Ibn 'UthayminAn‑Naml · 27:20–37

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:20–37, continued

وقوله: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ المقصود: الخضوع لي؛ يعني: معناه ذُلُّوا لي؛ لأنهم هم ما كانوا يعلون عليه حتى يقول: ألا تعلوا علي، وإنما أراد أن يأتوا إليه أذلة مسلمين، لله ولّا له؟ المراد: مسلمين لله، ولَّا مسلمين له أي مستسلمين؟

* طالب: مسلمين له.

* الشيخ: فيه احتمال أنهم مسلمون لله، أو مستسلمون لي، ولكن هل يلزم من إتيانهم مستسلمين له أن يكونوا مسلمين لله؟

* طالب: ما يلزم.

* الشيخ: ما يلزم، لكن يلزم من كونهم مسلمين لله أن يستسلموا له، وأن يأتوا مطيعين غير مخالفين، ثم قالت: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ إلى آخره [النمل: ٣٢].

(...) الله تبارك وتعالى: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة؛ أولًا: سرعة رجوع الهدهد إلى سليمان، مما يدل على أن جنود سليمان يهتمون بشؤونهم، ولا يتأخرون عن أعمالهم؛ لقوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾.

* ويستفاد منها أيضًا: أن سليمان وإن كان قد أعطي ملكًا عظيمًا لم يعطه أحد؛ فإنه لا يحيط بكل شيء، فهو على سعة ملكه وقوته لا يحيط بكل شيء، فغيره من باب أولى.

* فيستفاد منه -الفائدة الثالثة-: وهي ضعف إدراك المرء -الإنسان- مهما بلغ من الملك ومن القوة، ويدل لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء ٢٨]، فإن هذا يبيِّن الإنسان ضعف الإنسان، ضعيف.. في كل شيء، في القوى العقلية والقوى الجسمية وكل ما يمكن أن يوصف بالقوة والضعف فإن حال الإنسان فيه الضعف.

* ومن فوائد الآية: أنه يجوز أن يخاطب الرئيس بمثل هذا الخطاب، فيقال مثلًا: علمت ما لم تعلم، أو فعلت ما لم تفعل، ومثله قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣].

* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي للمتكلم أن يؤكد الخبر للمخاطب عند الحاجة إليه؛ لقوله: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.

فإذا قال قائل: ما فائدة تأكيده له وهو مصدر الخبر؛ لأن التأكيد إنما يفيد إذا جاء من طرف آخر يكون شاهدًا للمخبِر، فأما نفس المخبِر فكيف يقال: إن في تأكيده للخبر فائدة؟

فالجواب: أن المقصود من ذلك: زيادة طمأنينة المخبَر؛ لأنه أيضًا يدل على أن له فائدة: أنك إذا أخبرك المخبِر بخبر قد تقول له: هل أنت متأكد؟ فيقول: نعم أو لا، فإذن: تأكيد المخبِر لخبره لا يقال: إنه لا فائدة منه؛ لأنه هو مصدر الخبر، بل نقول: فيه فائدة، وهي رفع توهّم المخبِر في خبره، فيرفع هذا التوهم ويطمئن المخاطب، ولهذا قيل: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾.

* وفيه أيضًا؛ من فوائد الآية: أن استعمال ضمير الجمع للمخاطب المعظَّم ليس بلازم، وليس من شأن أيضًا خطاب الأنبياء والسلف، أنه مثلًا عندما يكون الإنسان معظَّمًا يقول: أتيتكم، جئتكم، وما أشبه ذلك كما هو المعتاد الآن عندنا، عندنا إذا كان المخاطب معظَّمًا، يقال: كما تريدون مثلًا سعادتكم أو سيادتكم أو سماحتكم أو فضيلتكم أو ما أشبه ذلك، لا، هذا ليس معتادًا فيما سبق، وإنما يخاطب الإنسان بما تقتضيه الحال، حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام يرد السلام على المسلِّم بقوله: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»[[أخرجه البخاري (٦٢٥١) من حديث أبي هريرة.]]، إذا سلَّم عليه أحد يقول: «عَلَيْكَ السَّلَامُ»، وإذا كانوا جماعة يقال: عليكم السلام.

* الفائدة هذه الأخيرة: أنه من عادة السلف أنهم يخاطبون أو يتكلمون مع المخاطب بما تقتضيه الحال.

﴿إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ امرأة تملكهم، الضمير جمع، والعائد عليه الضمير جمع ولَّا مفرد؟

* طالب: لا، مفرد.

* الشيخ: وين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ (هم) ضمير جمع، والعائد على الضمير مفرد ولَّا جمع؟

* طالب: جمع.

* الشيخ: وين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، جمع، لكن مرجع الضمير هو مفرد ولَّا جمع؟

* طالب: مفرد.

* الشيخ: وين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، لكن لما كان المراد به القبيلة صح أن يعود الضمير إليه جمعًا، وهذا سبق لنا الشرح، وقلنا فيها: (سَبَإٍ)، و(سَبَأَ) باعتبار القبيلة والجد.

* فيستفاد من هذه الآية: ﴿وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ أن المرأة لا تصلح للملك؛ لأنه ما قال: ملكة، بل قال: ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾، والشارح المفسر تقدم أنه يقول: أي هي ملكة لهم، وأن الغرض من تفسير ﴿تَمْلِكُهُمْ﴾ بملكة خوفًا من أن يقال: إنها تملكهم ملك استرقاق لا ملك تصرف، والمرأة هل يصح أن تكون ملكة؟

لا، ففي شرعنا لا يجوز أن تُولَّى المرأة على الرجال، فلا يمكن أن تكون ملكة، ولا يمكن أن تكون أميرًا، ولا يمكن أن تكون وزيرة، ولا يمكن أن تكون قاضية، كل هذا لا يجوز؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً»[[أخرجه البخاري (٤٤٢٥) من حديث أبي بكرة.]].

* طالب: (...)؟

* الشيخ: هذا اسم فقط، اسم ما هو أميرة اسم، يعني: أنها من الأمراء، من عائلة الأمراء فقط.

* طالب: وسيدة؟

* الشيخ: وسيدة مثل الآن السيدة رقيقة، كل الحي يسمونها سيدة؛ كل الناس يسمونها سيدة، وهذه قد نبهنا عليها في ما سبق وقلنا: إن هذه متلقاة من الغرب الذين يقدّسون المرأة، وأن هذا ما ينبغي، ولهذا حتى بعض الكتَّاب تجدهم يقولون: السيدة عائشة، السيدة خديجة، هذا ما ينبغي، بل يقال: المرأة والأنثى، وأما السيدة فلا يصح هذا الإطلاق، لا سيما وأنه متلقى من غير (...).

* وفي هذا: دليل على سعة ملك هذه المرأة، بل عظمة ملك هذه المرأة؛ لقوله: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والمراد ﴿مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ من مقومات الملك كما قال المؤلف المفسر.

* وفيها أيضًا دليل على أنها ذات أبهة؛ لقوله: ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾، وأما وصف العرش بما ذكره المفسر فلا دليل عليه.

﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾.

* يستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء القوم مشركون بالله؛ لقوله: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾.

* وفيه دليل على أن الشمس معبودة من قديم الزمان؛ لأن هؤلاء في زمن سليمان، وما زال إلى الآن يوجد من يعبد الشمس، ومن يعبد النار، ومن يعبد القمر، بل ومن يعبد البقر.

* وفيه دليل على أن الخلق مفطورون على إنكار الشرك؛ لأن الهدهد أنكر عليهم شركهم، مع أن الهدهد ليس من العقلاء، لكن جميع الحيوانات بل والمخلوقات غير الحيوانات مفطورة على توحيد الله عز وجل ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء ٤٤].

* فيستفاد من هذه فائدة: أن المشركين شر البرية كما قال الله عز وجل، يعني: إذا كانت البهائم والجمادات تسبح الله وتعرف حقه وبنو آدم هؤلاء يشركون به؛ صاروا شر الخليقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦].

* وفيه دليل على أن الإنسان يُذمّ على فعله أو يُمدح على فعله؛ لأن الهدهد ساق ذلك على سبيل الذم، والغرض من ذكر هذه الفائدة: الوصول إلى أن فعل الإنسان باختياره؛ إذ لو كان مجبرًا عليه لم يصح أن يكون محلًّا للذم أو للمدح؛ لأن الذي يُجبر على العمل ما يُمدح عليه إن كان خيرًا، ولا يُذمّ عليه إن كان سوءًا، ولكنه هو فعله، فهو إذن.

* وفيه دليل على إبطال قول من؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبر على عمله؛ لأنه إذا كان مجبرًا لم يكن أهلًا للثناء بالخير أو بالشر.

* وفي هذا دليل على أن الأعمال السيئة من تزيين الشيطان؛ لقوله: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، فكيف يُجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل ٤] فأضاف الله التزيين إليه، وهنا أضافه إلى الشيطان، وفي آية ثالثة: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة ٣٧] مبني للمجهول، لكن هذه ما تعارض الآيات الأخرى.

* طالب: التزيين المباشر من الشيطان، لكنه بتقدير الله عز وجل.

* الشيخ: يضاف إلى الله تقديرًا وإلى الشيطان مباشرة.

إذا قال قائل: إن الأعمال السيئة تُزين للناس في رمضان وقد ثبت في الحديث أن الشياطين تُصفّد فيه وتُغل، ومع ذلك نرى أن كثيرًا من الخلق يزين لهم سوء الأعمال في رمضان..

على أن سبيل الله سبحانه وتعالى واحد؛ لقوله: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [النمل ٢٤]، وسبيل الشر، بل سبل الشر متعددة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام ١٥٣].

ولهذا قال العلماء: الإسلام مِلّة، والكفر مِلَل: يهودية، نصرانية، وثنية، مجوسية، إلى آخره، ملل؛ يعني سبلًا متعددة، وأما الحق فسبيله واحد.

فإذا قال قائل: كيف تقولون ذلك؟ وقد قال الله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦]، كيف الجمع؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي نعم، ولهذا أُضيفت إلى السلام ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾ ما قال السبل: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ﴾ إذا قُيِّدت فهي على حسب ما قُيِّدت به؛ يعني يصلح أن تقول: سبل الخير، ويكون المراد بذلك الفروع الموصلة إلى الخير، فالإسلام كما أنه كله سبيل واحدة، فهو كذلك أيضًا ذو شُعب، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٩)، ومسلم (٣٥ / ٥٨) واللفظ له، من حديث أبي هريرة.]]، فهو ذو شُعب، فهذا معنى قوله: ﴿سُبُلَ السَّلَامِ﴾، ثم إنه مما يزيل الإشكال أنه أضيفت إلى السلام، فعُلم أن المراد بذلك فروع الخير.

* وفيه دليل على أن من صُدّ عن السبيل -والعياذ بالله- فإنه لا يهتدي إذا زُيّن للإنسان سوء عمله فصد بذلك عن السبيل، فإنه يقل أن يهتدي؛ لقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ أي: لا يسجدون لله، وهذا هو البلاء أن الإنسان يرى القبيح حسنًا، فهذا لا يكاد يقلع، لكن من كان يرى القبيح قبيحًا فإنه يمكنه أن يُقلع، ولذلك تجدون الآن مثل هؤلاء الذين يتعاملون بالحيل؛ الحيل الربوية وغير الربوية من المحرمات ما يكاد أن يقلعوا عنها؛ لأنهم يرون أنهم على حق؛ ولذلك لا يقلعون، لكن من فعل القبيح وهو يعتقده قبيحًا فإنه يوشك أن يُقلع عنه، ولهذا قال: ﴿فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل ٢٤].

﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ [النمل ٢٥] على تفسير المؤلف يجب أن يوصل قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ بقوله: ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾؛ لأنها متعلّقة بالجهة مفعول؛ لأن التقدير: فهم لا يهتدون إلى أن يسجدوا.

* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة وحده؛ لقوله: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [النمل ٢٥]؛ إذ لا أحد يستطيع ذلك إلا الله، ما أحد يستطيع أن يخرج المخبوء في السماوات وفي الأرض إلا الله سبحانه وتعالى، فإذا كان كذلك فيجب أن تكون العبادة له وحده؛ لأنه الرب وحده فيكون المعبود وحده كذلك.

* وبالآية دليل: - ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ - دليل على سعة علم الله؛ لقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.

واستدل به الشافعي على ثبوت القدر، ثبوت العلم لله بأفعال العبد دليل على تقديره لها، ولهذا قال الشافعي في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.

وهذا صحيح؛ لأننا نقول: إذا كنتم تقرون بأن الله عالم بأفعال الخلق فهل وقعت هذه الأفعال على حسب علمه أو على خلاف علمه؟ على حسب علمه؛ لأنكم تقرون أنه يعلمه.

إذن فقد وقعت على حسب علمه، فإذا كانت وقعت على حسب علمه لزم أن تكون بتقديره، وإلا لكان يمكن أن تقع على خلاف علمه إذا كانت من تقدير العبد واستقلال العبد فإنه لا يلزم أن تقع على حسب علمه، وأما إذا أنكروا العلم فإنهم يكفرون؛ لأن إنكار علم الله سبحانه وتعالى كفر.

وعندنا أيضًا حتى إنكار تقدير الله سبحانه وتعالى كفر؛ لأن الآيات والأحاديث صريحة بأن الله تبارك وتعالى مقدّر لأفعال العبد فإنكارها تكذيب للقرآن والسنة، وهذا هو الكفر.

ولكنه رحمه الله -الشافعيَّ- أراد أن يلزمهم بأمر متفق عليه، وهو أن إنكار علم الله كفر.

فقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾.

* نستفيد بها -بناء على تقدير الشافعي رحمه الله- على إثبات تقدير الله سبحانه وتعالى لأفعال العبد.

* وفي هذه الآية: تحذير العبد من المخالفة علنًا أو سرًّا، كيف ذلك؟ لأنك إذا علمت بهذا الأمر؛ بأن الله يعلم ما تخفي وما تعلن، ويش يلزم من ذلك؟ ألَّا تخالفه، لا تقل: أبغي أفعل هذا المحرم لأن الله ما يدري، أو أترك هذا الواجب لأن الله لا يدري، بل الله سبحانه وتعالى يعلم.

والإنسان لو علم أن المعظم عنده يعلم بأفعاله لترك ما لا يرضيه، لو علمت مثلًا أن أباك أو الرجل الذي تحترمه يعلم بما تفعل، هل تفعل ما يخالف رضاه؟ ما تفعل، لا سيما إذا كان محبوبًا لديك ومعظّمًا، فإذا كان كذلك فالرب سبحانه وتعالى من باب أولى، ولهذا ينبغي لك كلما دعتك نفسك إلى معصية، بل إلى مخالفة لترك أمر أو فعل نهي يجب عليك أن تتذكر هذا الأمر أن الله سبحانه وتعالى يعلم مخالفتك.

فيلزم من هذا أن ترتدع، ولهذا جاء في الحديث وإن كان فيه نظر: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ مَعَكَ حَيْثُمَا كُنْتَ»[[أخرجه الطبراني في الأوسط (٨٧٩٦)، وفي مسند الشاميين (٥٣٥، ١٤١٦) من حديث عبادة بن الصامت.]]؛ لأنك إذا علمت هذا العلم أوجب لك الاستقامة والثبات على الأمر.

﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا﴾ فيها قراءتان: ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾ و﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ .

أما على قراءة: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ على حسب تفسير المؤلف فالمناسب: ﴿مَا يُخْفُونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ .

وأما على القراءة الثانية قراءة الكسائي: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ -وهي سبعية- تناسب ﴿مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ﴾؛ لأن (اسجدوا) فعل أمر، وفعل الأمر للمخاطب، فيقتضي أن الحالة التي بعده تكون للمخاطب أيضًا، يعني ألا يا قومي اسجدوا، وهو هنا لا يخاطب سليمان؛ لأن سليمان يسجد لله، لكنه لقوة استحقارهم ما كانت عليه ملكة سبأ خاطبهم بقوله: ﴿أَلَا يَسْجُدُوا﴾ .

* وفي هذا دليل على إثبات عرش الله؛ لقوله: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦].

والعرش: هو أعلى المخلوقات، وهو غير الكرسي، وليس هو الْمُلك كما قاله منكرو العلو الذين يقولون: إن المراد بالعرش الملك، فيقولون: استوى على العرش؛ أي: استولى على الْملك، هذا لا شك أنه ليس بصحيح، والعرش معروف عند العرب وفي اللغة العربية بأنه سرير الملك الخاص به.

* وفيه: إثبات انفراد الله سبحانه وتعالى بالألوهية؛ لقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فإذا قال قائل: هذا النفي أو الحصر حقيقي، ولا إضافي؟

* طالب: إضافي بالنسبة..

* الشيخ: إذا قلنا: حقيقي، فهذا يلزم أن يكون (إله) ليس بمعنى بمعبود، والمعروف أن (إله) بمعنى معبود، إذا كان بمعنى معبود لزم أن يكون الحصر إضافيًّا، إذ هناك معبود سوى الله وهي الأصنام.

مثل معنى لا إله إلا الله؛ أي: لا معبود بحق إلا الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا، وإن جعلناه حقيقيًّا فإننا يمكن أن نقول: إن لا إله إلا الله: أن المراد بالإله: الإله المستحق؛ يعني لا إله مستحق إلا الله، ولكن هذا التقدير يعود على الأول.

واعلم أن الله سبحانه وتعالى سمّى الأصنام آلهة، سماها آلهة في قوله تعالى: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [هود ١٠١]، فأثبت أنها آلهة، وفي آية أخرى نفى أن تكون آلهة فقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، والجمع بينهما ظاهر؛ أن إثبات كونها آلهة باعتبار هؤلاء العابدين لأنهم يعتقدونها آلهة، ونفي أن تكون آلهة وإن هي أسماء باعتبار حقيقة الأمر فإنها ليست بآلهة تستحق أن تعبد، ولهذا نفى أن تكون آلهة؛ لأنها ليس لها حق في أن تعبد.

* طالب: وضّح يا شيخ معنى (لا إله إلا الله) في (...) الحصر الإضافي؟

* الشيخ: الحصر الحقيقي والإضافي إذا قلنا: إنه لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله صار حصرًا إضافيًا؛ يعني باعتبار أن يكون بحق فلا إله إلا الله، أما بحق وباطل فيوجد آلهة سوى الله، وحينئذٍ يكون الحصر إضافيًّا؛ يعني بالإضافة للإله الحق، وإذا قلنا: حقيقي؛ فهو باعتبار الواقع أنه لا يوجد إله إلا الله، وأن هذه الآلهة مجرد أسماء يكون الحصر حقيقيًّا باعتبار الحقيقة والواقع.

* الطالب: (...).

* الشيخ: مؤداهم واحد، ولهذا أثبت الله الآلهة مرة، ونفاها مرة أخرى.

قال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [النمل ٢٦].

* فيه: إثبات الربوبية لقوله: ﴿رَبُّ﴾ ورب بمعنى خالق ولَّا بمعنى صاحب؟

* طلبة: خالق؟

* الشيخ: بمعنى خالق، وهو أيضًا مختص به؛ إذ إن العرش لله سبحانه وتعالى وحده.

قال سليمان للهدهد: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧].

* يستفاد من هذه الآية: أنه ينبغي التثبت بالخبر لا سيما عند قيام الشبهة، ولا لَّا؟ ما هي الشبهة القائمة هنا؟

* الطلبة: المدافعة يا شيخ.

* الشيخ: أن الهدهد قال ذلك مدافعة وإن كان بعيدًا؛ لأنه قال: ﴿جِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل ٢٢]، لكن لما كان هذا مقام دفاع فإنه ينبغي أن يتثبت الإنسان أكثر، ولهذا قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل ٢٧]، ما هو قال: ﴿بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾، وقلنا: إن هذا نظير ما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي موسى الأشعري «حيث استأذن عليه ثلاثًا وانصرف، فلما عاتبه بعد ذلك قال: هكذا أمرنا رسول الله ﷺ فقال: هات من يشهد لك». فشهد له مَنْ؟ محمد بن مسلمة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٦٢)، ومسلم (٢١٥٣ / ٣٦) من حديث أبي موسى الأشعري، ولم نقف فيه على شهادة محمد بن مسلمة، وإنما هو أبو سعيد الخدري. ]].

فمثل هذه الحال وإن كان خبرًا متيقنًا، لكن لا مانع من أن الإنسان يتثبت في ذلك.

* وفي هذا دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يكون لبقًا في تعبيره حتى لغير الآدمي؛ لقوله: ﴿أَصَدَقْتَ﴾ فصارحه هنا بلفظ: الصدق؛ لأن الصدق صفة محبوبة محمودة، وفي الكذب ما قال: أم كذبت، قال: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، فتحاشى أن يصارحه بوصف الكذب.

مع ما في ذلك بالنسبة للقرآن الكريم من مراعاة الفواصل ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ فإن هذه فيها مراعاة للفواصل.

وقول المؤلف: (إن هذا أبلغ من أم كذبت) هذا له وجه؛ لأن قوله: ﴿أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾؛ أي: من المتصفين بالكذب دائمًا؛ يعني ممن وصفه الكذب، وليس من كذب مرة واحدة كمن كان الكذب وصفًا له، فيكون العدول هنا عن أن كذبت له ناحيتان:

الناحية الأولى: أنه ألطف من التصريح بالمخاطبة بالكذب أو لا؟ واحد يكلمني أقول: هل صدقت أم كذبت؟ هذه أشد وطأة عليه من أن أقول: صدقت أم كنت من الكاذبين.

ومن جهة أخرى هي أشد حيث إنها تدل على اتصاف المخاطب بالكذب لا أنه وقع منه مرة واحدة، فالمؤلف راعى وجهًا، وترك وجهًا آخر؛ الوجه الثاني، والصواب: أنه في كلا الوجهين، مراعًى فيه الوجهان جميعًا.

﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ﴾ في هذا دليل جواز تعظيم الإنسان نفسه إذا كان أهلًا لذلك على أنه يحتمل أن يكون سليمان أراد أنه ينظر ذلك لمن يستعين به من جنوده، لا أنه يريد أن يباشر هو بنفسه ذلك.

﴿سَنَنْظُرُ﴾ هذه لا شك أنه للجماعة، فهل هي جماعة حقيقة أم من باب التعظيم؟

لأن المعظّم نفسه معناه أنه نزل نفسه منزلة الجماعة، نقول: هذا فيه احتمال، فإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام أراد تعظيم نفسه فهو أهلٌ لذلك؛ لأنه ملك ورسول، وإلا فإنه يريد ﴿سَنَنْظُرُ﴾ بجنودنا وأعواننا ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وإن كان لا يريد أن يباشره بنفسه.

فالملك والوزير والأمير ومن أشبههم إذا قالوا: سنفعل كذا، فإما أن يكون بأنفسهم فيكون ذلك تعظيمًا لأنفسهم أو بواسطة الجنود والأعوان فيكون هذا مراعاة للجمع.

وقال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ [النمل ٢٨].

* في هذه الآية دليل على أن الحيوانات تعقل ما يوجّه إليها من الأمر والنهي والاختبار والفحص؛ لقوله: ﴿اذْهَبْ﴾ ﴿فَأَلْقِهْ﴾، ثم ﴿انْظُرْ﴾ و﴿تَوَلَّ﴾ كل هذه أوامر للهدهد مما يدل على أن الحيوانات هذه تعقل، ولكن ليس معنى قولنا: أنها تعقل أن تكون عاقلة من كل أحد، صحيحٌ أنها تعقل عقلًا محدودًا بالنسبة لعامة الناس، ولهذا تزجر البهيمة؟

* طالب: فتنزجر.

* الشيخ: فتنزجر، وتدعوها فتُقبِل، ولكنه ليس هذا كمثل تسخيرها لسليمان عليه الصلاة والسلام، فإن تسخيرها لسليمان أنها تنزل منه منزلة الإنسان العاقل الفاهم من كل وجه.

قال: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾.

* وفيه أيضًا دليل على أنه ينبغي تحسس الأخبار عند الحاجة لذلك، وهذا ما يسمى بالمتابعة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾ فإنه إذا تولى، وجعل ينظر لا بد أن تبين له الأخبار؛ لأنه لو أنه ما تولّى عنهم لو ألقاه، وبقي يمكن ما يتكلمون بالأشياء التي يتكلمون بها إذا كان غير حاضر لديه، لكن إذا تولى عنهم حينئذٍ وجدوا لأنفسهم مكانًا في الكلام على ما يريدون، هذا من السياسة؛ لأنك عندما تعمل عملًا فإنك تتحسس الأخبار، فلا تباشر هذا؛ لأنه ما يأتي على المطلوب، ولا تعرض عنه إعراضًا كاملًا؛ لأن معنى ذلك أنك ما تابعت ولا اهتممت بالأمر، فالإنسان ينبغي له كلما عمل عملًا أن يكون متابعًا له وأن يتحسس.

مثلًا افرض أنك أمرت أهلك بأمر أنت راعٍ عليهم أمرتهم بأمر هل أنت تترك هذا الأمر ولا تلاحظه؟ تلاحظه، ولكن لا تلاحظه وأنت حاضر عن مباشرة؛ لأنه في هذه الحال سوف ينفذوه، لكن تلاحظه وأنت بعيد حتى يتبين لك هل نفذوه أم لم ينفذوه، وهذه من السياسة التي ينبغي سلوكها لأجل أن يعرف الإنسان مدى تقبّل الموجه إليه الأمر من عدمه، ولهذا قال: ﴿أَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ﴾، وهذا هو الذي حصل.

* طلبة: (...).

* * *

* الشيخ: (...) في قصة ملكة سبأ لما جاءها الكتاب من سليمان عليه الصلاة والسلام قالت لقومها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل ٣٢]، الملأ: بمعنى الأشراف، وذلك أن الملوك والرؤساء يكون جلساؤهم غالبًا أشراف الناس فوجهت إليهم الخطاب، وقالت: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾.

وسبق ذكر الفائدة في قولها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ دون قولها: يا ملأ، إظهارًا لعلوّ شأنهم حيث نودوا بمناداة البعيد.

(﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ بتحقيق الهمزتين) ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ هذا تحقيق الهمز.

(وتسهيل الثانية) بأي شيء؟ بـ(قلبها واوًا) ﴿الْمَلَأُ وفْتُونِي﴾ ، وهذا مبني على؟

* طالب: القاعدة.

* الشيخ: القاعدة اللغوية: أنه إذا ضم ما قبل الهمزة فإنه يجوز قلبها واوًا.

وقلنا: من فائدة هذه اللغة تصحيح أذان كثير من الناس الذين يقولون في أذانهم؟

* طلبة: (الله وكبر).

* الشيخ: (الله وكبر)، بل حتى الصلوات بعض الناس حتى في تكبيرة الإحرام يقول: (الله وكبر).

(﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي﴾ أي: أشيروا عليّ ﴿فِي أَمْرِي﴾ ) واحد الأمور، وليس واحد الأوامر؛ لأن المراد بالأمر هنا الشأن ﴿فِي أَمْرِي﴾.

(﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ قاضيته ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ تحضرون)، وهذا من كمال ذكائها أنها أشارت الملأ حتى إذا نتج عن تصرفها شيء لا يُرضى يكون اللوم على من؟ على هؤلاء الملأ الذين أشاروا، ولا يجعلون اللوم عليها، ولهذا قالت: ما تقطع أمرًا حتى تشهدونها أو حتى يشهدوها.

وقولها: ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا﴾؛ أي: قاضية له. ﴿أَمْرًا﴾ هذه نكرة في سياق أيش؟

* طلبة: النفي.

* الشيخ: النفي، فتكون للعموم، لكن المراد بذلك الأمر المتعلق بالدولة بلا شك، وأما الأمر الخاص فإن لكل إنسان التصرف فيه.

وكذلك قول الله تعالى للنبي ﷺ: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران ١٥٩]، هذا الأمر إنما هو في الأمور العامة التي للجميع، وليس الرسول عليه الصلاة والسلام ولا غيره مأمورًا أن يشاور الناس في كل أموره حتى لو أراد أن يتغدى أو يتعشى ذهب يقول للناس: أيش تقولون؟ لا، الأمور العامة التي يشترك فيها الناس هي التي يُؤمر فيها بالتشاور.

وقولها: ﴿قَاطِعَةً أَمْرًا﴾ هذا أبلغ مما فسره به المفسر بالقضاء؛ لأن القطع يدل على الإمرة والعزيمة والفعل، بخلاف القضاء فقد يراد به الحكم فقط بدون أن يُفعل.

وقولها: ﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ فيها إشكال لغوي، وهو ثبوت النون مع أن (حتى) ناصبة، فما هو الجواب؟

* طالب: الظاهر أن (حتى) لها شروطها في النصب.

* الشيخ: الشروط تامة.

* الطالب: تامة الشروط؟

* الشيخ: إي، تامة الشروط.

* الطالب: (...) حتى الصبح.

* طالب آخر: ما يخالف يجوز ثبوت (...).

* الشيخ: لا (...).

* طالب: ما بعدها ناصب يا شيخ.

* الشيخ: لا، النون هذه للوقاية، ولذلك تجدونها مكسورة، أو لا؟

﴿حَتَّى تَشْهَدُونِ﴾ لو كانت نون الرفع لقال: (تشهدونها)، فالنون هذه للوقاية، وما كنت أظن أنها تشكل عليكم، وأنا قلت: فيها إشكال لغوي، وأنا (...)؛ لأني ما أرى أنها تُشكِل؛ لأنها مكسورة.

ومثل هذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ [الذاريات ٥٩]، ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾ إذا وقفت عليها فتسكن النون، فيظن السامع أن النون هنا ثبتت مع وجود النهي ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ﴾، وهي مع النهي تحذف، ولكن النون هنا للوقاية؛ ولذلك إذا وصلت تقول: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [الذاريات ٥٩، ٦٠].

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش لون؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: صرف آيات؛ يعني قصدك استنباط الفوائد.

* الطالب: (...).

* * *

* الشيخ: يقول الله عز وجل: (﴿قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [النمل: ٣٣] أي أصحاب شدة في الحرب) (أولو) بمعنى أصحاب، وهي -كما مر علينا في النحو- ملحقة بجمع المذكر السالم وهي الآن مرفوعة بالواو نيابة من الضمة؛ أي: أصحاب قوة وبأس، والبأس بمعنى: الشدة والصبر.

(﴿بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾؛ أي: أصحاب شدة في الحرب)، فكأنهم يعرِّضون بالمشورة عليها بالقتال بأن تقاتل سليمان ويقولون: نحن مستعدون للقتال؛ لأننا أصحاب قوة وأصحاب بأس شديد.

القوة هنا هل مراد القوة الجسمية أو القوة المادية؟

* طالب: كلاهما.

* الشيخ: كلاهما؛ يعني فعندنا من قوة الجسم، وعندنا من قوة العدة ما نستطيع أن (...).

وهذا من التأدب معها مع أنها هي التي طلبت منهم المشورة مع ذلك ردوا الأمر إليها، ﴿وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ﴾ وهذا يدل على أنها كانت أهلًا؛ لأن يسند إليها الأمر وعلى أنهم كانوا يعظمونها تعظيمًا بالغًا.

(﴿فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ نا نطعك)، هل المراد بالنظر هنا الانتظار أو المراد التفكير في الأمر؟

المراد التفكير في الأمر؛ يعني فكّري في أمركِ ماذا تأمرين فتكون (ما) هنا استفهامية معلّقة عن عمل الفعل؛ لأنه إذا كانت الجملة استفهامية، فإن الفعل وإن كان ينصب مفعولًا أو مفعولين يكون معلقًا عن العمل، وتكون الجملة في محل نصب.

أجابت: (﴿قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ بالتخريب ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ -يعني بالأثر- ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: مرسلو الكتاب).

كأنها لا تريد القتال، تقول: لو قاتلناهم فإن الغلبة عليهم بعيدة، ستكون الغلبة لهم، وحينئذٍ يدخلون قُرانا، والملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها؛ لأن عندهم من العلو والغلبة والاستكبار ما يوجب أن يخسفوا بأهل البلد التي يدخلونها.

وليس المراد هنا بالإفساد الإفساد المعنوي؛ يعني بإفساد الأخلاق مثلًا، المراد ما أشار إليه المؤلف: الإفساد (بالتخريب).

وجاء دور الجمهوريين، فإذا أشد وأعظم؛ لأنهم أقل حياءً من الملوك، لا لهم أصل تجد الإنسان ينتخب وهو من الشارع ليس من الملأ ولا من أشراف الناس، فيأتي وغالبهم ليس عنده دين ولا مروءة فيفسدون أكثر مما يفسد هؤلاء كما هو مشاهد في تخريب الروس وغيرهم في البلاد التي يدخلونها.

يقول: ﴿وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ بأي شيء بالأسر يأسرونهم ويسترقونهم أو يستخدمونهم بدون أسر، ولا استرقاق، وهذا من أبلغ ما يكون من الذلّة.

وقولها: ﴿أَعِزَّةَ أَهْلِهَا﴾ سواء كانت هذه العزة تعود إلى الملك أو تعود إلى الجاه والشرف أو إلى العلم أحيانًا فإنهم يسلطون على الأعزة؛ لأن لهم الكلمة فيما سبق، فهم الذين دبّروا هذه الحروب، ثم هزموا فتكون رحى الحرب عليهم.

قال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ هل هذا من كلام الله سبحانه وتعالى تصديقًا لقولها أو هو من كلامها تقريرًا له؟

وتكون بالأول ذكرت قاعدة عامة، ثم أشارت إلى ما تتوقعه من سليمان فقالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ أي: كذلك يفعل هؤلاء الذين أرسلوا بالكتاب.

* طلبة: إيه العلاقة بأنه كلامها؟

* الشيخ: المؤلف يرى أنه من كلامها، ويكون ذلك تقريرًا للقاعدة التي ذكرتها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾؛ لأن هذا عام.

ثم قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ تقريرًا لهذه القاعدة وتطبيقًا لها على حال سليمان وجنوده، أما إذا قلنا بأنه من كلام الله عز وجل، فتكون الجملة مستأنفة؛ أي: أن الله يقرر ما قالته بأن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة.

وقولها: ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ كيف جاءت بصيغة الجمع مع أن الكتاب ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ﴾؟

لأنها عرفت أن سليمان ملك، والملك لا بد له من أتباع وجنود وأعوان؛ فلهذا قالت: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

وإعراب ﴿كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾، وما أكثر ما تأتي في القرآن ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾. وما أشبه يعني يأتي في القرآن كثيرًا ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد ١٧].

يقولون: إن الكاف هنا: بمعنى (مثل)، وأنها تقع في محل نصب مفعولًا مطلقًا مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل يفعلون، في هذا تقدير الآية اللي عندنا مثل ذلك الفعل يفعلون.

﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾؛ أي: ومثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، فصارت الكاف هنا اسم بمعنى (مثل) في محل نصب على أنها مفعول إيش؟ مطلق مضافًا إلى اسم الإشارة؛ أي: ومثل ذلك الفعل الذي ذكرت يفعلون، ومعلوم إذا قلنا: إنه مفعول مطلق، فإن المشار إليه يكون مصدرًا مناسبًا لسياق الآية.

﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ [الصافات ٣٤]، نقول: أي: مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين. ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ أي: مثل ذلك الضرب يضرب الله الأمثال، وعلى هذا فقيسوا، ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾.

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل ٣٥]، هذه المرأة ذكية لما جاءها الكتاب قالت: أبغي أمتحن الرجل، أبغي أرسل إليه هدية، فإن كان رجلًا يريد الدنيا كفته الهدية، وترك الحروب والقتال، وإن كان رجلًا يريد أمرًا آخر فإنه سيرد الهدية، وهذا بلا شك من الاختبار الذكي.

قالت: ﴿إِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾، وطبعًا هي كما قلنا: قبل قليل هي ما رضيت ما أشار به الملأ؛ لأن الملأ أشاروا عليها بالحرب والقتال، وذلك بإبداء ما عندهم من القوة والبأس الشديد، ولكنها لم ترد، هذا فأرادت أن تمتحن سليمان.

﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ﴾ ولم تقل إليه؛ لأنه -كما قلنا- ملك له جنود وأعوان وحواشي.

﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ (ناظرة) ليست من الانتظار، وإن كانت محتملة أن تكون من الانتظار؛ أي: فمنتظرة، ولكنها من النظر، يعني أنظر بعد إرسال هدية بما يرجع المرسلون، من هم المرسلون؟ رسولها بالهدية، وفي هذا إشارة إلى أن هذه الهدية كبيرة وعظيمة؛ لأنها لم ترسل بها واحدًا، وإنما أرسلت بها جماعة وأقل الجمع؟

* طلبة: ثلاثة.

* الشيخ: أقل الجمع ثلاثة.

﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ أي: بأي شيء يرجعون به.

و﴿بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ متعلقة بـ(ناظرة)، ولَّا متعلقة بـ(يرجع)؟

* طالب: بناظرة.

* الشيخ: بناظرة، وما رأيكم أنتم موافقون له؟ (ما) هنا ما هي استفهامية. ﴿بِمَ يَرْجِعُ﴾ (ما) استفهامية ولَّا موصولة؟

* طلبة: موصولة.

* الشيخ: موصولة؟ لا، استفهامية؛ لأن الموصولة تبقى ألفه مع حرف الجر، والاستفهامية تحذف ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [النبأ ١].

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ عشان ما فيها ألف، كذا؟ لكن لو تقول: هو مسؤول عما قال، تكون ألف ولا ما تكون؟

* طالب: تكون.

* الشيخ: تكون.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском