الله عز وجل وعلى حب الله عز وجل.
* الشيخ: نعم، صحيح، ينطبق عليها عبد الدينار والدرهم[[أخرجه البخاري (٦٤٣٥) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «تعس عبد الدينار، والدرهم، والقطيفة، والخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض». ]]؛ لأنهم إن أعطوا رضوا وإن لم يعطوا سخطوا، إن نجحوا رضوا وإلا سخطوا، وقالوا: ويش هذا الحظ؟ ويش ها النصيب ويش ها التقدير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: عجيب، هذا الأيام دي؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ومات موت؟
* الطالب: ما تموت، لا ربما إذا ذهب (...).
* الشيخ: يعني فرح على ها الحال؟
* طالب: إي (...).
* الشيخ: فرحًا.
* الطالب: إي، وفرح (...).
* الشيخ: انتصار فريقه الذي يراه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: الله أكبر، سبحان الله العظيم.
* طالب: يعني يا شيخ كم مرة (...).
* الشيخ: لا روح (...).
* الطالب: وإلا كان (...)، لكن متى يصير فيها شيء؟ يصير فيها شيء إذا أخرتنا مثلًا عن وقت الصلاة، إذا مثلًا (...).
* الشيخ: لا (...) أبدًا إن شاء الله، ما يصير إلا الخير، أنت إذا صار هم اللي طالبينك، فهم ما يطلبونك إلا أنهم يظنونك (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: هاه؟
* طالب: علشان يبارك هذا العمل (...).
* الشيخ: لا، أنا أخشى بعد أن هذا يقتضي، خطير يعني، الإنسان يجب أنه يراعي اللي بينه وبين الله بعد، إذا طلب منه ناس وقالوا: تعال (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) اجتمعوا.
* الطالب: فيه صور مثلًا (...).
* الشيخ: لا، هذا (...) أنك تقول لهم: ما نجلس بها المكان، قوموا إلى مكان ثانٍ وبعدين (...).
* الطالب: يقولون (...).
25:73Page 366
وَٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ لَمۡ يَخِرُّواْ عَلَيۡهَا صُمّٗا وَعُمۡيَانٗا ٧٣
And those who, when reminded of the verses of their Lord, do not fall upon them deaf and blind.
الشيخ: إضافة إلى ما ذُكر قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣].
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ ولم يبين من المذكِّر ليشمل كل مذكِّر؛ وليبين أن قبولهم للتذكير ليس من أجل شخص مذكِّر؛ لأن من الناس من لا يقبل الحق إلا من شخص معين، إذا جاءه من شخص آخر لم يقبله، مثل ما فعل أهل الكتاب بالنبي عليه الصلاة والسلام، وغيرهم أيضًا، لا يقبلون الحق إلا من طائفة معينة أو شخص معين: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ [البقرة ١٤٥].
فهنا قال: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ولم يبين المذكر إشارة إلى أنهم إنما يقبلون الحق؛ لأنه حق، لا من أجل من قال به، نعم، فهم لا يقبلون التذكير لأجل شخص مذكِّر أو يردونه من أجل شخص مذكِّر، وإنما يقبلونه؛ لأنه تذكير، وهذا هو الفائدة في حذف الفاعل.
(﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعِظُوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣]).
هنا: ﴿ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، هل المراد ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي أنها جُعلت وسيلة للذكرى أو التذكير، أو ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي بما حكمت به ليعملوا به؟
* طالب: شامل الجميع.
* الشيخ: شامل الجميع؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: يعني سواء ﴿ذُكِّرُوا﴾ تذكيرًا بواسطة الآيات بأن قُرِأت عليهم ليذَّكَّروا، أو ﴿ذُكِّرُوا﴾ بها؛ أي: قيل لهم اذكروا أحكام الله واعملوا بها، فهو شامل للأمرين.
وقوله: (﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الفرقان ٧٣] أي: القرآن)، الصواب العموم: القرآن وغير القرآن، وأنه أيضًا أعم من جهة كون الآيات كونية أو شرعية، فنحن نقول: بالقرآن وغيره من الكتب السابقة، ونقول أيضًا: بالقرآن والكتب أو بالآيات الكونية، فإن الآيات الكونية مذكرة لقول النبي ﷺ في الكسوف: «يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ»[[أخرجه البخاري (١٠٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري، ومسلم واللفظ له (٩١١ / ٢١) من حديث أبي مسعود الأنصاري.]]، فالآيات الكونية مخوفة ومذكرة بالله عز وجل؛ ولهذا دائمًا يحث الله سبحانه وتعالى على النظر في هذه الآيات الكونية، لما فيها من الدلالة على الخالق وعلى ما تشتمل عليه من صفاته: من الحكمة والرحمة وغير ذلك.
صار الآن عندنا عمومان في التذكير بالآيات؛ العموم الأول: أنها تشمل الآيات الكونية والشرعية، والثاني: أنها تشمل القرآن وغير القرآن من الكتب السابقة؛ لأن المراد بقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الفرقان ٦٣] ليس خاصًّا بعباد الرحمن من هذه الأمة، بل هو عام لكل عباد الرحمن من كل أمة.
(﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣] يسقطوا عليها ﴿صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ بل خروا سامعين ناظرين منتفعين).
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا﴾ جمع أصم؛ وهو الذي لم يسمع، ﴿وَعُمْيَانًا﴾ جمع أعمى وهو الذي لم ير، وإنما قيده بهاتين الحاستين؛ لأنهما الوسيلة إلى وصول الشيء إلى القلب؛ إذ الأشياء إما مرئية فوسيلتها النظر، وإما مسموعة فوسيلتها السمع، فنفى أن يكونوا صمًّا ونفى أن يكونوا عميانًا.
وقوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾، يقول المؤلف: (لم يَسْقُطُوا)، وإنما يقبل عليها إقبال سامع مبصر؛ لا أنهم يسقطون عليها على هذا الوجه.
فإذا قال قائل: هذه الصفة سلبية، والصفات الثبوتية أبلغ في الثناء، فلماذا لم يقل: إذا ذكروا بآيات ربهم أقبلوا عليها مبصرين سامعين؟
* طالب: لأنه أولًا المؤمنون موصوفون بضد هذه الصفات من صفات الثبوت، فـ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يدل على أنهم ينتفعون بها (...) عليها.
* الشيخ: إي.
* الطالب: ثانيًا: أنه فيه التعريض بالخارين عليها صُمًّا وعميانًا وهم الكفار.
* الشيخ: تمام، نعم، الأول تمشي حالًا على الوجه الأول؛ لأننا نقول: حتى إذا قلنا إن هذا النفي تضمن إثباتًا، والنفي كما مر علينا لا يكون مدحًا إلا إذا تضمن إثباتًا، لكننا نقول: لماذا لم يثبت أصلًا؟ فلا يرتفع الإشكال، إنما يُقال: إنه تعريض بالذين يخرون عليها صمًّا وعميانًا، وتعرفون أن هذه السورة من أولها إلى آخرها في مجادلة المنكرين لما جاء به الرسول ﷺ، وهم إذا كانوا منكرين يخرون على الآيات صمًّا وعميانًا، فهذه -والله أعلم- وجه المناسبة في العدول عن ذكر الصفة الثبوتية إلى ذكر الصفة السلبية: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: نقول: تعريضًا؛ لأجل التعريض بهؤلاء الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صمًّا وعميانًا.
* الطالب: (...) أكثر.
* الشيخ: هه؟
* الطالب: (...) على نقيضهم.
* الشيخ: إي، على نقيضهم، لكن إحنا نقول: هم على نقيضهم، لماذا لم يقل: خروا عليها مبصرين سامعين؟ لأجل السبب الذي ذكرنا، نعم.
(﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [الفرقان ٧٣] بل خروا سامعين ناظرين منتفعين).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences