Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:198–223
26:198–207Page 375
وَلَوۡ نَزَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ بَعۡضِ ٱلۡأَعۡجَمِينَ ١٩٨
And even if We had revealed it to one among the foreigners1
فَقَرَأَهُۥ عَلَيۡهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ مُؤۡمِنِينَ ١٩٩
And he had recited it to them [perfectly],1 they would [still] not have been believers in it.
كَذَٰلِكَ سَلَكۡنَٰهُ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ٢٠٠
Thus have We inserted it [i.e., disbelief] into the hearts of the criminals.
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٢٠١
They will not believe in it until they see the painful punishment.
فَيَأۡتِيَهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٠٢
And it will come to them suddenly while they perceive [it] not.
فَيَقُولُواْ هَلۡ نَحۡنُ مُنظَرُونَ ٢٠٣
And they will say, "May we be reprieved?"
أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ٢٠٤
So for Our punishment are they impatient?
أَفَرَءَيۡتَ إِن مَّتَّعۡنَٰهُمۡ سِنِينَ ٢٠٥
Then have you considered if We gave them enjoyment for years
ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ ٢٠٦
And then there came to them that which they were promised?
مَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ ٢٠٧
They would not be availed by the enjoyment with which they were provided.
قال: (﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾؛ أي القرآن، ﴿عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ [الشعراء ١٩٨] جمع أعجم، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: كفار مكة، ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ١٩٩] أنفة من اتباعه).
﴿لَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ﴾ هذا اللسان العربي، سواء بلسان العرب أو بغيره، ﴿فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ﴾ ما آمنوا به، فالمعنى أنهم لن يؤمنوا، سواء جاء به محمد ﷺ، وهو من صميم العرب ويعرفونه، أو جاء من رجل أعجمي ذلك؛ لأنهم معاندون، والمعاند -والعياذ بالله- لو جيء بكل آية ما آمن؛ لأنه فرق بين الإنسان الذي يتحرى الحق والإنسان الذي يعاند الحق؛ فالمعاند مكابر يصعب عليه أن يرجع عن الحق، والمعنى: أنه لو نزَّل الله هذا القرآن على بعض الأعجمين، إن كان بلغتهم فإنهم لن يؤمنوا به؛ لأنهم لم يفهموه بلغة العجم، وإن كان باللغة العربية ما آمنوا أيضًا أنفة من أن يتبعوا رجلًا أعجميًّا.
(﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي: مثل إدخالنا التكذيب به بقراءة الأعجمي، ﴿سَلَكْنَاهُ﴾ أدخلنا التكذيب به، ﴿فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الشعراء ٢٠٠]؛ أي: كفار مكة في قراءة النبي) لا يؤمنون به، ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أي مثل ذلك الإسلاك أو السلك، والمراد بالسلك الإدخال.
و﴿كَذَلِكَ﴾ مفعول مطلق لـ﴿سَلَكْنَاهُ﴾؛ يعني مثل ذلك، وهي دائمًا تأتي في القرآن: كذلك فعلنا، كذلك كذب، وما أشبهه، فيقولون: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مضافة إلى اسم الإشارة العائد على المصدر المفهوم من الفعل، وعليه فيكون إعراب الكاف اسم بمعنى (مثل) مفعولًا مطلقًا، عاملها الفعل الذي بعدها؛ يعني أن الله جل وعلا أدخل التكذيب في قلوب المجرمين، والمراد بـ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ ما هو أعم من كفار مكة، خلافًا لما قال المؤلف؛ فالمجرم الكافر سواء كان من أهل مكة أو من غيرها.
ولما دخل التكذيب في قلوبهم والاستكبار ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠١]، ليس في هذه الآية حجة لأهل الكفر والمعصية الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام ١٤٨]؛ لأن الله سبحانه وتعالى بيَّن في آية أخرى أن سبب كفرهم وشركهم هم أنهم كانوا لا يريدون الحق، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، ولو كانوا يريدون الحق لشرح الله صدورهم له، لكنهم عندهم -والعياذ بالله- أنفة وكبرياء وغطرسة، ولذلك حُرِمُوا من الوصول إلى الصواب.
﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠١، ٢٠٢]، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي بالقرآن، وإذا قلنا: إن ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ عام، ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ أي: بما نزل من عند الله.
وقوله: ﴿حَتَّى يَرَوُا﴾ للغاية ولَّا للتعليل؟
* طالب: للغاية.
* الشيخ: للغاية، المعنى أنهم إذا رأوا العذاب الأليم فقد يؤمنون، ولكن يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥].
وقوله: ﴿فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ هذا هو الغالب على المكذبين المعاندين؛ أن الله يُمْلي لهم، فيُوغِلوا -والعياذ بالله- في الكفر وفي الفسق وفي المعصية، حتى إذا جاءهم العذاب أتاهم بغتة؛ على غرة، كما قال الرسول ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري واللفظ له (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه. ]]، لأن هؤلاء لو أن الله سبحانه وتعالى أذاقهم البأس شيئًا فشيئًا لربما آمنوا ورجعوا، ولكنه -والعياذ بالله- يمهلهم حتى إذا وصلوا إلى قمة الكفر والفسق أُخِذوا. وهذا شيء مشاهد حتى في عصرنا الحاضر، الآن نرى أن بعض البلاد لما أوغلت في الكفر ووصلت إلى غايته أُخِذت والعياذ بالله.
قال: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٣] (لنؤمن، فيقال لهم: لا، قالوا: متى هذا العذاب؟ قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ ﴾ إلى آخره [الشعراء: ٢٠٤])، يعني: أنه إذا أتاهم العذاب بغتة يقولوا: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ﴾، هذا الاستفهام للتمني؛ يعني: ليتنا ننظر، هذا هو الظاهر، والمؤلف حمله على ظاهره على أنه للاستفهام الاستخباري، ولهذا يقال قال: (فيقال لهم: لا)؛ يعني: لن تنظروا، ولكن إذا جعلناه للتمني؛ أنهم يتمنون أن ينظروا ما احتاج إلى جواب.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، سبق أن الهمزة في مثل هذا التركيب إما أنها داخلة على جملة مقدرة بحسب السياق، أو أنها داخلة على الجملة الموجودة، وأصل العطف الذي بعدها حرف العطف الذي بعدها قبلها ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾، وهذا من باب التوبيخ والإنكار عليهم؛ يعني أيستعجلون بعذاب الله؟! وهو سبحانه وتعالى قريب الأخذ، فهو ينكر عليهم هؤلاء الذين يستعجلون بعذاب الله كيفية استعجالهم بالعذاب هل هو بالفعل ولَّا بالقول؟
* طالب: بالقول والفعل.
* الشيخ: نقول: بالقول وبالفعل؛ أما القول فإنهم ﴿يَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وأما الفعل؛ فإن إيغالهم في الكفر والمعاصي موجب لأن يعاجلوا بالعقوبة، فصار هذا الإنكار عليهم سواء كانوا يستعجلون قولًا كما قال المؤلف: (قالوا متى هذا العذاب)، أو كانوا يستعجلون فعلًا؛ بأن يوغلوا ويتعمقوا في الكفر والمعاصي، فإن ذلك من استعجال عقوبة الله.
قال الله تعالى: (...).
يقول الله تعالى: أخبرني أيها المخاطب إن متعنا هؤلاء سنين، وأمهلناهم ولم نعاجلهم بالعقوبة حتى بلغوا غاية المتعة في هذه الدنيا، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ماذا ينفعهم هذا التمتيع؟! في الحقيقة لا يزيدهم إلا حسرة والعياذ بالله، وإلا زيادة في العقوبة في النار؛ لأنه كلما كثرت معاصي الإنسان ازداد، هذا مثلًا في الحقيقة يُطبق على كل من قال لنا في شخص: إن هؤلاء الكفرة قد أنعم الله عليهم، وفتح عليهم الدنيا؛ الأمطار تأتيهم كل وقت، والأرض مخصبة، وهكذا، نقول له: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٥ - ٢٠٧]، ونقول: إن هذا أشد في وقع العذاب في قلوبهم؛ لأن الإنسان اللي يؤخذ على رغد من العيش وهناء وطمأنينة أشد من الذي يؤخذ على بأس، يمكن اللي في بأساء والضراء يمكن يرى أن الموت أريح له، لكن المأخوذ -والعياذ بالله- على شدة النعمة وقوتها أشد.
وقد ذكرنا لكم أنه بينما كان ابن حجر رحمه الله وهو قاضي القضاة في مصر صاحب فتح الباري يمشي على العربة، وعلى يمينه ويساره الناس والحشم والخدم، مَرَّ برجل زيات يهودي كله وسخ من الزيت، فأوقفه اليهودي قال له: يا سيدنا -أظن أو كلمة نحوها- إن نبيكم يقول: «إِنَّ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكَافِرِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٥٦ / ١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، والآن أنت مؤمن وأنت في هذا النعيم، وهو يهودي كافر وهو في هذا الجحيم والعذاب؟ قال له: نعم صحيح، لكن ما مُتِّعْتُ به من النعمة هو بالنسبة إلى نعيم الآخرة سجنٌ، وما أنت فيه من البأساء هو بالنسبة إلى عذاب الآخرة نعيم وجنةٌ، ففتح الله على هذا اليهودي فأسلم، عرف أن هذا صحيح وخاف من هذا؛ لأن اليهود يعرفون ويُصدِّقون بالكتب السماوية لكنهم يستكبرون عن الانقياد لها، فيقال: إنه أسلم.
فالحاصل أن هؤلاء إذا مُتِّعُوا طويلًا في الدنيا ونعيمها ثم جاءهم العذاب، فماذا يغني عنهم هذا المتاع؟ لا يُغْني شيئًا.
فقولُه: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ﴾ ﴿مَا﴾ لك أن تقول: إنها نافية، ولك أن تقول: إنها استفهامية لكنها بمعنى النفي. وأيهما أبلغ؟ أن تكون استفهامية بمعنى النفي؛ لأن الاستفهام الذي بمعنى النفي يتضمن النفي وزيادة؛ إذ إنه مُشرب معنى التحدي، ما أنت صانع بي؛ يعني: أتحداك أنك تصنع بي شيئًا، ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٧]؛ يعني يتحداهم أن يغني عنهم شيئًا، فإذا كانت (ما) صالحة للنفي والاستفهام حملت على الاستفهام أولى وأبلغ؛ لأنه مثلما قلنا: تدل مع النفي على؟
* طالب: على زيادة المعنى.
* الشيخ: زيادة المعنى والتحدي.
26:208–215Page 376
وَمَآ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ ٢٠٨
And We did not destroy any city except that it had warners
ذِكۡرَىٰ وَمَا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٢٠٩
As a reminder; and never have We been unjust.
وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠
And the devils have not brought it [i.e., the revelation] down.1
وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١
It is not allowable for them, nor would they be able.
إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢
Indeed they, from [its] hearing, are removed.1
فَلَا تَدۡعُ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُعَذَّبِينَ ٢١٣
So do not invoke1 with Allāh another deity and [thus] be among the punished.
وَأَنذِرۡ عَشِيرَتَكَ ٱلۡأَقۡرَبِينَ ٢١٤
And warn, [O Muḥammad], your closest kindred.
وَٱخۡفِضۡ جَنَاحَكَ لِمَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢١٥
And lower your wing [i.e., show kindness] to those who follow you of the believers.
(﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء ٢٠٨] رسل تنذر أهلها)، قوله: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ هذه صفة لـ﴿قَرْيَةٍ﴾؛ يعني: ما أهلكناها إلا في هذه الحال ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾.
و﴿مُنْذِرُونَ﴾ هل المراد أن الله تعالى ينذر (...) رسله؛ يعني إلا ونحن لها منذرون، أو أن ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾؛ يعني: رسل تنذر؟ المؤلف يقول: ﴿إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾؛ يعني: إلا ولها رسلٌ تُنْذِرها، ولكنهم مِن قِبَلِ مَن هؤلاء الرسل؟ مِن قِبَلِ اللهِ.
(﴿ذِكْرَى﴾ [الشعراء: ٢٠٩] عظة لهم)؛ يعني أننا نرسل هؤلاء المنذرين لأجل الذكرى؛ يعني الموعظة لهؤلاء، (﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في إهلاكهم بعد إنذارهم).
المؤلف يقول: (﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ في إهلاكهم بعد إنذارهم) وهذا صحيح، ويحتمل ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾؛ أي مهلكين بدون إنذار، والمعنى صحيح على هذا الوجه، وعلى الوجه الذي ذكر المؤلف؛ فالله تعالى إذا أهلكهم بعد إنذارهم وقد عصوا فهو لم يظلمهم، وكذلك لا يمكن أن يهلك مَن لا يُنْذَرُ؛ لأن ذلك ظلم.
* وفي هذه الآية دليل على أن الشرع لا يلزم قبل بلوغه؛ أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم، وأنه ما دام الإنسان غير عالم بالشرع فإنه لا يُكلَّف به.
ولهذا شواهد؛ منها: ما مَرَّ علينا في قصة المسيء في صلاته[[أخرج البخاري (٧٩٣)، ومسلم واللفظ له (٣٩٧ / ٤٥) عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلى، ثم جاء فسلم على رسول الله ﷺ، فرد رسول الله ﷺ السلام، قال: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل». فرجع الرجل فصلى كما كان صلى، ثم جاء إلى النبي ﷺ فسلم عليه، فقال رسول الله ﷺ: «وعليك السلام». ثم قال: «ارجع فصل؛ فإنك لم تصل». حتى فعل ذلك ثلاث مرات. فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا، علمني، قال: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها».]]؛ فإن الرسول لم يلزمه بقضاء ما فاته لأنه ما علم، ومنه: المرأة التي كانت تستحاض فلا تصلي، فلم يأمرها النبي ﷺ بالقضاء[[أخرج البخاري (٣٢٠) عن عائشة: أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فسألت النبي ﷺ، افقال: «ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي».]]، ومنها: حديث عدي بن حاتم؛ حيث أكل بعد طلوع الفجر[[أخرج البخاري (١٩١٦)، ومسلم (١٠٩٠ / ٣٣) عن عدي بن حاتم رضي الله عنه، قال: لما نزلت: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾، قال له عدي بن حاتم: يا رسول الله، إني أجعل تحت وسادتي عقالين: عقالًا أبيض وعقالًا أسود، أعرف الليل من النهار؟ فقال رسول الله ﷺ: «إن وسادتك لعريض، إنما هو سواد الليل وبياض النهار».]]، إلى غير ذلك أشياء كثيرة من هذا، إلا أنه قد يلزم الإنسان بالشيء إذا كان مفرطًا مهملًا؛ مثل لو انقدح في ذهنه، أو قيل له: إن هذا الشيء واجب، ولكنه قال كما يقول العامة: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة ١٠١]، (...) لا تفتش بكرة يقولوا: كذا واجب ومنه يحرجونه، أو هو يفعل شيء وانقدح في ذهنه أنه حرام أو قيل له: إنه حرام، وقال: (...)، أخاف إن سألت علماء قالوا: هذا حرام، فهذا ما يعذر؛ لأنه ليس بغافل، والله تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ﴾ [الأنعام ١٣١]؛ يعني: ما طرأ على بالهم شيء ولا علموا شيئًا، وأما الإنسان الذي طرأ على باله لكنه فرَّط في ترك السؤال، فهذا ينبغي أن يُلْزَمَ.
* طالب: (...) إنسان مثلًا أعرابي وغلط في (...) غلط كبير فاحش (...) عمره (...)؟
* الشيخ: لا، يجب عليه يعلمه.
* الطالب: كثير غلطه وما يستجيب.
* الشيخ: المهم أنك إذا علمته قمت بالواجب عليك، ثم إن هداه الله فهو له ولك، وإن لم يهتَدِ فلكَ وعليه.
* الطالب: هم العوام صعب عليهم (...) أو بس تعطيه أنت كل العذر..
* الشيخ: (...) العلم، قلْ له مثلًا: إذا قمت إلى الصلاة فكبِّرْ، ثم اقرأ فاتحة القرآن، ثم ما تيسر معك من القرآن، عرف إذا قال: إي، امشِ معه الركوع والرفع منه، عرف، نعم امشِ في السجود.
* الطالب: العامي مشكلة.
* الشيخ: إذا الإنسان ما عرف، أعد عليه، وين تروح ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت ٦٩]، الآن كون الله ينعم عليك بالعلم أشد تبعه من الناس، العلم أشد تبعة؛ لأنه هو الحقيقة نشر للرسالة تبليغ لشريعة الله.
* وفي هذا في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ إشارة إلى إمكان الظلم، ولكنه مستحيل شرعًا، العلم شرعًا لا لذاته؛ لأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يُعذِّب المطيع، وإن أطاع ولَّا لا؟ ليس مستحيلًا، لكنه تبارك وتعالى مُنزَّه عنه لكمال عدله.
ففيه ردٌّ على الجهمية الذين يقولون: إن الله سبحانه وتعالى يستحيل في حقه الظلم يستحيل لذاته، فيقولون (...).
يشمل دعاء المسألة ودعاء العبادة؛ دعاء المسألة مثل يقول لغير الله: يا فلان أعطني، يا فلان ارزقني، وما أشبه ذلك، واحد وقف عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام وقال: يا رسول الله ارزقني، يا رسول الله هَيِّئ لي زوجة، يا رسول الله أعطني ولدًا. ويش حكم هذا؟
* طالب: شرك.
* الشيخ: شرك أكبر مخرج عن الملة، وهو دعاء مسألة.
دعاء العبادة: أن يقف عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام ويعبد النبي؛ يركع له، ويسجد له، وما أشبه هذا. والنهي عن الدعاء مع الله إلهًا آخر شامل للنوعين.
﴿فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾. ويش اللي ناصب تكون؟
* طالب: فاء السببية بعد الاسم.
* الشيخ: لوقوعها بعد النهي، ﴿فَتَكُونَ﴾؛ أي: إن دعوت مع الله إلهًا آخر ﴿مِنَ الْمُعَذَّبِين﴾، ولم يقُلْ: مُعذَّبًا أو فتُعَذَّب؛ إشارةً إلى أن المشركين والكفار كثيرون، والذي يدعو مع الله إلهًا آخر يكون منهم.
(﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وهم بنو هاشم وبنو المطلب، وقد أنذرهم جهارًا. رواه البخاري ومسلم[[أخرج البخاري (٢٧٥٣)، ومسلم –واللفظ له- (٢٠٤ / ٣٤٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما أنزلت هذه الآية ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دعا رسول الله ﷺ قريشا، فاجتمعوافعم وخص، فقال: «يا بني كعب بن لؤي، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة، أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها».]] )، وهذا في أول الدعوة أمر أن يُنْذِرَ عشيرته الأقربين. لماذا؟ لأنهم أحق الناس ببره، ولأنهم بمقتضى القرابة لا بمقتضى الواقع أسبق الناس إلى الإيمان به، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أشد الناس غيرة عليه، ولأنهم أيضًا بمقتضى القرابة هم أعظم الناس حقًّا عليه، فلذلك الإنسان مسؤول عن أهله أكثر مما هو مسؤول عن الأجانب، ومسؤول عن القربى أكثر مما هو مسؤول عمَّن ليس بينه وبينه قرابة.
وقوله: ﴿الْأَقْرَبِينَ﴾ هذه اسم تفضيل، فيقتضي ما دام أن الحكم معلقًا بالأقرب أنه كل من كان أقرب كان أولى وأحق. وقوله: (وهم بنو هاشم وبنو المطلب) هذا ليس بصحيح بهذين البطنين، بل حتى البطنان الآخران بنو عبد شمس وبنو نوفل منهم من الأقربين بلا شك، لكن منهم من أجاب، ومنهم من لم يُجِبْ؛ فقد امتنع عن الإجابة عمه أبو لهب، وهو من أقرب الناس إليه؛ لأن عم الرجل صنو أبيه، وامتنع عن الإجابة عمه أبو طالب أيضًا وهو صنو أبيه، لكن عمه أبو طالب والاه وناصره، وعمه أبو لهب عاداه وخذله والعياذ بالله.
وقد صاروا أمام الرسول عليه الصلاة والسلام ثلاثة أقسام: قسم آمن به، وقسم نصره ولم يؤمن به، وقسم لم يؤمن به ولم ينصره.
وهذا من حكمة الله عز وجل؛ لأنهم لو نصروه كلهم وآمنوا به لقيل: هذا رجل يريد الملك والسيادة، ولهذا تبعه أقاربه وهم مُتَّفقون على هذه الخطة، ولكن من حكمة الله أن الله تعالى قسمهم هذا التقسيم.
﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾ * وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان أن يرسل ويعظ الأقرب منه فالأقرب، وهو مسؤول سؤالًا مباشرًا بالنسبة إلى أهله.
(﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ ألن جانبك، ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٥] الموحدين) الإنذار للعشيرة، والخفض -خفض الجناح- للمؤمن، سواء كان من عشيرته أو ليس من عشيرته.
* وفي هذا دليل على أنه يجب على الإنسان ألَّا يتعاظم على أحد، لكن بالأخص المؤمن أن يلين له جانبًا. بس غير المؤمن لا يلين له جانبًا؟
* طالب: لا يبدأ بالسلام.
* الشيخ: المهم لا يلين له جانبًا.
قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه ٤٤].
* طالب: ما قبل التبليغ (...) الدعوة، ولكنه رفض وعرف الدعوة وبلغته الدعوة، فينبغي (...).
* الشيخ: يعني ترجع المسألة إلى المصلحة إلا بما دل الشرع على خلافه، فالشرع هو المقصد؛ لقوله: ﴿اخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٥].
* في هذا دليل على أن تحقيق الإيمان إنما يكون بأي شيء؟ باتباع الرسول ﷺ؛ لأنه لما قال: ﴿أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾، فهو إذا أنذر إما أن يُتْبَعَ، وإما ألَّا يُتْبَعَ.
26:216–220Page 376
فَإِنۡ عَصَوۡكَ فَقُلۡ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٢١٦
And if they disobey you, then say, "Indeed, I am disassociated from what you are doing."
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ ٢١٧
And rely upon the Exalted in Might, the Merciful,
ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ ٢١٨
Who sees you when you arise1
وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ ٢١٩
And your movement among those who prostrate.1
إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٢٠
Indeed, He is the Hearing, the Knowing.
(﴿فَإِنْ عَصَوْكَ﴾؛ أي: عشيرتك) والأصح أو غيرهم، (﴿فَقُلْ﴾ لهم ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء ٢١٦] من عبادة غير الله)، التعبير ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ لم يقل: (منكم)؛ لأنه لو قال: (منكم) لكان هذا أشد صدمة، ولاحتمل أن يكون هذه البراءة شخصية، وأيضًا لم يحصل منه النفور عن العمل؛ لأنه (...) فإذا قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ عرفوا أن السبب في البراءة العمل، فربما يكون ذلك سببا لأنْ يرتدعوا عنه؛ لأجل أن ينالوا الولاء دون البراء.
(﴿وَتَوَكَّلْ﴾ بالواو والفاء)، وهذه من المسائل النادرة في القراءات؛ لأن الغالب في القراءة أن يكون الخلاف في صفة الكلمة أو الحرف ليس في ذاته أو عينه، لكن هذا قد يأتي أحيانًا بذات الحرف، وأحيانًا أيضًا بإسقاط الحرف من عدمه في قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦] فيه قراءة إسقاط الواو: ﴿﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ ﴾، وهذا من المسائل النادرة في القراءات، فالقراءة قد تكون في نظم الحرف، وفي وجود الحرف، وفي شكل الحرف. أكثرها ما هو؟ في شكل الحرف وهيئته؛ يُمَد أو لا يُمَد، يُرْفَع أو يضم، لكن فيه نوع الحرف نادر مثل هنا بالواو والفاء، هذا في أي شيء؟ في نوع الحرف، في وجود الحرف، مثلما أشرت إليه في آية البقرة ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥) وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ [البقرة ١١٥، ١١٦]، وفي قراءة ﴿﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ ﴾، وفي سورة المائدة أيضًا حرف (...)، فيه أيضًا زيادة الواو في قراءة، وحذفها في قراءة.
وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ﴾ التوكل..
* طالب: (...) القراءة هذه.
* الشيخ: ﴿﴿فَتَوَكَّلْ﴾ ﴾، والتوكل هو الاعتماد على الله مع الثقة به في جلب المنافع ودفع المضار، (﴿عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ [الشعراء ٢١٧] الله؛ أي: فوِّض إليه جميع أمورك)، ولم يقل: (على الله) بل قال: ﴿الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾؛ لأن المقام يقتضيه؛ يقتضي عزةً في مقابل المكذبين له، ورحمة في مقابل قيامه بواجب الإنذار، (﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة، ﴿وَتَقَلُّبَكَ﴾ في أركان الصلاة قائمًا وقاعدًا، وراكعًا وساجدًا، ﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء ٢١٩]؛ أي المصلين).
قوله: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ إلى الصلاة، بعضهم يقول: حين تقوم من منامك، ولكن هذا المعنى الذي ذكر المؤلف أعم. وقيل: إن المعنى حين تقوم في شؤونك من الإنذار وغير الإنذار؛ يعني يراك حين تقوم منذرًا، ويراك حين تقوم مصليًّا، ويراك حين تقوم صائمًا، وحين تقوم حاجًّا، في جميع الأحوال؛ يعني حين تقوم إلى عبادة الله، ويراك أيضًا حين تقلبك في الساجدين؛ أي في المصلين؛ أي في جملتهم، وهذا المعنى الأخير أعم من الجميع.
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ خُصَّت الصلاة لأنها أصل العبادات البدنية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء ٢٢٠] هذه الجملة استئنافية لبيان أنه مع رؤيته تبارك وتعالى فهو أيضًا سميع عليم، إذن ثلاث صفات: الرؤية والسمع والعلم.
26:221–223Page 376
هَلۡ أُنَبِّئُكُمۡ عَلَىٰ مَن تَنَزَّلُ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢٢١
Shall I inform you upon whom the devils descend?
تَنَزَّلُ عَلَىٰ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٖ ٢٢٢
They descend upon every sinful liar.
يُلۡقُونَ ٱلسَّمۡعَ وَأَكۡثَرُهُمۡ كَٰذِبُونَ ٢٢٣
They pass on what is heard,1 and most of them are liars.
(﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾؛ أي كفار مكة، ﴿عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ [الشعراء ٢٢١] بحذف إحدى التاءين من الأصل) وأصلها: تتنزل. (﴿تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾ [الشعراء ٢٢٢] فاجر، مثل مسيلمة وغيره من الكهنة).
يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ﴾ هذا كله يدور حول قول الكفار: إن الرسول عليه الصلاة والسلام كان كاهنًا، والكاهن من تنزل عليه الشياطين، وهذا القرآن تنزيل رب العالمين، ما تنزلت به الشياطين، بيَّن الله بعد ذلك هذا الاستفهام للتشويق أو لإقامة الحجة والتحدي؛ يعني أن الشياطين إنما تنزل ليس على مثل الرسول ﷺ الصادق الأمين البعيد عن الفحشاء، إنما هي تتنزل على كل أفَّاكٍ، وإتيان الكلام بمثل هذه الصيغة باستفهام ثم خبر أبلغ في رسوخه في القلب؛ لأنه لو جاء مرسلًا هكذا خبرًا ما (...) الوقت الذي كان حينما جاء بصيغة الاستفهام ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ﴾ كذَّاب ﴿أَثِيمٍ﴾، و﴿أَفَّاكٍ﴾ هذه بالنسبة والمبالغة أيضًا أي كثير الإفك، والإفك بمعنى الكذب، والأثيم بمعنى الآثم؛ أي جامع بين سوء القول وسوء العمل. وقوله: (مثل مسيلمة وغيره من الكهنة) هذا تمثيل؛ مِثْلُ كذا.
(﴿يُلْقُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٣]؛ أي الشياطين، ﴿السَّمْعَ﴾؛ أي ما سمعوه من الملائكة إلى الكهنة، ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ يضمُّون إلى المسموع كذبًا كثيرًا، وكان هذا قبل أن حُجِبَت الشياطين عن السماء).
﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ﴾ الضمير في ﴿يُلْقُونَ﴾ يعود على مَن؟ الشياطين السمع؛ أي المسموع، وهو مصدر بمعنى اسم المفعول. يلقونه على من؟ على الكهان، يأخذون من السمع ما أخذوا، ولكنهم يزيدون إلى هذا كذبات كثيرة، ولهذا قال: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾، قال المؤلف: (يضمون إلى المسموع كذبًا كثيرًا، وكان هذا قبل أن حُجِبَت الشياطين من السماء)، وكانت الشياطين قبل بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام تستمع إلى شيء من السماء، ولكنه حين البعثة صاروا لا يستمعون؛ لقولهم: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ [الجن ٩]، ما يستطيعون، لو قعدوا مقاعدهم بالأول ليستمعوا أتتهم الشهب.
ولكن هل هذا انقطع بانقطاع الوحي لأن الحكم يدور مع علته أو بقي؟ الظاهر -والله أعلم- أنه انقطع بانقطاع الوحي، وأنه في ذلك الوقت مُنِعَت السماء من الشياطين، أما بعد ذلك فإنها لا تُمْنَع، ولكن قد تُمْنَع أحيانًا مثلما نرى نحن كثيرًا من الشهب.
* طالب: إحنا ذكرنا الحديث: إن الشياطين يركب بعضهم بعضًا (...) قوة (...) بدون أن يركب بعضهم بعضًا (...)؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: هذا يرجع إليها (...).
* الشيخ: (...)، أنا ما أعرف هذا من المرفوع أو من الموقوف؛ إن كان من المرفوع فيجب التصديق به ولا يجب أن نعترض عليه، وإن كان من الموقوف فلا يجب علينا أن نصدق به، وهم بلا شك قادرون على أن يصلوا، ولهذا هم بسرعتهم وخفَّتهم غير البشر، العفريت من الجن قال لسليمان: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٩]، هذا ما يتمكن أحد من البشر من القيام به أبدًا، مهما بلغ البشر من قوة ما يمكن يأتون به بمثل هذه السرعة.
قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء ٢٢٤] مناسبة (...) هذا لأن كفار قريش عارضوا النبي عليه الصلاة والسلام بأنه كاهن وعارضوه بأنه شاعر ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾ [الطور ٣٠]، (...) الله تعالى أن يكون كاهنًا فيما سبق.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences