Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:47–50, continued
* ومنها أيضًا: أن هؤلاء المكذِّبين للرسول ﷺ ليس عندهم حُجة سوى اتباع أهوائهم؛ لقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [القصص ٥٠]. وهل معنى ذلك أي: فلا تجادِلْهم؟ لأن المتَّبِع هواه مشكل مُكابِر، اللي يتبع هواه مكابر ما تقدر تقنعه، ما دام أنه ما هو بيريد الحق، وإنما يريد أن ينتصر لنفسه فقط ويتَّبِع هواه، فأعتقد أن مثل هذا الرجل ما يمكن أن يُجَادَل، لو جادلتَه ما دام صاحب هوى ما فيه فائدة.
* فهل نقول: إنه يُستفاد من هذه الآية: أنه إذا عُلم بأن المجادَل يريد اتباع هواه فإنه لا فائدة من جداله؛ لأنه إضاعة وقت؟ نعم، نقول هكذا؛ لأنه قال: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾، يعني: ولا فائدة من جدالهم، فإذا كنتَ بيَّنت للإنسان الحق ووضحته بأدلته النقلية والعقلية والحسية حسب ما هو موجود من الأدلة، ولكنه أصر إلا أن يبقى على ما كان عليه، فاعلم أنه متبع لهواه، والمتبع الهوى مشكل، ما هو بإنسان يتطلب الهدى، ما يمكن ينتفع.
ولهذا نقول في هذه الحال: لا يجب على المرء مجادلتُه، وإنما ينتقل إلى شيء آخر، وهو معاقبته: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ [العنكبوت ٤٦]، فالمعاند غير مَن يريد اتباع الحق ولم يَظهر له، المعاند له حال، وقد قال الله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى ٩]، يعني: وإنْ لم تنفع فلا تُذَكِّر، وهذه تَقدم الكلام عليها هل هذا الشرط له مفهوم أو ليس له مفهوم؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (...) ما دام تجادلتم أمام الناس اتضح الحق، ما هو معنى أنه يتصل ويتكلم بالباطل وتسكت؛ لأنه إذا ما سمعته يتكلم بالباطل يجب أن الناس تعرف الحق وتغيير هذا الباطل. لكن إذا كنت جادلته أمام الناس وتبين الحق وهو أبى، ما عندك شيء، ما فيه فائدة من مجادلته.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، هو على كل حال نحن ما نقول: جادِل عند الناس، لكن أحيانًا يكون الجدال عند الناس، تكون عند ناس في مجلس ويبدأ البحث ويحصل النقاش، هل نقول: إن هذا الرجل إنك تسكت وتخليه؟ لا، يجب عليك أنك تقاوم بالذي عندك، نعم. كذلك لو سمعته مثلًا يتكلم في مجمع ويُقَرِّر الباطل، يجب عليك أنك تتكلم بالحق، إي نعم.
* ومِن فوائد الآية: اختلاف الناس في الضلال، أن الناس يختلفون في الضلال، فليسوا على حدٍّ سواء في الضلال، كما أنهم ليسوا على حدٍّ سواء في الهدى، وليسوا على حد سواء في الغيِّ، وليسوا على حد سواء في الرُّشْد، أو لا؟ الناس على حد سواء في هذه الأمور؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، ولهذا قال: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ﴾ [القصص ٥٠]، ففي هذا دليل على أن الناس يتفاوتون في الضلال، ولكن ما هناك أحد أضل مِن هذا الذي اتبع هواه بغير هدًى من الله.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أنَّ الهوى قد يكون موافِقًا للهدى. منين نأخذه؟
* طالب: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى﴾.
* الشيخ: ﴿هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص ٥٠]، أمَّا مَن اتبع هواه بِناء على هدى من الله، فهذا طيب أن يكون هواه تبعًا لما جاء به الحق، هذا طيب، وقد ذكرنا لكم الحديث المروي عن النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ»[[أخرجه ابن بطة في الإبانة (٢٧٩) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]، فالحاصل أن الهوى المذموم هو الذي ليس على هدى.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنَّ الظالم قد عرَّض نفسه لِحِرمانه من الهدى، أو إن شئت فقل: إن الظلم سبب لِحرمان الظالم مِن الهدى؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠]، فالظالم هو الذي حَرَمَ نفسَه الهدى.
(...)
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾، والقدرية يرون أن الإنسان يُمكن أن يهتدي بنفسه، وليس لله تبارك وتعالى عليه أيُّ سلطة؛ لأنهم - والعياذ بالله - القدرية، ويش يقولون بالنسبة لقدر الله؟
* طالب: أن الأمر أنف.
* الشيخ: إي نعم أن الأمر أُنُف، بمعنى أن الله ما قدَّر أفعال العباد، وإني أنا أفعل وأترك باختياري المجرد المحض، وليس لله فيه أي مشيئة ولا خَلْق ولا شيء، لكن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص ٥٠] يرد عليهم، كما أنه أيضًا يرد على الجهمية الجبرية الذين يقولون بالجبر؛ لأن الله تعالى نسَبَ هؤلاء -بفعلهم- إلى الظلم، ولو كانوا مجبَرين عليه لكانت نسبةُ الظلم إليهم ظلمًا، والله تبارك وتعالى لا يظلم أحدًا.
ففي الآية إذن: ردٌّ على القدرية، ورد على مَن؟ ورد على الجبرية، والجبرية جهمية، يعني الجهمية مِن مذهبهم الجبر، وفيهم ثلاث جِيمات، كما قال ابن القيم في النونية: الجهمية فيهم ثلاث جيمات، كلهم جيمات ذم، أيش هي؟ جبر وإرجاء وجيم تجهُّم، فهم جبرية مرجئة جهمية، نعم، الله يكفيك شر الجيمات الثلاثة، نعم، الجهمية والجبرية والمرجئة.
* على كل حال، في الآية الكريمة: ردٌّ على الطائفتين الضالَّتين، وهما: القدرية والجبرية، والقدرية يُنكِرون قدَر الله بالنسبة لأفعال العبد، والجبرية بالعكس.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
* طيب، ومن فوائد الآية: أنّ مَن تحرى العدل فإنه قد تعرَّض للهداية؛ لأن الظلم ضده العدل، وانتفاء الهداية بوصف الظلم يقتضي ثُبوت الهداية بوصف العدل. فمن تحرى العدل فإنه يُوَفق للهداية، فالعدل سبب للهداية. وهكذا كل من تحرى الخير - بس عسى الله يوفقنا لتحريه - كل من تحرى الخير فإنه يُوفَّق له إذا كانت النية صادقة والعزم أكيد.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يقولون: إن الإنسان له إرادة مستقلة ما لله فيها دخل، ما لله دخل فيها على الإطلاق. (...)
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences