Ibn 'UthayminAn‑Naml · 27:47–50

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Naml 27:47–50, continued

ثم بعد ذلك أن يبيّته، ﴿لَنَقُولَنَّ﴾ (بالنون والتاء وضم اللام الثانية)، ضم اللام الثانية متى؟ إذا صارت (...) ﴿لَتَقُولُنَّ﴾ ، أما بالنون فهي بفتح اللام ﴿لَنَقُولَنَّ﴾؛ يعني: ثم بعد أن نبيّته ونقتله إذا قام وليه للأخذ بثأره نقول له.

(﴿لِوَلِيِّهِ﴾ أي: ولي دمه) ومن ولي الدم؟ ولي الدم عندنا في الخلافة الإسلامية هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، وقول البعض: بل العصبة هم أولياء الدم؛ لأنهم الذين يؤدون العقل عنه، وأما ذوي الفرض فليس من أولياء الدم، والصواب: العموم؛ أن أولياء الدم هم الورثة بفرضٍ أو تعصيب، حتى الزوجة والأم هن من أوليائه.

(﴿مَا شَهِدْنَا﴾ حضرنا، ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ بضم الميم وفتحها) ﴿مُهْلَكَ﴾ و﴿مَهْلَكَ﴾ ، ولم يتعرض المؤلف للقراءة الثالثة وهي: ﴿مَهْلِكَ﴾، فالقراءات فيها ثلاث: فتح الميم وكسر اللام، فتح الميم واللام ﴿مَهْلَكَ﴾ ، ضم الميم وفتح اللام، وهاتان الأخيرتان هما اللتان ذكرهما المؤلف: ﴿مُهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ ، ﴿مَهْلَكَ أَهْلِهِ﴾ يقول: (أي: إهلاكهم أو هلاكهم) على القراءتين.

﴿مُهْلَكَ﴾ أي: إهلاك؛ لأن ﴿مُهْلَكَ﴾ من (أَهْلَكَ) الرباعي، و﴿مَهْلَكَ﴾ من (هَلَكَ) الثلاثي؛ فلذلك نقول: إذا كان الفعل ثلاثيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن (مَفْعَل)؛ (هَلَكَ مَهْلَك)، (قَامَ مَقَام).

وإذا كان رباعيًّا فإن المصدر الميمي منه على وزن اسم المفعول، فتقول: (مُهْلَك) من (أَهْلَك)، وتقول: (مُقَام) من (أَقَام).

قام فينا مقام فلان، مثل ما قال أبو حيان في ابن تيمية:

قَامَ ابْنُ تَيْمِيَّةٍ فِي نَصْرِ شِِرْعَتِنَا ∗∗∗ مَقَــامَ سَيِّدِ تَيْمٍ إِذْ عَصَــتْمُضَـــرُ

قام مَقَام، لكن عندما تقول: أقام في هذا المكان مُقام فلان، بضم الميم، ما تقول: مَقام، مفهوم؟

وهذه قاعدة معروفة في النحو: أنه المصدر الميمي إذا كان من رباعي فهو على وزن اسم المفعول، وإذا كان من ثلاثي فهو على وزن (مَفْعَل) أو (مَفْعِل) مثل ﴿مَهْلِكَ﴾.

﴿مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (فلا ندري من قتلهم)، وهذا الإنكار صحيح ولَّا كذب؟

* طلبة: كذب.

* الشيخ: ما داموا هم الذين قتلوه، فقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ هذا كذب، لكن فيه تورية؛ لأنهم يقولون: ما شهدنا بل فعلنا، والشاهد لم يفعل؛ ولهذا قالوا: ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.

وجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل هي من جملة قولهم الذين يدافعون به عن أنفسهم أو هو تقرير لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يعني: وأنهم لم يقولوه للدفاع عن أنفسهم؟ يحتمل الأمرين.

﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ هل ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ من جملة ما يقولونه للولي؛ ليؤكدوا النفي؟ ما شهدنا وإننا لم نكذب عليكم، إننا لصادقون أنا ما شهدنا، هذا وجه. أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ واطمئنوا أيها الإخوة، فإننا -يقول بعضهم لبعض- فإننا لصادقون بأننا لم نشهد؟

يحتمل هذا وهذا، إنما المفسّرون ذكروا احتمالين: أحدهما: أن يقولوه في جملة دفاعهم عن أنفسهم لولي صالح، وعلى هذا فتكون الجملة ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ تقريرًا لقولهم: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ (...)، ﴿مَا شَهِدْنَا﴾، ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ فلم نخبركم بالكذب.

أو أن المعنى: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ونحن إذا قلنا هذا فإننا صادقون؛ لأننا ما شهدنا مهلك، ولكننا أهلكنا بأنفسنا، لسنا شهودًا بل فاعلون.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: بلى، لكن الحقيقة أن الفاعل غير الشاهد، وأنه (...) تورية (...) مثلًا، تورية ولَّا معلوم أن من فعل فقد شهد، بل أبلغ.

* طالب: ومن قتل النبي فالذين آمنوا (...) يكفي عليهم أنهم (...) لما هو أعظم؟

* الشيخ: لا، هم يهونون أمرهم بعضهم على بعض حتى لا يكون في أنفسهم شيء، ولّا هو معلوم أن الذي يقتل يشهد، لكن لتهوين الأمر على بعضهم يوطّن بعضهم بعضًا.

والحاصل: أن هؤلاء -العياذ بالله- أرادوا هذا الفعل المنكر، وهو مكر؛ لأنه إتيان لصالح وأهله من حيث لا يشعرون، فإن الليل موضع السكون والهدوء، فإذا أحد اعتدى على أحد صار ذلك غدرًا ومكرًا.

ولهذا حتى في حرب الكفار اختلف العلماء: هل يجوز تبييت الكفار أو لا يجوز؟ فمن العلماء من منع التبييت قال: ما يمكن أن يقتل الكفار وهم غارون نائمون، ومنهم من أجاز ذلك، والمسألة تحتاج إلى تحرير بحث في هذا الشيء.

والحاصل أنا نقول: إن هذا من الغدر والمكر؛ أن يأتي هؤلاء إلى صالحٍ وأهله في الليل فيبيتوهم؛ ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ [النمل ٥٠] ومكروا في ذلك مكرًا، ﴿مَكْرًا﴾ منكّر، وأحيانًا يكون من فائدة التنكير: التعظيم؛ أي: مكروا مكرًا عظيمًا.

والمكر فسّره بعضهم بأنه التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم، فيحصل بأسباب خفية إلى الإيقاع بخصمه؛ لأن الأسباب الظاهرة ما تسمى مكرًا، وإنما هي أسباب خفية.

قال الله عز وجل في مقابلة ذلك: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ أي: أعظم من مكرهم، مكرًا أعظم من مكرهم.

قال المؤلف: (أي: جازيناهم بتعجيل عقوبتهم) ففسّر المكر بالمجازاة، والصحيح: أن المكر أشد من المجازاة؛ لأنها مجازاة من حيث مأمن المجازي، لكن أراد المؤلف -رحمه الله- أن يدفع بذلك صفة المكر عن الله سبحانه وتعالى ففسّره بالمجازاة.

والصواب عند أهل السنة والجماعة: أن المكر لا يجوز أن يحرّف إلى معنى المجازاة مطلقًا، وأنه لا يمتنع وصف الله تبارك وتعالى به في محله، فالمكر في محله يعتبر مدحًا ولَّا لا؟ يعتبر مدحًا، وفي غير محله يعتبر ذمًا، فالمكر بهؤلاء الماكرين مدح، يعتبر مدحًا عظيمًا.

ولهذا الصحيح في هذه المسألة الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن الله تعالى يوصف بالمكر لا على الإطلاق، فلا يقال: إن الله ماكر؛ لأنه على الإطلاق يتضمن صفة الذم، وإنما يقال: ماكرٌ بمن يمكر به أو بمن يستحق المكر، وحينئذٍ يكون صفة مدح.

والصفات تنقسم إلى ثلاثة أقسام: أحدها: صفاتٌ حسنى بكل حال، فهذه ثابتةٌ لله على وجه الإطلاق، كالسمع، والبصر، والعلم، والحياة، والقدرة، وما أشبه ذلك.

والثاني: صفات نقصٍ على كل حال أو صفات سوءٍ على كل حال، فهذه يُنزّه الله عنها على كل حال، مثل: الظلم، واللغوب، والجهل، والعمى، والموت، والمرض، والجوع، والعطش، وما أشبه ذلك، هذه ينزّه الله عنها على كل حال، والولادة، والوزير، والشريك، وما إلى ذلك، هذه ينزّه الله عنها في كل حال.

والثالث: صفاتٌ ذات وجهين؛ تكون مدحًا في حال، وتكون ذمًا في حال، فهذه لا يوصف الله بها بإطلاق، ولا تنفى عنه على الإطلاق، مثل: المكر، والخداع، والاستهزاء، والسخرية، وأمثالها، هذه لا يوصف الله بها على كل حال، ولا تنفى عنه في كل حال، بل يوصف بها حيث تكون كمالًا، وتنفى عنه حيث تكون نقصًا.

قال الله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ [التوبة ٧٩]، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة ١٥]، وقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء ١٤٢]، وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠].

﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني: هم لا يشعرون بعاقبة مكرهم، وهل يتم لهم ما أرادوا أم لا؟ ولا يشعرون كيف يمكر الله بهم، فهم لا يشعرون لا بهذا ولا بهذا لا بنتيجة مكرهم ولا بمكر الله بهم؛ لأنهم -والعياذ بالله- متمادون في الضلالة، والغالب أن الذي يتمادى في الضلالة يعمى ولا يبصر ويسمى ضلالة؛ فلهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾، والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ أيش محلها من الإعراب؟

* طالب: حال.

* الشيخ: حال منين؟

* الطالب: من الواو.

* الشيخ: من الواو في (مكروا)، أو من الضمير المحذوف في قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا﴾ يعني: بهم وهم لا يشعرون؟

* الطالب: (...) تدل على مكر مضاد (...) الخفي في الليل؟

* الشيخ: لا، هو بالأسباب الخفية، وقد يشعر به.

قال: ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ ﴿فَانْظُرْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أولًا، أو لمن يصح خطابه؛ يعني: فانظر أيها المخاطب، أو فانظر يا محمد، وهو رأس هذه الأمة وقائدها وإمامها، فيكون خطابه خطابًا للأمة أيضًا.

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ (كيف) هذه اسم استفهام معلِّقةٌ لـ﴿انْظُرْ﴾ عن العمل؛ ولهذا نقول: إن محلها النصب خبر (كان) مقدمًا، وجملة (كان) واسمها وخبرها في محل نصبٍ مفعول لـ﴿انْظُرْ﴾.

﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ العاقبة: ما يعقب الشيء؛ يعني: انظر ماذا يعقب مكرهم من الأمر.

﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ أهلكناهم، عندكم بفتح الهمزة ولَّا بالكسر؟

فيها قراءتان: بفتح الهمزة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾، وكسرها: ﴿إنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ .

أما كسرها فهي كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٠) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣٠، ٣١]، فعلى قراءة الكسر تكون مستأنفة لبيان هذه العاقبة، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾.

فأما الذهن الآن يتشوف إلى هذه العاقبة، وجيء بالجملة الاستئنافية بيانًا لها: إنا دمرناهم وقومهم أجمعين.

أما على قراءة الفتح فهي بيان للعاقبة؛ بدلٌ منه، ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ أننا ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يعني: هي أو أنها على خبر مبتدأ محذوف التقدير: هي ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

وقوله تعالى: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أهلكناهم) من التدمير وهو أبلغ من الإهلاك؛ لأن التدمير يوحي بغلظ هذا الإهلاك وعظمته، وهو كذلك؛ فإن قوم صالح أخذوا -والعياذ بالله- بأمرين: بصيحة، ورجفة، صيح بهم وارتجفت بهم الأرض حتى انهدم عليهم بناؤهم، وتقطعت قلوبهم في أجوافهم -نسأل الله العافية- قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ [القمر ٣١] مثل الهشيم (...)، والعياذ بالله.

فهذه (...) العظيم نتيجة لهذا العصيان والتمرد والمكر الذي أرادوه بالنبي ﷺ.

وقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ﴾ مع أن القوم لم يشاركوا في هذه الجريمة، ولكن هذا شؤم المعاصي: أن الله سبحانه وتعالى إذا عاقب بها أحدًا شمل الجميع، مع أن قومهم مستحقون للعقوبة؛ لأنهم كانوا كفارًا مكذّبين، لكن تعجيل العقوبة مقرونًا بهذا السبب، وهو مكر هؤلاء بصالح، هذا قد لا يكون قومهم مستحقين له، ولكنهم شملهم -والعياذ بالله- عقوبة هؤلاء، وقد ذكر الله تبارك وتعالى في آيات أخرى مفصّلة أن نبيهم صالحًا قال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، فتمتعوا وبقوا ثلاثة أيام، ثم بعد ذلك أخذهم الله تعالى بهذه الصيحة والرجفة.

وقوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ أيش محله من الإعراب؟

* طالب: توكيد.

* الشيخ: توكيد للضمير لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾، لا، ما هو للضمير، لقوله: ﴿وَقَوْمَهُمْ﴾ للقوم؛ يعني: ما بقي منهم أحد إلا من كان مؤمنًا بصالحٍ عليه الصلاة والسلام.

وقول المؤلف: (بصيحة جبريل أو برمي الملائكة بحجارة يرونها ولا يرونهم)

أما قوله: (بصيحة جبريل) فهذا قد يكون مقبولًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ [القمر ٣١]، وهذه الصيحة؛ إما من الله، أو من جبريل، أو من غيره من الملائكة، المهم أنهم أهلكوا بصيحة.

وأما قوله: (أو برمي الملائكة بحجارة) فهذا لا أعلم له وجهًا، ولكنه قيل: إنهم لما جاؤوا إلى صالح أمر الله تعالى الملائكة أن تحرسه، فلما جاؤوا فإذا الملائكة تحرسه، فجعلت الملائكة ترميهم بالحجارة، وهذا لا أصل له، إذا لم يكن هذا عن معصوم فإنه غير مقبول، وهو أيضًا غير لائق أن تكون الملائكة يرمون بالحجارة كأنهم من البشر.

ولكنا نقول: الذي دمّر الله به هؤلاء وقومهم هو الصيحة والرجفة، كما جاء ذلك في القرآن، ولا نتعدى القرآن في هذا الأمر؛ لأن الله تعالى يقول في سورة إبراهيم: ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ [إبراهيم ٩]، فما دام هذه الأمور من معلومات الله سبحانه وتعالى فإننا لا نتجاوز ما قال الله فيها إلا ما ورد عن النبي ﷺ بسند مقبول.

* طالب: وصلوا إلى بيته؟

* الشيخ: على رأي المؤلف وصلوا إلى بيته.

* الطالب: فانطبق عليهم الغار.

* الشيخ: ذكر بعض العلماء: أنهم لما خرجوا أصيبوا بمطر، وأنهم قالوا: لنلجئ إلى غار عن هذا المطر، فلما لجؤوا إليه انطبق عليهم هذا الغار وهلكوا، وأما قومهم جعلوا يطلبونهم ويدورون عليهم فلم يجدوهم، ثم رجعوا إلى بيوتهم، فخرج عليهم صالح فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود ٦٥]، وقالوا: إن هذا هو الذي (...)؛ لأن هؤلاء القوم دخلوا إلى الغار يريدون الأمن، ولكن كان في هذا الغار حتفهم.

وهذه القصة أيضًا على هذا الوجه ما رأيتها ثابتة بسند عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا الأولى أن يقال: إن الله تعالى مكر بهم فدمّرهم وقومهم، وليس من المهم أن نعرف كيف دُمّروا، المهم أن نعرف أنهم دُمِّروا عن آخرهم بسبب ما أرادوه بالنبي ﷺ وبسبب كفرهم.

* طالب: أظن هذا معناه أنهم ما تواعدوا قوم صالح: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (...) مثلًا بيوتهم والعذاب (...)؟

* الشيخ: ما يلزم؛ لأن الله ما ذكر أنه سبحانه وتعالى دمّرهم في تلك الليلة.

* الطالب: (...).

* الشيخ: أن يحال بينهم وبين هذا، ثم أنهم هم قُذف في قلوبهم الرعب، هذا أيضًا ما ندري، أو أنهم جاؤوا فلم يتوصلوا إلى بيته؛ لأنه مغلق محكم، المهم هذه (...)، ما حصل أنهم نفذوا ما أرادوا، ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.

قال الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ [النمل ٥٢] أي: خالية، ونصبه على الحال، والعامل فيها معنى الإشارة.

﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ﴾ المشار إليه معلوم ولّا لا؟ معلوم محدود؛ لأن بيوت ثمود موجودة الآن مشاهدة، لكنها كما قال الله تعالى: ﴿خَاوِيَةً﴾ بمعنى: أنها خالية، على رأي المؤلف، وقيل: خاوية متهدمة، كما قال الله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ [البقرة ٢٥٩] أي: متهدمة.

وهذا المعنى أبلغ؛ لأن تفسير الخاوي بالمتهدم الذي ليس بقائم أولى وأشد، وأما البيوت قد تخلو مع العمار، ولكن إذا خويت بمعنى دمرت وانهدمت فهي خالية، فإذن يلزم من دمارها خلوها، ولا يلزم من خلوها دمارها، والواقع أنها دمرت؛ لأن هذه الرجفة العظيمة لا بد أن تدمرها.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: إي، لكن ما بقيت على صفتها بالأول، بل هي مدمرة.

ثم إن المؤلف قال: نصبه على الحال نصب الخاوية على الحال، منين؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، حال من البيوت؛ بيوتهم حال كونها خاوية، لكن أين العامل في الحال؛ لأن العامل لا بد أن يكون إما فعلًا أو اسمًا بمعنى الفعل؟ قال المؤلف: (العامل فيها معنى الإشارة)؛ لأن (تلك) بمعنى أشير، فاسم الإشارة متضمنٌ لحرف معنوي وفعل؛ أي: أشير إلى بيوتهم خاويةً.

قال: (﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ بظلمهم) الباء للسببية، و(ما) مصدرية، والمؤلف رحمه الله حوّل الفعل إلى مصدر، إشارة إلى أن (ما) مصدرية؛ أي: تحوّل ما بعدها إلى مصدر، أي: بسبب ظلمهم لا أننا ظالمون لهم، بل هم الذين ظلموا أنفسهم.

ثم فسّر المؤلف هذا الظلم بالكفر فقال: (أي كفرهم)؛ لأن كل كفرٍ ظلم، وليس كل ظلمٍ كفرًا؛ ولهذا قال العلماء: إننا نحمد الله سبحانه وتعالى أن قال: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة ٢٥٤] ولم يقل: والظالمون هم الكافرون، لو قال: والظالمون هم الكافرون كان كل ظالمٍ فهو كافر، ولكن قال: الكافرون هم الظالمون؛ فإن كل كافر فهو ظالم، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان ١٣].

وتفسير المؤلف الظلم هنا بالكفر هل عليه دليل ولَّا لا؟ نعم، عليه دليل؛ لأن فعلهم وتكذيبهم لرسولهم كفرٌ، فهنا تفسير الظلم بما هو أخص له دليل.

﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥٢] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه كل القصة على الصحيح، وليس المشار إليه مجردٌ للذات، بل إنه كل القصة.

(﴿لَآيَةً﴾ لعبرة، ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ قدرتنا فيتعظون).

﴿يَعْلَمُونَ﴾ تخصيص هذا بالقدرة غير مسلَّم؛ إذ المراد ما هو أعم من علم قدرة الله سبحانه وتعالى، بل يعلمون قدرة الله وحكمته، وما جرى للأمم كل هذا داخل؛ لأنه لا يدري بماذا يعتبر؟ لكن الذي يدري هو الذي يعتبر.

وفي هذا من الحث على معرفة أخبار الأمم والعلم بها ما هو ظاهر؛ لأن بها يتعظ المرء.

وكذلك أيضًا الأخبار الواقعة في زمن الإنسان ينبغي أن يتخذ من حوادثها عظة وعبرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ما في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ من الفوائد.

* طالب: قال: (...) المراد بقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (...) يعلمون وجوه دلالة الدلائل؟

* الشيخ: ما فيها فائدة، لكن قد يحصل هذا، لكن ما هو محصور (...).

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا؛ لأن يعلمون الدلائل (...)، على كل حال هذا من جملة العلم.

(﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بصالح وهم أربعة آلاف، ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ الشرك).

﴿أَنْجَيْنَا﴾ أي: عصمنا، الإنجاء بمعنى العصمة، أنجيناهم من أين؟ من هذا التدمير الذي ذكر الله والعقوبة، ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قول المؤلف: (بصالح) فيه نظر، الصواب: آمنوا بالله؛ لأجل أن يشمل صالحًا ومن معه، كما قال الله تعالى في سورة هود: ﴿نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ [هود ٦٦]، فالصواب: أن الإيمان بالله، بل نقول: إن صالحًا عليه الصلاة والسلام يجب عليه أن يؤمن بنفسه أنه رسول؛ ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يؤمن ويشهد لنفسه بالرسالة يقول في صلاته: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٢٠٢)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]] وهو يعني نفسه، وأحيانًا إذا وقع الأمر على وفق ما قال يقول: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٢٤٨٤) من حديث سلمة بن الأكوع.]].

فالمهم أن الرسول نفسه ملزمٌ بأن يشهد لنفسه بالرسالة بأنه رسول الله، يؤمن بما أوحي إليه، وكذلك غيره من باب أولى.

وقول المؤلف: (إنهم أربعة آلاف)، لكن أين الديوان الذي حصرهم؟ لا دليل عليه، والغالب أن المؤمنين أقل من ذلك في هذا، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ، إِذْ رُفِعَ لَهُ سَوَادٌ فَظَنَّ أَنَّهَا أُمَّتَهُ، فَقَالُوا: هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٧٥٢)، ومسلم (٢٢٠ / ٣٧٤) من حديث ابن عباس.]]، المهم أن تقديرهم بأربعة آلاف، أو بأربعين نفرًا، أو بأربعة ملايين، أو بأقل وأكثر، هذا يحتاج إلى دليل.

وهو أيضًا من فضول العلم الذي لا ينبغي للإنسان يُتعب نفسه في ذلك؛ لأنه ما فيه فائدة، اللي فيه فائدة لا بد أن يقصّه الله علينا.

ونظير هذا البحث مثلًا: كلب أصحاب الكهف أيش لونه؟ وأيش اسمه؟ وأيش كبره؟ ما فيه فوائد، الغار اللي هم فيه أين هو؟ وفي أي مكان؟ كل هذه مسائل جانبية.

كذلك أيضًا ما يقع في الحديث في السنة: قال رجل للنبي ﷺ، تجد بعض الشرّاح -يعنى عناية كاملة-: من الذي قال هذا؟ هذا في الحقيقة ما له داعٍ، وإن كنا قد نستفيد أنه إذا كانت صفة منقبة؛ أن يكون في ذلك منقبة لهذا الرجل إذا عُرفت، لكن هل هذا ملزومٌ للحكم أو للدلالة؟ لا، ولكنه من فضول العلم.

هذه أيضًا مثله: كم الذين مع صالح؟ أربعة آلاف أو أربعة ملايين، ما يهم، المهم أن كل من اتصف بالإيمان فإن الله تعالى أنجاهم من هذا العذاب العام.

﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ يقول المؤلف: (يتقون الشرك)، ولو أنه قال: يتقون المعاصي أو يتقون الله بس لكان هذا أولى؛ لأن الإيمان والتقوى بمعنى الإيمان والعمل الصالح؛ لأن العمل الصالح عند الإطلاق من التقوى، بخلاف ما إذا قُرنت التقوى البر وما أشبه ذلك، فتكون التقوى للمعاصي، والبر للطاعات.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا﴾ قال المؤلف: (منصوب باذكر مقدرًا قبله) يعني: واذكر يا محمد لوطًا.

وإنما ذُكر بعد صالح -وهو دائمًا يُذكر بعد صالح- لأنه؛ أي: مدائن صالح وقرى قوم لوط ليس بعيدًا بعضها من بعض، وليست مجهولة للناس في عهد النبي ﷺ.

ثم قال: (﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بـ(اذكر) مقدرًا قبله، ويبدل منه ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ).

إذا أعربنا ﴿إِذْ قَالَ﴾ بدلًا من (لوط)، صار كأن التقدير: واذكر إذا قال لوط لقومه.

(﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط) الهمزة هنا لاستفهام أيش؟

* طالب: الاستعلام.

* الشيخ: الاستعلام ولَّا لا؟ لأنه يعلم، لكن التوبيخ والإنكار، وإن كنت أزيد على ذلك: التعجب أو التعجيب؛ يعني: كيف أنكم تأتون الفاحشة؟! فهي للتوبيخ والإنكار والتعجب.

وقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾ (أل) لاستغراق الجنس من حيث المعنى لا من حيث الأفراد، لكن المعنى: أن هذه أعظم فاحشة من نوعها هي هذه، وهي أعظم من الزنا؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء ٣٢] فاحشة من الفواحش، وهنا قال: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾.

وهي أيضًا أعظم من نكاح ذوات المحارم؛ لأن الله قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء ٢٢]، ونساء ذوات المحارم أعظم من الزنا؛ لأن الله وصفهم بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، سوء السبيل، والزنا وصفه بوصفين: فاحشة، وسوء السبيل؛ ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء ٣٢]؛ ولهذا الصحيح: أن من زنى بمحارمه يُقتل وإن لم يكن مختارًا؛ لأن هذه أعظم -والعياذ بالله- من الزنا.

كذلك أيضًا اللواط، الصحيح: أن فاعله يُقتل ما دام بالغًا عاقلًا وإن لم يكن محصنًا.

(﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ أي: اللواط، ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ أي: يبصر بعضكم بعضًا انهماكًا في المعصية)، والعياذ بالله.

يعني: أخبث من الحمير يرى بعضهم بعضًا يفعل واحد في الثاني؛ ولهذا قال: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت ٢٩] إذا اجتمعوا -والعياذ بالله- صار يركب بعضهم بعضًا كالحمير، نسأل الله السلامة.

* طالب: (...) عراة؟

* الشيخ: لكنهم يفعلونه؟

* الطالب: يفعلون هذا (...) في بريطانيا (...).

* الشيخ: سفاهة.

* الطالب: وهو قانون.

* الشيخ: وهو قانون.

قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ إذن من البصر والإبصار بالعين، وقيل: من الإبصار بالقلب؛ يعني: وأنتم تبصرون خبثها وتعقلونه، وكل إنسان له فطرة سليمة يكره هذا الصنف؛ لأنه كيف يركب مثله نفس هذا المركوب؟ (...).

ثم إن المكان هذا أيضًا ليس محلًّا لهذه الشهوة؛ لأنه مكانٌ متلوث بالأنجاس وليس محلَ اللهوِ، فهو خبيث بالفطرة وفي الحسِّ أيضًا.

ولكنا نقول: لو أننا فسّرنا الإبصار هنا بالإبصار الحسي بالعين والإبصار المعنوي بالقلب لكان ذلك جائزًا.

في الحقيقة أن بشاعة هذا الشيء في القلب أمر معلوم بالفطرة، وكونهم يفعلونه وهم يشاهد بعضهم بعضًا هذا أشد وأعظم.

(﴿أَئِنَّكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين وتسهيل الثانية وإدخال ألف بينهما على الوجهين)

فالقراءة أيضًا تكون أربعة.

﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾ هذا تفسير لقوله: ﴿الْفَاحِشَةَ﴾.

وهنا لاحظ أن الاستفهام هنا للتقرير، لكنه أُكّدت الجملة التي قرئت بالاستفهام أكدت بشنو؟ بـ(إن) واللام؛ ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ﴾، وهذا كقول إخوة يوسف ليوسف: ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] أي: أتقرر أنك يوسف وتؤكد ذلك؟ فقال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، وفي جوابه لهم إهانة لهم؛ لأنهم هم طلبوا منه أن يؤكد لهم أنه يوسف ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾، ما قال: إني لأنا يوسف، قال: ﴿أَنَا يُوسُفُ﴾، فحذف التأكيدات استهانة بهم.

فالحاصل أقول -المرة الثانية-: إن الاستفهام إذا تلاه التأكيد لا يسقطه عن معنى الاستفهام، بل كأن المستفهم يطلب من المستفهم منه تأكيد الجملة؛ ولهذا قال لهم -لكن في هذه المسألة الاستفهام للتقرير، نقرر مع التأكيد-: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل ٥٥] ﴿شَهْوَةً﴾ يحتمل أن تكون مصدرًا في موضع الحال، ويحتمل أن تكون مفعولًا لأجله؛ أي: لأجل الشهوة.

وعلى كل حال ففيها إنكار من جهة أنهم يأتون الرجال شهوة وليسوا أهلًا لها، ومن جهة أخرى أنهم يدعون؛ ولهذا قال: ﴿مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ وهن محل الشهوة، فيكونون قد أساؤوا فيما فعلوا وفيما تركوا؛ ولهذا قال لهم في آية أخرى: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء ١٦٦]، وهذا أبلغ، يعني: لو أن المسألة ضيقة ما بقي إلا هذا الطريق.

لكان أفضل، لكن هنا طرق محلَّلة مباحة موافقة للفطرة تدَعونها وتذهبون إلى هذا؛ كالذي يدع المذكاة ويأكل الميتة، وكالذي يدع البيع الصحيح ويذهب إلى الربا، ويقول: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [الربا ٢٧٥]، فالحاصل أن (...) تزداد قبحًا إذا كان لها بدائل من الحسنات، إذا كان لها بدائل من الحسنات ازدادت قبحًا، ولهذا قال لهم: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً﴾، لو أنه اقتصر على هذا ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥] حصل التوبيخ واللوم.

﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ [النمل ٤٧] الفوائد؟

* طالب: آخر ما أخذنا إي نعم ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾ آخر ما قلنا: إثبات الحكمة والعلة (...).

* الشيخ: كذا؟ ذكرنا هذا؟ ذكرنا أن الاستعجال بالسيئة يكون بطلبها أو بالأفعال التي تسببها، ذكرنا هذه؟

* طالب : بداية الشرح اللي عندنا ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ﴾.

* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل ٤٧].

* يؤخذ من هذه الآية: بيان مسلك المكذبين للرسل أنهم يسلكون مسالك التشبيه والتمويه؛ لقولهم حين أصيبوا بالجدب والقحط: ﴿اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾، مع أن هذا الأمر من الله سبحانه وتعالى وليس بأسباب النبي، وهكذا أهل الباطل يشبهون ويلبسون على الناس بمثل هذه الأمور.

* وفي هذا دليل على أن المصائب التي تصيب الإنسان إنما هي من الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠]، ولا قوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الروم ٤١]؛ لأن نسبة هذه الأمور إلى الله نسبة خلقٍ وإيجاد، ونسبتها إلى المخلوق نسبة تسبب، فهي تضاف إلى الناس إضافة الشيء إلى سببه، وتضاف إلى الله سبحانه وتعالى إضافة المخلوق إلى خالقه.

وعلى هذا يزول إشكال كثير من الآيات التي ظاهرها التعارض في هذا الباب.

* وفي هذا دليل على أنه من الحكمة أن يُرد الباطل بالحق بدون سكوت؛ لقوله في جوابهم: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أنه لا يُسكت على الباطل بل يُرد عليه ويفضح، هذه الفائدة.

* وفيها الفائدة الرابعة: أنه ينبغي أن يكون الرد من جنس الإيراد، فهنا تطيروا بصالح ومن معه، فبيّن أن طيرتهم وشؤمهم بسبب أعمالهم، لكنه قال: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ يعني اللفظ مثل اللفظ، فينبغي أن يكون الجواب مثل الإيراد، ويتحرى المجيب حتى اللفظ.

* خامسًا: أنه ينبغي لمن رد على غيره أو أبطل قوله أن يأتي بأمرٍ لا جدال فيه؛ لأن هذا صالحًا عليه الصلاة والسلام لو قال: هذا الجدب ليس مني وأنا ما أتيت بسببه وما أشبه ذلك، لكان هذا فيه مجال للأخذ والرد، ولكن ينبغي أن يختار المجيب الجواب الذي لا كلام بعده.

نظير هذا محاجة إبراهيم للذي حاجّه في الله: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] ما قال: لا، أنت ما أنت تحيي وتميت، ولكنك تقتل من لا يستحق القتل، وترفع القتل عمن استحقه، وهذا ليس بإحياءٍ ولا إماتة، مع أن هذا هو الحقيقة، لكن هذا يكون فيه جدل، إنما أتى بأمرٍ لا جدال فيه ولا يمكنه أن يجادل، ولهذا بُهت الذي كفر.

وهكذا ينبغي للإنسان في محاجة من حاجّه أن يختار الأجوبة اللي ما تؤدي إلى النزاع والجدال؛ لأنه إذا أدّت إلى النزاع والجدال فقد يتغلب الباطل على الحق؛ بسبب طول الجدال واللف والدوران، لكن يؤتى بشيءٍ لا جدال فيه، وهذه من آداب المناظرة حتى عند الذين يتكلمون بهذه الأمور يرون أن من آداب المناظرة الأخذ بما لا يمكن الجدل فيه.

* الفائدة السادسة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ دليل على أن الله تعالى قد يحدث من الأمور ما يكون سببًا لافتتان بعض الناس. أو لا؟ لما جاء صالح وجاء الجدب في الحقيقة أنه فتنة لبعض الناس؛ إذ يقول بعض الناس مثلًا: إن هذا من أسباب هذه الرسالة، فيكون سببًا للفتنة لولا عصمة الله تبارك وتعالى، وهذا دائمًا يكون في أفعال الله تعالى القدرية والشرعية.

في الشرعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤] حرّم الله الصيد على المحرمين، فبعث الله على الصحابة رضي الله عنهم صيدًا تناله أيديهم ورماحهم، يمسكه بيده ما بتعب، وإلا برمحه ما يحتاج ولو إلى قوس.

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ فخافوه بالغيب، وافتتن الله تعالى قوم موسى بالحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعًا مع تحريم الصيد عليهم، ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ولكنهم لم يشكروا وخادعوا فتحيلوا، وصاروا يضعون الشباك للحيتان في يوم الجمعة، فتأتي الحيتان فتقع فيه يوم السبت، فإذا كان يوم الأحد جاءوا وأخذوه، قالوا: إحنا ما صدنا يوم السبت، فقلبهم الله تعالى قردة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة ٦٥].

فالحاصل أقول: إن الله تعالى قد يفتن الإنسان بالفتن الشرعية والقدرية؛ لأجل أن يعلم من يخافه بالغيب، ومن يصبر ومن لا يصبر.

أحيانًا أيضًا يبتلى المرء بالمصائب: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ [الحج ١١] ومن الناس من يعبد الله تعالى على أساس، ما هو على حرف، إن أصابه خيرٌ اطمأن به وشكر عليه، وإن أصابته فتنة صبر حتى يجتازها، واضح؟ ويدل عليه هنا قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾.

* طالب: هناك يا شيخ (...) قسيمة الآيات التي (...) لأن الأنبياء يؤتون آيات تدل على (...) ، فإذا جاءت هذه الفتن من القحط أو (...) تكون قسيمًا لها؟

* الشيخ: لا، ما تكون مضادة لها، هذه فتنة؛ لأنه هو عليه الصلاة والسلام بيّن أن السبب منهم الرسالة، وهو ما جاء بها لتشهد على رسالتهم، أصيبوا بها لأنهم كذّبوا، مثلما أصيبت قريش بدعاء النبي ﷺ عليهم (...) وما قال: آيتي أن الله يبتليكم بالقحط، وحتى لو قال: إن آيتي أن يبتليكم الله بالقحط وحصل صارت آية.

* وفيها أيضًا قوله: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ [النمل ٤٨] فيه مبدأ العصابات، ولا يزال موجودًا إلى الآن، فإن هؤلاء التسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وما زال الأمر إلى يومنا هذا وإلى ما بعد، والله أعلم أنه سيبقى؛ لأن أهل الشر لهم طرق يتفننون بها في فرض شرهم على غيرهم.

* وفيه أيضًا دليل على أنه يمكن أن يجتمع الفساد والصلاح؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾ ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾، ولولا أنه يمكن اجتماعهما لم يكن لقوله: ﴿وَلا يُصْلِحُونَ﴾ فائدة؛ لأنه يكون عدم الصلاح مفهومًا من إثبات الفساد لو لم يمكن اجتماعهما، هذه فائدتين.

* ففيها: إثبات أن الفساد والصلاح قد يجتمعان في شخص.

* ومنه نأخذ أيضًا: أن الكفر والإيمان قد يجتمع في شخص؛ لأن الإيمان صلاح والكفر فساد، وكذلك أيضًا الفسوق والطاعة ممكن تجتمع، وخالف في ذلك طائفتان من الناس:

* طالب: (...).

* الشيخ: والمرجئة.

المرجئة قالوا: ما يمكن، الإنسان إذا كان مؤمنًا كل أحواله صالحة، ولا يعذّب بذنب ولا يلام عليه. والخوارج والمعتزلة بالعكس، قالوا: ما يمكن يجتمع كفر وإيمان، وفسوق وطاعة، بل من أتى ما يوجب الفسق صار كافرًا، ومن أتى ما يوجب الكفر صار كافرًا، على رأي الخوارج، أو خارجًا من الإيمان بين منزلة الإيمان والكفر على رأي المعتزلة.

ولا شك أن النفوس والواقع والعقل يدل على خلاف ما قالوا؛ لأن اجتماع هذا وهذا أمرٌ موجود معلوم.

* طالب: يعني (...) الرجل بالأغلبية، يعني: يجتمع (...) في قلب رجل، ويكون الرجل بالأغلبية، أن يكون مؤمن (...) الإيمان.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском