Ibn 'UthayminAsh‑Shu'ara · 26:146–156

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ash-Shu'ara 26:146–156

26:146–153Page 373

أَتُتۡرَكُونَ فِي مَا هَٰهُنَآ ءَامِنِينَ ١٤٦

Will you be left in what is here, secure [from death],

فِي جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ١٤٧

Within gardens and springs

وَزُرُوعٖ وَنَخۡلٖ طَلۡعُهَا هَضِيمٞ ١٤٨

And fields of crops and palm trees with softened fruit?

وَتَنۡحِتُونَ مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا فَٰرِهِينَ ١٤٩

And you carve out of the mountains, homes, with skill.

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٥٠

So fear Allāh and obey me.

وَلَا تُطِيعُوٓاْ أَمۡرَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٥١

And do not obey the order of the transgressors,

ٱلَّذِينَ يُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا يُصۡلِحُونَ ١٥٢

Who cause corruption in the land and do not amend."

قَالُوٓاْ إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ ٱلۡمُسَحَّرِينَ ١٥٣

They said, "You are only of those affected by magic.

قال: (﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ من الخير ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ [الشعراء ١٤٦ - ١٤٨] لطيفٌ لَيِّنٌ)، ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ ﴿فِي مَا﴾؛ أي: في الذي، ﴿هَاهُنَا﴾ الإشارة إلى مكانهم؛ لأن مكانهم كما وصفه صالح عليه الصلاة والسلام: ﴿جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾. والاستفهام في قوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ للتحذير؛ يعني: أتظنون أن تُتْرَكوا؟ لا، فلن تتركوا، فهو للنفي المتضمن للتحذير.

وقوله: ﴿أَتُتْرَكُونَ﴾ مبني للمجهول للعلم بالفاعل. من هو الفاعل؟ الله سبحانه وتعالى؛ يعني أيتركم الله في ما هاهنا؟

وقوله: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ إلى آخره تذكير بنعمة الله سبحانه وتعالى عليهم، وأنهم لا يمكن أن يُتْركوا في هذه الحال بدون أمرٍ ولا نهيٍ، وهو كقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة ٣٦]، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥]، قال: ﴿فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ﴾ حال من الواو في ﴿تُتْرَكُونَ﴾؛ يعني حال كونكم آمنين، والآمن هو الذي أمِنَ من الخوف.

* وفيه دليل على استقرارهم في أوطانهم وأمنهم، والأمن مع الرزق الواسع هما غاية النعمة في هذه الحياة.

قال: ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، (الجنات) جمع جنة، وهي البساتين كثيرة الأشجار؛ لأنها تَستُرُ من فيها، وقوله: ﴿وَعُيُونٍ﴾ جمع (عين)، وهي المياه الجارية بدون دوالٍ ولا نواضح، ﴿وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، عطف ما ذكر على الجنات من باب عطف الخاص على العام للعناية به، وإلا فهو داخل في الجنات؛ لأن الزروع منها والنخيل كذلك ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ (طلع) يعني: ما تطلعه، وقوله: ﴿هَضِيمٌ﴾ يقولس: (لطيفٌ لينٌ)، والأمر كذلك؛ فإن طلع النخيل من ألين ما يكون؛ من ألينه وألطفه. وقيل: إن الهضيم بمعنى النضيد، كما قال الله تعالى: ﴿لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ [ق ١٠، ١١]؛ يعني أنه منضود ليس متفرقًا لأجل أن يسهل أخذه وجنيه.

وقوله: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ هذه الجملة في قوله: ﴿طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾ ويش محلها من الإعراب؟

* طالب: صفة للنخل في محل جر.

* الشيخ: نعم، في محل جر ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، وإنما نَصَّ على الطلع دون غيره من الفوائد مع كثرة فوائد النخيل؛ لأنه غاية ما ينتفع به منها، وإلا ففيها منافع كثيرة، وبهذا شبه النبي ﷺ المؤمن بها لكثرة خيراته وفوائده. هذا من حيث الزروع والتنمية.

أما من حيث البناء والمساكن فقال: (﴿﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَرِهِينَ﴾ ﴾ بطرين، وفي قراءة ﴿فَارِهِينَ﴾ حاذقين)، ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ المراد بنحتها من الجبال أنهم يجعلون البيت من الجبل، وليس المعنى أنهم ينحتون الحصى ثم يبنونها، لا، ولكنهم يجعلون البيت نفسه من الجبل، فيكيفون الجبل كما يريدون، وهو دليل على مقدرتهم وعلى كمال معرفتهم بالهندسة؛ لأن شيئًا ليس أمامك بل هو في باطن الحصى، والجبال والصخور تحتاج إلى تفكير قوي، كيف يصنعه، وكيف يجعل، (...)، وكيف يجعل (...)، إلى آخره، فهو دليل على قوتهم وعلى حذقهم في الهندسة.

كلمة ﴿﴿فَرِهِينَ﴾ ﴾؛ يعني بطرين، فهي صفة مشبهة، و﴿فَارِهِينَ﴾ بالمدِّ اسم فاعل، والمراد به الحذق، واختلاف القراءتين يكون فيه فائدة؛ وهي اجتماع المعنيين من هذه الكلمة، فيكونون متَّفقين بالأمرين في البطر، بناء على قراءة القصر، وبالحذق بناء على قراءة المد، وهذه من فوائد تنوع القراءة؛ لأن تنوع القراءة له فوائد كثيرة، منها هذه المسألة؛ أن تكون الكلمة جامعة لمعنيين.

﴿فَارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، هذه الجملة مثلما قلنا في قصة عاد: إما أن تكون مبنية على ما ذكر، وإما أن تكون مكررة لما سبق؛ فعلى الأول تكون تأسيسًا، وعلى الثاني تكون توكيدًا، والمقام مهم جدًّا يحتاج إلى أن تكرر فيه هذه الكلمة، وهي تقوى الله وطاعة الرسول ﷺ.

﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، هذا أمرٌ ونهي؛ أمر بتقوى الله وطاعته، ولكنه نهي عن طاعة أمر المسرفين، أمر واحد الأمور ولَّا واحد الأوامر؟

* طلبة: الأوامر.

* الشيخ: واحد الأوامر؛ يعني لا تطيعوا أمرهم. لماذا لم يقل: لا تطيعوهم وهو قال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾، ما قال: وأطيعوا أمري، وهنا قال: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾، ما يخالف ألا يمكن أن يقول: ولا تطيعوا المسرفين في إفسادهم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، ينهاهم عن طاعتهم.

* طالب: نعم، طاعة أمر المسرفين (...).

* الشيخ: طيب (...).

* طالب: يعني كبار القوم والوجهاء، وأنه يأمرهم لكي يكون أبلغ من لو قال: ولا تطيعوهم.

* الشيخ: طيب، قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر ٢٨]، ولم يقل: أتقتلون موسى، ليش؟

* طالب: لأنه يُعرِّض؛ لأنه يكتم إيمانه، فلا يريد أن يعرفون موسى (...) ﴿أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾..

* الشيخ: يعرفون موسى..

* طالب: يعرفون موسى، بس يبعد قرب صلته بموسى (...) عني ولا أعرفه (...).

* الشيخ: لو ذكره باسمه العلم لقيل: هذه صلة شخصية بينه وبينه، فجعله منكرًا كأنه لا يعرفه ﴿رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾، هذه مثلها قريبة منها، لو قال: لا تطيعوا المسرفين أنفسهم، ربما يقال: إن هذه بعداوة بينه وبينهم، فهو لا يريد أن يطاعوا وأمر بطاعة نفسه، لكن إذا قال: أمر المسرفين، كأنه يقول: أنا لا يهمني أن يكون هذا من فلان أو فلان، ولكن الكلام على أنه أمر من مسرف، هذا ما ظهر لي؛ لأجل أن يبعد اتهامه بأنه لا يريد المسرفين أنفسهم، حيث وجه النهي عن طاعتهم لأنفسهم، فجعل النهي عن طاعة أمرهم الذي هو أمر إسراف وفساد.

وقوله: ﴿الْمُسْرِفِينَ﴾؛ يعني المتجاوزين للحد، المسرف المجاوز الحد، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف ٣١] لا تجاوزوا الحد كمية ولا كيفية.

ثم قال: ﴿الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ وهذه الصفة كاشفة وليست قيدًا؛ لأن كل مسرف مفسد في الأرض فالصفة كاشفة، وقوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: يكونون سببًا في فسادها، أو أن المعاصي نفسها فساد؛ يعني إما أن تكون هي فساد، فيفسدون من باب إضافة الشيء إلى سببه، إما أن تكون المعاصي سببًا للفساد، أو أنها هي نفسها فساد.

(﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ بطاعة الله) ولا بغيرها أيضًا، وفي قوله: ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ دليل على (...) فسادهم، وأنه ليس فيها صلاح، فالنفي هنا يُقْصَدُ به النفي للإصلاح مع إثبات كمال ضده وهو الفساد ﴿يُفْسِدُونَ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾.

وقوله: (بطاعة الله) الطاعة نفسها إصلاح بلا شك، وهي أيضًا سبب للإصلاح؛ فإن طاعة الله تعالى سبب لصلاح كل شيء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٩٧]. ماذا كان الجواب؟ ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾، اتهموه بأنه مسحور، (مُسَحَّر) أبلغ من مسحورٍ، أيضًا وقولهم: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ﴾ حصرٌ لأعم الأحوال؛ يعني ما حالك أبدًا تخرج عن هذا الوصف ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾.

وقال المؤلف: (الذين سَحَرُوا كثيرًا حتى غلب على عقلهم) هذا -والعياذ بالله- جوابهم مثلما أجاب به كثير من الناس، بل إن كل الأنبياء يقال لهم مثل هذا ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]؛ وذلك لأنه لا حجة لهم، وكل إنسان ما عنده حجة إنما يذهب إلى السب والشتم، يظن أنه بذلك ينفر عمن خصمه وعجز عن مقابلته، وأما الإنسان الذي عنده حجة فإنه لا يلجأ إلى الشتم وإلى السب، ولهذا يعاب على بعض العلماء دأبه السب والشتم مع خصومه مثلما يفعل من؟ ابن حزم رحمه الله وعفا عنه؛ يعني لو كان يناقش بهدوء لكان أحسن له، وأما السب والشتم في قوم هم مثله أرادوا أن يصلوا إلى الحق، فهذا لا ينبغي ولا يليق بهم، ولا يليق بالإنسان العامي فضلًا عن العالم، فالمقصود ليس هو التهجم على الشخص، المقصود المقالة أن يرد عليها (...).

لكن أعداء الرسل ليس عندهم ما يقاومون به ما جاءت به الرسل، فلهذا يلجؤون دائمًا إلى السب والشتم (﴿مَا أَنْتَ﴾ أيضًا ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ )؛ أما الأول فكذب ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ بلا شك، بل هو من أعقل الناس عليه الصلاة والسلام، ولولا أنه أعقل قومه ما جعل الله الرسالة فيه ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، فهو أعقلهم وأكثرهم أمنًا وأقواهم صبرًا.

لكن ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ هذا صحيح ولَّا لا؟ هذا صحيح، ما هو إلا بشر مثلنا، لكن هذه العلة (...) من أن يكون رسولًا، ولهذا قالت الرسل لقومهم الذين احتجوا عليهم بهذه الحجة: ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [إبراهيم ١١]، هذا جواب هذه الشبهة، هي شبهة فجعلوها حجة، فيقال: وإذا كان بشرًا مثلكم، فما المانع من أن الله يمُنُّ عليه بالرسالة؟ لا مانع في الواقع، وأيضًا لا يمكن أن الله يرسل أحدًا إلى البشر إلا من البشر، حتى لو جعل ملكًا كما اقترح لجعل في صورة الرجل، ثم عاد الأمر على هؤلاء ملتبسًا مشتبهًا، فلم يستفيدوا من ذلك شيئًا.

26:154–155Page 373

مَآ أَنتَ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُنَا فَأۡتِ بِـَٔايَةٍ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٥٤

You are but a man like ourselves, so bring a sign, if you should be of the truthful."

قَالَ هَٰذِهِۦ نَاقَةٞ لَّهَا شِرۡبٞ وَلَكُمۡ شِرۡبُ يَوۡمٖ مَّعۡلُومٖ ١٥٥

He said, "This is a she-camel.1 For her is a [time of] drink, and for you is a [time of] drink, [each] on a known day.

قال الله تعالى: (﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك)؛ يعني لو اقتصروا على الجملة الثانية ﴿مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ لكان هذا كلامًا سليمًا؛ لأن كل إنسان يأتيه بشر مثله ويقول: إنني رسول رب العالمين، سيقول: هات آية ودليلًا، وإلا لأمكن كل كذاب أن يدعي النبوة، وأن يستحل دماء غيره وأموالهم بهذه الدعوى الكاذبة، فقوله: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ صريح، لكن المراد بالأمر هنا هل المراد به التحدي أو الاسترشاد؟ يظهر من حالهم أن المراد به التحدي؛ يعني أنه لا يمكن أن يأتي بآية على حدِّ قولهم: إنه مسحر، ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ في رسالتك، وكلمة ﴿إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ تدل على استبعادهم أن يكون كذلك، وعلى أنهم يريدون بهذا التحدي له، أجابهم بقوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ﴾ هذه الآية وهذه الناقة أعظم من ما يصنعونه من الحجارة، وما يزرعونه من الزروع، ويغرسونه من الأشجار؛ لأنها خرجت عن النوق الأخرى، لم تكن مثل النوق المعروفة المألوفة.

وما وجه كونها آية؟ ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ هذا وجه الآية في هذه الناقة، وأما ما جاء في الإسرائيليات من أنها خرجت من صخرة، فهذا لا أصل له، ولو كانت كذلك لذكرت في القرآن؛ لأن خروجها من صخرة وهي من الحيوان أشد وأظهر وأجلى في الآية من كونها لها شرب ولهؤلاء شرب، فالصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة، ولدت من نوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾. كيف لها شرب ولكم شرب؟ يعني أنها هي تشرب من هذا البئر تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى..

الصواب أن يقال: إن هذه الناقة ناقة وُلدت من نُوق، ولكن لها مزية على غيرها، وهي هذه المزية العظيمة ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الشعراء ١٥٥]، كيف لها شِرْب ولكم شِرْب؟ يعني أنها هي تشرب من هذه البئر، تأتي وتشرب، واليوم الثاني تذهب وترعى، لكن في اليوم الذي هي تشرب قال أهل العلم: إن كل من أعطاها دلوًا من الماء أعطته دلوًا من اللبن، فصاروا هم يشربون يومًا لبنًا ويومًا ماءً، هذا اللبن يأخذونه من هذه البعير، من هذه الناقة، وهذا بلا شك من آيات الله؛ إذ لا يوجد ناقة في هذه المثابة.

وقوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ كأن هذا الشِّرْب موقَّت بوقت جعلوه لأنفسهم، بحيث لا يلتبس على من ليس في البلد، حتى لو كان الإنسان في خارج البلد يعرف أن اليوم يوم الناقة، أو أن اليوم يوم الناس، فيأتي ويرد هذه البئر ويشرب منها، أو يرد في يوم الناقة فيشرب من لبنها، وهذا هو الفائدة من قوله: ﴿وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾.

﴿ ﴾

26:156Page 373

وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابُ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ١٥٦

And do not touch her with harm, lest you be seized by the punishment of a terrible day."

﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الشعراء: ١٥٦] يقول المؤلف: إنه عظيم (بعظم العذاب)؛ يعني: وليس اليوم نفسه هو العظيم، ولكن لوقوع العذاب فيه صار عظيمًا.

والعظيم وصف لليوم، وهل العظيم وصف مدْح أو وصف ذم؟

* طالب: على حسب السياق، وصف ذم.

* الشيخ: إي، لكن هو في الحقيقة وصْف مدح، ودليل على القوة فيما وُصف به، حتى إن كان عذابًا فهو دليل على قوة العذاب؛ إن كان خيرًا فهو دليل على قوة هذا الخير، المهم أن العظمة من حيث هي معنى من المعاني تدل على الكمال والمدح، سواء كان هذا في عذاب أو في نعمة.

وقوله: ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ كثير من الناس يتحاشون أن يصفوا المخلوق بالعظيم، ولكن الحقيقة لا وجه لهذا؛ فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣]، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ [الواقعة ٧٦]، فوصف الله تعالى بالعِظَم نفسه وكلامه ووحيه، ووصف به أيضًا بعض مخلوقاته؛ مما يدل على أنه لا بأس به.

وقد كان ناس يتحاشون أيضًا من قول: المعظَّم، وهذا أيضًا لا يُتحاشَى منه؛ والسبب أن الْمُعظَّم ليس عظيمًا، الْمُعظَّم قد لا يكون عظيمًا. قد يُعظَّم من ليس بعظيم، وهو أقل رتبةً من العظيم، فإذا كان العظيم جائزًا إطلاقه فالمعظَّم من باب أولى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском