Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:109–122
26:109Page 371
وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩
And I do not ask you for it any payment. My payment is only from the Lord of the worlds.
﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الرسالة.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ (من) مؤكِّدة، و(أجر) اسم منصوب على أنه مفعول ثان لـ(أسألكم)، لكنه بفتحة مقدرة على آخره، منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
وأتت (من) هنا في سياق النفي داخلة على نكرة للتنصيص على العموم، يعني: من أجر قليل أو كثير.
والمراد بالأجر هنا أي أجر؟ أجر الدنيا، وهو المعاوضة، يعني: ما قلت لكم: أعطوني أجرًا، لو أمرتكم بهذا لقيل: هذا رجل يريد أن يستجدي بما يدعيه من الرسالة.
نعم فيه أناس الآن يتكلمون في المساجد ويعظون الناس ويوجهونهم، فإذا انتهَوا مدوا أيديَهم: أعطوني، هذه حالهم خلاف حال الرسل، ولهذا تجد الناس لو كانوا قد تأثروا بموعظتهم الأولى إذا مدوا أيديهم بعد أن وعظوا ذهب كل ما كان في نفوسهم من هذا التأثر؛ لأن الإنسان إذا طلب الدنيا بما يُراد به الآخرة فسد أمره: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ [هود ١٥، ١٦].
ويستفاد من هذا أن من طلب العلم الذي جاءت به الرسل لينال به أمرًا من الدنيا فليست طريقه طريق الرسل؛ لأن الرسل إنما يأمرون الناس وينهونهم لما يرجونه من ثواب الله، لا لما ينالونه من الأجر.
ففي هذا دليل على وجوب تصحيح النية لمن قام مقام الرسل في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول: ﴿إِنْ أَجْرِيَ﴾ [الشعراء ١٠٩] (﴿إِنْ﴾ ما) ما وجه هذا؟ (ما) تفسير لـ(إن)، يعني يقول المؤلف: إنَّ (إنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
(﴿﴿أَجْرِيَ﴾ ﴾ أي: ثوابي ﴿﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٠٩])
(أجري) ويش محلها من الإعراب؟
* طالب: ما أجري إلا على الله.
* الشيخ: (...) ﴿إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وهو الله سبحانه وتعالى، يعني ليس أجري عليكم ولا على غيركم من الخلق، وإنما هو على رب العالمين، وفي هذا إخلاص المرء لله عز وجل، وأنه لا يريد ثوابًا من أحد ولا منالًا إلا من الله.
وفيه أيضًا دليل على أن عمل الإنسان لينال الثواب ليس أمرًا ممقوتًا، بل هو طريق الرسل عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم.
وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: مالكهم المدبر لهم بما يشاء. وأصل الرب: المتصرِّف في الشيء، ومنه سُمي رب البيت، ورب البهيمة، ورب كذا، ويُطلَق بمعنى صاحب، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ [الصافات ١٨٠] يعني: صاحب العزة. ولا يمكن أن تكون الرب هنا مثل الرب في قوله: ﴿رَبِّكَ﴾؛ لأن العزة من صفات الله ولا تكون مخلوقة.
هنا ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم ومالكهم والمدبر فيهم بما يشاء، و(العالمين) سبق أن معناها: كل ما سوى الله.
(﴿﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٠] كرره تأكيدًا) أو تأسيسًا؟ في الحقيقة أنه تأسيس؛ لأنه بناه على قوله: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء ١٠٩]، يعني: فإذا انتفى ذلك فاتقوا الله وأطيعوه، فيكون هذا تأسيسًا لا يستفاد المعنى المقصود منه لو حُذف، والفرق بين التأكيد والتأسيس أن التأكيد لو حذف لاستفيد المعنى مما بقي دون التأسيس، يعني أن المؤكد لا يستفاد منه سوى التأكيد، لا يحمل معنًى جديدًا، أما هذا فيحمل معنى جديدًا، وهو أهه وعلى أنني لا أريد الأجر وإنما ألتمس الثواب من الله فيجب عليكم أن تتقوا الله وتطيعوني.
* طالب: (...) تعليل (...).
* الشيخ: لا؛ لأن انتهى (...) انتهى.
26:111Page 371
۞ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١
They said, "Should we believe you while you are followed by the lowest [class of people]?"
ثم قال: (﴿﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ﴾ ﴾ نصدق ﴿﴿لَكَ﴾ ﴾ لقولك ﴿﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١١]).
﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ﴾ مجابهة صريحة قبيحة في الواقع؛ لأن الاستفهام هنا للإنكار، وإتيان الاستفهام للإنكار والنفي أبلغ من النفي المجرد، يعني: كيف نؤمن لك؟! ولا يمكن أن نؤمن لك.
وقوله: ﴿لَكَ﴾ ما قال: (بك) هل يكون كما قال المؤلف: إن (نؤمن) بمعنى (نصدق)، أو نقول: إن (نؤمن) ضُمِّن معنى (ننقاد)؟ وهو كذلك؛ لأنهم يريدون الاستكبار، لا نفي (...).
على تقدير (قد) يعني: وقد اتبعك الأرذلون، يعني ما يمكن نؤمن لك واتبعك الأرذلون الأنقصون من الخلق.
وقوله: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾ فيها قراءاتان: (وفي قراءة: ﴿﴿وأتباعك﴾ ﴾ جمع تابع، مبتدأ) و(الأرذلون) خبره على هذه القراءة، وهي فاعل على القراءة الأولى: ﴿وَاتَّبَعَكَ﴾.
المعنى أنهم قالوا: لو كان أتباعك الملأ والأشراف لاتبعناك، لكن أتباعك أراذل الناس؛ الفقراء والسوقة واللي ما يقدرون الأمور ولا يعرفونها، أراذلهم من حيث المال على زعمهم، ويمكن أن نقول: ومن حيث الثقافة أيضًا، والجاه والشرف، فهم أرذل الأراذل عندهم.
لكن هل هذا مانع؟ يقال: إنه الآن يُوجَّه الخطاب إليكم أيها الأكملون، فكيف تقولون: ما نؤمن واتبعك الأرذلون؟ الخطاب الآن موجَّه لكم؛ لأنكم لو آمنتم ما احتيج إلى توجيه الخطاب والأمر لكم بتقوى الله وطاعته، ولكنكم معاندون.
هم هنا قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ على سبيل الإطلاق، بدون إضافة إلى أحد. وفي سورة هود قالوا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧] فكانت العبارة هناك أهون من هذه؛ أولًا: لأنهم أضافوا الأمر إليهم وهنا أطلقوا، وثانيًا: قالوا: ﴿بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ يعني: ولعله عند التأمل لا يكون الأراذل هم الأتباع، وهنا أطلقوا ما قالوا: بادي الرأي ولا آخر الرأي.
إما أن تكون هذه الآية قبل تلك أو تلك قبل هذه، أيهما الأنسب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن حمله على حالين أحس من طائفتين.
* الطالب: (...) على العموم (...).
* الشيخ: يعني يبدو أن هذه الآية هي الأولى، وأنهم بعدما شاهدوا وبعدما رأوا وبعد إلحاح نوح لانوا قليلًا، ويحتمل العكس الحقيقة، والله أعلم، إنما هذا أقرب والله أعلم.
* طالب: القرآن نزل على أنه (...).
* الشيخ: إذن تكون (...) هي الأولى؛ لأن ما دام عندنا نص ما نعدل إلى التفكير العقلي، إنهم استكبروا بعد ذلك ثم نفوا نفيًا مطلقًا وأتَوا بصيغة التفضيل المطلَق: ﴿الْأَرْذَلُونَ﴾.
26:112–113Page 372
قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢
He said, "And what is my knowledge of what they used to do?
إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣
Their account is only upon my Lord, if you [could] perceive.
﴿قَالَ﴾ لهم عليه الصلاة والسلام: (﴿﴿وَمَا عِلْمِي﴾ ﴾ أي علم لي ﴿﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٢]) هذه قد يقال في بادئ الأمر: إنه اعتذار منه، يعني كونهم آمنوا وهم على زعمكم الأرذلون، ويش يدريني أنهم الأرذلون، يعني فأنا ما قصدتهم حتى آمنوا لعلم بهم، ولكن هكذا جرت الدعوة واتبعها هؤلاء. هذا ما يتبادر إلى الذهن في أول الأمر، ولكن الظاهر والله أعلم أن نفيه العلم هنا نفي للتبعية، يعني معناه: أي شيء يكون علي وأي شيء يلحقني في عملهم؟ هل يكونون عاملين هم الأراذل على زعمكم، أنا لا يضرني ذلك، (ما علمي) أي: ما حسابي وما تبعتي التي تلحقوني بها فيما كانوا يعملون.
لو قرأت الحاشية عندك:
* طالب: مكتوب (...).
* الشيخ: طيب يقول.. الآن اتضح المعنى: ما علمي أي علم لي بما كانوا يعملون. هذا على كلام المؤلف، يدعون أنهم إنما تابعوه لينالوا بذلك جاهًا ومالًا فيكونون غير مخلصين في إيمانهم، فيقول: وما علمي فيما كانوا يعملون، أي بما كانوا يعملونه من أعمال القلوب، لا من أعمال الظواهر، ولكن هذا خلاف الظاهر فيما يبدو، بل إن المعنى: إن عملهم هذا ليس عليَّ فيه تبِعة، مهما عملوا، ولو كانوا في زعمكم الأراذل فإن ذلك لا يلحقني بشيء ما دامت رسالتي قائمة وآياتي بينة، فالحجة عليكم قائمة. أما هم حتى وإن كانوا الأراذل عندكم فحسابهم على من؟ ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء ١١٣]. (إن) بمعنى (ما)، (ما ﴿﴿حِسَابُهُمْ﴾ ﴾) كما قال المؤلف (﴿﴿إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ ﴾ فيجازيهم)، وأما أنا فما عليَّ من حسابهم من شيء، كما أنه ليس عليَّ أيضًا من حسابكم من شيء.
* طالب: (...) المعنى الأول (...) قوة في المعنى (...).
* الشيخ: وهي:
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، لكن ما هو بالظاهر؛ لأن حسابهم على ربي حتى لو عملوا هذه الأعمال؛ لأن أعمال البواطن ما يمكن أنهم يقدحون بهم لباطلهم، ولقد (...) ما (...).
فيقول: حسابهم على الله، ليس عليَّ، وأنا ما عليَّ إلا تبليغ الرسالة.
وقوله: ﴿لَوْ تَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ١١٣] الشعور هنا بمعنى العلم، (ما عبتموهم) يعني ما قدحتم فيهم.
* طالب: (ما عبدتموهم).
* الشيخ: لا غلط (ما عبتموهم).
يعني لو أنكم تشعرون بالأمر وتعلمونه ما عبتموهم بقولهم: أراذلنا. ولكن عيبهم إياهم في الواقع لأنهم آمنوا بنوح، فهم أراذل عندهم، هم عندهم أراذل؛ لأنهم آمنوا بمن يرون أنه ليس على حق. ومعلوم أن من اتبع من ليس بحق فهو من أراذل الناس؛ معنًى ولا حسًّا؟
معنًى، اللي يتبع من لم تقم عليه البيِّنة فهو من أراذل الناس معنًى، وإن كان فيما بين الناس قد يكون له جاه، ويكون عزيزًا، فالمعنى: لو تشعرون بالأمر على حقيقته لعرفتم أنهم ليسوا بأراذل، وأن حسابهم ليس عليَّ، وأن عليَّ واجبًا وعليهم واجب.
26:114Page 372
وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤
And I am not one to drive away the believers.
قال: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٤] هذا يشعر بأنه علِم إخلاصهم، وأنهم إنما قالوا: ﴿وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] تلميحًا لطردهم، ولَّا لا؟
ولا شك أن هذا الذي قالوه كأنهم يقولون: نحن نأنف أن نكون معك؛ ومعك هؤلاء الأرذلون، نكون نحن على اليمين وهم على اليسار، أو هم على اليسار وهم على اليمين، لا بد أن تطردهم لنؤمن، فيقول: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أكَّد هذا (ما أنا بطارد) الباء هذه للتوكيد، يعني ما يمكِن أطردهم أبدًا؛ لأنني أنا دعوتهم إلى الإيمان فآمنوا، وكان حقهم عليَّ الطرد ولَّا الإكرام؟ الإكرام.
وهذا الذي قاله قوم نوح -وهو أول الرسل- قاله قوم محمد ﷺ، وهو آخر الرسل، فقال الله تعالى له: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢].
فهذا دأب المكذبين للرسل، ما عندهم شيء يعتمدون عليه سوى التمويه والتضليل وزخارف القول التي لا تنطلي إلا على العميان.
﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ﴾:
* وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يقرِّب منه كل مؤمن، وأن يختار لنفسه أصلح الأصحاب، كما جاء في السنَّة بالحث عليه؛ على اختيار الجليس الصالح[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨/ ١٤٦) من حديث أبي موسى الأشعري؛ أنه ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل صاحب المسك وكير الحداد..».]].
* وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي موالاة المؤمنين، والقُرب منهم، وأن هذا دأب الأنبياء.
* وفيه أيضًا الصبر على ما يجد من المؤمن من الجفاء ومن دناءة المهنة وغير ذلك.
* وفيه أيضًا التواضع للمؤمنين وعدم إزعاجهم، ولو كانوا من كانوا فيما بين الناس؛ الرسول عليه الصلاة والسلام أشرف الخلق جاهًا عند الله وأعظمهم منزلةً عاتبه الله تعالى في رجل أعمى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس ١ - ٤].
﴿إِنْ أَنَا﴾ (﴿﴿إِنْ﴾ ﴾ ما ﴿﴿إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴾) [الشعراء: ١١٥] قوله: ﴿نَذِيرٌ﴾ سبق معنى النذير هو المخبر بما يخوَّل، يعني الإعلام المقرون بالتخويف، هذا الإنذار.
وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ جعله المؤلف من (أبان) القاصر دون المتعدي، مع أنه يحتمل أنه من (أبان) المتعدي، فتكون بمعنى مُظهِر، يعني أني مظهِر لِما جئت به، فأنا نذير مبيِّن للناس.
26:116–118Page 372
قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦
They said, "If you do not desist, O Noah, you will surely be of those who are stoned."
قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧
He said, "My Lord, indeed my people have denied me.
فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨
Then judge between me and them with decisive judgement and save me and those with me of the believers."
﴿قَالُوا﴾ يعني لما رأوا تصميمه عليه الصلاة والسلام وأنه لن يطرد المؤمنين لقولهم، وأن هؤلاء الأراذل ليس عليهم من حسابهم من شيء، وإنما حسابهم على الله، وهو مؤمنون، لجؤوا إلى القوة فقالوا: (﴿﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ﴾ ﴾ عما تقول لنا ﴿﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١١٦] بالحجارة أو بالشتم).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ فيها إشكال من حيث الإعراب؛ لأن فيها قسمًا وشرطًا، وكلاهما يحتاج إلى جواب، فأين جواب الشرط؟ وأين جواب القسم؟
* طالب: إذا اجتمع قسم وشرط فالجواب للمؤخر منهما ويغني جواب المؤخر عن جواب المقدم.
* طالب آخر: نقول: (لتكونن) هذه جواب الشرط، وأما جواب القسم فأحيانًا المقسم يستغني عن جواب القسم.
* الشيخ: لا هذا خطأ، ابن مالك يقول:
واحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَـا أَخَّـــــــرْتَ فَهْـــــــــوَمُلْتَــــــزَمْ
وأيضًا (لتكونن) ما تصح تكون جواب شرط؛ لأن اللام ما يمكن تقترن بجواب الشرط، إنما تقترن بجواب القسم.
فعلى كل حال القاعدة عند أهل العلم بالنحو يقولون: إنه إذا اجتمع شرط وقسم حُذف أيهما؟ جواب المتأخر، فإذا قلت: (إن كنتَ واللهِ ضربتُكَ)، ما تقول: (لَأَضْرِبَنَّكَ)؛ لأن الشرط متقدِّم، ولكن إن قلت: (واللهِ إنْ كنتَ ضَرَبْتُكَ) ما يصح، تقول: (لأضربنك).
﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ فأكدوا -والعياذ بالله- ما أرادوا من رجمه بثلاثة مؤكدات: القسم واللام ونون التوكيد. ثم أوغلوا في الوعيد والتهديد حيث قالوا: ﴿مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ ولم يقولوا: (لنرجمنك) كأنهم يقولون: فيه من سبقك فرُجم فنحن نرجمك معهم.
وقوله: بالحجارة أو بالقول؛ أيهما أقرب؟ الحجارة أقرب؛ لأن الرجم بالقول قليل الاستعمال، ثم إن التهديد به من هؤلاء الذين يرون أنهم يتكلمون من مصدر القوة ليس بلائق في المقام، فالصواب أنه: لتكونن من المرجومين بالحجارة. والله أعلم.
* * *
(...) عليه الصلاة والسلام، وأن الله أخبر أن قومه كذبوا المرسلين، والمؤلف ذكر فيه احتمالين؛ إما لأنهم كذبوا بالتوحيد، وهذا التوحيد جنس لكل ما بُعِثَتْ به الرسلُ، وتكذيب الواحد من الجنس تكذيب للجنس كله، وهذا هو الأصح، أو لأنه طال مُكثه فصار كأنه رسل متعددون. وسبق أيضًا في القصة أنه لاستكبار قومه ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء ١١١] يعني لسنا مؤمنين لك لأن الذين اتبعوك هم الأرذلون على رأيهم؛ كما قالوا في سورة هود: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود ٢٧].
وفيه أيضًا أنه قال لهم: ﴿وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ١١٢] يعني: أيُّ علم لي بعملهم الذي يعملونه، فأنا ليس لي إلا ظاهر أمرهم وأما باطنهم فإلى الله، وظاهرُ أمرهم أنهم أخيار أبرار، وليسوا أراذل كما يزعم هؤلاء، ولكنهم بعد هذا توعدوه والعياذ بالله بالرجم على سبيل التهديد وإظهار القوة في قولهم: ﴿لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ﴾ [الشعراء ١١٦] وهو أبلغ من قولهم: (لنرجمنك)؛ لأن فيه تخويفًا، حيث إنه ليس أول من يُرجَم، بل هناك من رُجم قبله.
حينئذ لجأ إلى الله سبحانه وتعالى فـ ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] هذا الدعاء كما جمع بين أسباب الإجابة الثلاثة، وهي دعاء الله تعالى باسم الربوبية: ﴿رَبِّ﴾، وبذكر الحال الداعية المقتضية للدعاء ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، والثالث: الطلب: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨].
أولًا: قوله: ﴿رَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ الربوبية –كما مر علينا- تنقسم إلى قسمين؛ عامة وخاصة، وهذه من الربوبية الخاصة، بل هي من أخص الربوبيات؛ لأنها ربوبية الله تعالى لرسله.
وفيه أيضًا قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾، إظهار للأضعف، يعني ما هو أضعف؛ لأنه قوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي﴾ كان مقتضَى الحال أن يكونوا مصدِّقين له لأنهم قومه، ولكنهم -والعياذ بالله- صاروا مكذبين له، فصارت حاله تقتضي رأفة أكثر؛ حيث إن قومه هم الذين كذبوه، ثم إنه يقتضي أن تكون النكاية فيهم أعظم أيضًا؛ لأنهم قومه. فهذه الإضافة فيها فائدتان:
الفائدة الأولى: بيان أنهم مستحقون للرأفة أكثر؛ لأن قومه هم الذين كذبوه.
ثانيا: أن قومه مستحقون للتنكيل بهم أكثر؛ لأنهم قومه؛ وكان عليهم أن يصدقوه ويمنعوه، يعني من أن يؤذى، فكيف يكونون الذين يؤذونه!
وهذا كقوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم ١، ٢] ولم يقل: ما ضل النبي أو الرسول، بل قال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ﴾ يعني الذي تعرفونه وتعرفون رجاحة عقله، وتعرفون أمانته، فكيف تنكرون ما جاءكم به من المعراج!
قال: ﴿إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ﴾ يعني نسبوني إلى الكذب وقالوا: كذَّبه وكذَبه، والفرق بينهما:
* طالب: أن كَذَبَهُ أخبره بخلاف الواقع، وكَذَّبَهُ أنه لم يصدِّق ما جاء به.
* الشيخ: نسبه إلى الكذب. طيب وكَذَبَهُ: أخبره بالكذب.
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي﴾ [الشعراء ١١٧، ١١٨] الفاء للسببية. (افتح بيني) هذا هو ظاهره الأمر لكنه في جانب الله يُسمَّى دعاءً؛ إذ الأمر لا يكون إلا ممن يستعلي على المأمور، وليس الطالب بمستعلٍ على مطلوبه، ثم إن الله جل وعلا فوق كل شيء.
(﴿﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ ﴾ أي: احكم). وسُمِّيَ الحكم فتحًا لأنه ينفتح به الأمر ويتبين، فينفصل هذا عن هذا. وهذا الفتح بأن ينجيه ومن معه من المؤمنين ويهلكهم؛ أما نجاته ومن معه من المؤمنين فمصرَّح بها، وأما إهلاكهم؛ فلا نجاة إلا من هَلَكة، هذا الفتح الذي فعله نوح أن يهلك الله تعالى قومه وأن ينجيه هو ومن معه من المؤمنين، وقد قال تعالى عنه في سورة نوح: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح ٢٦، ٢٧].
وفي هذه الآية ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ﴾ يعني قد يقول قائل: هل إن نوحًا يخبر الله تعالى بالواقع، أليس الله تعالى عالمًا به؟
فالجواب: بلى، هو عالم به، لكن قصده عليه الصلاة والسلام بيان الحامل له على هذا الدعاء؛ أنه باعتقاده يظن أو يعتقد أنه إذا أبقاهم لا يلدون إلا فاجرًا كفارًا، وإلا فالله تعالى عليم بهم، فيكون هذا كالاعتذار عن هذا السؤال العام ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾.
ثم قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] هذه المعية ليست معية اختلاط كما هو معروف، بل هي معية اشتراك في عمل وعقيدة، فإن المؤمن (...) المؤمنين كانوا مشاركين له في العقيدة والعمل، وهذا مما يدل على أن المعية ليست كما فهمه المحرِّفون في معية الله سبحانه وتعالى وأنها تقتضي المشاركة في المكان أو الاختلاط، ليس (...) هذا.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لبيان المبهَم فيمن معي؛ لأن (من) اسم موصول، والاسم الموصول يحتاج إلى بيان، وبيانه إما من صلته وإما من غيرها.
26:119Page 372
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩
So We saved him and those with him in the laden ship.
قال الله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ﴾ [الشعراء ١١٩] الفاء للسببية، أي: فبسبب دعائهم أنجيناه، وهي مع إفادتها السببية تفيد أيضًا التعقيب.
قال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩] هنا قال: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ مع أن دعاءه ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكلمة (من معه) أعم، فما هي الحكمة في ذلك؟
* طالب: أنه اصطحب معه بعض الحيوانات، وأنه أخذ من كلٍّ زوجين، فهذه لا توصف بالإيمان.
* الشيخ: ولعله ما قصدها أيضًا، نوح عليه الصلاة والسلام في دعائه ما كان فيما يظهر يدور في ذهنه أن الله ينجي هذه المخلوقات الأخرى، بل قال: ﴿وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ويشكل على هذا قوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ﴾ من؟ ولم يقل: (وما معه)؟
* طالب: التغليب.
* الشيخ: من باب التغليب، ولأنه هو أيضًا إنما دعا لمن معه فكأن الله سبحانه وتعالى غلَّب جانب العقلاء لأنه هو إنما دعا بإنجائهم، فصار هذا أنسب لمطابقة الإجابة للطلب.
وقوله: ﴿وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ الفلك الذي بناه أو صنعه نوح في علم الله عز وجل، وقال قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣]، وهنا قال: ﴿فِي الْفُلْكِ﴾، وهناك قال: ﴿ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، وأيها أخصر؟ الفلك أخصر ما فيها شك، أقصر من ذات ألواح ودثر، لكن السورة ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر ١] كما هو معروف في فواصل آياتها ومقاطعها وجمل الآيات المناسب لها: (ذات ألواح ودثر)، كما أن فيه فائدة معنوية، وهي بيان مواد هذه السفينة، أنها من الألواح والمسامير؛ ليكون في ذلك دليل على أنها محكَمة ولأجل أن يتعلم صناعة السفن من لم يعرف. والصناعة في ذلك الوقت ما تطورت إلى هذا التطور، فالحاصل أن هذا السبب في أنها هناك ذكرت مبسوطة وهنا ذُكرت (...).
وقوله: (﴿﴿الْمَشْحُونِ﴾ ﴾ المملوء من الناس والحيوان والطير) الطير ما هو من الحيوان؟ بلى، لكن عطفه عليه من باب عطف الخاص على العام.
* طالب: الطير من الحيوان؟
* الشيخ: إي، حتى الإنسان من الحيوان، لكن الإنسان حيوان ناطق كما يقول المناطقة.
كأنه يريد الحيوان ما يمشي على رجلين، والطير ما يطير بجناحين، وإلا لو قال: (والحيوان) لكفى.
وقوله: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ مر علينا كثيرًا أن الفلك اسم جنس يشمل بلفظه الوحد والجمع، يعني هذا اللفظ صالح للجمع والمفرد ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ [يونس ٢٢] ﴿وَجَرَيْنَ﴾ هنا أراد بالفلك الجمع ولَّا المفرد؟
* طالب: الجمع.
* الشيخ: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [لقمان ٣١] هذا؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: لا، أراد المفرد. لو كان للجمع لقال: تجرين.
* طالب: أراد جنس الفلك.
* الشيخ: لا، هو أراد المفرد هنا، اللفظ مفرد الآن، لكن يُراد به الجنس، ما ينفع تقول: الإنسان هو المفرد لكن الجنس، وإلا معنى الكلام على أن الفلك تُطلَق على الجمع والمفرد إطلاقًا واحدًا، ما يتميز أن المراد بها الجمع والمفرد أو (...) المفرد من الجمع إلا بالسياق.
26:120Page 372
ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠
Then We drowned thereafter the remaining ones.
قال تعالى: (﴿﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ﴾ ﴾ أي بعد إنجائهم ﴿﴿الْبَاقِينَ﴾ ﴾ [الشعراء: ١٢٠] من قومه) والذين نجَوا كما قال الله تعالى في سورة هود قليل: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠] شوف وابنه -أحد أبنائه- ما نجا؛ لأنه كان كافرًا، وهو قد قال: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١١٨] كذا؟ وفي الآية الأخرى أن الله قال له: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [هود ٤٠] لكن الله استثنى ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون ٢٧] ولكنه عليه الصلاة والسلام دعا الله تعالى مشفقًا وراجيًا رحمته ﴿فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ [هود ٤٥]، فقال الله تعالى له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود ٤٦].
والجواب هنا فيه إشكال، إنما قال: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنه كان مقتضى ما سبق أن يقول: إنه ليس من أهلك لأنا استثنينا مثلًا ﴿إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ لكن لو قيل كذلك لأنه سبق عليه القول لقال: ولماذا سبق عليه القول؟ فذكر النتيجة الأخيرة، وهو أنه عمِل غيرَ صالحٍ، أو ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [هود ٤٦] إلى آخره.
* طالب: ويش (...) عمل غير صالح؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: توجيه قراءة (...).
* الشيخ: لها توجيهان: ﴿إِنَّهُ﴾ أي: سؤالَك ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾؛ لأنك سألت ما لا يجوز.
أو ﴿إِنَّهُ﴾ أي: الولد ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ من باب المبالغة. يعني: عامل غير صالح، فأطلق عليه المصدر؛ كما يقال: فلان عدل، وفلان رضا، بمعنى هو عدل ورضا، فالمعنى أنه ذو عمل غير صالح.
ويؤيد هذا الاحتمال القراءة لكنها ليست سبعية ﴿﴿إِنَّهُ عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ﴾.
هؤلاء الذين نجوا هل هم الذين بقوا من أهل الأرض؟ لا، ليسوا هم، بل ذرية نوح هم الذين بقوا، وأما من كان معه من المؤمنين فإنه فني ما بقي له نسل؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، ولهذا يقال: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام هو الأب الثاني للإنسان، الأب الأول آدم، وهذا هو الأب الثاني؛ لأن جميع بني الإنسان ماتوا، وما بقي إلا ذريته ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ﴾ وهذه (هم) ضمير فصل يفيد الحصر والاختصاص، فهم الذين بقوا، ويقولون، يعني يقول المؤرخون: إنهم ثلاثة: سام وحام ويافث. والله أعلم هل هذه أسماؤهم أم لا، وهل هم ثلاثة أو أكثر أو أقل، إنما هذا كلام المؤرخين، المهم إنما الذي نتيقن أنه ما بقي أحد في الأرض إلا ذرية نوح عليه الصلاة والسلام فيكون هو الأب الثاني.
26:121–122Page 372
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ١٢٠، ١٢١] وإغراقهم آية عظيمة، يعني الله تبارك وتعالى فتَّح أبواب السماء بماء منهمر ﴿فَفَتَحْنَا﴾ [القمر ١١] و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ قراءتان سبعيتان، و﴿﴿فَتَّحْنَا﴾ ﴾ أبلغ من (فتَحنا).
فتَّح الله أبواب السماء بماء منهمر، يعني نازلًا بقوة وشدة وكثرة.
﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢] المعربون يقولون: إن الأصل: (فجرنا عيون الأرض) (...) محولة عن مفعول، وفي الحقيقة أن (فجرنا الأرض عيونًا) أبلغ وأعظم، يعني كأن الأرض كلها صارت عيونًا، فهو أبلغ من (فجرنا عيون الأرض)، عيون الأرض (...) عشر عيون، ما تزيد لو كانت (فجرنا عيون الأرض)، لكن: فجرنا الأرض عيونًا كلها، حتى إن التنور بدأ يفور من الماء. والتنور كما تعرفون أبعد ما يكون عن الماء؛ لأنه محل تفجير النار، ومحل تفجير النار يكون يابسًا يبوسًا بالغًا، ولكن مع ذلك صار بإذن الله يفور.
التقى الماء على أمر قد قُدر حتى بلغ قمم الجبال، وغرق الناس كلهم إلا من في هذه السفينة، وحينئذ صدق قول نوح لقومه: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩] (...) السفينة الآن السفينة الحقيقية من هؤلاء الذين على السفينة وكأني بهم يطلعون إليهم من نوافذها وهم يعومون في هذا الماء ويغرقون، وهؤلاء في منجاة منه.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أكثر من؟ على رأي المؤلف: أكثر قوم نوح مؤمنون، لكن الأصح أكثرهم أي الذين بُعث فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه هي (ما) الحجازية و(كان) زائدة، ولَّا معناها (...) أصلية والعمل لـ(كان)؟
* طالب: العمل لـ(كان) كما ذكرنا.
* الشيخ: العمل لـ(كان) كما ذكرنا؛ لأن الأصل عدم الزيادة، إذا جعلت العمل لـ(ما) لزم أن تجعل (كان) زائدة، وإذا جعلت العمل لـ(كان) بقيت (ما) نافية على ما هي عليه.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ الجامع بين العزة الغالبة القاهرة، الرحيم الرحمة البالغة، لكنه سبحانه وتعالى لجمعه بين العز والرحمة صارت الرحمة تكون في مواضعها والعز يكون في مواضعه.
وكم أقسام العزة التي يتصف الله بها؟
* طالب: عزة قدر، عزة قهر، عزة امتناع
* الشيخ: عزة القدر والقهر والامتناع.
ويش معنى عزة القدر؟
* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى له القدر العالي الذي لا يشبهه أحد من مخلوقاته.
* الشيخ: ذكر عزيز القدر يعني أن قدره لا نظير له، مثلما تقول: هذا عزيز، يعني ما يوجد.
عزة القهر؟
* طالب: أي أن الله سبحانه وتعالى قاهر من سواه من مخلوقاته أو (...).
* الشيخ: قاهر غالب لهم.
طيب وعزة الامتناع؟
* طالب: أي أنه لا يمكن لأحد من مخلوقاته أن يتوصل إليه..
* الشيخ: بسوء.
* الطالب: بسوء، أو أي..
* الشيخ: يعني يمتنع عليه كل سوء أو نقص.
وقالوا في المعنى الأخير: من هذا قولهم: أرض عزاز، نحن نسميها عزا، يعني صلبة قوية ممتنعة، ليست رخوة لينة.
وأما الرحيم فمعناه ذو الرحمة الواصلة إلى خلقه، يعني الرحيم غير الرحمن.
أهل السنة جميعًا يثبتون الرحمة لله حقيقة، وغيرهم يؤولها بأن المراد بها الإحسان أو إرادة الإحسان، يعني أنهم يصرفونها إلى لازمها، كيف؟ لأن الرحمة هي الرقة، والله سبحانه وتعالى منزه عن الرحمة، فيقال: من قال لكم: إن الله منزه عن رقة الرحمة؟ الله سبحانه وتعالى يرحم عبده بمعنى أنه يعطف عليه، وأي مانع يمنع؟ هل القاسي هو المحمود أو اللين هو المحمود؟ لا شك أن هذا هو المحمود.
ثم إننا نقول: إن لين الإنسان غير لين الله سبحانه وتعالى؛ لأن لين الإنسان سببه الضعف أحيانًا وعدم القدرة، ولهذا يرحم الإنسان أحيانًا من لا يستحق الرحمة؛ لأنه ما عنده إلا مجرد عاطفة اللين التي سببها الضعف، أما الله عز وجل فإن رحمته رحمة قوةٍ ورحمة حكمة، ولهذا يعذب أهل النار ذلك العذاب العظيم وهو أرحم الراحمين؛ مما يدل على أن رحمة الخالق ليست كرحمة المخلوق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences