Ibn 'UthayminAl‑Qasas · 28:24–28

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:24–28

28:24–28Page 388

فَسَقَىٰ لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّىٰٓ إِلَى ٱلظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَآ أَنزَلۡتَ إِلَيَّ مِنۡ خَيۡرٖ فَقِيرٞ ٢٤

So he watered [their flocks] for them; then he went back to the shade and said, "My Lord, indeed I am, for whatever good You would send down to me, in need."

فَجَآءَتۡهُ إِحۡدَىٰهُمَا تَمۡشِي عَلَى ٱسۡتِحۡيَآءٖ قَالَتۡ إِنَّ أَبِي يَدۡعُوكَ لِيَجۡزِيَكَ أَجۡرَ مَا سَقَيۡتَ لَنَاۚ فَلَمَّا جَآءَهُۥ وَقَصَّ عَلَيۡهِ ٱلۡقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفۡۖ نَجَوۡتَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٥

Then one of the two women came to him walking with shyness. She said, "Indeed, my father invites you that he may reward you for having watered for us." So when he came to him1 and related to him the story, he said, "Fear not. You have escaped from the wrongdoing people."

قَالَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ ٱسۡتَـٔۡجِرۡهُۖ إِنَّ خَيۡرَ مَنِ ٱسۡتَـٔۡجَرۡتَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡأَمِينُ ٢٦

One of the women said, "O my father, hire him. Indeed, the best one you can hire is the strong and the trustworthy."

قَالَ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَنۡ أُنكِحَكَ إِحۡدَى ٱبۡنَتَيَّ هَٰتَيۡنِ عَلَىٰٓ أَن تَأۡجُرَنِي ثَمَٰنِيَ حِجَجٖۖ فَإِنۡ أَتۡمَمۡتَ عَشۡرٗا فَمِنۡ عِندِكَۖ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أَشُقَّ عَلَيۡكَۚ سَتَجِدُنِيٓ إِن شَآءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧

He said, "Indeed, I wish to wed you one of these, my two daughters, on [the condition] that you serve me for eight years; but if you complete ten, it will be [as a favor] from you. And I do not wish to put you in difficulty. You will find me, if Allāh wills, from among the righteous."

قَالَ ذَٰلِكَ بَيۡنِي وَبَيۡنَكَۖ أَيَّمَا ٱلۡأَجَلَيۡنِ قَضَيۡتُ فَلَا عُدۡوَٰنَ عَلَيَّۖ وَٱللَّهُ عَلَىٰ مَا نَقُولُ وَكِيلٞ ٢٨

[Moses] said, "That is [established] between me and you. Whichever of the two terms I complete - there is no injustice to me, and Allāh, over what we say, is Witness."

﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].

قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾، ما معناه؟

* طالب: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي: هو الذي جلب لهما الماءَ من البئر لأغنامهما.

* الشيخ: لأغنامهما، نعم، إذَن ﴿لَهُمَا﴾ أي: من أجْلهما، وليس معناه أنه سقى المرأتين، لكن سقى غَنَمهما من أجْلهما، فاللام هنا للتعليل وليست للتعدية.

قوله: ﴿إِلَى الظِّلِّ﴾، ما المراد بـ﴿الظِّلِّ﴾؟

* طالب: هو أن يقف بشجرةٍ أو يقف (...).

* الشيخ: أو بالجبل أو أكمةٍ.

* الطالب: الراجح أنه على (...).

* الشيخ: (...)، نعم.

وقوله: ﴿إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، لماذا لم تتعدَّ بـ(إلى)، والله يقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر ١٥]؟

* طالب: لأن (...).

* الشيخ: إي نعم، يعني لو أضيفَ الفقر إلى الله؟

* الطالب: عُدِّي بـ(إلى).

* الشيخ: عُدِّى بـ(إلى)، وإذا أضيفَ إلى الشيء المحتاج إليه عُدِّي؟

* الطالب: باللام.

* الشيخ: باللام، (...) فقيرٌ للمال، ولا تقل: فقيرٌ إليه؛ لأن المال ليس مبلغ (...) المفتقِرين، وإنما فيه زوال فقرهم، وأمَّا الله سبحانه وتعالى فهو (...).

قوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾، لماذا ﴿خَيْرٍ﴾ بالجر ونُعِت بالرفع، ليش؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ليس نعتًا له؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: ولكنه؟

* الطالب: وصْف لموسى.

* الشيخ: وصْف موسى. لكنه أيش محله من الإعراب؟

* الطالب: خبر.

* الشيخ: خبر أيِّ شيء؟

* الطالب: (إنَّ).

* الشيخ: خبر (إنَّ).

قوله: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٥]، ماذا ﴿تَمْشِي﴾ من الإعراب؟

* طالب: (...).

* الشيخ:

وَلَسْتُ بِنَحْوِيٍّ يَلُوكُ لِسَانَهُ ∗∗∗ وَلَكِنْ سَلِيقِيٌّ أَقُولُ فَأُعْرِبُ

من يعرف؟

* طالب: في موضع نصب على الحال.

* الشيخ: منين؟ ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.

* الطالب: (...) من (جاءته).

* الشيخ: الفعل (...).

* الطالب: ﴿إِحْدَاهُمَا﴾.

* الشيخ: إي، من ﴿إِحْدَاهُمَا﴾.

طيب، وقوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؟

* طالب: (...) ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾، ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾.

* الشيخ: ﴿تَمْشِي﴾، وقوله: ﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أيش محله من الإعراب؟

* الطالب: حال (...).

* الشيخ: حال من أي؟

* الطالب: حال من..

* الشيخ: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، (...) ما هي جملة حال، الحال تأتي من الفاعل، ومن المفعول به، ومن (...).

* الطالب: تأتي.

* الشيخ: (...).

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، من يعرف؟

* طالب: من (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: من فاعل ﴿تَمْشِي﴾.

* الشيخ: نعم، من فاعل ﴿تَمْشِي﴾، يعني من الضمير المستتر في ﴿تَمْشِي﴾؛ تمشي حال كونها على استحياء.

طيب، أيهما التي جاءت، الكبيرة ولَّا الصغيرة؟

* طالب: ﴿إِحْدَاهُمَا﴾.

* الشيخ: القرآن ما بَيَّن، ﴿إِحْدَاهُمَا﴾ الكبيرة أو الصغيرة، الله أعلم، نعم.

* * *

* يستفاد من الآية الكريمة أولًا: بيان (...) رأفة نبيِّ الله موسى بهاتين القاصرتين؛ لقوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ [القصص ٢٤].

* ثانيًا يُستفاد منها: توقي الأمور الضارة (...).

(...) الاقتصار في الدعاء على ذِكر حال الداعي بدون طلب. من أين تؤخذ؟ (...) إيجاز الاقتصار في الدعاء على ذِكر حال الداعي فقط؛ من قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤].

* وفيها أيضًا ..

* طالب: (...).

* الشيخ: ما يخالف، هذا دعاء (...).

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي، (...) كبير ووحيد وخائف.

* الطالب: (...).

* الشيخ: سأل الله أن يسُدَّ فقره ويزيل حاجته.

* وفيها أيضًا من فوائدها: أنَّه ينبغي تصدير الدعاء بذِكْر الرَّبِّ، ربوبيَّة؛ لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ﴾، وقد ذكرنا أمس أنَّ هذا هو أكثر ما يُصدَّر به الدعاء -أي: وصْف الربوبية- لأن بالربوبية يكون الخلْق والتقدير للإنسان.

* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: حاجة الإنسان إلى ربِّه تبارك وتعالى وأنَّه في غاية ما يكون من الضرورة إلى الخير النازل إليه من الله.

* ويستفاد منها: علوُّ الله. أو لا؟ لقوله: ﴿لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ﴾؛ فإنه لا يكون الإنزال من الشيء إلا إذا كان عاليًا، فهو سبحانه وتعالى عالٍ بذاته وصفاته، فعلوُّه نوعان: علوُّ ذاتٍ، وعلوُّ صفةٍ. ولا يلزم من إثبات علوِّ الذات التجسيمُ كما يقوله المعطِّلون، ولا أنَّ المكان يحيط به كما قالوه أيضًا مُتوصِّلين بذلك إلى إنكار علوِّه؛ لأن هؤلاء المعطِّلة يتوصَّلون إلى تعطيله بمثْل هذا الكلمات؛ لأن إثبات هذا يستوجب (...)، من الأمور التي ليست بلازمة، لكنْ هم يرونها بعقولهم لازمةً فيُلزمون بها غيرهم ثم يتوصَّلون بها إلى أيش؟ إلى إنكار الصفات التي وَصَف الله بها نفسَه ووَصَفه بها رسوله ﷺ.

ثم قال: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص ٢٥].

* يستفاد من هذا أولًا: بيانُ الوقار الذي جعله الله لموسى، هذه كانت جاءت إليه على استحياءٍ تعظيمًا له؛ لأنه كلَّما كان الإنسانُ أشدَّ وقارًا كان الحياءُ منه أكثر، ولذلك الرجلُ الذي ليس بوَقور تجد الناس لا يستحيون منه ولا يُبالون به، يتفوَّهون عنده بالكلام الذي لا يليق، ويفعلون عنده ما لا يليق لأنه ليس وقورًا، ولهذا يقال: احتَشِم تُحْتَشَم.

* ومنه أيضًا: بيانُ كمالِ خُلُق هاتين المرأتين؛ حيث جاءت تمشي، وليست تُسرع وتهرول، بل تمشي بهدوء، وهذا دليلٌ على كمال أدبها، وكذلك كونه على استحياءٍ فهو أيضًا من كمال الأدب.

* وفي قولها: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص ٢٥] أيضًا كمالُ أدبٍ؛ حيث نسبت الدعوةَ إلى مَن؟ إلى الأب دون نفسها، وهو أيضًا من كمال الذكاء؛ لأنَّ نسبة الدعوة إلى الأب أقربُ إلى إجابة موسى للدعوة؛ حيث يكون الداعي له رجلًا، وقد وصفتْه من قبل بأنه شيخٌ كبيرٌ، فيكون توجيه الدعوة منه إلى موسى أقرب إلى الإيجاب.

* وفيه أيضًا: دليلٌ على ذكائها من وجهٍ ثانٍ؛ لقولها: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٥]، لو قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ ولم تقل: (...)، من أجْل أن يوجَّه إليه تهمة، أو من أجْل أن (...) أو ما أشبه ذلك، لكنها قالت: ﴿لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ ليطمئنَّ، وليكون أدعى إلى إجابة الدعوة.

* ويستفاد من الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان كمالُ الأدب في الأساليب وإزالةُ الوحشة؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾، فإنَّ في هذا إزالة الوحشة، وأنَّه ينبغي للإنسان أن يُزيل الوحشة عن المخاطَب، لا سيَّما في المكان الذي يقتضي الوحشة. فهمتم؟

وكما ينبغي أن يكون ذلك في اللفظ ينبغي أن يكون ذلك في الحال -في حال المرء- بحيث يقابل غيره بالبِشْر والسَّماحة وطلاقة الوجه، ولهذا كان من أوصاف النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان دائم البِشْر[[أخرجه الترمذي في الشمائل (٣٥١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه.]] كثير التبسُّم، وضدُّ ذلك أيش؟ العبوس والتقطيب وعدم الانشراح؛ فإنَّ هذا يوجب لغيرك أن يَنْفر منك، وكذلك أيضًا يوجب ألَّا يأنس بك أحد، حتى لو جلس عندك ما يأنس، لكن إذا رآك الإنسانُ .. ففضْل الله يؤتيه من يشاء، هذا الأمر قد يكون بالتكسُّب وقد يكون غريزة؛ فإنَّ من الناس مَن يَهَبُه الله سبحانه وتعالى مثْل هذه الخصلة الطيبة، ومن الناس مَن يُحرَم منها، ومن الناس مَن يحاول أن يتخلَّق بها، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأَشَجِّ عبد القيس: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَينِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ». (...)، قال: يا رسول الله، أَخُلُقينِ تخلَّقتُ بهما أمْ جَبَلني الله عليهما؟ فقال: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا»[[أخرجه أبو داود (٥٤) بسنده عن زارع رضي الله عنه بلفظ: «بل الله جَبَلك عليهما».]]. فهذا يؤخذ منه أنَّ مثْل هذه الأخلاق تكون بالتخلُّق وتكون بالجِبِلَّة، وأيهما أَثْبت؟

* طالب: الجِبِلَّة أَثْبت.

* الشيخ: الجِبِلَّة أَثْبت، ولهذا قال رسول الله: «بَلْ جَبَلَكَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا»؛ لأنَّ التخلُّق قد ينسى الإنسان أحيانًا، ينساه ولا يتخلق ويكون على جبلته (...)، لكن الجِبِلَّة لا شك أنها أَكْمل، إنما من الممكن الإنسان بالتعوُّد والتخلُّق على الشيء يكون ذلك خُلُقًا له.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: إي، ما يصلح، وإلا الجِبِلَّة أكمل، أنه (...) أتخلَّق بالأخلاق الفاضلة (...)، هذه جِبِلَّة، وإلا الآن (...)، وكم من أناسٍ تغيَّرت طِباعُهم وحسنتْ أخلاقُهم بما مَنَّ الله به عليهم.

* * *

قال: (﴿عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ أي: واضعةً كُمَّ دِرعها على وجهها حياءً منه).

هذا ذكره ابن كثير عن عمر رضي الله عنه وقال: إن إسناده صحيح[[أورد ابن كثير الأثر المذكور في تفسيره (٦ / ٢٢٨) عن أبي حاتم بسنده عن عمر رضي الله عنه قال: جاءت تمشي على استحياء قائلةً بثوبها على وجهها. ثم قال: هذا إسنادٌ صحيح.]]، ومثل هذا عن عمر قد يكون على سبيل التوقُّع؛ أنَّه توقَّع منها رضي الله عنه أنَّ درعها على وجهها، لكن في الآية ليس ذلك بوارد.

كُم الدرع على الوجه، أيش هو الدرع؟ الدرع الذي يسمونه الناس (...)؛ لأنه مثل الدرع الذي يلبس في الحرب، لكن كيف واضعة كمَّها على وجهها؟ معنى ذلك أنه كذلك؟! إي نعم هكذا، (...) كذا، حياءً منه.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، هي ذات الأكمام الواسعة، هذا ما يسمى درعًا، عند النساء لازم تكون واسعة جدًّا، ما يسمى درعًا (...).

طيب، قالت: ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾، أنا عندي إشكال في ﴿أَبِي﴾، المعروف أنَّ الأسماء الخمسة تُنصب بالألف، هل هنا منصوبة بالألف في قولها: ﴿إِنَّ أَبِي﴾؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: الله أعلم.

* الشيخ: الله أعلم.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، طيب، الدليل من كلام ابن مالك أنه يُشترط ألَّا تضاف إلى ياء المتكلم.

* الطالب: ما لم تُضَفْ أو (...).

* الشيخ: (...).

* طالب: قوله:

وَشَرْطُ ذَا الْإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا ∗∗∗ لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا

* الشيخ: إي نعم.

وَشَرْطُ ذَا الْإِعْرَابِ أَنْ يُضَفْنَ لَا ∗∗∗ لِلْيَا كَجَا أَخُو أَبِيكَ ذَا اعْتِلَا

فهنا مضافة إلى الياء، ولهذا نقول: ﴿أَبِي﴾ اسم (إنَّ) منصوب بفتحة مقدَّرة على ما قبل ياء المتكلم، منع من ظهورها اشتغال المحلِّ بحركة المناسبة، فهمتم يا جماعة؟ أما كلام العوام يقول: قال أبوي، فهذا عامِّي، من الكلام العامِّي، ما هو بالعربية.

طيب، ﴿إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ﴾ اللام للتعليل؛ يعني: يدعوك لهذا الغرض، ومعنى (يجزيك) يكافئك، (...) المكافأة؛ من: جَزَى يَجْزِي.

وقوله: ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [القصص ٢٥]، مفعولٌ ثانٍ لـ(يجزي)، ينال أجرَه أو عِوضَه، فالأجر هو العِوَض المأخوذ في مقابلة عمل.

وقوله: ﴿مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ أي: لأجْلنا، و﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا سَقَيْتَ﴾ شرطية؟

* طالب: ليست شرطية.

* الشيخ: ليست شرطية. موصولة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ليست موصولة أيضًا، (...).

* طالب: مصدرية.

* الشيخ: نعم، مصدرية؛ يعني: ليجزيك أجر سَقْيِك. ولا تصلح: ليجزيك أجر الذي سقيتَ؛ لأنه إنما يريد أجر الذي سَقَى ولَّا أجر السَّقْي؟ أجر السَّقْي، وعلى هذا فـ﴿مَا﴾ مصدرية، لو قال: أجر الذي سقيتَ، لصار أجر الغَنَم، وهي لا تريد أن يعطيه أجر الغنم، إنما تريد أنَّ والدها يجزيه أجر سَقْيه للغنم، فيتعيَّن أن تكون هنا مصدرية.

واللام في قوله: ﴿لَنَا﴾ هي مثلها في قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا﴾ أي إنها للتعليل وليست للتعدية.

(فأجابها) أجابها موسى؛ يعني أجاب دعوة أبيها (منكِرًا في نفسه أخْذ الأُجرة). يعني: أجابها وهو مضمرٌ أنه مو بآخذ الأجرة. منين علمنا هذا؟ قالوا: نعلم بأنَّ موسى فعل ذلك لله، ومَن فعل شيئًا لله ما يمكن يأخذ عليه أجرًا في الدنيا.

ولكن هذا لا يتعيَّن أو لا يُعيِّن أن يكون موسى يأخذ أجرًا، فإننا لو قيل لنا: هل تشهدون بأن موسى في تلك الحال عندما أجاب الدعوة قد أضمَر في نفسه أنه ما هو بآخذ الأُجرة؟ تشهدون ولَّا لا؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ما نشهد، ما ندري، قد يكون موسى عليه الصلاة والسلام يأخذ الأجرة لأنه محتاجٌ فيأخذها لسدِّ حاجته، وقد لا يأخذها تكرُّمًا منه؛ إمَّا أنه ممنوعٌ أن الإنسان يأخذ أجرًا مقدَّمًا على ما يفعله لله، ثم لو كُوفِئ به فإنه لا مانع أن يأخذه، لو كُوفِئ به مكافأةً فإنه لا مانع أن يأخذ، بل «إنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا بعث عمر عاملًا على الصدقة وأعطاه، قال: أعطِهِ أفقرَ منِّي، فقال: «مَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧١٦٣)، ومسلم (١٠٤٥ / ١١٠)، من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.]]، ومعلومٌ أنَّ عمر لم يكن يتطلَّع إلى أخذ عمالةٍ؛ بدليل أنه قال: أعطِهِ أفقرَ منِّي، ورغم ذلك قال الرسول: «خُذْهُ»، فالإنسان الذي يعمل عملًا لله إذا كُوفِئ عليه ما يَبطل أجره ما دامتْ نِيَّتُه في الأصل خالصةً لله.

إذَنْ فدعوى أنَّ موسى كان منكِرًا في نفسه أخْذَ الأُجرة ليس عليها دليل، وليس لنا الحقُّ أن نتكلَّم بهذا (...).

(كأنَّها قصدتْ المكافأة إنْ كان ممن يريدها، فمشتْ بين يديه).

(كأنَّها) المؤلف (...)، يعني ﴿أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ معروفٌ أنَّ الأجر لا يكون إلا بعقد إجارة.

وهل وقع بين موسى وبين المرأتين عقد إجارة على أن يسقي لهما؟

* طالب: لا، ما وقع.

* الشيخ: لا، لكن يقول: (كأنَّها قصدتْ المكافأة إنْ كان ممن يريدها)، فسَمَّت هذه المكافأة سَمَّتها أجرًا.

(فمشتْ بين يديه، فجعلتْ الرِّيح تضرب ثوبَها فتكشف ساقيها، فقال لها: امشي خلفي ودُلِّيني على الطريق). نقول: حكاية هذه القصة ما لها أَثَر، وهي قوله: (فمشتْ بين يديه)، لكن هم يأتون بها توطئةً لقولها: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، فقد سبق أنه نَزَع الصخرة العظيمة اللي ما يحملها إلا عشرة.

* طالب: هو قوي.

* الشيخ: لأجل القوة، وهنا لأجل الأمانة.

(ففعلتْ، إلى أنْ جاءَ أباها وهو شُعَيْبٌ عليه السلام وعنده عَشاء، فقال له: اجلس فتعشَّ. قال: أخاف أنْ يكون عِوَضًا مما سقيتُ لهما، وإنَّا أهل بيتٍ لا نطلب على عملِ خيرٍ عِوَضًا. قال: لا، عادتي وعادة آبائي نقري الضيفَ ونُطعم الطعامَ. فأكل وأخبره بحاله). كل هذا لا دليل عليه، ما فيه دليل، والذي عليه الدليل أنَّ موسى ﷺ أجاب الدعوة ومشى حتى وصل إلى الأب، وهذا يكفينا أن نعتقد ما دلَّ عليه القرآن من هذه القصة، أمَّا أن نأتي بشيءٍ لا ذِكْر له في الآية فلا.

يقول: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾ [القصص ٢٥].

الفاعل في ﴿جَاءَهُ﴾ مَن؟ موسى. ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ﴾ أي: موسى.

﴿الْقَصَصَ﴾ (...) بمعنى المقصوص؛ لأن القَصص مصدر (...)؛ قال الله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف ٦٤] أي: يقُصَّان الأثر قَصَصًا. والقصص هو اللي يُقَص؛ لأنه يُقص المقصوص، وعلى هذا فهو مصدر بمعنى اسم المفعول، والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيرًا؛ كقوله: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق ٦]؛ ﴿أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ أي: محمول. وكذلك قوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧) بنحوه، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له،من حديث عائشة رضي الله عنها.]]، مع أنَّ الآية (...) لأنه وصْف للمرأة.

على كل حال هنا ﴿الْقَصَصَ﴾ نقول: مصدرٌ بمعنى المقصوص. لماذا لا نجعله مصدرًا بمعناه الحقيقي؟

لأنَّ القصص فعلُ القاصِّ وليس هو شيئًا يُخبَر عنه، وإنما الذي يُخبَر عنه ويُقَصُّ هو الشيء المقصوص؛ يعني القضية أو القصة أو ما أشبه ذلك، هذا الذي يُقَصُّ.

ما هو القصص الذي قَصَّ عليه؟

قال: (من قتْلِهِ القبطيَّ، وقصْدِهم قَتْله، وخوفِهِ من فرعون). قصَّ عليه قضيَّته كلها؛ بأنَّه كان في مصر مثلًا، وأنَّه حصل كذا وكذا من قَتْل القبطي، وأنَّ رجلًا جاءه فنصحه أن يخرج وأنَّه خرج، ولهذا قال: ﴿الْقَصَصَ﴾.

﴿قَالَ لَا تَخَفْ﴾ هذه ﴿قَالَ﴾ جواب (لَمَّا)؛ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ ... قَالَ﴾ أي: صاحب مدين ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢٥].

﴿لَا تَخَفْ﴾ اللام هنا ناهية، والمراد به (...) النهي، ولَّا المراد به تطمين هذا الرجل؟ تطمينه، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ تأكيدًا للجملة في المعنى، تأكيدًا للجملة في كل (...)؛ أي: لا خوف عليك لأنك نجوتَ من القوم الظالمين. وسبحان الله العظيم! جاء كلام هذا الرجل مطابقًا لسؤال موسى؛ موسى خرج منها ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فجاء الجواب هنا من هذا الرجل: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ﴿لَا تَخَفْ﴾ إجابةٌ لقوله: ﴿خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾، ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ إجابةٌ لقوله: ﴿نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فكان جواب هذا الرجل مطابقًا لسؤال موسى، وهكذا تكون إجابة الله تعالى للمضطرِّ مطابقةً تمامًا لسؤاله.

(إذْ لا سلطان لفرعون على مَدْين) وهذا هو الظاهر أنَّه يُطَمئنه بأنه نجا من القوم الظالمين؛ لأن سلطان فرعون وينه الآن؟ إنما هو في مصر وما حولها، أمَّا مَدْين فإنه لا سلطان لفرعون عليها؛ إذْ لو كان له سلطانٌ عليها ما نجا منهم، ما نجا من القوم الظالمين.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) قريبة من مصر، تقدَّم في كلام المؤلف أنها على ثمانية أيام من مصر.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: يمكن يكون، ولكن في الحدود، الحدود كما تعرفون ما هو بالشيء القليل، يحتاج إلى (...) مملكتان ليس بينهما إلا خط وهْمي.

﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾ [القصص ٢٦] وهي المرسَلة، الكُبرى أو الصُّغرى). يعني ما ندري الكبرى أو الصغرى القائلة، الله يقول: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا﴾، وأمَّا كونها المرسَلة فهو بناءٌ على ما سبق من أنها جعلت تمشي أمامه وجعلت الريح تكشف عن ساقيها، فقال: كوني خلفي، فعرفت بذلك أن الرجُل أمينٌ، هذا السبب في قوله: (وهي المرسَلة)، ولكني أسألكم الآن: هل يتعيَّن أن تكون القائلة هي المرسَلة أو الباقية؟

* طالب: لا يتعيَّن.

* الشيخ: لا يتعيَّن هذا ولا هذا، قد تكون المرسَلة وقد تكون الباقية، المهم أننا حسبُنا أن نُبهِم ما أبهمه الله.

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ [القصص ٢٦] ﴿يَا أَبَتِ﴾، كيف ﴿يَا أَبَتِ﴾؟ تقول: يا أبي، أو التاء للتأنيث لأنها مؤنثة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يجوز إبدال الياء بالتاء، يجوز إبدالها بالتاء فيقال: (أبتِ) بدل (أبي).

قالت: ﴿يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ﴾ هنا أي: اجعلْه أجيرًا عندك. وهذا الأمر ليس بمعناه الحقيقي، ليس لطلب الفعل على وجه الفعل؛ لأن البنت ما يمكن أن تأمر أباها أمرًا، ولكنه؟

* طالب: للدعاء.

* الشيخ: للدعاء!

* طالب: (...).

* الشيخ: الدعاء، ما يصلح أن تقول: للدعاء، ولا للالتماس؛ لأن الالتماس يقولون: من النظير لنظيره.

* طالب: للترجِّي.

* الشيخ: ولكن .. نعم للترجِّي أو للسؤال، للسؤال؛ لأن الدعاء ما ينبغي أن يقال إلا في جانب الله سبحانه وتعالى.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، ما تأمره (...).

* طالب: حتى (...)؟

* الشيخ: لا، ما يتعيَّن، هل فيه دليل أنهم (...)؟ ما فيه دليل، لكن الغالب أنه ما يتعيَّن، وإلا ربما (...).

(﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ اتَّخِذْه أجيرًا يرعى غَنَمنا، أي: بَدَلنا).

(...)، والثاني: أنَّ الرجل قويٌّ وأمينٌ ونحن في طمأنينة منه، وكذلك نحن في طمأنينة من أنه سوف يسقي لنا سقيًا كاملًا لقُوَّته.

﴿اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦] (أي: استأجِرْه لقُوَّته وأمانته).

قالت: ﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾ هذا الحكم، و﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ هذا التعليل؛ يعني: استأجِرْه لأنه قويٌّ أمينٌ، لكنها أتت بالتعليل على سبيل القاعدة العامة، لو قالت: استأجِرْه إنَّه قويٌّ أمينٌ، صار هذا تعليلًا لمسألةٍ خاصةٍ وهي استئجار موسى، لكنَّها أتت بهذه العِلَّة منطويةً تحت قاعدةٍ عامةٍ وهي: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ﴾ سواء موسى ولَّا غيره، مَن؟ ﴿الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وهذان الوصفان هما رُكنان في كلِّ عمل، فكلُّ عملٍ لا بدَّ فيه من هذين الأمرين، ما يكون إلا بهما، وهما: القوة والأمانة، فبالقوة يكون الفعل، وبالأمانة يكون تمام الفعل، وأمَّا مَن ليس قويًّا لا يفعل، ومن ليس أمينًا لا يُتمِّم الفعل وقد لا يفعله أصلًا، ولذلك إذا كان الإنسان قويًّا أمينًا حصل به تمام الفعل.

طيب، في غير المستأجَر؟ يعني هذا خاص بالإجارة أنَّنا نتطلب القويَّ الأمين أمْ في جميع الأعمال؟

* طالب: في جميع الأعمال.

* الشيخ: إي نعم، في جميع الأعمال؛ لو وكَّلنا شخصًا على بيعٍ فخيرُ مَن نوكِّل مَن؟ القوي الأمين، أمَّرنا شخصًا على قريةٍ فخير من نُؤمِّر القوي الأمين، ولَّينا شخصًا على قضاء بلدٍ فخير مَن نولِّي على القضاء القوي الأمين، ولهذا قال الجنِّيُّ لَمَّا قال لسليمان: أنا آتيك بعرش ملكة سبأٍ قبل أن تقوم من مقامك قال: ﴿وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل ٣٩]، ﴿لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، وهذا ما هو بأجير، هذا ليس بأجير.

المهمُّ أنَّ القوة والأمانة شرطانِ أساسيانِ في كل عملٍ، مَن ليس قويًّا لا يُمكن أن يفعل، ومَن ليس أمينًا لا يؤتَمن ولا يُكمِّل الفعل ولا يتمِّمه. ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، وموسى قويٌّ أمينٌ.

(فسألها عنهما فأخبرتْه بما تقدَّم من رَفْع حَجَر البئر ومن قوله لها: امشي خلفي، وزيادة أنها لَمَّا جاءته وعَلِم بها صوَّب رأسَه فلم يرفعه، فرغب في إنكاحه).

قوله: (فسألها) أي: أبوها. (عنهما) أي: عن القوة والأمانة؛ منين عرفتِ أنَّ الرجل قويٌّ أمينٌ؟ فذكرتْ له؛ (أخبرتْه بما تقدَّم من رَفْع حَجَر البئر) رَفَع حجرَ البئر، وعادةً لا يرفعه إلا عشرة أنفس، وهذا دليلٌ على قوَّته. كانت تمشي أمامه والريح تكشف ساقيها فقال: كوني ورائي، وهذا دليلٌ على أمانته. كذلك أيضًا -زيادة من الأمانة- أنَّه لَمَّا علم بها موسى (صوَّب رأسه) أي نَزَّله (فلم يرفعه)، وهذا من الأمانة.

لكن نحن لا نحتاج إلى هذه الثلاث القضايا، بل هما عرفتَا أنه قويٌّ لنَزْعه الدلوَ وسَقْيِه لهما، وأنَّه أمينٌ بحيث إنه سقى سقيًا تامًّا ولم يأخذ شيئًا من الغنم، وهذا يدلُّ على أمانته؛ فالأمانة والقوة أُخِذتَا من سَقْيه، ولا يلزم أن نصطنع شيئًا لأجْل أننا نُثبت لكونه قويًّا أمينًا، ما حاجة لهذا الاصطناع، فالإنسان يُعرف بقوَّته من نَزْعه الدلو، الإنسان (...)، وكونه أيضًا يسقي سقيًا كاملًا يَدَع الغنم حتى تروَى يدلُّ على أنَّه أمين؛ لأنَّ غير الأمين ما يسقي سقيًا كاملًا، ينزع (...) دَلْوًا أو دَلْوين، لكن (أمين) هو الذي يأتي بالشيء على وجهه، فهذا وجه معرفتهما لقوَّته وأمانته.

* طالب: شيخ، الفرق بين (...)؟

* الشيخ: إي، لأن اللي حصل لموسى مع المرأتين ما حصل إلا أنه سقى لهما ثم تولَّى إلى الظل.

* الطالب: قد يقال: إنه عرف (...) من طريق آخر (...).

* الشيخ: ما ذُكر لنا، الأصل عدم وجود ما لم يُفعل، الأصل عدمه، نستنبط من القصة فقط، أمَّا مثلًا (...) ما تتعين هذه، الإنسان يأتي بكلامه على ظاهره، والاحتمال الوارد لا يقبل.

* الطالب: طيب، هل يتعين (...)؟

* الشيخ: وهذا الذي حصل، ما اتَّفقتا مع موسى إلا بالسقي (...).

قال: (فرغب في إنكاحه).

* طالب: (...).

* الشيخ: هذه مشورة، من باب المشورة عليه، (...)، وفيه فائدتان: أولًا (...) وأنه قوي وأمين، والثاني (...) بدلأ من انهم يروحوا يزاحموا الرجال و يتعبوا (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: واضح، لما يعرف الإنسان رجل واحد يسقي لك الغنم هذا (...).

* الطالب: (...).

* الشيخ: (...) حقه، فإذا عُلِم أنها أعطته حقه عُلِم أنه قوي وأنه أمين، إنسان استُؤجر (...)، ما لم يعرف أن الإنسان الذي يؤدي ما عمل على وجه التمام إلا أمين. وليس هذا (...) الإجارة، حتى لو تبرع لك إنسان، قد يجي واحد تلقاه يتبرع لك (...).

* طالب: يعني (...).

* الشيخ: ربما يكون هذا، لكن بس الشيء اللي ما هو موجود في القرآن، (...) الذي نعتقده (...)، لكن في هذه كثيرًا ما تقع، قد (...).

* طالب: ولكن لا تقع (...).

* الشيخ: لا، هذه الفكرة غلط (...).

* طالب: قد (...).

* الشيخ: نعم، على أن الأمانة (...).

* * *

(...) ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢٥] أظن هذا مبتدأ المناقشة والفوائد.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، قوله: ﴿وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ﴾، ﴿الْقَصَصَ﴾ ما هو موقعه في الإعراب؟

* الطالب: مصدرٌ بمعنى المقصوص.

* الشيخ: بمعنى المقصوص. وهي تصح مصدرًا على حقيقته؟ مَن يعرف؟

* طالب: (...).

* الشيخ: القَصص فعل؛ قصصتُ على فلانٍ قَصَصًا؛ يعني: فعلتُ ذلك. فالفعل ما هو يُقَصُّ، فإنَّ الذي يُقَصُّ المفعول؛ الأخبار المقصوصة. أمَّا من حيث الإعراب فإنَّ محلَّه مفعولٌ به؛ مفعولٌ لـ(قَصَّ).

قوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، ما معنى ﴿نَجَوْتَ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: النجاة من الشيء أيش معناها؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي، يعني الخلاص منه.

طيب، ثم إنَّ هذه الجملة مطابقةٌ لسؤال موسى ولحاله أيضًا، تدري ذلك؟

* طالب: لأنه دعا الله سبحانه وتعالى وكان خائفًا يترقَّب: ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

* الشيخ: نعم، فأبدل الله الخوف؟

* الطالب: فأبدل الله الخوف بالأمن.

* الشيخ: بقوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ [القصص ٢٥].

* الطالب: ﴿لَا تَخَفْ﴾.

* الشيخ: طيب.

* الطالب: وقوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ مطابق لما سأله.

* الشيخ: لما سأله؛ ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

لماذا قال له: إنك نجوتَ من القوم الظالمين؟

* طالب: لأن (...).

* الشيخ: قوله: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦]، أيش محلها مما قبلها في المعنى؟

* طالب: تعليلية.

* الشيخ: تعليلية؛ كأنها تقول: استأجِره فإنَّه قويٌّ أمينٌ.

طيب، هذان الوصفان هما الوصفان الأساسيان في الأعمال. أو لا؟ لأنَّ ضدَّ القوة الضعف، والضعيف ما يستطيع يعمل، وضدَّ الأمانة الخيانة، والخائن لا يُتمِّم العمل، كذا؟

وهذان الوصفان أساسيَّان في كل ولاية؛ في الخلافة، والإمارة، والإدارة، والوكالة، والوصيَّة، وغير ذلك، كل ولاية لازم فيها من الأمرين: القوة والأمانة.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: القوة في العمل؛ فالعمل الذي يقتضي طاقةً جسميَّةً لا بدَّ أن يكون قويَّ الجسم، والعمل الذي يقتضي طاقةً فكريةً كالأعمال الحسابية وما أشبهها لا بدَّ أن يكون قويًّا في ذلك، فالمراد القوة في العمل حسب طبيعة العمل.

* * *

نرجع الآن إلى فوائد الآيات.

فمن فوائد الآيات .. ذكرنا أدب هاتين المرأتين، وذلك بالحياء، (...) ولَّا ما ذكرناها؟ كمال أدب المرأتين؟

* طالب: إي، ذكرناها.

* الشيخ: وذكرنا كمالَ ذكائهما أيضًا من وجوهٍ ثلاثة.

قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢٥].

* يُستفاد من الآية: أنَّ قصَّ الأخبارِ لا يُعتبر شِكاية؛ لو قصصتَ على إنسانٍ ما جرى عليك من المصائب فإنَّه لا يُعتبر ذلك من الشكاية إليه، ولهذا يُقال: إخبارٌ .. المريض يقول مثلًا لمن سأله عن حاله: إخبارٌ لا شكوى. والفرق بينهما: أن الشكوى تتضمَّن طلب إزالة الشيء والتضجُّر منه، التضجُّر من الشيء وطلب إزالته، وأمَّا الخبر فإنه مُجرد عن ذلك، مُجرَّد إخبار عن أمرٍ وقع.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا ما أعرف (...).

* وفيه أيضًا: دليل..

* الطالب: (...).

* الشيخ: (...) الإنسان الذي أخبر عن حاله (...) وكذا وكذا وكذا، ما هو طيِّب.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إن تعلق بالغير يُنظر؛ إذا كان مظلومًا فالله يقول: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء ١٤٨]، ولا يمكن دفع ظُلم الظالم إلا بذكر ظُلمه ولو كان يكره ذلك.

* الطالب: لكن في (...).

* الشيخ: يُنظَر، المهمُّ أن الكلام على أنَّ الإنسان إذا أَخبر عمَّا يقع عليه -نحن نتكلم بهذا- فإنَّه لا يُعتبر ذلك شكاية، حتى في الأمور المكروهة التي جرتْ عليه فإنه لا يُعتبر ذلك من الشكاية؛ لذلك قصَّ الخبر.

* وفيه أيضًا: دليل على فقه صاحب مدين؛ حيث طمأنه مع ذكر السبب فقال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ لأن قوله: ﴿لَا تَخَفْ﴾ يفيد طمأنينة الرجل، و﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ يفيد العِلَّة في ذلك، لو قال: ﴿لَا تَخَفْ﴾ ولم يقل: ﴿نَجَوْتَ﴾ فقد يظن الظانُّ أنه أراد أن يُهَوِّن عليه الأمر وإن كان فيه احتمال ألَّا ينجو منه، فإذا قال: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ صار هذا بيانًا للحكم مع العِلَّة.

* وفيه: دليلٌ على أنَّ آل فرعون معروفون بالظلم عند الناس في ذلك الوقت؛ لقوله: ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.

* وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ جنود الظالم ظَلَمة؛ لأنه ما قال: نجوتَ من الظالم، قال: ﴿مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وهو كذلك؛ فإنَّ جنود الظالم ظَلَمة، ولهذا لو أمرك..

الشيخ: أصل وجوب طاعة ولي الأمر، ولم يوجد ما يمنع هذا الأصل؛ إذ إنك لا تدري هل هو ظالم أم لا، ولأنه من المشقة أن الجندي مثلًا إذا أمره مَن فوقه أن يضرب أو يحبس، أن يقول: ليش أضرب؟ وليش أحبس؟ ولأن هذا يؤدي إلى الفوضى وتفكك الحُكومة والدولة، نعم، فلهذا يقول: يجب عليك التنفيذ ما لم تعلم أنه معصية، نعم.

وقال بعض أهل العلم بالتفصيل، وهو أنه إذا كان الآمر معروفًا بالظلم، فإنه لا يجوز الإقدام على موافقته، إلا إذا علمتَ انتفاء الظلم في هذه القضية المعينة، تقديمًا للظاهر على الأصل، أيش هو الظاهر؟

* طالب: أنه ظالم.

* الشيخ: ظاهر هذا الأمير مثلًا أنه ظالم، فيُقَدم على الأصل، وهو عدم الظلم ووجوب الطاعة. وهذا التفصيل لا بأس به، نعم، فيه ثقل أيضًا؛ لأنه وإن كان ظالمًا فقد لا يظلم في كل شيء.

ومعلوم أن -يعني نسأل الله ألا يبتلينا ولا إياكم- أن الجندي يصعب عليه جدًّا أن يقول لآمره: ما وجه ضربه؟ ما وجه حبسه؟ ولهذا مِن قواعد الدِّراسة عندهم في الجندية وفي الجيش: أن الصغير يُطيع مَن فوقه طاعة عمياء، حتى إنَّ بعضهم يرى أنه يجب طاعته ولو في معصية الله. ولكن هذا غير مُسلَّم، إنما أقصد أنهم يطيعون طاعة عمياء، كأن الإنسان أصم أعمى.

فعلى كل حال، هذه المسألة، مَن أخذ بالقول بوجوب الطاعة مُطلقًا ما لم تعلم أنه ظلم، فقد أخذ بالأصل وكان معه سعة، ومن أمكنه أن يستفهم عند أمر الأمير عن هذا الأمر، الأمير الذي ظاهره الظلم، والعادل اللي لم (...) ظالم، تجب طاعته، ولا يحتاج إلى التفصيل، فهذا لا بأس به.

المهم أننا نأخذ من هذه الآية: أن جنود الظالم ظلمة، نعم، طبعًا إذا وافقوه على بينة ﴿نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢٥].

* طالب: هل يجوز للإنسان أن يكون جنديًّا لإنسان معروف بالظلم؟

* الشيخ: إي نعم يجوز، بل قد يجب أحيانًا، إذا كان وجوده في هذا يخفف بعض الأشياء.

* الطالب: قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [هود ١١٣]؟

* الشيخ: نعم، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا﴾ لا تميلوا إليهم بمساعدتهم في الظلم، أما أنا أصير جنديًّا لأخفف من ظلمهم، هذا ما فيه شيء، وأما الإنسان ينضم إليهم ليساعدهم أو يُقَوِّي جانبهم ولو معنويًّا، هذا ما يجوز.

* الطالب: إذا لم يكن (...)؟

* الشيخ: كلهم (...) قلَّ من يكون عمله لله، أكثر الناس يريدون الدنيا والمال.

طيب، ﴿قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٢٥].

﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص ٢٦].

* يُستفاد من هذا: جواز تَكلم المرأة بحضور الأجنبي، انتبهوا إلى هذه الفائدة، هل نوافق على هذا ولَّا لا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، (...)، لا، هو الحال من حاله، لكن بس موسى إلى الآن ما كان نبيًّا ولَّا لا؟ فشريعته لم تكن قائمة.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...)، هذا خبر لأنه بعد ذكر المشركون وغيرهم كلامه.

* طالب: نقول: تكلمت بحضرة موسى يعني؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском