Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:67–75, continued
وأما الحكم المقيد فهذا يكون لغير الله، مثل أيش؟ مثل ما يقول العلماء: الحاكم الشرعي ويحكم بينهم الحاكم وما أشبه ذلك، هذا الحكم مقيد في زمانه ومكانه ونوعه، أما في الزمان فمعلوم أنه مقيد، هل الحاكم الشرعي هذا يبقى أبد الآبدين؟ لا، في مكانه أيضًا هو ما يحكم إلا في بُقْعة من الأرض، ما يحكم في الأرض وفي السماء، في نوعه؛ لأنه مُقيَّد بأن يكون تحت حكم الله، ما حكمه مطلقًا، يكون تحت حكم الله، فلا يملك أن يغير شيئًا من أحكام الله سبحانه وتعالى.
﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]، ﴿إِلَيْهِ﴾ أيضًا قدم المعمول؛ لأن ﴿إِلَيْهِ﴾ متعلقة بأيش؟ ﴿تُرْجَعُونَ﴾، وتقديم المعمول يدل على الحصر، فالرجوع إلى الله مهما طالت الدنيا ومهما بعُد الإنسان، ومهما كان الإنسان أيضًا فإن مرجعه إلى الله، قال المؤلف: (﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ بالنشور)، والنشور متى يكون؟
* طالب: يوم القيامة.
* الشيخ: يوم القيامة، فالناس، بل كل الخلائق مرجعها إلى الله سبحانه وتعالى، وذلك في يوم القيامة، ما (...)، ما يبقى شيء لا يُحشر، حتى النمل؟
* طالب: إي.
* الشيخ: كل شيء يُحْشر حتى يتبين أن الأمر كله مرجعه إلى الله عز وجل.
* * *
(﴿قُلْ﴾ لأهل مكة ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أخبروني). الخطاب للنبي ﷺ: ﴿قُلْ﴾، لكن مَنِ المخاطَب؟ المؤلف يقول: (أهل مكة). والصواب أنه عام لكل أحد: (﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبِروني)، تفسير المؤلف لها بـ(أخبروني) تفسير بالمعنى لا باللفظ؛ لأن (رأى) من الرؤية البصرية، والمعنى: أأبصرتم ذلك فأخبروني عنه. ولكن المؤلف فسره وغيره من أهل العلم يفسرونه باللازم؛ لأن من لازَمَ الرؤية إخبار الإنسان عما يرى.
﴿أَرَأَيْتُمْ﴾، و(رأيتم) يقولون: إنها تنصب مفعولين هنا، مع العلم أنه يكون بصرية، تنصب مفعولين، المفعول الأول قد يكون موجودًا وقد يكون محذوفًا، وأكثر ما يأتي محذوفًا، ولكنه قد يكون موجودًا، مثلًا: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ [يونس ٥٩]، هنا المفعول الأول موجود: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ إلى آخره [الأحقاف: ٤]، هذا المفعول الأول محذوف. هنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾ [القصص ٧١]، المفعول الأول محذوف، نحن قلنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ المفعول الأول قلناه؟ موجود، ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ﴾، ﴿مَا﴾ هو المفعول الأول.
هنا: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ﴾، المفعول الأول محذوف، والتقدير: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ حالَكم؟ يعني: أخبروني عن حالكم ماذا تكون لو أنه حصل كذا وكذا؟ فالمفعول الأول محذوف، وجملة ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [القصص ٧١] في محل نصب وهي المفعول الثاني.
(﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾ دائمًا)، ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى: صير، فمفعولها الأول ﴿اللَّيْلَ﴾، ومفعولها الثاني ﴿سَرْمَدًا﴾، أن يُصيِّر الله ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾.
و﴿اللَّيْلَ﴾: من غروب الشمس إلى طلوعها؛ هذا الليل، يعني معناه: اختفاء الشمس بالأفق هو الليل، وظهورها هو النهار، والنور الذي يخلفها بعد الغروب أو يتقدمها بعد الفجر، هذا من مقدمات النهار، أو من مؤخراته، وإلا فحقيقة الأمر أن الليل يكون بغروب الشمس إلى طلوعها.
وقوله: ﴿سَرْمَدًا﴾، قيل: إن أصلها سردًا، والسرد التتابع، يعني: متتابعًا، وعلى هذا التفسير فالنون زائدة، ويكون وزنه الصرفي؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي، ﴿سَرْمَدًا﴾؟
* الطالب: (فعملًا).
* الشيخ: (فَعْمَلًا)؛ لأنه النون زائدة، وقيل: إن النون أصلية وأنها من (سَرْمَد) إذا استمر، وعلى هذا فيكون وزنه الصرفي: (فَعْللًا)؛ لأنه تكون النون أصلية.
الذي يهمنا معنى السرمد، معناه: الدائم المستمر.
﴿إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، لو كان الليل سرمدًا إلى يوم القيامة، أحد يستطيع أن يأتي بنهار؟ ما أحد يستطيع، بل ما أحد يستطيع أن يُقدِّم النهار قبل وقته، ولا أن يؤخره بعد وقته، الآن لو اجتمع العالم، مثلًا الشمس تخرج على اثنتي عشرة مثلًا، لو اجتمع العالم كلهم على أن تخرج اثنتي عشرة إلا دقيقة يستطيعون؟ ما يستطيعون، كيف (...) مرة؟ أو على أن تتأخر إلى الساعة اثنتي عشرة ودقيقة ما يستطيعون، أو على أن يزحزحوها قليلًا عن مكانها؟ ما يستطيع (...).
إذن اللي ما يستطيع يغيرها لا زمانًا ولا مكانًا، ما يستطيع أن يجلبها ويأتي بنهار أبدًا، ولهذا قال سبحانه وتعالى: (﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ بزعمكم ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ نهار تطلبون فيه المعيشة).
﴿مَنْ﴾ مبتدأ، و﴿إِلَهٌ﴾ خبره، و﴿غَيْرُ اللَّهِ﴾ صفته، و﴿يَأْتِيكُمْ﴾ حال من ﴿إِلَهٌ﴾. يعني (...)، يعني: أي إله ﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾.
وقول المؤلف: (على زعمكم) هذا ما يفطن له إلا إنسان فاهم في اللغة العربية؛ لأن ﴿مَنْ﴾ يستفهم بها عن التعيين، فتقبل التعدد؛ لأن التعيين إنما يُطلب متى؟ عند التعدد، إذا تعددت الأشياء طلب التعيين، فإذا قلت: من قام؟ فأنا الآن أثبتُّ بهذا الاستفهام أن عددًا من الناس قد قام، ولكني أستفهم عن تعيين هذا القائم، فإذا قال: ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ﴾ معناه الآن هو أثبت بالآية أن هناك آلهة، والمطلوب بـ﴿مَنْ﴾ أيش؟ التعيين، عينوا لي الإله الذي يأتيكم؟
هل حقيقة الأمر أن هناك آلهة متعددة؟ ولهذا قال المؤلف: (بزعمكم)، يعني: إذا كنتم تزعمون أن هناك آلهة فمن الإله الذي يأتيكم بضياء؟ ويكون هذا أبلغ في التحدي. لو قال: (هل إله غير الله؟) صار هنا الاستفهام عن وجود إله، لا عن تعيين الإله، لكن الاستفهام عن تعيينه أبلغ في التحدي؛ يعني: حتى على زعمكم أن هذه آلهة فإننا نتحداكم، أين الإله الذي يأتي بهذا الشيء؟ إذا قلتم: والله ما عندنا أحد من الآلهة يفعل هذا، تبين أن ألوهيتها باطلة؛ لأن الإله لا بد أن يكون قادرًا سميعًا بصيرًا... إلى آخر (...).
الظاهر أني أتكلم باللغة الإنجليزية الآن! ﴿مَنْ﴾ يُطلب بها؟
* طالب: التعيين.
* الشيخ: يُطلب منها التعيين للمتعدد. وهنا ﴿مَنْ إِلَهٌ﴾ يقتضى أن هناك آلهة متعددة، وهذا ليس على حقيقته، بل على زعم هؤلاء المشركين، زعمهم أنه فيه إله مستحق، وإذا كان كذلك على زعمكم مستحقًا للعبادة فلتكن قادرة، إذا لم تقدر فليست مستحقة للعبادة.
﴿يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص ٧١]، الباء هنا للتعدية؛ يعني يجلب إليكم الضياء، وقال: (ضياء)؛ لأنه علامة النهار، بل إنه هو النهار في الواقع، إما علامته أو هو هو النهار.
(﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ ذلك سماع تفهم فترجعون عن الإشراك).
﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ يعني أصمت آذانكم فلا تسمعون، والمراد بالاستفهام هنا سمع التفهم الذي يرتدع به المرء عن غيه، أما مجرد سمع الإدراك اللي (...).
هنا قد يقول قائل: لماذا لم يقل: (أفلا تبصرون)؟ لأن النهار هو، والإبصار فيه أظهر (...)، بل قال: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾؟
نقول: لأنه تبيين لقوله: ﴿عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا﴾، و﴿اللَّيْلَ﴾ محل رؤية ولا محل سمع؟ محل سمع، ولهذا قال: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾، وليس تبيين على آخر الآية التي ﴿مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ﴾، بل هو تبيين على أول الآية.
المعنى: أنكم لا تسمعون سمعًا تستفيدون منه؛ لأن الليل هو محل السمع وليس محل الرؤية (...)
التوحيد المطلق لله وحده؟
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما الفائدة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾ ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٧٠].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾؟
* الطالب: إي (...).
* الشيخ: عليهم (...) بهذا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: وأيش يقول؟
* الطالب: أي (...)؟
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾؟
* الطالب: فضيلة (...).
* الشيخ: لا، هذا (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص ٦٩].
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن العموم، صار ﴿وَهُوَ اللَّهُ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ﴾ * يستفاد منها: إثبات ألوهية الله.
* وثانيًا: انفراده بالألوهية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
* الفائدة الثالثة: اختصاص الله تعالى بالحمد المطلق؛ لقوله: ﴿لَهُ الْحَمْدُ﴾، الحمد المطلق الشامل للدنيا والآخرة.
* ومن فوائد الآية: ظهور كمال صفات الله سبحانه وتعالى في الدنيا والآخرة؛ لأن الحمد وصف المحمود بالكمال.
* من فوائد الآية: اختصاص الله تعالى بالحكم أنه وحده الحاكم؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ﴾، وما ذكر من إثبات الحكم لغيره فهو أمر مقيد، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء ٥٨]، فهذا مقيد.
* ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية: تحدي هؤلاء المشركين أن تكون أصنامهم جالبة للخير أو دافعة للشر.
* ثانيًا: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث لا يعجزه أن يجعل الليل سرمدًا إلى يوم القيامة.
* ثالثًا: تذكير نعمة الله سبحانه وتعالى، تذكير العباد بنعمة الله، فإن الأشياء إنما تتبين بضدها.
* ومن فوئد الآية: أنه لا يستطيع أحد أن يُغَيِّر سُنَّة الله في الكون، لو جعله سرمدًا ما استطاع أحد أن يزيله.
* ومنها؛ من فوائد الآية: الحث على سماع ما يُتلى من كتاب الله سمع تفهم وقبول؛ لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾.
* ومنها؛ من فوائد الآية: بيان نعمة الله على العباد في ضياء النهار، كم طاقةً يوفر هذا الضياء؟
* طالب: ما يحصى.
* الشيخ: ما يحصى، يعني يسقط الآن مثلًا كل الإضاءة اللي في الليل تسقط بالنهار؟ وكم تستهلك الأمة من طاقة في إضاءة الليل؟ مع أنه ما يكون مثل إضاءة النهار، ففي هذا نعرف قدْر نعمة الله سبحانه وتعالى بهذا الضياء الذي يصل الناس بكميات كبيرة (...).
آخر فائدة؟ بيان؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) النهار.
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القصص ٧٢].
* طالب: قوله تعالى: (...)؟
* الشيخ: لا، هو المقصود الحد.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [القصص ٧٢].
* هذه الآية يستفاد منها ما يُستفاد من الآية التي قبلها، إلا أن فيها زيادة وهي: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى. يستفاد من الآية ما يستفاد مما قبلها فيما اتفقتا فيه.
* ومنها: بيان نعمة الله تعالى في الليل الذي جعله سكنًا؛ لقوله: ﴿بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ﴾.
* ومنها: أن نوم الليل أفيد للجسم من نوم النهار؛ حيث جعل الله الليل محل السكن ووقته، وهذا أمر مشاهد.
* ومنها: الحث على التبصر في آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾؛ لأن هذا يفيد حث الإنسان على أن يتبصر فيما جعله الله سبحانه وتعالى من هذه الآيات، حتى يستدل بها على كمال قدرة الخالق.
أما بيان قدرة الله وما أشبه ذلك فقد سبق.
قال تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [القصص ٧٣].
* طالب: ألا تفيد الآية هذه (...)؟
* الشيخ: نعم، (...) ذكرنا أن نوم الليل أنفع للبدن من النهار؛ لأن فيه السكون، لكن ما (...) من الليل، الإنسان يحس بالراحة، لكن ليس كالليل.
* الطالب: يعني (...)؟
* الشيخ: ما هو بعلى كل حال، مع اعتبار الصحة (...).
28:73–75Page 394
وَمِن رَّحۡمَتِهِۦ جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٣
And out of His mercy He made for you the night and the day that you may rest therein and [by day] seek from His bounty and [that] perhaps you will be grateful.
وَيَوۡمَ يُنَادِيهِمۡ فَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تَزۡعُمُونَ ٧٤
And [warn of] the Day He will call them and say, "Where are My 'partners' which you used to claim?"
وَنَزَعۡنَا مِن كُلِّ أُمَّةٖ شَهِيدٗا فَقُلۡنَا هَاتُواْ بُرۡهَٰنَكُمۡ فَعَلِمُوٓاْ أَنَّ ٱلۡحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٧٥
And We will extract from every nation a witness and say, "Produce your proof," and they will know that the truth belongs to Allāh, and lost from them is that which they used to invent.
قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص ٧٣].
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ﴾، الجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿جَعَلَ﴾، يعني: وجعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه من رحمته.
وقوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ هنا للسببية، أي: بسبب رحمته، أو بسبب ما اتصف به سبحانه وتعالى من الرحمة، والرحمة صفة حقيقية ثابتة لله سبحانه وتعالى، وهي غير الإرادة، غير إرادة الإنعام، وغير الإنعام، فأهل السنة والجماعة يقولون: إن الرحمة صفة حقيقية ثابتة لله عز وجل لا تُشبِه رحمة المخلوق، وأما الأشاعرة فيُحرِّفون معنى الرحمة إلى أنها الإنعام أو إرادة الإنعام، فيفسرونها بالفعل وهو الإنعام، أو إرادته؛ لأنهم يثبتون الإرادة وهي صفة معنوية يثبتونها، وقد مر علينا أنهم لا يثبتون من الصفات إلا سبع صفات، منها الإرادة، فيفسرون الرحمة بإرادة الإنعام، لماذا؟ قالوا: لأن الإرادة دل عليها السمع والعقل، ونحن لا نُثبت من صفات الله إلا ما دل عليه العقل، فأما ما لم يدل عليه العقل فإنه يجب علينا أن نؤوله، ونحن نقول: نحرفه على فعلهم، هم يسمونه تأويلًا، ونحن نقول: هو تحريف، فيقولون: ما دل عليه العقل من صفات الله أثبتناه، وما لا فإنه يجب أن نؤوله، وبالمعنى الأصح أن نحرفه.
ويش دليل العقل على الإرادة؟ يقولون: إن العقل يدل على الإرادة بواسطة التخصيص؛ تخصيص المخلوقات، كل شيء من المخلوقات خُصِّص بشيء، ولَّا لا؟ هذا أراد الله أن يكون قاسيًا فصار قاسيًا، وهذا أن يكون لينًا فصار لينًا، وهذا يكون طويلًا فيكون طويلًا، وهذا قصير فيكون قصيرًا، إلى آخره. هذا، قلنا (...)، هذا يدل أيش؟ يدل على إرادة، يعني الأمر لا يخلو من إرادة.
الرحمة ليش أنكرتموها؟ قالوا: لأن الرحمة عبارة عن رِقَّة تعتري القلب، توجب الحنو على المخلوق أو المرحوم. فنقول لهم: هذه الرحمة التي ذكرتم إنما هي رحمة المخلوقين، ونحن نثبت لله رحمة لا تُشبه رحمة المخلوقين، ثم إننا نستدل على الرحمة بالعقل كما استدللتم على الإرادة بالعقل، كم لله سبحانه وتعالى علينا من نعمة؟
* طالب: لا تعد.
* الشيخ: لا تعد ولا تحصى، وكم لله تعالى من تفريج كربات؟ لا تعد ولا تحصى. ما هو الأمر المقتضي لهذه الأشياء لجلب النعم ودفع النقم؟
* طالب: الرحمة.
* الشيخ: الرحمة؛ لأن القاسي الذي لا يرحم (...) ما يجلب النعمة ولا يدفع النقمة.
فإذن الاستدلال بالحوادث التي فيها جلب النعم ودفع النقم أظهر وأبين من الاستدلال بالتخصيص على الإرادة؛ لأن دلالة التخصيص على الإرادة لا يفهمها إلا أفراد من الناس، لكن دلالة جلب المنافع ودفع النِّقَم على الرحمة كل الناس يفهمونها، حتى العامي في سوقه إذا شاف رجلًا قاسيًا على أولاده مثلًا قال: هذا ما في قلبه رحمة، وإذا شاف أنه مثلًا دائمًا يجلب لهم الخير ويدفع عنهم الشر قال: هذا إنسان رحيم.
فإذن دلالة العقل على الرحمة أقوى من دلالته على الإرادة، ومع ذلك هم يُثبتون الإرادة ولا يُثبتون الرحمة.
فهم يقولون: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾، ما يمكن أن نثبت لله صفة هي الرحمة، وإنما نقول: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ [القصص ٧٣] من إنعامه. ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ...﴾ إلى آخره [القصص: ٧٣].
ونحن نقول: إن ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ﴾ ﴿مِنْ﴾ للسببية. و﴿رَحْمَتِهِ﴾ هي صفته التي اتصف بها أزلًا وأبدًا؛ ولهذا افتتح كتابه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم﴾ [الفاتحة ١] وقرن ربوبيته بذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة ٢، ٣] إشارة إلى أن هذه الربوبية كلها ربوبية رحمة، ما هي ربوبية انتقام وغلظة، بل هي ربوبية رحمة، فكيف ننكر هذه الصفة العظيمة من صفات الله ونُثبت ما هو دونها؟
وهذا يدل على تناقض هؤلاء المعطلين من الأشعرية والمعتزلة وغيرهم، وأنهم يتناقضون فيثبتون لله من الصفات ما يدل العقل على إثبات ما هو أولى منه، وينكرون من الصفات ما يدل العقل على إثباتها.
﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ﴾، ﴿جَعَلَ﴾ بمعنى خلق، وليست بمعنى صيَّر، ولهذا لم تنصب مفعولين.
﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص ٧٣]، ليل ونهار يتعاقبان بينكم على الناس.
(﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [القصص ٧٣] أي: في الليل، ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ في النهار للكسب).
قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾، اللام للتعليل، أي: لأجل أن تسكنوا فيه، ولا يلزم من وجود المعلول وجود العلة إذا لم تكن العلة مؤثرة، مثلًا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] هذه علة غائية، والعلة الغائية لا يلزم من وجود المعلول وجودها، فلا يلزم من الخلق وجود العبادة.
كذلك ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ هذه علة غائية وليست علةً مؤثرة، ولا يلزم من وجود المعلول وجود العلة الغائية، فمثلًا قد يقول قائل: نجد بعض الناس ما يسكنون في الليل، صح ولَّا لا؟ فيه ناس ما يسكنون بالليل، أحد معاشه بالليل كالحراس، وأحد لهوه بالليل كأصحاب البطالة الذين ينامون النهار ويسهرون الليل. فنقول: إن وجود المعلول إذا كانت العلة غائية لا يلزم منه وجود العلة، كما لو قلت: قدَّمْت لك هذه البعير لتركب عليها، فقد تركب وقد لا تركب. أعطيتك القلم لتكتب به. ربما تكتب وربما لا تكتب.
قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يقول المؤلف: (تسكنون تستريحون)؛ إذ إنه ليس من السكنى، ولكنه من السكون.
أين النون في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾؟ النون حذفت.
* طالب: (...).
* الشيخ: حُذفت النون؛ لأنه منصوب الفعل، العجيب أنه عندي أنا (لتسكنونه)، عندي بالشرح، وفسر أيضًا المفسر بقوله: (تستريحونه)، لا، أستغفر الله! هذا اللي قبله.
(﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل) يعني تستريحون.
﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]، (تبتغوا) أي: تطلبوا.
وقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: من عطائه ورزقه (في النهار للكسب).
وفي الآية هنا لف ونشر مُرتَّب ولَّا غير مرتب؟
* طالب: غير مرتب.
* الشيخ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]؟
* طالب: غير مرتب.
* الشيخ: مرتب.
* الطالب: كيف؟
* الشيخ: إي، بدأ بالليل، وقدم منفعته؛ السكون، وهذا في الليل، ففيه لف ونشر مرتب: ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
(لعل) هذه للتعليل، أي لأجل أن تشكروا الله سبحانه وتعالى على نعمته، فهذا ذكر الله سبحانه وتعالى العلتين؛ الشرعية والقدرية، أما القدرية فهي؟ العلة القدرية في خلق الليل والنهار؟ ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾.
* طالب: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾. والعلة الشرعية؟
* الطالب: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. تشكرون الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به عليكم من تعاقب الليل والنهار؛ لأن الأشياء تتبين بضدها، لو كان الليل سرمدًا والنهار سرمدًا ما كان أحد يستريح بليل، ولا يبتغي الفضل بالنهار، ولكن الله سبحانه وتعالى جعل ذلك لأجل الراحة، مع أن هناك فوائد أخرى غير مسألة ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]، ذكرها الله في سورة الفرقان: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان ٦٢]، وفي الحديث الصحيح: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩/٣١) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]].
فالحاصل أن في تعاقب الليل والنهار فوائد عظيمة تستوجب أن نشكر الله سبحانه وتعالى عليها.
واعلم أن الشكر يكون بالقلب واللسان والجوارح:
أما الشكر بالقلب: فهو أن يعترف الإنسان بقلبه بأن هذه النعم من الله تعالى وحده، يعترف اعترافًا كاملًا، حتى لو أن هذه النعم جاءت عن سبب، فليعتقد أن السبب منين؟ من الله، هو الذي أوجده فحصلت به هذه النعمة.
وأما الشكر باللسان: فإنه الثناء على الله تعالى بما يستحق، سواء على هذه النعمة أو غيرها، فالثناء على الله بما يستحق على هذه النعمة أو على غيرها، كل ذلك داخل في الشكر، وعلى هذا فقول الإنسان: سبحان الله والحمد لله والله أكبر يُعتبر شكرًا، وقوله حينما يأكل طعامًا أو يشرب شرابًا: الحمد لله-يعني على هذا الطعام أو الشراب- يعتبر أيضًا من الشكر.
أما الثالث، وهو الجوارح: فهو أن يقوم الإنسان بطاعة الله، سواء تتعلق بهذه النعمة أو لا، فيستعين بهذه النعمة على طاعته، أو يفعل الطاعة التي لا تتعلق بهذه النعمة.
أَفَادَتْكُـــمُ النَّعْـــــمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
(يدي) وهذا جارح، (ولساني) وهذا قول اللسان، (والضمير المحجبا) وهذا اعتراف القلب.
إذا قال قائل: ذكرتم أن الشكر باللسان هو الثناء على الله سبحانه وتعالى سواء كان يتعلق بهذه النعمة أو بغيرها، هل يدخل في هذا قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١]؟
* طالب: نعم، يدخل.
* الشيخ: نعم، يدخل في هذا: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾، فيكون داخلًا في هذه الآيات الكريمة.
إذا قال قائل: هذا يوجب الافتخار؟ قلنا: لا، ليس هذا على سبيل الافتخار، بل هو على سبيل التواضع لله، وأن هذه النعم من الله، كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ»[[أخرجه الترمذي (٣١٤٨) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].
ثم قال تعالى: (﴿وَ﴾ اذكر ﴿يَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ﴾ [القصص 74]) أفادنا المؤلف بتقدير (اذكر) أن الظرف ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ متعلق بمحذوف تقديره (اذكر).
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾ أي: الله، وذلك يوم القيامة ﴿فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢]، أظنه مرت علينا هذه؟ إي، مرت قريبًا، وهذا تكرار للتحذير من الشرك؛ معناه: اذكروا أيضًا النداء مرة ثانية ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٦٢].
ومعنى ﴿شُرَكَائِيَ﴾ يعني: الذين جعلتموهم شركاء لي في الخلق والرزق والتدبير، أو في العبادة؟
* طالب: في العبادة.
* الشيخ: نعم، الذين أشركوا حين بُعث الرسول في العبادة، وهم يُقرُّون بأن الله منفرد بالخلق والرزق، لكن من الناس من ينكر ذلك أيضًا ويقول: لا رب، أو يقول: إن هذه الأشياء أوجدتها الطبيعة المحضة، هذا أيضًا نوع من الشرك، والأول تعطيل محض؛ اللي ينكر الإله مطلقًا هذا مُعطل محضًا، والثاني مشرك.
وقوله: ﴿الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾، قال المؤلف: (ذُكِر ثانيًا ليُبْنى عليه ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أخرجنا ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص ٧٥]، وهو نبيهم يشهد عليهم بما قالوا ﴿فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ على ما قلتم من الإشراك ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص ٧٥] أي: الألوهية لله) إلى آخره.
نقف على هذا (...).
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا؛ لأنه قول، هو من الجوارح بلا شك لكنه قول، فلهذا كان (...).
حقيقية ثابتة لله على وجه الكمال، ولا تشبه رحمة المخلوقين.
(...)
فمثلًا إذا قيل: إن الرحمة تقتضى الضعف والرقة وما أشبه ذلك، قلنا: هذا بالنسبة للمخلوق، فهو رحمة حقيقية لا تشبه رحمة المخلوق.
* ومنها، من فوائدها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بتعاقب الليل والنهار ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ [القصص ٧٣].
* ومنها: أن الليل للسكن والنهار لطلب المعاش؛ لقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ في الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣] في النهار.
* ويتفرع على هذه المسألة فائدة، وهي: ما ذكره الأصحاب -رحمهم الله- في القسم بين الزوجتين، إذا كان للإنسان زوجتان، وأراد أن يقسم بينهما، فإن مدار القسم الليل ولّا النهار عماده؟ عماده الليل لمن معاشه في النهار، والنهار لمن معاشه في الليل، فإذا أشكل علينا الأمر فالعماد هو الليل بأنه محل سكن.
* ومنها أيضًا، من فوائد الآية: أن الليل هو محل السكن، فالسكون فيه في النوم، فالراحة أفيد للبدن من ذلك في النهار.
* ومنها أيضًا: إثبات الأسباب؛ حيث قال: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ لتطلبوا، فالرزق ما يأتي من السماء ينزل، بل لا بد فيه من طلب، إذا لم تفعل هذا السبب الذي تحصل به على الرزق ما حصل الرزق؛ لأن الله تعالى حكيم، ربط الأسباب بمسبباتها، ففي الآية ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ إثبات الأسباب، وأن الأمور بأسبابها.
* ومنها: أن الرزق منة من الله عز وجل وفضل وعطاء ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [القصص ٧٣]، فليس حاصلًا بمجرد كد الإنسان وكدحه، وكم من إنسان يكد ويكدح ومع ذلك يكون رزقه ضيقًا، وكم من إنسان يفعل أسبابًا أقل مما فعله الأول ثم يوسع له في الرزق.
* ومن فوائد الآية: أهمية الشكر؛ لقوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [القصص ٧٣].
* ومنها، من فوائد الآية: أنه ينبغي للمرء أن يكون ذا بصيرة فيما سخر الله له، حتى يشكر الله عليه، فإن الله سخر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر، فلنأخذ من هذا عبرة نتوصل بها إلى شكر الله سبحانه وتعالى على ذلك.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص ٧٤].
يؤخذ من فوائدها ما سبق في الآية الأولى، أو لا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: ما مرت علينا هذه الآية بلفظها؟ نعم، مرت علينا بلفظها، فتحال فوائدها على ما سبق.
قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ [القصص ٧٥].
﴿وَنَزَعْنَا﴾ النزع بمعنى الإخراج، نزع الشيء من الشيء: أخرجه منه، ﴿وَنَزَعْنَا﴾ أي: (أخرجنا) ﴿مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ﴾ والمراد بالأمة هنا الطائفة، ولكنها ليست مجرد الطائفة، الطائفة التي كانت على منهاج واحد، فهذه الأمة، إذا كانت طائفة على منهاج واحد فإنها تُسمى أمة، ولهذا جاءت فيها (الميم) الدالة على الجمع والاجتماع، فالدولة ذات الأحزاب تكون أمة ولّا لا؟ ما هي أمة في الواقع؛ لأنها مختلفة، لكن الأمة هي الطائفة التي اجتمعت على منهاج واحد، فمثلًا أُمة الإسلام على دين واحد، أمة الكفر على دين واحد.
وقوله: ﴿وَنَزَعْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾، ﴿شَهِيدًا﴾ بمعنى شاهدًا، ولكنه أتى بصيغة المبالغة أو بصيغة الصفة المشبهة باسم الفاعل.
ومن المراد بالشهيد؟ يقول المؤلف: (وهو نبيهم، يشهد عليهم بما قالوا)، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال بعض العلماء: المراد بالشهيد: العريف، مثل ما نقول: العريف؛ يعني: زعيمهم وكبيرهم ننزعه من بينهم، ثم نسأله هذا السؤال المبني على التحدي: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [القصص ٧٥]، وهذا ما ذهب إليه شيخنا عبد الرحمن في تفسيره، أن المراد بالشهيد هنا: الكبير من الأمة الذي يُعتبر بمنزلة العريف؛ وذلك لأن الكبير من الأمة نائب عن الأمة، وأيًا كان فالأقرب -والله أعلم- ما ذهب إليه شيخنا: أن المراد بالشهيد من يكون شهيدًا بينهم ومُعتبرًا بينهم، فهو بمنزلة العريف.
(﴿فَقُلْنَا﴾ لهم ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ )، من القائل؟ الله سبحانه وتعالى.
﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ البرهان: الدليل، أي: هاتوا الدليل (على ما قلتم من الإشراك)، يجيبون دليلًا ولّا لا؟
* طالب: ما يجيبون.
* الشيخ: طبعًا، ما عندهم دليل.
وقوله: ﴿هَاتُوا﴾ فعل أمر، والمقصود به التحدي والتوبيخ أيضًا، التحدي؛ لأنه طلب ما لا يمكن، والتوبيخ؛ لأنه سوف يلحقهم من الخزي والعار أمام الناس في ذلك المجمع ما لا يستطيعون دفعه.
وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص ٧٥]، متى علموا أن الحق لله؟ لما لم يأتوا بدليل وبرهان على إشراكهم، علموا أنه لا حق لهم في هذا الإشراك، وأن الحق لمن؟ ﴿الْحَقَّ لِلَّهِ﴾ وحده، وأن هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، كذا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: هذه الأصنام ليس لها حق في العبادة، ﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ يعني في العبادة ﴿لِلَّهِ﴾ وحده.
وهذا العلم ينفعهم في ذلك الوقت ولّا لا؟ ما ينفعهم؛ لأنهم في ذلك اليوم يوم المجازاة، ينفعهم لو أنهم عملوا به في الدنيا لنفعهم، لو علموا أن الحق لله في الدنيا ثم عملوا لكان ذلك نافعًا لهم، أما بعد أن شاهدوا العذاب فيعلمون أن الحق لله فإن ذلك لا ينفعهم.
لكن فيه فائدة عظيمة، الفائدة العظيمة في ذلك: هي إقامة الحجة عليهم ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك ٨ - ١٠]، فالفائدة من ذلك من كونهم يتحدون حتى يتبين لهم أن الحق لله هو أنهم يعرفون أنهم لم يُظلموا شيئًا.
﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾ [القصص ٧٥] نعم، (﴿أَنَّ الْحَقَّ﴾ في الإلهية ﴿لِلَّهِ﴾ لا يشاركه فيه أحد).
(﴿وَضَلَّ﴾ غاب ﴿عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص ٧٥] في الدنيا من أن معهم شريكًا تعالى الله)، (شريكًا) أيش بعدها؟
* طالب: (تعالى عن ذلك).
* الشيخ: (تعالى عن ذلك)؟
﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا﴾، ﴿وَضَلَّ﴾ يقول المؤلف: (بمعنى غاب)، ولكن (ضل) أبلغ من (غاب)؛ لأن (ضل) يقتضي كأنه أمر مطلوب، يُطلب ولكنهم عجزوا عنه، كالضالة، الإنسان إذا ضلت بعيره مثلًا أو شاته يتطلبها فلم يجدها، ويكون ذلك أشد عليه حسرة، فهنا ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ﴾ كأنما هو شيء مفقود عزيز عليهم، ولكنهم لم يتمكنوا منه.
وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [القصص ٧٥]، ﴿مَا﴾ ويش إعرابها؟
* طالب: موصول.
* الشيخ: اسم موصول فاعل (ضل) أو لا؟ فاعل (ضل)؟ إي نعم، فاعل (ضل)، وأين العائد؟
* الطالب: محذوف.
* الشيخ: والتقدير؟
* الطالب: يفترونه.
* الشيخ: ما كانوا يفترونه.
وقول المؤلف: (في الدنيا)؛ لأن ﴿كَانُوا﴾ فعل ماض، فـ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ في الدنيا من أن مع الله شريكًا، يضل عنهم هذا الشريك يوم القيامة، ولا يستطيعون أن يقوموا ببرهان عليه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences