Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ash-Shu'ara 26:3–9
26:3Page 367
لَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ أَلَّا يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٣
Perhaps, [O Muḥammad], you would kill yourself with grief that they will not be believers.
قال: (﴿لَعَلَّكَ﴾ يا محمد ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قاتلها غمًّا من أجل ﴿أَلَّا يَكُونُوا﴾ أي: أهل مكة ﴿مُؤْمِنِينَ﴾.
و(لعل) هنا للإشفاق، أي: أشفق عليها بتخفيف هذا الغم).
﴿لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣] هذه (لعل) للإشفاق، وتكون للتعليل، وتكون للترجي؛ فإذا تعلَّقت بمكروه فهي للإشفاق، وإذا تعلَّقت بمحبوب فهي للترجي، وإذا تعلقت بعلة من العلل فهي للتعليل.
هنا للإشفاق مثلما تقول: لعل الحبيب هالك. أنت تترجى أن حبيبك يهلك؟! لا، لكن تشفق، الله تعالى أشفق على نبيه ﷺ من أن يُهلِك نفسه، يقتلها من الغم بسبب عدم إيمانهم؛ الرسول عليه الصلاة والسلام يعاني من عدم إيمانهم يعاني المشقة الشديدة، ويحزن ويضيق صدره، ولكن الله تعالى يسليه بمثل هذه الآية: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧].
وهنا يقول: ﴿لعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ مهلكها ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾، ففي هذا دليل على أن الإنسان الداعية لا ينبغي أن يهلك نفسه بالهم والغم لعدم قبول الناس للحق؛ لأنه إذا أتى بما يجب عليه انشرح صدره، كفاية أن تأتي بما وجَبَ عليك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم إنِ امتثلَ الناس فهو نعمة على الجميع، وإن لم يمتثلوا فلا تغتمَّ؛ لأنك إذا اغتَمَمْتَ اشتغلْتَ بغيرِك عن نفسك، وصار همك إن صليت ولاء الناس، وإن جلست ولاء الناس، وإن قمت ولاء الناس، هذا ما هو بصحيح؛ لأنه يفسد عليك عبادتك أنت خاصة، فأنت اشتغل بنفسك، وغيرك أدِّ ما أوجب الله عليك لهم، ثم إنِ اهْتَدَوْا، وإلا فلستَ عليهم بمسيطر، وبهذا يستريحُ الإنسان راحة عظيمة، ويكون مقبلًا على عبادته محسنًا لها.
* طالب: نزلت بعد الواقعة.
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: الشعراء.
* الشيخ: الشعراء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) في الإتقان لما رتَّب السُّوَر ما ذكر دليلًا أن هذه نزلت بعد هذه، وهذه نزلت بعد هذه، ما ذكر دليلًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما يثبُت؛ لأن الزهري من التابعين، مرسَل.
* طالب: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ».
* الشيخ: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة».
* الطالب: «وَدُنْيا مُؤْثَرَة» (...) ودع الناس.
* الشيخ: «فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ عَنْكَ أَمْرَ العَوَامِ».
* الطالب: (...).
* الشيخ: نقول: عليك بخاصَّة نفسك، ومن خاصَّة نفسك: أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؛ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ [المائدة ١٠٥] متى؟
* الطلبة: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، نعم إذا رأيت ألَّا تدعَ نفسَك ملاحقة الناس والاشتغال بهم عن دينهم، ولكن هل هذا الحديث الآن منطبق؟ «إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١)، والترمذي (٣٠٥٨)، وابن ماجه (٤٠١٤) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] ينطَبِقُ على وقتِنا الحاضِر؟
* طلبة: نعم (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: الشح.
* الشيخ: الشح مطاع؟
* طالب: (...).
* الشيخ: عند كل حد؟
* الطالب: ما هو كل أحد.
* الشيخ: عند الغالب؟
* الطالب: عند الغالب.
* الشيخ: يعنى معنى ذلك أنه إذا أمرته نفسه بشيء أطاعها.
* طالب: (...) يتبعون أهواءهم.
* الشيخ: وهوى متبعًا واضح.
* طالب: (...).
* الشيخ: لكن، نطبق الحديث على الواقع الآن، هل الشح المطاع؟ أنا أظن مثلما قلتم: إن الشح المطاع عند أكثر الناس الآن وارد، وهوى متبعًا أيضًا ورادة.
* طالب: كلهم.
* الشيخ: «ودنيا مُؤثَرَة»؟
* طالب: (...).
* الشيخ: «وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ».»
* طالب: واردة عند الاختلاف.
* طالب آخر: هذا كثير يا شيخ.
* الشيخ: هذا كثير صحيح، لكن الكلام على الغالب.
* طالب: في الغالب يقال..
* طالب آخر: (...).
* الشيخ: لا في الغالب، على كل حال، فعليك بخاصَّة نفسك (...).
* * *
* طالب: ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [الشعراء ١ - ١٤].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدَّم أن الله سبحانه وتعالى يبتدِئُ بعضَ السُّوَرِ بالحروف الهجائية، فهل لهذه الحروف معنى؟
* طالب: الله أعلم بمرادها.
* الشيخ: نعم، أقول: ما نفهم اللغة العربية.
* طالب: يعني: هل لها حكمة؟
* الشيخ: لا، (...) وهل لها يعني حكمة في..؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الشعراء ٢] الإشارة بصيغة البعد؛ لعلو شأنه..؟
* طالب: ومرتبته.
* الشيخ: ولماذا سُمِّيَ كتابًا؟
* طالب: لأنه مكتوب في المصاحف.
* الشيخ: طيب، ويش بعد؟ كتابته في اللوح المحفوظ، كتابته بين الناس ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس ١١ - ١٤].
و﴿الْمُبِينِ﴾ هنا بمعنى؟
* طالب: البين والمظهر.
* الشيخ: وإن احتملتهما.
* الطالب: (...) أنه..
* الشيخ: أي؟
* الطالب: أنه يشمل الأمرين.
* الشيخ: المظهر يعني.
قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣]، (لعل) ويش معناها؟
* الطالب: هنا أي: لا تأسى عليهم.
* الشيخ: أي؟
* الطالب: للإشفاق.
* الشيخ: للإشفاق، نعم؛ أن الله يُشْفِقُ على نبيِّه ﷺ أن يُهلِكَ نفسَه بعدم إيمانهم.
في هذه الآية ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: لا تكون مخلوقةً، مثل القرآن ما هو مخلوق، ولَّا نعم مثل الشمس والقمر مخلوقات.
* طالب: على مَنْ أوجدها؟
* الشيخ: يعني: الآية هي العلامة، لكن أهم شيء عندي أن نقول: الخاصة، أو المعجزة مثلًا؛ لأن علامةَ الشيء معناه ما يختص به، لو كان هذا الشيء ما يختص بالله ما صار آية له، فالآية هي العلامة الخاصة التي لا تكون لغير مَن كانت له.
فالشمس والقمر ما يمكن أحد أن يأتي بمثلهما، والقرآن ما يمكن أحد يأتي بمثله.
* طالب: نقول: الآية هنا بمعنى أيش؟
* الشيخ: العلامة الخاصَّة لمن كانت له بحيث لا يستطيع أحد أن يأتي بمثلها، سواء كانت كونية أو شرعية، وكذلك في الآية هذه أن جميع آيات القران معجزات، ولو كانت آية واحدة فإنها معجزة، قد تكون معجزة بذاتها، وقد تكون معجزة بسياقها؛ لأنه مثلًا: ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر ٢١] قد لا يستطيع أحد أن يقول: إنها معجزة، وأن كل إنسان يمكن يأتي بكلمة ثم نظر، لكنها معجزة في سياقها، وفي موضعها.
فالآيات حقيقة كما قلنا هي حروف من كلمات الناس، وهذه الحروف ليست معجزة؛ لأنها من كلامهم، يستطيعونها، لكن مكانها وسياقها، وما تدل عليه هذا هو المعجز.
* طالب: (...).
* الشيخ: معلوم هذا، لا (...)؛ لأنَّ معنى ذلك أنه في استطاعة الإنسان أن يفعل لولا المانع، وهذا ما يسميه العلماء مذهب أهل الصِّرْفة الذين يقولون: إن الناس مصرفون عن معارضة القرآن، لا عاجزون.
وفرق بين مَنْ يقول باستطاعته أن يفعل لولا المانع، وأن نقول: ليس باستطاعتهم أن يفعلوا، وأيهم أبلغ؟ الأخير؛ ولهذا مذهبُ الصِّرْفة يقول العلماء: إنه مذهب باطل، وأنه ليس باستطاعة أحد أن يفعل أبدًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي معلوم، ولا (...).
* طالب: (...) هل ينقل على حقيقته (...)؟
* الشيخ: كيف يعني؟ الله سبحانه وتعالى يُعَبِّر عنه، لا بلفظه.
* طالب: يعني ليس هذا لفظه؟
* الشيخ: ليس هو لفظه حقيقة، ولهذا مثلًا كلام موسى باللغة العبرية، وكلام فرعون باللغة القبطية، وما أشبه ذلك، ثم إنَّ الكلمات أيضًا تختلف يعني نفس الآيات تُنْقَل مرة كذا، ومرة كذا، الله يعبِّر ويكون السياق هو الذي يقتضي هذا التعبير دون ذاك.
26:4Page 367
إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ ٤
If We willed, We could send down to them from the sky a sign for which their necks would remain humbled.1
قال الله تعالى: (﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ﴾ بمعنى المضارع أي: تظل، أي: تدوم ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ فيؤمنون).
﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ [الشعراء ٤] (إن) الشرطية، فعل الشرط (نشأ)، وجوابه (ننزل)، وفي الإتيان بهذه الصيغة (نشأ.. ننزل) فيها من تعظيم الله سبحانه وتعالى لنفسه ما لا يخفي؛ لأنه جعل الأمر هنا يسيرًا عليه إذا شاءه، وأنه سبحانه وتعالى بإرادته لم يفعَلْ، ثم الإتيان بنون العظمة هو تعظيم آخر أيضًا، فالله تعالى ما قال إذا شئنا نزَّلْنا ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ آيَةً﴾ أي: علامة، وهذه العلامة لا شك أنه لا يمكن لأحدٍ أن يأتي بمثلها كما أشرنا إليه قريبًا، ثم إنها علامةٌ أيضًا ليست على قدرة مَنْ هي له، أو على انفراده بالخلق، ولكنها آية أيضًا على أنهم لم يؤمنوا، وعلى تهديدِهم بالوعيد؛ ولهذا قال: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ [الشعراء ٤] لا تستطيع أن تمثِّل هذه الآية؛ لأن الله تعالى نكرها، فهي آية ليست معلومة لنا؛ لأن الله لم ينزلها، لكنها آية تسمعهم؛ ولهذا قال: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل المراد بها السقف المحفوظ أو المراد بها العلو؟ محتمل هذا وهذا، يحتمل أنه العلو يعني: من العلو، ويحتمل أن المراد به السقف الذي هو على الأرض، وأيًّا كان فإن إتيان الشيء من فوق أبلغ في التهديد؛ لأن من فوقك فقد علاك، ومَن علاك فلا طاقة لك به، بخلافِ من كان بحذائِكَ فقد تفر، وقد تناضل لكن المشكل إذا جاء الأمر من فوق.
وقوله: ﴿فظَلَّتْ﴾ يقول: (بمعنى المضارع، أي: تظل)، وإنما قال المؤلف: بمعنى المضارع؛ لأن قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾ مضارع.
﴿فظَلَّتْ﴾ الذي يناسب أن يكون مضارعًا، لكنه عُدِلَ عنه لبيان أنه كالأمر الواقع؛ مثل قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [النحل ١] مع أنه سيأتي. فالمعنى: فإذا نزلت بهم ظلت أعناقهم لها خاضعين.
وقوله: ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ أي: لهذه الآية، فيحتمل أن تكون اللام هنا للتعدية أي: خاضعين لها، أو للتعليل أي: من أجلها.
وقوله: ﴿خَاضِعِينَ﴾ أي: ذليلين، عندي أنا، (ولَمَّا وُصِفَتْ الأعناقُ بالخضوع الذي هو لأربابها جُمِعَتْ الصفةُ منه جمعَ العقلاءِ).
المراد بـ(الصفة منه) هنا الخبر ﴿خَاضِعِينَ﴾، والخبر صفة في المعنى، وإن كان في الإعراب لا يُسَمَّى صفة، لكنه في المعنى صفة، وهنا ﴿أَعْنَاقُهُمْ﴾ المعروف الكثير في اللغة العربية أن تقول: خاضعة، أعناقهم لها خاضعة، مثل خاشعة أبصارهم، لكنه لما كان الخضوع من أوصاف العقلاء لا من أوصاف غير العاقل، وكذلك الخضوع من أوصاف العقلاء، جُمِع جمع عاقل؛ لأن جمعَ المذكر السالم يختص بالعقلاء؛ فجُمِعَت جمع العاقل لهذا السبب.
ولا يمكن أن نقول ﴿أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ إن (لها) هي الخبر، ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا﴾ هي الخبر، وتكون خاضعين حالًا من الضمير المستتر في الخبر، نقول: هذا بعيد؛ لأن ما معنى: (ظلت أعناقهم لها)؟ ليس لها معنى، فإذا قال إنسان: ربما يكون التقدير ناظرة لها، ظلت أعناقهم ناظرة لها.
قلنا: رَدُّ هذا بأن يقال: إن المتعلَّقَ إذا كان خاصًّا فإنه لا يُحذَف، وإنما يُحذَف إذا كان عامًّا؛ يعني: تقديره: كائن أو مستقر، هذا الذي يُحْذَف، أما إذا كان خاصًّا كراكب، وجالس، وما أشبه ذلك فإنه لا يُحْذَف.
* ثم في هذه الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ﴾.
* وفيه: إثبات القدرة؛ لقوله: ﴿نُنَزِّلْ﴾.
* وفيه: التهديد لهؤلاء المكذبين؛ لقوله: ﴿فظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾.
* وفيه: دليل على أن الأسباب مؤثرة؛ لأنها إذا نزلت الآية خضعوا، وهذا دليل على ثبوت الأسباب وأنها مؤثرة.
* وفيه: دليل على إثبات الحكمة؛ لأن الله لم ينزل هذه الآية؛ لأنه لو أنزلها لكان الإيمان اضطراريًّا، والإيمان الاضطراري لا مدح فيه ولا ثناء، بل ولا ينفع صاحبه، ولهذا إذا آمن الإنسان عند ملاقاة الموت ما نفعه، وبعد طلوع الشمس من مغربها ما نفعه، ما ينفع إلا إذا كان الإيمان اختياريًّا، ولما نطقَ الله الجبلَ فوق بني إسرائيل آمنوا، ولكن هذا الإيمانَ لا شكَّ أنه ضعيف؛ لأنه إيمان اضطراري؛ فمن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه لم يُنزِل هذه الآية ليكون الإيمان عن اختيار، لا عن اضطرار.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)؛ لأن نزول الآيات من عنده ما يدل على أنه (...)، قال: من السماء لو قال: من عندنا، لا بأس؛ النزول من السماء لا يقتضي أن يكون الله فوق.
* طالب: هل تنكير الآية يدل على عظمتها؟
* الشيخ: إي نعم، العظمة من هي له، وعلى تعظيم الآيات نفسها؛ ولهذا تظل أعناقهم لها خاضعين.
26:5Page 367
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن ذِكۡرٖ مِّنَ ٱلرَّحۡمَٰنِ مُحۡدَثٍ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهُ مُعۡرِضِينَ ٥
And no mention [i.e., revelation] comes to them anew from the Most Merciful except that they turn away from it.
وفي هذا يقول: (﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ قرآنٍ ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ).
(ما) نافية بدليل قوله ﴿إِلَّا كَانُوا﴾، وهذا الاستثناء مُفرَّغ من عموم الأحوال؛ يعني: ما يكون لهم من أيِّ حالة من الأحوال سوى الإعراب.
وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ (من) زائدة إعرابًا للتوكيد، والتقدير: ذكرٌ.
وقوله تبارك وتعالى: ﴿مِنْ ذِكْرٍ﴾ المؤلف قال: (قرآنٍ)، وسُمِّيَ القرآنُ ذكرًا؛ لأن به التَّذَكُّر والتذكيرُ أيضًا، فهو تذكير من الله، وتَذَكُّرٌ من سامعه، ولهذا سمي ذكرًا، ووُصِف القرآن مرة ثانية بأنه ﴿ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ [يس ٦٩]، ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ [ص ١]، فمرة جعله ذكرًا، ومرة جعله ذا ذكرٍ، ولا فرق بينهما في الواقع؛ لأنه ذكرٌ بنفسه وتذكير، ولأنه ذو ذِكْرٍ، أي: ذو تذكُّرٍ، فمنْ قرَأَه وحفظه وتدبره تذكَّرَ به ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر ١٧].
* طالب: ما يكون مشتمل للذكر.
* الشيخ: كيف مشتمل للذكر؟! مشتمل على الذكر يعني؟ ويش معنى مشتمل عليه؟
* الطالب: فيه آيات فيها تذكرة.
* الشيخ: لا، حتى ولو كان فالمقصود به التذكرة نفسها، المقصود أنه ذِكْرٌ مُذَكِّر، ويتذكَّر به من تلاه.
وقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ [الشعراء ٥]، والآية الأخرى ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء ٢]، فَذِكْرُ الرحمن هنا إشارة إلى أن نزول هذا القرآن وإتيانه من مقتضى رحمة الله، وأن الله سبحانه وتعالى رَحِمَ العبادَ بهذا القرآن، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧] إلا رحمةً منا للعالمين، وليس المعنى كما يفهم كثيرٌ من العوام إلا رحمة؛ يعني: أنك أنت الرحمة، لا، يعني: وما أرسلناك إلا لنرحم العباد، هذا المعنى، وليس هو نفسه رحمة، كما يقول أهل الغلو بالنبي ﷺ والجاهلون أيضًا.
﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ [الشعراء ٥] يقول: (صفة كاشفة)، والصفة الكاشفة هي التي تبيِّنُ الواقع، ولا تُقيِّد الموصوف؛ لأن الصفات -كما تعرفون- منها صفة مقيِّدة تخرج ما سواه، ومنها صفة كاشفة تبين حقيقة أمره، فهنا يقول المؤلف: إن كلمة ﴿مُحْدَثٍ﴾ صفة كاشفة؛ لأن القرآن ما يأتيهم من ذكر محدث، كلمة ﴿مَا يَأْتِيهِمْ﴾ تدل على محدث فلا مفهوم لها؛ لأنه إذا كان يأتيهم، وجب أن يكون مُحْدَثًا؛ لأن بإتيانه إياهم صار محدثًا؛ ووجه ذلك ظاهر أنها صفة كاشفة؛ لأنه لو كان غيرَ مُحْدَثٍ ما صحَّ أن يقول: وما يأتيهم إذ هو آت من الأصل.
وقوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾ هل ظاهر الآية الكريمة أنَّ المحدثَ هو الذكر نفسه، فيكون في الآية دلالة على أن الله تعالى يتكلم بالقرآن حين إنزاله.
وأنه ليس كما رُوِيَ عن ابنِ عباس: أنه نزل إلى بيت العزة من اللوح المحفوظ، وإنما يتكلم الله تبارك وتعالى به حين إنزاله.
وقيل: مُحْدَثٍ إنزاله، فـ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزالُه، فلا تكون الصفة هنا حقيقية، وإنما هي صفة سببية؛ لأن الموصوف بها حقيقة ليس الذكر، بل هو الإنزال، إذا قلنا: محدث إنزاله.
مثلما إذا قلت: مررت برجل قائمٍ أبوه، فقائم هذه صفة من حيث الإعراب لرجل، لكن من حيث المعنى صفة لأبيه، وهذا الوصف على هذا الوجهِ يُسَمَّى بالنعتِ السببيِّ، فعلى القول بأن المراد محدث إنزاله يكون النعت هنا سببيًّا، لا حقيقيًّا.
ولكن إذا دارَ الأمرُ بين أن يكونَ النعتُ صفةً حقيقية، أو صفة سببية فالواجب أن يكون صفة حقيقة؛ لأنَّ الصفة السببية تحتاج إلى تقييد، وكل ما يحتاج إلى تقييد يحتاج إلى دليل، فهنا نقول: إذا قلنا: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ إنزاله، خرجت عن ظاهر اللفظ؛ لأنَّ ظاهرَه مُحدَث هو، أي: القرآن نفسه، ثم إنَّ (محدَثٍ إنزاله) لا معنى لها في الواقع بعد قوله: ﴿وَمَا يَأْتِيهِمْ﴾؛ لأنه ما يمكن يأتيهم إلَّا وإنزاله مُحدَث؛ لأن (أتى) معناه حدث.
فعلى هذا نقولُ: الصوابُ أنَّ المراد بالمُحدَث نفس الذكر، وليس إنزالَه.
قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ ﴿عَنْهُ﴾ جار ومجرور متعلَّق بمعرضين، ومعرضين خبر كان، وفائدة تقديمه عليه هنا لفظية ومعنوية؛ أما اللفظية: فمراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات. وأما المعنوية: فلإفادة الحصر، كأنه يقولُ: ما تكون حالهم إلا الإعراض عنه دون غيره، يعنى: عنه فقط وحده معرضين، وهذا أبلغ في الذم مما لو قال: إلَّا كانوا معرضين عنه؛ لأنه يحتمل أن يعرضوا عنه وغيره، ولكنه لما قال: ﴿عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ كأنهم لا يتَّصفون بالإعراض إلا عن هذا الذكر.
ففائدة تقديمها إذن..
* طالب: مراعاة (...) معنوية ولفظية.
* الشيخ: طيب.
* الطالب: (...) الفواصل (...) المعنوية.
* الشيخ: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ﴾ هذا الإعراض معنويٌّ أو حسي؟ الجواب: يشمل الأمرين؛ فهم معرضون وإن حضروا بأبدانهم، ومعرضون أيضًا بأبدانهم يقومون عنه؛ ﴿وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت ٢٦] فهم معرضون -والعياذ بالله- بقلوبِهم وأبدانهم.
قال الله تبارك وتعالى: (﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ به).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، لكن المؤلف يقول: (به)، أي: بهذا الذكر، والجملة محققة بـ(قد)، والمعنى أنه مع وضوح كون هذا الذكر من الرحمن ما انتفعوا به، بل كذَّبوا به، والتكذيبُ به يَعُمُّ التكذيبَ به رأسًا؛ بأن يقولوا: إن هذا ليس القرآنَ مِن الله كما قالوا: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل ١٠٣]، أو التكذيب ببعضِ الآيات منه، كما لو كذَّبوا بقصة أحد الرسل، أو بقصة قصها الله تعالى على أحد؛ كالذي مر على قرية، وما أشبه ذلك.
فهو إما أن يكون التكذيبُ به رأسًا، فيقال: أنت لا يوحى إليك، وهذا القرآن ليس بوحي، أو التكذيب ببعض الآيات التي جاءت في هذا، فكلُّه تكذيب.
والتكذيب أبلغ من الإعراض؛ لأن الإنسان قد يُعرِضُ تهاونًا، وتكاسلًا، ولسبب من الأسباب ولا يكذِّب، لكن المكذِّب أشدُّ؛ لأنَّ المُكذِّب لا يمكن أن يُقبِل، وكيف يُقبِل على أمر يعتقده كذبًا؛ ولهذا قال: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا﴾ [الشعراء ٥، ٦] ما قال: فقد أعرضوا قال: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوا﴾، وهذا شاملٌ للإعراضِ ولا عكس.
26:6Page 367
فَقَدۡ كَذَّبُواْ فَسَيَأۡتِيهِمۡ أَنۢبَٰٓؤُاْ مَا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٦
For they have already denied, but there will come to them the news of that which they used to ridicule.
(﴿فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ﴾ عواقِبُ ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ ) الفاء عاطفة، وتفيدُ الترتيب، والسين تفيدُ التقريب أيضًا، المعنى: فبسبب تكذيبهم سيأتيهم عن قُرْبٍ.
وأنباء بمعنى أخبار ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ الأنباء جمع نبأ، وهو الخبرُ من الأمور الهامة، والمراد بالخبر هنا: العواقِبُ كما قال المؤلف: (العواقب)؛ لأنَّ العواقب أخبار في الحقيقة.
فمثلًا في القرآن أنَّ الله تعالى ينصُر رسولَه ويهلك المكذبين، هذه أنباء هي في الحقيقة ستكونُ عواقبَ سينتصرُ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وسيهزم أعداؤه، وهذه هي الحقيقة وهي العاقبة.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ يَسْخَرون، وتقديمُ المعمول في قوله: ﴿بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ للفائدتين السابقتين اللفظية والمعنوية.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ﴾ هذه يحتمل أن تكون مجردة عن الزمان؛ أي: ما يستهزِئون به، ويحتمل أن تكونَ من الزمان، أي: ما كانوا في الماضي يستهزئون به عند وقوع العاقبة، فإنَّ استهزاءهم به سابق لهذه العاقبة، ولكن الظاهر أنها مجردة عن الزمان، وهو غالب ما تأتي (كانوا).
﴿إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي: يسخرون ويضحكون منه، والتكذيب بالشيء الحقِّ نوع من الاستهزاء به؛ لأنه مثلًا إذا كان فيه وعد ووعيد، وأمر ونهي، وخبر واستخبار، وإرشاد وتوبيخ، ثُمَّ كُذِّب به معناه أنه يستهزِئ به، وبأحكامه، وبأخباره، وبما تضمنه من هذه الأمور.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ما الفائدة؟
* الشيخ: الفائدة يقولون: إن زيادة المبنى يدل على زيادة المعنى؛ فإذا وجدْتَ في الكلمة حروفًا زائدة فمعنى ذلك أن هناك معان زائدة، والزيادة هنا للمبالغة؛ مثل: استكبر وتكبر، استكبر أبلغ من تكبر، وهنا استهزَأ أبلغ من هَزِئ به؛ فلذلك نقول: السين والتاء هنا للمبالغة.
قال الله تعالى مبينًا دليلًا واضحًا على آياته: (﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ ينظروا ﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي: كثيرًا أنبتنا ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ نوع حسن).
26:7Page 367
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَمۡ أَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجٖ كَرِيمٍ ٧
Did they not look at the earth - how much We have produced therein from every noble kind?
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ يعني هؤلاء المكذبين، و ﴿يَرَوْا﴾ يقول المؤلف: (ينظروا)، فجعلها من الرؤية الحسية، لا من الرؤية العلمية، وقد سبق لنا مثل هذا، وقلنا: إنها تحتمل المعنيين الرؤية الحسية إذا نظر بعينه هو، والعلمية إذا عَلِمَ بذلك من غيرِه؛ لأنَّ فيه أشياء ما نعلمها مما ينبت في الأرض، يعني: ما نراها، ولكننا نخبر بها، فالأولى أن يقال: إنه شامل لنظر العين، والنظر بالقلب اللي هو العلم.
﴿إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا﴾ يقول المؤلف: (أي كثيرًا)، و(كثيرًا) هذه تفسيرٌ لـ(كم)، يعني: فهنا (كم) تكثيرية، المعنى: كثيرًا أنبتنا فيها.
مثل قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٤٩]، أي: كثيرًا من فئة قليلة تغلب الفئة الكثيرة.
وقوله: ﴿كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أضافَ الإنباتَ إليه تبارك وتعالى؛ لأنَّه هو الفاعلُ حقيقة، وإذا أضيف الإنبات إلى المطر فإنما ذلك؛ لأنه سبب.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ أي: صنف، والكريمُ في الأصل كثير البذل، ولكنه يُطْلَق أحيانًا على الحَسَنِ، ومنه قوله ﷺ لمعاذ: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث ابن عباس.]] أي حَسَنها، وليس المعنى كرائهما التي تعطي كثيرًا؛ لأنها لا تعطي بهائم، ولكن يراد بها الحسنة، فهنا الكريم نقول: الحسن.
والزَّوج بمعنى: الصنف والنوع، هذه الأصناف والأنواع الحسنة البهيجة تدل على قدرة خالقِها تبارك وتعالى، وعلى فضلِه وإحسانه، وعلى حكمتِه، فانظر إلى الأرض وفيها هذا النبات تجده مختلفًا في حجمه، ومختلفًا في لونه، ومختلفًا في نفعه، ومختلفًا من جميع الوجوه، والأرضُ واحدة، والماء واحد، بل أحيانًا تجدُ النوع الواحد من هذا النبات يختلف؛ كما إذا نظرنا إلى البُر، البُرُّ نوع واحد بالنسبة للحبوب، ومع ذلك يختلِفُ، وإذا نظرنا أيضًا إلى النَّخْل وجدناه يختلف، وإذا نظرنا إلى البطيخ وغيره نجده مختلفًا، مما يدل على كمال قدرة الله تبارك وتعالى كما قال الله تعالى: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ﴾ [الرعد ٤]، الماء واحد والأرض واحدة تأخذ من هذا شيئًا تذوقه وإذا هو مُرٌّ، وتأخذ من هذا تذوقُه وإذا هو حلو، مع أن الأرض واحدة والماء واحد، ولكن هذا هو قدرة الله تبارك وتعالى التي يَستدل بها الموفَّقون على كمال قدرته.
26:8Page 367
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ٨
Indeed in that is a sign, but most of them were not to be believers.
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ دلالة على كمال قدرته تعالى ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ).
يقول: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾، كيف نُصِبَت آية؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اسم (إن)، وين خبرها؟
* الطالب: في ذلك.
* الشيخ: في ذلك.
* الطالب: (...).
* الشيخ: والخبر، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ في ذلك المذكور من الإنبات، ومن الأنواع، ومن الحسن، فتكون آية هنا بمعنى آيات.
و(آية) يقول: دلالة على كمال قدرة الله، صحيح هذا أبرز ما فيها القدرة، لكن فيها أيضًا من الآياتِ دلالة على الحكمة البالغة في تنويع هذه الأشياء واختلافها، فإنه لحكمة أرادها الله تبارك وتعالى، فالقدرة -مثل ما قال المؤلف- هي أبين ما يكون في هذه النبات من آيات الله سبحانه وتعالى، لكنها أيضًا على أمور أخرى أيضًا.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٨] قال المؤلف: (في عِلْمِ الله) يقْصِدُ (كان) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ لأنهم إلى الآن ما آمنوا، ليس معناه أنهم لم يكونوا مؤمنين فيما سبق، والآن هم مؤمنون، فيقول المؤلف: (في علم الله)، ما كانوا في علم الله، ولكن قال: (وكان قال سيبويه: زائدة)، و(كان) ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ زائدة، وهذا إدخال من المؤلف لقولٍ في قول؛ لأنَّ الذي يقول: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، إن (كان) زائدة، ما يقول في علم الله، ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ يعني: حسب الواقع والحال، لا، أما الذي يقول: إنها في علم الله ما يحتاج إلى كونها زائدة، واللي يقول: إن كان فعل ماض على حقيقتها، يحتاج إلى أن يقول في علم الله.
ولكننا نتخلص من هذا كله بأن نقول: إن المراد بـ(كان) هنا مجرد الحدث، الدلالة على الحدث فقط، فهي مجردة عن الزمان، وإذا كانت مجردة عن الزمان ما نحتاج أن نقول: إنها زائدة، ولا نحتاج أن نقول: في علم الله. نقول: الواقع أن أكثرهم ليس بمؤمن، وما أكثرهم بمؤمنين.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يتوجه على كلام الشارح إلا أن يكون قولًا آخر؛ لأنك إذا قلت: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ في علم الله، ما يصح أن تقول: (كان) زائدة.
* طالب: (...) وقال سيبويه.
* الشيخ: (...).
* طالب: وقال سيبويه (...).
* الشيخ: لا، يعني: يقول: وقال سيبويه (...)، لكن لما قال: (وكان قال سيبويه) يعني: معناه أنه كلام مفرَّع على ما قبله.
المهم أن سيبويه يرى أنها زائدة، والمؤلف يرى أنها أصلية لكن باعتبار علم الله، ونحن نقول: إنها أصلية مجردة عن الزمان، بل للدلالة على الحدث فقط.
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فيه دليل على أن بعضهم مؤمن، وهو كذلك، فإن بعضهم مؤمن وآمن بالفعل.
26:9Page 367
وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٩
And indeed, your Lord - He is the Exalted in Might, the Merciful.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٩] ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ﴾ الرُّبوبية هنا خاصة؛ لأن الله تعالى رب النبي ﷺ وغيره لكنه للعناية به ﷺ، وبيان أنه لن يخذُلَه مع هذا التكذيب، بل لا بد أن يتولاه بعنايته وربوبيته الخاصة.
وقوله: (﴿لَهُوَ﴾ اللام للتوكيد، ﴿الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة ينتقم من الكافرين ﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحم المؤمنين).
﴿لَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ ذو العزة، والعزة بمعنى الغلبة، يقال: عزَّ بمعنى غلب وقهر، وقد قالوا: إن العزة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.
فمعنى عزة القدر: أنه سبحانه وتعالى عزيز لا يبلغ أحد قدره.
وعزة القهر: عزيز لا يقهر، بل هو الغالب.
وعزة الامتناع: أنه سبحانه وتعالى ممتنع عليه النقص بأي وجه من الوجوه؛ عبارة عن القوة، ومنه: الأرضُ العزاز، العزاز يعني الصلبة القوية.
على كل حال، العزة بجميع أنواعها؛ هذه الثلاثة كاملة لله تبارك وتعالى، ومِن عزَّتِه أخذ المكذبين؛ ولهذا قال المؤلف: (ينتقم من الكافرين)، وهذا يعود إلى أي أنواع الثلاثة؟
* طالب: إلى عزة القهر.
* الشيخ: إلى عزة القهر.
(﴿الرَّحِيمُ﴾ يرحَمُ المؤمنين)، ولو أنَّ المؤلفَ أبقاها على عمومها لكان أولى، لكنه لما قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٤٣] أخذ المؤلف يُقَيِّد كلمة الرحيم بالمؤمنين، ولكن ينبغي أن يكون عامًّا؛ لأن عزته لا تقتضي انتقامه، بل قد يمنعُ الانتقام هذه الرحمة التي تُختص به، فالجمع هنا بين العزة والرحمة بين هاتين الصفتين للتَّناسُبِ البالِغ؛ لأن من اجتماعهما يحصُل كمالٌ، فهو بعزته ذو رحمة؛ لأن لو قارنَّا بين العِزَّة والرحمة في صفات المخلوقين لوجدنا أنهما لا يجتمعان في الغالب، وأنَّ العزيز الذي يرى نفسه قاهرًا في الغالب لا يكون فيه رحمة، فاجتماع الصفتين يحصل بهما كمالٌ على الكمال؛ عزة ورحمة، ثم اجتماعهما كمال، سيكون مع العزة رحيمًا، لا يؤاخِذُ ولا ينتقم؛ ولهذا لم يعجل الله سبحانه وتعالى العقوبة للظالم، ولكنه بحكمته يُمْلِي له حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه.
* طالب: هو ضمير فصل؟
* الشيخ: إي نعم، هو ضمير فصل.
* طالب: اللام.
* الشيخ: اللام للتوكيد.
* طالب: عزة الامتناع، أيش معناها؟
* الشيخ: عزة الامتناع معناها أنه يمتنع عليه النقص.
* طالب: (...) القدرة.
* الشيخ: الله أعلم، بل إن الله سبحانه وتعالى جعل بعد الموت لغة عربية؛ لأنه في الآخرة الظاهر أنَّ اللسان عربي، مثلما جاء في الحديث: «إِنَّ لِسَانَ أَهْلِ الْجَنَّةِ عَرَبِيٌّ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٥٥٨٣)، والحاكم في المستدرك (٧١٧٥) من حديث ابن عباس.]] والظاهر، والله أعلم أنه في الآخرة يكون عربيًّا؛ ولهذا أخطأ من قال: إن الملكين يسألان الميت باللغة السريانية، والظاهر من هذا أنه مُتَلقى من النصارى بالذات؛ لأن هي لغة الإنجيل زعموا أن الملكين يسألان المرء عن ربِّه ودينة بالسريانية، (...) باللغة العربية.
* طالب: (...) يريدون (...).
* الشيخ: ما أدري، ما ذكرها (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: الحديث ضعيف، لكن المعنى يشهد له؛ لأن غالبَ أهلِ الجنة من هذه الأمة من المسلمين، إما أن يقال: القرآن اللي هو أشرف الكتب المنزلة هو باللسان عربي (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences