Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:18–27
26:18Page 367
قَالَ أَلَمۡ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدٗا وَلَبِثۡتَ فِينَا مِنۡ عُمُرِكَ سِنِينَ ١٨
[Pharaoh] said, "Did we not raise you among us as a child, and you remained among us for years of your life?
قال الله تبارك تعالى في ذكر جواب فرعون لموسى: (﴿قَالَ﴾ فرعون لموسى: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ﴾ ) في الآية إيجاز، والإيجاز عند البلاغيين ينقسم إلى قسمين؛ إيجاز حذف، وإيجاز اختصار، أيهما الموجود هنا؟
* طالب: الحذف.
* الشيخ: إيجاز الحذف، ولهذا قال: (فأتياه فقالا له ما ذُكِر)، قَالَ فرعون لموسى إلى آخره، موسى لما أدى الرسالة هو وأخوه، قال فرعون مجيبًا لهذه الدعوة: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، هذه واحدة ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء ١٨، ١٩] يعني: أفبعد هذا الأمر تأتي وتدعي أنك رسول رب العالمين، ومعنى ذلك أنه ينكر ربوبية فرعون، فكأنه يقول بعد هذه الأمور الثلاثة: كان الأليق بك أن تأتي معتذرًا، وأن تأتي خاضعًا؛ لأننا مَنَنَّا عليك؛ ولأنك أخطأت علينا المنة.
قال: (﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا﴾ في منازلنا ﴿وَلِيدًا﴾ صغيرًا قريبًا من الولادة بعد فطامه)، والقصة معروفة في سورة القصص، أن الله تعالى أوحى إلى أمه إذا خافت عليه أن تجعله في تابوت، وتلقيه في اليم، وفعلت إيمانًا منها بوعد الله، ثم قدر الله تعالى أن وقع هذا التابوت في قبضة آل فرعون، فالتقطوه لحكمة يريدها الله عز وجل وهم لا يشعرون، فلما التقطوه أرسلت أم موسى أخته لتقص الخبر ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص ١١] عن بُعد، ثم رأتهم يطلبون له مرضعة، فعرضت عليهم ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص ١٢] فرُدَّ إلى أُمِّه، مع أنه لم يرتضع ثدي أنثى غيرها، وهذا من تمام قدرة الله عز وجل، ووفائه بوعده، أنه رده إلى أمه قبل أن يتغذى بشيء سوى لبنها، وبقي معها حتى فطمته، وبحسب الحال سوف يرجع إلى من؟
* طلبة: فرعون.
* الشيخ: إلى آل فرعون الذين التقطوه، فرجع إليهم فنشأ فيهم، وهذا من تمام قدرة الله أن ينشأ هذا الصبي الذي كان هلاك فرعون بسببه ينشأ في حجره، وقد قيل: إن فرعون كان يقتل أبناء بني إسرائيل خوفًا من هذا الولد؛ لأن الكهنة قالوا له: إنه سيظهر رجل في بني إسرائيل يكون زوال ملكك على يده، فصار يقتل أبناءهم.
هذا على كل حال من الإسرائيليات الذي لا ندري هل يصدق أم لا، إنما كونه يقتل الأبناء، ويستحيي النساء هذا في القرآن، لكن هل هو إذلال للشعب واستعباد لهم، أو خوف من هذا الولد؟ الله أعلم، على كل حال تربى عنده فكان يمن عليه فرعون بهذه المنة ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ يعني: فكيف تأتي بضد ما نريد، وتدعي أن لك ربًّا أرسلك، ثانيًا: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ ولَّا سنينًا؟
* طلبة: سنين.
* الشيخ: سنين؛ لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
وقوله: ﴿مِنْ عُمُرِكَ﴾ في الأصل صفة للسنين، أصلها: لبثت فينا سنين من عمرك، ولكن القاعدة في النحو أن الصفة إذا قُدِّمت أعربت حالًا؛ لأن الحال صفة في المعنى، والصفة بالمعنى الذي هو النعت لا يمكن أن يتقدم على المنعوت، لهذا قالوا: إن صفة النكرة إذا قُدِّمت عليها أُعْربت حالًا منها، هذه القاعدة عند النحويين.
﴿مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ هذه السنين ثلاثين سنة، حسب ما قال المؤلف وبعض المفسرين، ولكن الأَوْلى أن تُبْهَمَ كما أبهمها الله، لكن هم قدروا هذه الثلاثين؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام نُبِّئ على رأس الأربعين على ما هي عادة الله سبحانه وتعالى في إرسال الرسل، فقالوا: إن الثلاثين كان عند فرعون، ثم إنه ذهب إلى مدين، وبقي فيهم كم؟
* طلبة: عشر سنوات.
* الشيخ: عشر سنوات، ثم أرسله الله، فمن هنا صارت السنين ثلاثين، ولكن هذا ليس بلازم؛ لأنه قد يكون تربى عند فرعون أقل من هذا، ثم انضم إلى من؟ إلى بني إسرائيل، فلهذا ما ينبغي أن نجزم بأنها ثلاثون سنة، فلنقول كما قال الله: ﴿سِنِينَ﴾ وهي جمع، وأقل الجمع ثلاث سنوات، ولكن يبدو أنها أكثر؛ لأن الثلاث سنوات قد لا يكون بها تلك المنة التي يمن بها فرعون.
يقول: (يلبس من ملابس فرعون، ويركب من مراكبه، وكان يسمى ابنه)، ولذلك قالت امرأة فرعون: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص ٩].
* طالب: امرأة فرعون.
* الشيخ: امرأة فرعون ﴿لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ إي نعم.
فهذا دليل على أنهم اتخذوه ولدا؛ يعني عسى أن ينفعنا مطلقًا، وإن لم نتبنه أو نتخذه ولدًا، ومن المعلوم أن الولد سوف ينفع، ولكن الله يقول: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [القصص ٩] لم يكن الأمر كما توقعوه، بل كان بالعكس.
26:19Page 367
وَفَعَلۡتَ فَعۡلَتَكَ ٱلَّتِي فَعَلۡتَ وَأَنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٩
And [then] you did your deed which you did,1 and you were of the ungrateful."
(﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ وهي قتله القبطي) ﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ أبهمها تعظيمًا لها، والإبهام يأتي للتعظيم أحيانًا، كما في قوله تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة ١، ٢] وقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه ٧٨] هذا إبهام يُراد به التعظيم، وهنا قال: ﴿فَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ ولم يقل: قتلت القبطي، إشارة إلى تعظيمها، وأضافها إليه من باب التقرير، يعني: أنك فعلت تلك الفعلة التي لا يفعلها -أولم يفعلها- سواك، وهي قتله القبطي الذي كان في مشاجرة مع الإسرائيلي.
﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء ١٩] الجملة حال من الضمير في ﴿فَعَلْتَ﴾، ﴿التي فعلت وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الكافرين بمن؟ ليس بالله؛ لأنه لا يؤمن بالله، ولكن من الكافرين به بفرعون؛ لأن موسى لم يتخذه إلهًا كما اتخذه الأقباط، (﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ الجاحدين لنعمتي عليك بالتربية، وعدم الاستعباد)، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وأن المراد بالكفر هنا كفر النعمة، وذلك جحده لما منَّ به فرعون عليه من التربية، وعدم الاستعباد كما استعبد بني إسرائيل، ولكن الذي ينبغي أن نقول: هي أعم مما قال المؤلف، بل حتى وهي الأهم عند فرعون أنه كفر بعبوديته، فلم يتعبد له.
26:20Page 368
قَالَ فَعَلۡتُهَآ إِذٗا وَأَنَا۠ مِنَ ٱلضَّآلِّينَ ٢٠
[Moses] said, "I did it, then, while I was of those astray [i.e., ignorant].
(﴿قَالَ﴾ مُوسَى ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ أي: حينئذ ﴿وَأَنَا مِنْ الضَّالِّينَ﴾ عَمًّا آتَانِي اللَّه بَعْدهَا مِنْ العلم والرسالة)، ﴿فَعَلْتُهَا إِذًا﴾ كلمة إذن تعرفون أنها للمستقبل؛ لأن أصلها إذَا فنونت، وحينئذ تكون للماضي، فتفسير المؤلف (إذن) بـ(حينئذ) من باب التفسير بالمعنى، لا التفسير باللفظ؛ إذ لا يُفسر حرف بحرف يُقابله في المعنى، ولكن من باب التفسير بالمعنى؛ يعني: فعلتها حينئذ، فعلتها فيما مضى ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾.
وذهب بعض المفسرين إلى أن إذن على ما هي عليه جواب لفرعون كالمتهكم به، كأنه يقول: إذن أفعلها؛ يعني: ولا أبالي بك، ولكني من الضالين الجاهلين بحكم القتل، ولعل هذا أقرب أن تكون: إذن على بابها ليست بمعنى الماضي، وكأن ذلك جواب لفرعون على سبيل الاستهانة به، وعدم الاكتراث، وأنه لا يبالي به، وقوله: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ جواب على قول فرعون له: ﴿وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يقول الشارح، أو المفسر: (عما آتاني الله بعدها من العلم، والرسالة)، فيكون المراد بالضلال هنا الجهل، وعلى هذا فيكون الضلال إذن ينقسم إلى قسمين؛ ضلال يُذم عليه الفاعل أو الضال، وضلال لا يُذم عليه، فالضلال الذي حصل، أو الذي اتصف به موسى حين قتله القبطي ضلال لا يُلام عليه؛ لأنه لم يأته وحي، ولا رسالة حينئذ، فهو معذور.
ومن هنا نعرف أنه يصح أن نصف المخالفين للصواب من أهل العلم نصفهم بالضلال، لكن لا الضلال المطلق الذي يُذمون عليه إذا عرف أنهم أهل نصح في الإسلام، لكن أخطؤوا بعد الاجتهاد، مثال ذلك مثلًا ما مر علينا في باب الأصول من أن كثيرًا من أهل العلم أشاعرة من الذين عرفوا بالإخلاص للإسلام، وبمقام الصدق فيه، ومع ذلك نصفهم بأنهم ضالون، لكن لا الضلال المطلق الذي يُشم منه، أو يشعر بالذم، والقدح، لكن المراد مخالفة الصواب، وإلا سنجد من يشنع إذا قلنا مثلًا: إن ابن حجر ضال، والنووي ضال، وكثير من أكابر العلماء مخطؤون للصواب، أو مخطئون فيما يقولون، مجانبون للصواب، لكن لا، نقول: ليس الضلال المطلق الذي يُذم عليه الفاعل؛ لأن الضلال مع الاجتهاد هو تحري الحق، لا يُذم عليه المرء وإن وُصِف به.
* طالب: (...) أفعلها.
* الشيخ: لا، أصله ما يمكن يقول: أفعلها. وقد فعل، لكن: ﴿إذًا﴾ في جواب للحال باعتبار جوابه لفرعون.
* طالب: ثم إن جملة الحال ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ (...).
* الشيخ: لا؛ لأن ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ جملة حالية حال من الفاعل في ﴿فَعَلْتُهَا﴾، الآن ﴿إذًا﴾ ما تكون متعلقة بفعلتها تكون متعلقة بجواب: أجيبك إذن، ﴿فَعَلْتُهَا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ يعني: باعتبار جوابه لفرعون، لا باعتبار أنه فعلها؛ لأن ما يمكن أن نقول: فعلتها إذن، ما فعلها إذن، وفعلها سابقا.
* طالب: أُجِيبك إذن.
* الشيخ: أُجيبك إذن، فأنا فَعلتُها وأنا مِنَ الضالين، فكأنه يشعر بعدم الاكتراثِ وبالتحدي لفرعون، وأنه لم يبالِ به، يقول: ﴿وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ﴾ ويش المراد بالضلال هنا؟
* الطلبة: الجهل.
* الشيخ: الجهل المراد به الجهل الذي ليس عن عمد.
26:21Page 368
فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكۡمٗا وَجَعَلَنِي مِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢١
So I fled from you when I feared you. Then my Lord granted me judgement [i.e., wisdom and prophethood] and appointed me [as one] of the messengers.
قال تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء ٢١] إلى آخره ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ﴾ وسبب فراره منهم أن رجلًا جاءه يسعى، وقال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]، والرجل هذا كما تعرفون مجهول؛ لأنه قال: جاء رجل، لكن قَبِل موسى خبره لوجود القرينة، ويش هي القرينة؟
* طالب: قتله القبطي.
* الشيخ: قتله القبطي، وإلا فما يقبل خبر رجل مجهول، ثم إن هذا الرجل أكد خبره بقوله: ﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠] فخرج، فر منه خائفًا.
﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ (لما) ظرف بمعنى: حين، وتعرفون أنها تستعمل عدة استعمالات (لما)، فتُستعمل ظرفًا بمعنى: حين، وتُستعمل بمعنى أداة استثناء بمعنى: إلا، وتُستعمل شرطية، وتُستعمل نافية، أما استعمالها نافية ففي مثل قول الله تعالى؟
* طالب: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤].
* الشيخ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ [الحجرات ١٤] يعني: لم يدخل.
وأما استعمالها شرطية ففي مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ﴾ [البقرة ١٠١] (ولما جاءهم.. نبذ) هذه شرطية، وأما استعمالها بمعنى (إلا) ففي مثل قول الله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] يعني: ما كل نفس إلا عليها حافظ.
وهنا ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ اسم بمعنى حين، فهي ظرف يعني: لما خفتكم أي حين خفتكم، ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء ٢١] وهذا مما يؤيد ما سبق أن أشرنا إليه بأن الكلمات تعتبر حقيقة بحسب السياق، وأن هذا هو مأخذ شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في أنه ليس في اللغة العربية ما يُسمى بالمجاز مطلقًا؛ لأن المعنى ليس أمرًا ذاتيًّا للكلمة، بل الكلمة لها معنى بحسب سياقها، وقرائن أحوالها.
* طالب: الرجل الذي ذُكِر في سورة القصص ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص ٢٠]، ما يُفسر بأنه الرجل في سورة غافر ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨].
* الشيخ: ما هو بالظاهر؛ لأن الرجل المؤمن هذا بعد أن جاء إلى فرعون بالرسالة، وأما الأول فإنه قبل أن يذهب إلى مدين، ما يمكن (...)؛ لأنه ما يتعين، ما ندري قد يكون هو، لكن تفسيرنا إياه معناه نجزم بأنه هو، وليس كذلك.
* طالب: إعراب ﴿لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ لما..
* الشيخ: أي حين خفتكم ظرف بمعنى حين.
(﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ علما ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ).
﴿فَوَهَبَ لِي﴾ أعطاني، وقوله: ﴿حُكْمًا﴾ عِلمًا، ولكن تفسير الحكم بالعلم قد يقول قائل: إن فيه نظرًا؛ لأن الله تعالى يعطف بعضهما على بعض ﴿آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف ٢٢] والعطف يقتضي المغايرة، وإذا كان كذلك فإنه لا يمكن أن يفسر أحدهما بالآخر، ولننظر: هل هذا صحيح اعتراضنا، أو يُقال: إنهما من الألفاظ التي إذا اجتمعت افترقت، وإذا افترقت اجتمعت، فإذا اجتمعتا تغايرتا، وإذا انفردت إحداهما صار معنى كل واحدة معنى الأخرى.
﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ٢١] الحكم القضاء بالشيء يسمى حُكمًا، ولا حكم إلا بعلم، فتفسير الحكم الآن بلازمه ولّا لا؟ تفسيره بلازمه، وإذا جُمع مع العلم صار العلم ضد الجهل، والحكم تطبيق ذلك العلم، فالذي يظهر أن المراد بالحكم هنا أخف من العلم؛ يعني الحكم: القضاء، أو ما به يقضي الإنسان بين الناس، ولا يكون ذلك إلا بعلم، فتفسير المؤلف له تفسير بلازمه؛ لأن من لازم الحكم العلم، وليس من لازم العلم الحكم؛ لأن الإنسان قد يعلم ولكن ما يحكم.
وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ هذا بعد أن أوحى الله إليه، وآتاه من العلم والحكم جعله أيضًا مرسلًا، كلف بالرسالة.
وفي قوله: ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ولم يقل: وجعلني رسولًا، كالتنبيه لفرعون أنه ليس ببدع من الرسل، وأنه لم يأت بأمر جديد، بل إن أمامه رسلًا، وقد ذكر الله تعالى في سورة غافر أن الرجل المؤمن يقول لهم: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ﴾ [غافر ٣٤]، فكأنه يقول له: ﴿وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الذين عندك خبرهم، فلست ببدع من الرسل.
26:22Page 368
وَتِلۡكَ نِعۡمَةٞ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنۡ عَبَّدتَّ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٢
And is this a favor of which you remind me - that you have enslaved the Children of Israel?"
(﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ [الشعراء ٢٢] أصلها: تمن بها علَيَّ)، أي: تجعل بها منة عليَّ، ولكنه حذف حرف الجر وعُدي الفعل إليها فـ﴿تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ أي: تجعلها منة ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ يقول: (بيان لتلك أي: اتخذتهم عبيدًا)، وإذا كانت بيانًا لتلك فتكون أن تفسيرية، تفسير لاسم الإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ نِعْمَةٌ﴾؛ يعني أي: ﴿عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي: حين عبدت بني إسرائيل جعلت تربيتي عندك وليد النعمة، وفي الحقيقة أن هذا ليس بنعمة؛ لأن كون الإنسان لا يقتل هذا الرجل، وهو يقتل غيره عدوانًا هل تكون هذه نعمة؟ لا، ليش؟ لأن أصل قتل أولئك ظلم وجور، فكونه لا يقتل هذا الرجل ليس نعمة، غاية ما هنالك أنه لم يظلمه، فهو لم يدفع عنه ضررًا نازلًا به من غيره، ولم يجلب إليه نفعًا، فموسى يقول: كيف تَمُن علي بهذه النعمة أن عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، فهذه ليست نعمة؛ لأن كون الإنسان لا يظلم هذا الرجل، ويظلم ذاك، ليس نعمة على من لم يظلم؛ إذ لم يسد إليه نفعًا، ولم يدفع عنه ضررًا، غاية ما هنالك أنه امتنع عن ظلمه، وامتناعه عن ظلمه نعمة على من؟ في الواقع على الظالم، على نفس الظالم؛ أن الله تعالى أنعم عليه، فمنعه من ظلم هذا الرجل، ولهذا يقول: ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (ولم تستعبدني لا نعمة لك بذلك لظلمك باستعبادهم)، فأنت الآن ما أعطيتني منة جديدة ونعمة جديدة، حتى تمن بها.
* طالب: أقول ما يكون قول (...) فرعون أنه أنعم بها عليه.
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: قوله: ﴿تِلْكَ نِعْمَةٌ﴾.
* الشيخ: إي هو ينكر عليه، ولهذا يقول المؤلف: (وقدر بعضهم أول الكلام همزة استفهام للإنكار)، هو ينكر عليه، يقول: كيف تـمُنُّ عليَّ بهذا الشيء؛ لأنك عبدت بني إسرائيل، هذا ليس بنعمة.
* طالب: وإن فرعون يراها نعمة.
* الشيخ: إي يراها نعمة، هذا اللي قال له: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ﴾ [الشعراء ١٨، ١٩] هو جعل هذه من النعم.
هنا يقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ كونك عبدتهم؛ أي: جعلتهم عبيدًا له، ووجه الاستعباد أنه -والعياذ بالله- كان يقتل الرجال، فيبقى النساء بدون قَيِّم، والمرأة إذا بقيت بدون قَيِّم تُضطر إلى أن تخدم، ولهذا قال العلماء: إنه كان يستخدم النساء فيبقيهن، وبالضرورة إذا لم يكن لهن قيم سوف يلجأن إلى الأقباط لاستخدامهن.
وقوله: (قدر بعضهم أول الكلام همزة) ليس ببعيد أنه قال: أَوَتِلْك نعمة تمنها علي أن عَبَّدْت بني إسرائيل؟ يعني فليس لك علي نعمة.
* طالب: فرعون كان يمن عليه بهذه النعمة ويذكره بالماضي، فموسى عليه السلام يُعرض عن ذلك، ويحاول أن يقرره ويبين له شناعة عمله، (...) النعمة البسيطة التي أنعمتها علي أَنْسَتْك ما عملته مع بني إسرائيل.
* الشيخ: إي نعم، هذا صحيح، لولا وجود (أن)؛ يعني أن هذه تبين المبهم في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾؛ يعني: فكأنه يقول: تَمُن عليَّ بهذه النعمة حين عبدت بني إسرائيل؛ يعني: ولم تستعبدني، هذا المعنى، ولولا أن هذا المعنى ظاهر لقلنا: إن موسى عليه الصلاة والسلام صرف نعمته عليه كالمتهكم به، كيف؟ يعني يقول: أين النعمة التي أنعمت بها علي، وأنت تعبد بني إسرائيل؛ لأن تعبيد بني إسرائيل خلاف النعمة في الواقع، ومن المعلوم أن موسى من بني إسرائيل، فتعبيد بني إسرائيل وهم قومه إذلال له، هذا المعني جيد في الحقيقة أن نقول: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ يعني: كيف تَمُن علي بهذه النعمة؛ يعني وأنت تُعَبِّد بني إسرائيل، ويكون هذا من باب ما يسمونه بتأكيد الذم بما يشبه المدح، وحينئذ نبقي ﴿أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على أنها تفسير لتلك؛ يعني: أهذه النعمة التي تَمُن عليَّ أن تعبد بني إسرائيل فأين النعمة فهذا معنى جيد، إن كنت تريد هذا فهذا معنى جيد.
26:23–24Page 368
قَالَ فِرۡعَوۡنُ وَمَا رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٣
Said Pharaoh, "And what is the Lord of the worlds?"
قَالَ رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَآۖ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ ٢٤
[Moses] said, "The Lord of the heavens and earth and that between them, if you should be convinced."
(﴿قَالَ فِرْعَوْنُ﴾ لموسى ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ الذي قلت: إنك رسوله؛ أيْ: أيُّ شيء هو؟ ولما لم يكن سبيل للخلق إلى معرفة حقيقته تعالى، وإنما يعرفونه بصفاته، أجابه موسى ببعضها) ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ هذا الكلام الذي قاله المؤلف في تفسير الجملة بعيد من الصواب كل البعد، ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ من المعروف أن (ما) يستفهم بها عن الحقيقة، فتقول: ما الذهب؟ يُقال مثلًا: هو معدن نفيس إلى آخره، تقول مثلًا: ما العلم؟ تقول: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكًا جازمًا، فـ(ما) يُستفهم بها في الأصل عن الحقيقة.
ويدعي المؤلف أن فرعون استفهم عن ذلك عن الحقيقة، ولكنه ليس كذلك، فرعون استفهم عن هذه الربوبية؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فما هذه الربوبية التي زعمت أن الله تعالى أرسلك وهو رب العالمين؟ لأننا لو قلنا: بأنه يستفهم عن حقيقة الله سبحانه وتعالى للزم من ذلك أن يكون قد أقر به، ولكنه يسأل عن حقيقته، وهو لم يقر به حتى يسأل عن الحقيقة، عن حقيقة هذا الرب، وإنما ينكر الرب أصلًا.
فالاستفهام للإنكار؛ أي شيء هو رب العالمين الذي زعمت أنه أرسلك؟ يعني ليس هناك رب، فالتفسير الذي ذهب إليه المؤلف بناء على ما هو معروف، من أن (ما) -وهو عند المناطقة أيضًا، ما هو معروف في اللغة العربية، عند أهل المنطق- أن (ما) يُستفهم بها عن كنه الشيء وحقيقته، فقال: إن فرعون يستفهم عن كنه الخالق سبحانه وتعالى وحقيقته، ولكن موسى لما لم يمكن أن يجيب عن ذلك عدل إلى بيان صفة من صفاته، فيكون الجواب من موسى غير مطابق للسؤال، ويُسمى هذا بأسلوب الحكيم أن يُجاب السائل بغير ما يتوقع، ولكن ما قاله وما ذهب إليه ليس بصحيح، كما أنكره ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره، وقال: إن هذا معناه إقرار فرعون بالله، لكن يسأل عن حقيقة هذا الإله، والصواب أن موسى عليه الصلاة والسلام أجابه بجواب مطابق للسؤال، وأن فرعون يسأل عن هذه الربوبية التي زعم موسى أنه مرسل من رب العالمين ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ أي شيء رب العالمين الذي أرسلك؟ ليس معناه: من أي شيء هو مادته، لا.
الجواب: (﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: خالق ذلك)، ولا يكفي أن يُفسر بالخالق، خالق ذلك ومدبره، والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف، وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، وهل يدخل في ذلك؛ لأن الله ربه؟ نعم؛ لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها، وهو في الأرض وما بينهما، وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خلق سماوات ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق الربوبية؟
خالق ذلك ومدبره والمتصرف فيه؛ لأن الرب ما يكفي أن يكون خالقًا، بل لا بد من خلق وتدبير وتصرف.
وقوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤] هل ربوبية فرعون كهذه الربوبية؟ لا. وهل يدخل في ذلك لأن الله ربه؟ نعم، لأن السماوات والأرض وما بينهما هو لا يخرج عن واحد منها وهو في الأرض.
﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ وكأنه أيضًا أجاب بهذا إشارة إلى إبطال عبودية فرعون؛ لأن فرعون لا خَلَقَ سماواتٍ ولا أرضًا ولا ما بينهما، فمن الذي يستحق (...)؟
فينبغي الوقوف ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ ثم يقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ [الشعراء ٢٤] فالأمر بَيِّن؛ ولهذا المؤلف قدَّر الجواب قال: (﴿إنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ بأنه تعالى خالقه فآمنوا به وحده).
وإنما قلنا: إنها لا تَعَلُّقَ لها بما قبلها؛ لأنه لو تعلقت بما قبلها لكان المعنى أنه رب السماوات والأرض إن أيقنوا بذلك وإلَّا فليس رب السماوات والأرض، وهذا الكلام لا يستقيم، بل نقول: رب السماوات والأرض وما بينهما (...).
ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ أي: من ذوي الإيقان فأيقنوا بذلك لأنه لا أحد أو لا مدفع لكون السماوات والأرض مخلوقة لله لا يقدر أحد على خلقها.
* طالب: (إن) هنا شرطية؟
* الشيخ: إي نعم، (إن) هنا شرطية وجواب الشرط محذوف؛ إما ما قدَّره المؤلف أو ما قلناه أيضًا فأيقنوا، و(فآمنوا) و(أيقنوا) معناهما واحد، فآمنوا به وحده.
26:25Page 368
قَالَ لِمَنۡ حَوۡلَهُۥٓ أَلَا تَسۡتَمِعُونَ ٢٥
[Pharaoh] said to those around him, "Do you not hear?"
(﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ من أشراف قومه ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ جوابه الذي لم يطابق السؤال) غريبة هذه؟!
(﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿لِمَنْ حَوْلَهُ﴾ ).
* طالب: (...)
* الشيخ: إي نعم.
﴿قَالَ﴾ فرعون ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام هنا للتهكم بلا شك؛ يعني: ألا تستمعون إلى هذا الذي زعم أن رب العالمين رب السماوات والأرض؟! يعني: والواقع -على حسب زعمه- أن رب العالمين هو فرعون، فهو يتهكم به؛ يقول: استمعوا لهذا، يقول: إن رب العالمين، رب السماوات والأرض وما بينهما! فيكون على هذا خاطئًا في تهكمه ولَّا مصيبًا؟ خاطئًا.
وقصده في هذا الحقيقة التهويل وتحطيم موسى عليه الصلاة والسلام وبيان أن ما جاء به ليس بصواب.
أما على رأي المؤلف: (جوابه الذي لم يطابق السؤال) لو كان الأمر كذلك لكان فرعون مُحِقًّا في اعتراضه ولَّا لا؟ لأن كل أحد إذا عرف أن الإنسان أجاب بغير ما سُئِل عنه فمعنى ذلك أنه منقطع عن الحجة وعاجز عن دفعها، فهذا من أبعد ما يكون.
ونحن نقول للمؤلف ولغير المؤلف ممن مشى على طريقته: إن جواب موسى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ مطابق للسؤال، وإن فرعون لم يسأل عن حقيقةِ وكنه الخالق أبدًا ولا دار في فكره هذا، ولا يبالي به من أي شيء هو، ما هو مبال، الكلام على تصرفه وماذا يكون؛ فلهذا الجواب نقول: إنه مطابق للسؤال.
و﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الاستفهام للتهكم؛ لأنه –أي: موسى- أتى بأمر بعيد عما يريده فرعون؛ ففرعون الذي يقول: ﴿مَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ يريد من موسى أن يقول: رب العالمين فرعون، ولكنه قال: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤] ثم أيضًا استبلههم بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعني: إن كنتم من ذوي الإيقان والعلم فأيقنوا بذلك.
والاستفهام هنا في: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ في هذا المقام لا شك أنه سيصدر من مثل فرعون يتهكم بموسى الذي جاء بالحقيقة ولا يستطيع فرعون أن يدفعها.
26:26Page 368
قَالَ رَبُّكُمۡ وَرَبُّ ءَابَآئِكُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٦
[Moses] said, "Your Lord and the Lord of your first forefathers."
(﴿قَالَ﴾ موسى ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون).
شوف موسى عليه الصلاة والسلام أسلوبه أسلوب حكيم أتى بالأول بالربوبية العامة للسماوات والأرض وما بينهما، ثم أتى للربوبية الخاصة بفرعون الذي يَدَّعِي أنه رب وقال: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ إشارة إلى أنكم أنتم أتيتم من آباء ولَّا لا؟
* طالب: بلى
* الشيخ: ومن أتى مِنْ أَبٍ فكيف يمكن أن يكون ربًّا هو مخلوق من نطفة؛ يعني: فكأنه يقول: ارجعوا إلى أصلكم، فالله تعالى ربكم أنتم الذين تَدَّعُون أنكم أرباب.
﴿وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ الذين أتيتم منهم فيُذَكِّرُهم بأصلهم ليذكروا أنهم كانوا مُحْدَثِين، وأنهم لا يصلحون أن يكونوا أربابًا، وهذا من حُسْنِ الجواب، وهو في الحقيقة كل جواب يقوله موسى فهو حجة قاطعة تَدْمَغُه، ولكن -والعياذ بالله- مَنْ لم يُوَفَّق للحق فإنه لا ينتفع به ويستكبر عنه.
(﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ وهذا وإن كان داخلًا فيما قبله يغيظ فرعون) يعني كلام في الحقيقة لَيِّن من المؤلف، لو قال: وهذا أيضًا إقامة حُجَّةٍ أخرى ما هو عليه على فرعون أنهم مربوبون وأنهم مخلوقون من أصلاب آبائهم الأولين، ومن كان كذلك مولودًا فلا يستحق أن يكون ربًّا وإلهًا (...).
يعني: أجاب عن الفعلة بأنه كان عن جهل.
ثم إنه يقول: ﴿فَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ فكأنه يقول: أنتم لم تألوا جهدًا في معاقبتي عليها، ولكنني فررت منكم فلم تدركوني (...) ما قلناه لكن الآن نقوله؛ يعني قال: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ [الشعراء ٢١] فكأنه يقول لهم: لم تألوا جهدًا ولكن نجوت فالعقوبة نجوت منها بالفرار، والجهل تَنَزَّهْتُ منه بالرسالة.
الجواب عن الأمر الثالث: كأنه يقول: تَرْكٌ للظلم بالنسبة إليَّ، وترك الظلم لا يُعَدُّ نعمة؛ لأن الإنسان ليس مستحقًّا له حتى نقول: إنه عفا عنه وتركه، أو يقال:هذا ما مشى عليه المؤلف.
لكن فيه احتمال آخر فالإساءة إلى قومي إساءة لي فكأنه يؤكد الآن نفي النعمة بما يشبه (...).
يقول: يعني: أين النعمة وأنت قد عَبَّدْتَ بني إسرائيل وهم قومي؟
فإذا قُدِّر أني سَلِمْت منك من التعبيد والظلم فأنا فرد من قبيلة وقوم وقد عبدتهم، فأين النعمة؟!
بعد ذلك جرت المناظرة بينه وبين موسى؛ فقال السؤال الأول من فرعون.. هذا السؤال الأول.
* طالب: من فرعون إلى موسى؟
* الشيخ: إي وهذا السؤال يتضمن السؤال عن الحقيقة والماهية، أو عن أمر آخر يعني؟
* طالب: يريد أن يقرر..
* الشيخ: أولًا اذكر لي معناها على رأي المؤلف، السؤال عن الحقيقة كأنه يقول: ما هو مادته، ما مادته؟ ما كنهه؟ ما حقيقته؟ إي، لكن هو يسأل عما قال المؤلف؛ لأنه لا يمكن يسأل عما قال المؤلف إلا وقد أقر به، وهو ما أقر بالله عز وجل.
فالاستفهام إنكار يقول: أي شيء يكون رب العالمين، وأنا الرب؟! بماذا أجاب موسى؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء ٢٤].
ويش الفائدة من قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ هل هي تعود على ما سبق؛ يعني: أنه رب هذه الأشياء إن أيقنتم وإن لم توقنوا فليس ربها.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني: إن كنتم من ذوي الإيقان الذين يتصفون باليقين بما يشاهدونه فأيقنوا بذلك.
بماذا أجاب فرعون؟
* طالب: يعني: كأن..
* الشيخ: الاستفهام هنا: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ أيش الغرض منه؟
* الطالب: الغرض منه التهكم.
* الشيخ: إظهار التهكم والاستهزاء. المؤلف على أي شيء حمل هذا التهكم والاستهزاء؟
* طالب: المؤلف يقول: (ألا تستمعون لهذا الجواب الذي لا يطابق السؤال)؟
* الشيخ: إني أسأله عن الحقيقة وأجابني بالأوصاف. والصواب؟
* الطالب: والصواب على القول الصحيح أن الجواب ليس للسؤال، ولكن لأنه إنكار على ما أجابه أن ربه هو رب السماوات.
* الشيخ: تمام، يعني: ألا تستمعون إلى هذا الرجل الذي أنكر ربوبيتي وزعم أن هناك ربًّا للسماوات والأرض وما بينهما؟!
* طالب: لا، يقال: إنه (...).
* الشيخ: بل هو؟
* الطالب: فرعون لم (...).
* الشيخ: مطابق للجواب، إي.
* الطالب: سؤال فرعون..
* الشيخ: مطابق لجواب موسى، وجواب موسى مطابق لسؤال فرعون.
بعد ذلك انتقل إلى جواب آخر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طيب، هذا ما دخل في رب السماوات والأرض؟
* الطالب: بلى، داخل.
* الشيخ: لكن؟
* الطالب: لكن ذكر هذا، والتقدير ليذكرهم أنهم خُلِقوا من أصلاب آبائهم فلا يستحق أحد الربوبية (...).
* الشيخ: يعني: كان هذا كإقامة الدليل على امتناع ربوبية فرعون وأن الله سبحانه وتعالى كان ربًّا له ولآبائه الأولين الذين وُجِدَ منهم، فلا يمكن أن يكون هو ربًّا وهو مربوب.
* طالب: ما يقال هذا (...).
* الشيخ: لا، يمكن، كل الجواب هذا كله موافق للحكمة، لكن ليس من أسلوب الحكيم المعروف عند البلاغيين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أصل فرعون ما سأل في الثانية، تَهَكَّم فقط.
* الطالب: قصدي في الأول.
* الشيخ: وين؟
* الطالب: قال: ما رب العالمين؟
* الشيخ: لا، الأول جواب سليم، الأول جواب صحيح، والثاني جواب صحيح لكنه أخص من الأول؛ يعني: جواب مطابق للسؤال تمامًا، لكن تَنَقُّله من هذا إلى هذا هذا من الحكمة؛ فذكر في الأول رب السماوات والأرض ثم ذكر الربوبية المباشِرة لهؤلاء.
* طالب: ما فيه أحقية لفرعون حين استفهم بقوله: ﴿أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾؟
* الشيخ: إلا فيه، فيه نعم.
* الطالب: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ﴾ تحقيرًا لهم أنهم من آباء..
* الشيخ: إي نعم، هو تحقير وبيان أنه ما يصح لهم ربوبية.
26:27Page 368
قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ ٱلَّذِيٓ أُرۡسِلَ إِلَيۡكُمۡ لَمَجۡنُونٞ ٢٧
[Pharaoh] said,1 "Indeed, your 'messenger' who has been sent to you is mad."
يقول: قال الله، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧] شوف، (إِنَّ) للتوكيد و(لمجنون) اللَّام أيضًا للتوكيد، فأَكَّد جنون موسى بأمرين بـ(إن) واللام.
وفي قوله: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ من التهكم ما هو غير خفي؛ يعني: رسولكم يُتَهَكَّم به؛ لأنه هو ينكر رسالته وينكر ربوبية مَنْ أرسله، ولكن هذا من باب التهكم به، ثم إنه لم يضفه إلى نفسه تكبرًا، ما قال: إن الرسول الذي أُرْسِل إلينا أو إن رسولنا، قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ﴾ وهذا عُلُوٌّ منه وتكبر وتهكم بموسى فالعلو والتكبر والترفع حيث أضافه إليهم؛ يعني: كأنه هو في شأن أعلى من أن يُرْسَل إليه ولا على سبيل التهكم، ثم إن إضافة الرسالة إليهم وهو ينكر ذلك تهكم بموسى ظاهر.
وقوله: ﴿الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ﴾، ولم يقل: أرسله رب العالمين مع أن موسى قال: إني رسول رب العالمين؛ لأنه ما سمح لنفسه أن يصف الله تعالى بالربوبية، ولا على سبيل التهكم.
وقوله: ﴿لَمَجْنُونٌ﴾ المجنون فاقد العقل، وهذا دأب جميع الذين كذبوا الرسل ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢] يقولون: ساحر أو مجنون و(أو) هذه مانعة خلو وليست مانعة جمع؛ لأنهم قد يقولون: ساحر فقط أو مجنون فقط أو ساحر ومجنون وهذا ما وقع لموسى عليه الصلاة والسلام كما سيأتي قريبًا إن شاء الله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences