Ibn 'UthayminAl‑Qasas · 28:77

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Qasas 28:77

28:77Page 394

وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَۖ وَلَا تَبۡغِ ٱلۡفَسَادَ فِي ٱلۡأَرۡضِۖ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٧٧

But seek, through that which Allāh has given you, the home of the Hereafter; and [yet], do not forget your share of the world. And do good as Allāh has done good to you. And desire not corruption in the land. Indeed, Allāh does not like corrupters."

(﴿وَابْتَغِ﴾ اطلب ﴿فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ﴾ من المال ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص ٧٧] بأن تنفقه في طاعة الله).

﴿وَابْتَغِ﴾ أي: اطلب ﴿فِيمَا﴾: في الذي ﴿آتَاكَ اللَّهُ﴾ يعني: أعطاك، منين؟

* طالب: من المال.

* الشيخ: من المال، من هذه الكنوز العظيمة التي مفاتحها تنوء بالعصبة، اطلب بها ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، والمراد بـ: ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ الجنة هنا، نعم ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص ٨٣]، وكيف يطلب به ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾؟

قال المؤلف رحمه الله: (بأن تنفقه في طاعة الله)، وحينئذ يكون ذلك أيش؟ ذخرًا لك عند الله في الدار الآخرة، وإذا عود الإنسان نفسه على ذلك ورغبها عليها، على هذا الأمر، صار هذا الأمر سجية له يفرح به ويُسَر وتنعم به نفسه، ولذلك الكريم أحب شيء إليه هو العطاء، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أن الإنفاق لله سبحانه وتعالى، الإنفاق لله في الله؛ يعني في حدود الشرع، يقول: إنه من أكبر أسباب انشراح الصدر، وهذا أمر معلوم، تجد أكثر الناس انشراحًا في الصدور هم الكرماء، وأنه إذا أعطى إنسانًا عطية يجد بذلك سرورًا وانشراحًا.

فهو لو أنه استعمل هذا وابتغى به ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص ٧٧]، فإن ذلك لا يضيع عليه عند الله، ثم مع ذلك يقول الناصحون له: (﴿وَلَا تَنْسَ﴾ [القصص ٧٧] تترك)؛ لأن النسيان يطلق على أمرين؛ أحدهما: الذهول عن الشيء المعلوم اللي كان (...) ثم ذهلت عنه، والثاني: الترك، فهنا ﴿وَلَا تَنْسَ﴾ أي: ولا تترك، ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، أيش معنى نسوه؟ تركوه فلم يقوموا بحقه، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾: تركهم سبحانه وتعالى فلم يثبهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ﴾ أي: تركوه، ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر ١٩] أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها بدون رعاية لحقها.

وأما قوله تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة ٦]، المراد بالنسيان الذهول عن شيء معلوم، فالله تعالى أحصاه لكن هؤلاء نسوه.

فهنا إذن من هذين الشاهدين من القرآن الكريم يتبين لنا أن النسيان يطلق على معنيين؛ أحدهما: الترك، والثاني: الذهول عن شيء معلوم. أيهما الذي أصح أن يوصف الله به؟

* طالب: الترك.

* الشيخ: الترك، أما الذهول فقد نفاه الله عن نفسه، فقال تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، هذا نسيان أيش، ذهول ولّا؟

* طالب: ذهول.

* الشيخ: ذهول وليس تركًا؛ لأن الله يترك من شاء من عباده ممن يستحقون الترك.

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥]، من أي النوعين؟

* طالب: الذهول.

* الشيخ: الذهول، أو الترك؟

* طالب: لا، الترك يا شيخ.

* الشيخ: يعني هل آدم ﷺ حين أكل من الشجرة كان ناسيًا؟

* الطالب: لو كان ناسيًا ما أُبعد عنها، ما آخذه الله عليها.

* الشيخ: إي، ما آخذه الله عليها، ما تقولون؟ هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم؛ منهم من قال: إن قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ [طه ١١٥] أي: ترك عن عمد، فيكون مستحقًا للعقاب، وعلى هذا الرأي فلا إشكال في المسألة، كونه يعاقب على أمر تركه من غير ذهول، تركه وهو عالم به، ويكون ملومًا ولّا لا؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: يكون ملومًا، ولهذا قال: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه ١١٥].

ومنهم من قال: إن المراد بالنسيان الذهول، وهؤلاء قصدوا بذلك تجنب وصف آدم بتعمد المعصية؛ لأنه إذا تركه عن نسيان -يعني: عن ذهول- يُلام ولّا ما يُلام؟

* طالب: ما يُلام.

* الشيخ: ما يُلام، وهؤلاء يحتاجون إلى الجواب عن سقوط الإثم بالنسيان، ويقولون: إن هذا من خصائص هذه الأمة، سقوط الإثم بالنسيان؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ»[[أخرجه ابن ماجه (٢٠٤٣) عن أبي ذر.]]، فقوله: «عَنْ أُمَّتِي» يدل على أن الأمم السابقة مؤاخذة به، وكون الأمم السابقة أيضًا مؤاخذة، في الحقيقة هذا لا يرجح أحد القولين، لكن الذي يرجح أنه نسيان ترك لا نسيان ذهول، قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه ١٢١]، وهذان الوصفان -معصية وغي- يدلان على أنه فعل ذلك عن عمد، لكنه اغتر بغرور إبليس: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف ٢٢]، لما قاسمهما ﴿إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف ٢١]، وقال: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى﴾ [طه ١٢٠]، فاغتر آدم وفعل ما فعل.

المهم أن النسيان هنا، قوله: ﴿وَلَا تَنْسَ﴾، من أي النوعين؟ تترك.

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧]، وإنما قال: ﴿وَلَا تَنْسَ﴾، كأنهم يقولون: اجعل انهماكك فيما تريد في الآخرة، حتى كأن ما تريده للدنيا يغيب عنك، ولكن لا تنساه.

وقوله: (﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: أن تعمل فيها للآخرة)، يشير المؤلف إلى أن المراد بنصيبه من الدنيا أنه عائد على قوله: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص ٧٧] يعني: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص ٧٧] بإمهالك، فما دمت قد أُعطيت مهلة فلا تنس هذه المهلة أن تنفق المال في طاعة الله، فيكون المراد بالنصيب من الدنيا هنا المراد العيش في الدنيا؛ يعني: لا تنس أن تغتنم الفرصة في هذه الدنيا فتنفق، فتكون الجملة هنا عائدةً على الجملة الأولى في المعنى؛ يعني: اطلب الدار الآخرة فيما تنفق حتى لا يضيع عليك الوقت فيضيع نصيبك من الدنيا.

ولهذا قال: (﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أي: أن تعمل فيها للآخرة)، كأنه يقول: اغتنم هذه المدة التي هي نصيبك من الدنيا، اغتنمها للآخرة، فتكون الجملة الثانية عائدةً على الجملة الأولى.

ويحتمل -وهو الأقرب- ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ أننا لا نأمرك بأن تنفق جميع مالك في الآخرة، بل اطلب الآخرة فيه، وخذ نصيبًا من الدنيا لك، فنحن لا نريد أن تنخلع من مالك، ولكننا نريد أن تبتغي به ﴿الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾، ومع ذلك فخذ ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ من طيب المأكل ونظافة المنزل والثياب والزوجات وما أشبه ذلك، وهذا المعنى أقرب وأصح؛ لأننا على المعنى الذي ذهب إليه المؤلف تكون الآية فيها شيء من التكرار.

ثم هل هي تكون سببًا لجلبه وقبوله النصيحة، أو نقول: إنه إذا قيل له: اطلب الآخرة ولا تنس حظك من الدنيا، أن هذا أقرب إلى قبول النصيحة؟

* طالب: الأخير.

* الشيخ: الأخير أقرب؛ لأنه لو قيل: هذا المال العظيم الذي مفاتحه تنوء بالعصبة كله ابتغ به الدار الآخرة يمكن ما يقبل، لكن إذا قيل: ابتغ به الآخرة وتمتع في الدنيا بنصيب؛ هذا يكون أدعى للقبول، وهو أيضًا من الأساليب الحسنة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، «والنبي عليه الصلاة والسلام قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرج البخاري (٦١٣٤) عن عبد الله بن عمرو، قال: دخل عليَّ رسول الله ﷺ فقال: «ألم أُخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار» قلت: بلى، قال: «فلا تفعل، قم ونم، وصم وأفطر، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا»، أما اللفظ المذكور فهو من قول سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما، أخرجه البخاري (١٩٦٨) من حديث أبي جحيفة السوائي.]]، لا تقل: إني أقوم الليل وأصوم النهار ما عشت، هذا خطأ، «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا» بعبادته، ولكن «لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا» بإعطائها الراحة، فالصواب هو هذا.

﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.

* طالب: شيخ.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: هذا، (...)؟

* الشيخ: ما ندري هل هذه النصيحة قبل، لما كان فرعون موجودًا أو بعد، الله أعلم.

* الطالب: بس كون (...)؟

* الشيخ: إي، ما يمنع أن هذا الرجل كفر واتصل بفرعون فصار له المال العظيم، ما فيه مانع.

قال: (﴿وَأَحْسِنْ﴾ للناس بالصدقة ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ ).

هنا المؤلف خص الإحسان، قال: (أحسن للناس في الصدقة)، ولكن الصحيح أن المراد ما هو أعم؛ أي: أحسن في عبادة الله، وفي معاملة عباد الله.

﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص ٧٧]، الكاف هنا للتشبيه ولّا للتعليل؟

* طالب: للتعليل.

* الشيخ: للتعليل، ولا تكون للتشبيه؛ لأنه ما يمكن الإنسان يحسن مثل ما أحسن الله إليه، إحسان الله إليه أكمل وأعظم، فالتشبيه ممتنع، فيكون الكاف هنا للتعليل.

وقد جاءت الكاف للتعليل في عدة مواضع من القرآن، مثل قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة ١٩٨] أي: واذكروه لهدايتكم، ومثل قوله ﷺ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمِّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة.]]، فإن الكاف هنا للتعليل وليست للتشبيه، وهذا المعنى الذي ذكرناه نسلم به من الإيراد الذي أورده بعض الناس على هذا الحديث، وهو أنه من العادة أن المشبه أقل شأنًا ورتبة من المشبه به، ومحمد ﷺ لا شك أنه ليس أقل من إبراهيم، ولّا لا؟ فكيف قيل: «صَلِّ عَلَى مُحَمِّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ»؟ من العلماء من أجاب قال: إن المراد «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»، أنه تشبيه للصلاة على واحد بالصلاة على جماعة: إبراهيم وآدم، وهذا يصح أنه يُعطى محمد ﷺ مثل ما أعطي هؤلاء كلهم، ولكن لا حاجة إلى هذا التأويل، بل نقول: إن المعنى أنك يا رب كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وأن هذا من شأنك ومن عادتك التكرم، فمُنَّ أيضًا على محمد ﷺ، فتكون هذه الجملة: «كَمَا صَلَّيْتَ» للتعليل، وهي في الحقيقة للتوسل؛ يعني: أننا نتوسل إليك بما فعلت من قبل في إبراهيم وآله، أن تفعل ذلك في محمد ﷺ وآل محمد.

﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٧٧] وقوله: ﴿كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، بماذا أحسن الله إليه؟

* طالب: بالمال.

* الشيخ: بالمال العظيم الذي مفاتحه تنوء بالعصبة.

﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص ٧٧]، ﴿الْفَسَادَ﴾ بأي شيء؟ أولًا بالبغي، حيث قال تعالى: ﴿فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص ٧٦]، فلا تبغ الفساد في الأرض بالبغي.

كذلك أيضًا إن كان هذا الرجل يعمل بماله لمعصية الله، فيكون هذا من الفساد في الأرض، وهذا هو الغالب؛ أن من آتاه الله مالًا وليس عنده إيمان، فإن يجعل من ماله وسيلة إلى الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾، الرجل هذا هل هو يروح مثلًا يفجر السدود ويهدم الجدران ولّا كيف ﴿الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾؟

* طالب: بالمعاصي.

* الشيخ: المعاصي؛ لأن المعاصي في الحقيقة هي سبب الفساد في الأرض ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ [البقرة ٤١]، ولهذا ما من شيء يكون في الأرض من فتن وحروب وقتال وذبح وغيره إلا بسبب المعاصي، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [فاطر ٤٥].

فهذه الآن، هذا الهرج الذي كثر في هذا العصر ولا سيما في هذا العام، ويش أسبابه؟ ما تكاد تفتح الإذاعة إلا وتسمع من أول النشرة إلى آخرها حروب في كل مكان، واغتيالات، وتفجيرات، وفساد، كل ذلك بسبب المعاصي التي تُفعل، فهي عقوبة للعصاة الذين أُصيبوا بهذه، وإنذار للآخرين؛ فإنك قد ترى البلاد الآمنة المطمئنة التي يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان، ويُجلب الناس إليها من كل مكان، تجد أنها دُمِّرت الآن، دمرت مساكنها وبيوتها وأمنها ورخاؤها، بسبب أيش؟ بسبب المعاصي، فهو إنذار للآخرين..

وهذا النهي، بل هذا النفي نفي للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله، فحُذفت عين الفعل، أو لا؟

﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ﴾ [النحل ١٢٧]، (تكن)، النهي هنا أثَّر ولّا ما أثّر؟

* طالب: أثر.

* الشيخ: ولا شك أنه أثر بالفعل، ويش اللي أثر به؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، حُذِف منه الواو اللي هي عين الفعل: (ولا تكن)، هنا ما حُذِفت الواو التي هي عين الفعل، لماذا؟ قال: (لبنائه)، أنه مبني على الفتح، وأصل حَذْف عين الفعل من أجل السكون.

(ولا تكن)، كيف تكون أصلها؟ (تكون)، لو أننا أبقينا الواو وسكنَّا النون التقى ساكنان، وهذا غير جائز في اللغة العربية، وإذا التقى ساكنان والأول منهما حرف لين حُذِف، ولهذا حُذفت الواو التي هي عين الفعل. أما هنا: ﴿وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [القصص ٨٧] فلم تُحذف، يقول المؤلف: (لبنائه).

وقوله: ﴿مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، الشرك كما مر علينا كثيرًا ينقسم إلى أكبر مُخرِج عن الملة، وإلى أصغر لا يُخرج من الملة، فالأكبر: أن يُشرِك مع الله أحدًا في عبادته أو رُبوبيته، فمَن أشرك مع الله في ربوبيته أو في عبادته فهو مُشرِك، وما دون ذلك مما أُطلق عليه الشرك فهو شرك أصغر، والغالب أن الشرك الأصغر يكون إما لأنه وسيلة للأكبر كما في مسألة الرياء، فإن الرياء إنما كان شركًا؛ لأن اللي يعمل العبادة ويُحَسِّنها للناس، قد يؤدي به الأمر إلى أن يعمل أصل العبادة للناس، فيكون بذلك مشركًا شركًا أكبر. وقد يكون الشرك الأصغر ليس وسيلة إلى الشرك الأكبر، وإنما يتعلق بأمور أخرى ما تتعلق بالشرك، ولكن على كل حال الشرك الأكبر هو أن يعتقد الإنسان لله شريكًا في ألوهيته أو ربوبيته. (...)

* * *

نقف على هذا؟

* طالب: (...)؟

* الشيخ: هو كفر، لكن نوع هذا الكفر أنه شرك؛ لأن الكفر عام، جنسٌ يشمل أنواعًا.

* * *

* طالب: (...).

* الشيخ: (﴿﴿وَلَا تَدْعُ﴾ ﴾ [القصص: ٨٨] تعبد).

(لا) ناهية، و(تدع) فعل مضارع مجزوم بـ(لا) الناهية، وعلامة جزمه حذف الواو، والضمةُ قبلها دليل عليها.

﴿مَعَ اللَّهِ إِلَهًا﴾ مفعول ﴿تَدْعُ﴾، والإله بمعنى المألوه أي المعبود، ﴿آخَرَ﴾، فإن هذا غير ممكن أن يكون مع الله إله آخر حقٌّ؛ وذلك لأن الآلهة التي سوى الله كلها باطل كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠].

وفي هذه الآية - ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨] - سمى الله تعالى ما يُعبد إلهًا؛ وذلك لأن الإله فِعَال بمعنى مفعول، أي: معبود.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٨٨]، هذه الجملة كالتعليل للنهي السابق، يعني: فإنه لا إله إلا هو، وهذا النفيُ نفيٌ للحق، يعني للمعبود الحق، فإنه لا إله إلا الله، وحينئذٍ لا يكون بينها وبين ما سبقها منافاة؛ إذ إن ما سبقها كما ترون يُثْبت آلهة مع الله، لكن ينهى أن تُدعى هذه الآلهة. والثاني يقول: لا إله إلا هو، ينفي أن يكون هناك إله، والجمع بينهما أن يقال: الإله الحق الذي عُبِد وهو يستحق أن يعبد هذا ليس إلا الله، وأما الإله الباطل الذي عُبِد وهو لا يستحق أن يُعبد فهذا ثابت لغير الله، وهذا هو الصحيح في النفي، مع أنه يحتمِل أن يكون نفيًا بمعنى النهي، أي: لا تعبد إلا الله، والنفي بمعنى النهي يَرِد في القرآن، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢]، قالوا: إن معناه، بعض المفسرين، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: لا ترتابوا فيه، فجعلوا النفي بمعنى النهي، ولكنّ الأَوْلى أن يبقى النفيُ على ظاهره وأن يُجعَل نفيًا حقيقةً، ويكون النفي أبلغ من النهي؛ لأن النفي إثبات صفة، وأما النهيُ فإنه نهي عنها، قد يمكن الامتثال وقد لا يمكن، يعني قد يحصل (...) وقد لا يحصل، أما إذا كانت نفيًا فهي أعظم وأَولى. فعليه نقول: هذا النفي لا يتعارض مع ما قبله؛ لأن ما قبله باعتبار أنها آلهة باطلة، والثاني باعتبار أنها آلهة حق، فلا إله حق إلا الله.

﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، كلمة (هو) ضمير يعود على الله، وليس (هو) اسم مستقلًّا، بمعنى أنه ليس من أسماء الله (هو)، خلافًا للصوفية المبتدعة الضالة؛ فإنهم يجعلون (هو) من أسماء الله، ويقولون: لا إله إلا هو مثل: لا إله إلا الله، ويقولون في أذكارهم الباطلة: هو، هو، هو، يكررونها، ويقولون: هذا هو (...).

فنقول: الضمير (هو) ليس اسمًا علمًا لله، وإنما هو ضمير يعود على الله، ﴿مَعَ اللَّهِ﴾ [القصص ٨٨] هذا الاسم، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: إلا الله المذكورة في السابق.

قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨].

﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ﴾ بمعنى زائل ومُضمحِل ومعدوم بعد الوجود.

﴿هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، قال المؤلف: (إلا إياه) يعني: إلا الله، فإنه سبحانه ليس بهالك، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧].

وقوله: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فسَّره المؤلف بقوله: (إلا إياه)، ردًّا على قول أهل الباطل الذين قالوا: إن الله يفنى إلا وجهَه، والعياذ بالله، وجعلوا الوجه هنا لم يعبَّر به عن الذات، بل جعلوه معبَّرًا به عن صفة الوجه فقط، وقالوا: إن الله يفنى إلا وجهه، وهذا لا شك كلام باطل، وأن المراد بالوجه هنا الذات كلها، كل الذات العلية، لكنه عبَّر بالوجه كسائر التعبيرات اللُّغوية؛ حيث يُعبَّر بالوجه عن الشيء كلِّه. (...)

* طالب: (...)؟

* الشيخ: إن جاءت (...) هذه أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ يعني: إلا الله، إي، فيكون الأَوْلى أن نقول: لا إله إلا الله، إذا ما سبق شيء يعود على الضمير فالأولى أن نذكر الله باسمه العلَم، ولهذا «بُنِي الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ»[[أخرج البخاري (٨) ومسلم (١٦/٢٠) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «بني الإسلام على خمس؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان».]].

قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، فقول المؤلف: (إلا إياه) صحيح باعتبار الرد على من يقولون: إن الله يهلك إلا وجهه، لكنه قد يوهِم معنًى باطلًا، وهو إنكار الوجه، لكنّ المؤلف ما أظنه يريد ذلك، بل معروف أن الأشاعرة ينكرون الوجه حقيقةً، فنحن نقول: إن لله وجهًا حقيقيًّا بلا شك، وهذه الآية يُستدل بها، ولهذا قال: ﴿إِلَّا وَجْهَهُ﴾، لكنه نقول: عبَّر بالوجه عن الذات، نعم، كسائر أساليب اللغة العربية.

وقيل: إن المعنى كل شيء هالك إلا ما أُريد به وجهه، فيكون هذا عائدًا على الأعمال، يعني جميع الأعمال مردودة وغير مقبولة، إلا ما أريد به وجه الله. واستدل هؤلاء بأن قوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [القصص ٨٨]، هذا من أعمال الإنسان، ثم قال: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كأنه قال: كلُّ الشرك هالِك وتالف وغير نافع للمرء إلا ما أريد به وجه الله، وهو الخالص له، فإنه يبقى للمرء.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، الهلاك بمعنى أنه ما يفيد الإنسان، معنى ﴿هَالِكٌ﴾ يعني لا تفيده، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري بنحوه (٢٦٩٧) ، ومسلم واللفظ له (١٧١٨/١٨) من حديث عائشة رضي الله عنها.]].

ولكنا نقول: إن الآية المعنى الأول أقوى، أن المراد: كل شيء فان وتالف إلا وجه الله، وهو كالتعليل لقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [القصص ٨٨]، يعني فكأنه يقول: هذه الأصنام المعبودة من دون الله تبقى ولَّا ما تبقى؟

* طالب: ما تبقى.

* الشيخ: ما تبقى، والله تعالى هو الذي يبقى، فكان هو الذي يستحق أن يُعبد.

قال: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص ٨٨].

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، ما هو من باب التعليل، هذا حقيقة وبدون تأويل؛ لأنه يُعبر بالوجه عن الذات دائمًا، فيقال مثلًا: وجهُك الكريم، مع أنه يريد الكريم هو الله نفسه، فالتعبير بمثل هذا عن الوجه وفق اللغة العربية ما فيه التأويل.

وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ [القصص ٨٨]، هذه جملة مكوَّنة من مبتدأ وخبر، الخبر ﴿لَهُ﴾ مقدَّم، و﴿الْحُكْمُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، وتقديم ما حقُّه التأخير يُفيد؟

* طالب: الحصر.

* الشيخ: الحصر، والمعنى: ﴿لَهُ﴾ وحدَه ﴿الْحُكْمُ﴾.

و﴿الْحُكْمُ﴾ يقول المؤلف: (القضاء النافذ)، وفسره بالحكم الكوني، والصحيح أنه يشمل الحكم الكوني والشرعي، فله القضاء النافذ على كل أحد، وله أيضًا الفصل بين الخلق في الأحكام الشرعية، فالحكم شامل للأمرين: الحكم الكوني والشرعي. وقد مر علينا أن من أمثلة الحكم الشرعي قوله تعالى في سورة الممتحِنة: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الممتحنة ١٠]، وأما مِن الحكم الكوني فقوله تعالى عن إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠].

وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾، ذكرنا أن الجملة فيها اختصاص، أن الحكم لله وحده، مع أن غيره له الحكم، ولهذا يقال: الحاكم الشرعي، وحاكم البلد، وما أشبه ذلك، والجواب على هذا أن يقال: حكم هؤلاء تابع لحكم الله، والحكم المطلق التام الشامل هو لله وحده، فكون هؤلاء حكَّامًا هو من باب التبعية؛ إذ إن هذا الحاكم لا يحكم بغير ما أنزل الله، فإن حكَم لم يَنْفُذ حكمه.

(﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٨٨] بالنشور من قبوركم).

(إليه) أي الله ﴿تُرْجَعُونَ﴾، فيجازيكم على أعمالكم، وذلك بالنشور إذا نشركم من القبور، فلا مرجع إلا إلى الله.

ويحتمِل أن يكون الرجوع هنا أعمَّ مما ذكَر المؤلف، بحيث يكون معنى ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: حتى في أحكامكم، فإنما ترجعون إلى الله، ولهذا يُرَد الحكم بين الناس إلى مَن؟ إلى الله عز وجل.

* * *

ثم قال الله تعالى: ﴿الم﴾ [العنكبوت ١]، سورة العنكبوت مكية، وهي تسع وعشرون آية (...).

منها آية مستقلة يُؤتَى بها في ابتداء السور ما عدا سورة براءة.

﴿الم﴾ قال المؤلف: (الله أعلم بمراده بذلك)، وهذا حق فيما لو جعلنا هذه الكلمة لها معنًى، ولكن الصواب أنه لا معنى لها كما قاله مجاهد وغيره، هي في حد ذاتها ما لها معنى؛ وذلك لأن القرآن نزل باللغة العربية، والحروفُ المركَّبة الهجائية ما لها معنى؛ فإن: (ألف، باء، تاء، ثاء، جيم) ما لها معنى، ولكن هذه لها مغزى: وهو الإشارة إلى أن هذا القرآن الكريم الذي أعجزكم معشرَ العرب وأعجز غيركم لم يأت بحروف جديدة ما تعرفونها، وإنما أتى بحروف تعرفونها وتُرَكِّبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم. ولهذا لا تكاد تجد سورة مبدوءة بهذه الحروف الهجائية إلا وجدتَ بعدها ذِكْر القرآن أو ما هو من خصائص القرآن. شوف ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢]، ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١ - ٣]، ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١، ٢]، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس ١]، تجد أيضًا: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الجاثية ١، ٢]، ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [السجدة ١، ٢]... وهكذا.

هذه ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ [العنكبوت ١، ٢]، ما فيها ذكر القرآن، لكن فيها ذِكْر ما هو من لازم القرآن، وهو قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾، فإن مَن آمن بالقرآن لا بد أن يُفتن.

قوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾.

قوله: ﴿أَنْ يَقُولُوا﴾ هذا محل الاستفهام، يعني: أيظن الناسُ أن يُتركوا إذا قالوا: آمنا بدون أن يُختَبَروا؟ هذا أمر لا يكون، بل لا بد من الاختبار، وكلَّما كان الإنسانُ أقوى إيمانًا كان اختبارُه أكثر، فإن الله تعالى يَبتلي الناس، يُبتلى الصالحون الأمثل فالأمثل، حتى يُنظَر في دينه هل فيه قوة أو هو دِين ضعيف[[أخرج أحمد (١٥٥٦) عن سعد بن أبي وقاص قال: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء، ثم الأمثل، فالأمثل، حتى يبتلى العبد على قدر دينه، ذاك فإن كان صلب الدين ابتلي على قدر ذاك - وقال مرة: أشد بلاء - وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر ذاك - وقال مرة: على حسب دينه - قال: فما تبرح البلايا عن العبد، حتى يمشي في الأرض - يعني - وما إن عليه من خطيئة».]].

وقوله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ﴾، (حسِب) بمعنى: ظنَّ.

وقوله: ﴿النَّاسُ﴾ يشمل مَن؟ المؤمنين وغير المؤمنين؛ وذلك لأن قوله: إني مؤمن يكون من المؤمن حقًّا ويكون من المنافق، والمنافق لا يصح أن يُسمى مؤمنًا على الإطلاق، بل إنما يقال: مؤمن بلسانه كافر بقلبه.

﴿أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا﴾ أي: بقولهم: آمنَّا، يعني يظن الناس أن يُتركوا بلا فتنة إذا قالوا: (﴿آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ يُخْتَبَرُونَ بما يتبين به حقيقية إيمانهم)، وهذا الاستفهام للتقرير ولَّا للإنكار؟

* طالب: للإنكار.

* الشيخ: للإنكار، يعني لا تظنوا هذا أنكم إذا قلتم: آمنَّا تُركتم بلا فتنة، بل لا بد من فتنة واختبار، واللهُ سبحانه وتعالى يَبتلي المرء تارَةً بأفعاله التي يفعلها به سبحانه وتعالى، وتارةً بأفعال غيره التي يُسَلطون بها عليه. أما بأفعاله فإن الله تعالى قد يَبتلي الإنسان بمصائب يَختبِر بها إيمانَه، مصائب مالية أو أهلية أو بدنية، فإن مِن الناس مَن إذا أصابته هذه المصائب -والعياذ بالله- عجز أن يصبر، وربما يرتد بعد إسلامه ويكفر والعياذ بالله، ومِن الناس مَن يصبر ويحتسب. كذلك قد يُبتلى المرء بأمر يسلطه الله عليه، ما هو من فعل الله، مثل أن يسلَّط عليه قوم يؤذونه بالقول أو بالفعل أو بهما جميعًا، مثلما حصل لِمَن؟ حصل للصحابة رضي الله عنهم، للنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، حصل للنبي ﷺ وأصحابه، فإنّ النبي عليه الصلاة والسلام أوذي إيذاءً عظيمًا من قومه ومن غير قومه، وكذلك أصحابه أُوذوا إيذاءً عظيمًا، ولَّا لا؟ ومع ذلك صبروا واحتسبوا، فإن عمار بن ياسر وآله حصل لهم إيذاء عظيم[[ومما جاء في ذلك ما أخرجه الحاكم (٥٧٤٦) عن ابن إسحاق قال: كان عمار بن ياسر وأبوه وأمه أهل بيت إسلام، وكان بنو مخزوم يعذبونهم، فقال رسول الله ﷺ: «صبرا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة».]]، وكذلك غيرهم من المؤمنين، منهم من يُؤذَى بالقول، ومنهم من يؤذى بالفعل، ومنهم من يؤذى بالقول وبالفعل.

وقوله: ﴿وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢]، يقول: (نزل في جماعة آمنوا فآذاهم المشركون).

طيب، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠]، ثم يرتد والعياذ بالله.

كذلك مِن الناس الآن، وخصوصًا من الشباب المتجهة إلى الدين، مَن يؤذيه أولئك الفسقة ويسبونه، ويقولون: أنت مطوع، وأنت رجعي، وما أشبه ذلك، هذا ابتلاء من الله وامتحان؛ ليعلَم سبحانه وتعالى هل يصبر هذا على دينه أو ينحسر ثم يرجع خوفًا من أذية هؤلاء.

ومن الناس أيضًا من يؤذَى بالتحلي بأخلاق المؤمنين، كحلق اللحية مثلًا، فيؤذَى بذلك إما بالقول والاستهزاء والاستخفاف، وإما بالفعل فيُضرَب عليها أو يُحبَس، فتجده يحلق لحيته خوفًا من هذا الأمر، وهذا لا يجوز؛ لأن الواجب أن تصبِر، نعم، إن أُكرِهت على هذا غُلَّت يدُك وأُتِي بالمُوسى وحُلِقت، يعني الأمر ليس إليك، لكن ما دام الأمر إليك فإنه لا يجوز لك أن تفعل المعصية خوفًا من الناس، المعاصي يجب أن الإنسان ما يفعلها خوفًا من الناس أبدًا، يجب أن يصبر ويحتسب.

فمِن الناس ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠]، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت ٣].

* طالب: (...)؟

* الشيخ: ما أُكرِه، هذا غاية ما هنالك أنه يُضرب أو يُحبس ويقول: يحلقها مثلًا، اللي ما يحلق (...).

* الطالب: بس (...)؟

* الشيخ: والمشقة تزول، فليصبر وليحتسب على دينه، ولا يَرِد على هذا قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل ١٠٦] فإنه ما عليه شيء؛ لأن ذاك بعض العلماء يقول: هذا في الإيمان القولي الذي مصدره اللسان، وإن كان الصحيح أنه حتى في الكفر الفعلي شامل؛ لأن الآية عامة، حتى مثلًا لو أُكره على السجود وما أشبه ذلك، أما التخلي عن الأمر الشرعي فهذا لا يجوز أن يتخلى عنه. ففرق بين الفعل، أن تُجبر على فعل معصية، مثلًا على كفر؛ هذا تُعذر به، وأما أن الترك واجب وهو وجوب إعفاء اللحية فهذا ما يجوز. لو قيل لك: اترك الصلاة مثلًا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، ما يمكن تتركها (...)، صلِّ ولو أُوذِيت بالضرب والحبس ما فيه مانع.

* الطالب: طيب، أيش الفرق بين (...).

* الشيخ: حتى أكل الميتة إذا اضطررت إليه؛ لأنك إذا أكلت منه بَقِيَتْ حياتك. أما هذا فليس كذلك، هذا قد تُهدد بالضرب ولا تُضرب، وقد تُضرب وتَصبِر وتحتسب. هذا (...) الحكم الذي ذكر الله، يعني إذا أتيت تطبقه على حالك (...)، ما دام قلنا: إن الإنسان إذا أوذي في الله يجوز أن يَدع ما أمر الله به، ما صار للحكم فائدة، فلا بد من فتنة واختبار.

(﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم علم مشاهدة ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت ٣] فيه).

﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿فَتَنَّا﴾ بمعنى: اختبرنا ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مِن فتنة مَن قبلنا أن الرجل يُنشر بأمشاط الحديد ما بين عظمه وجلده، ومع ذلك فإنه يصبر ويحتسب[[أخرج البخاري (٣٨٥٢) عن خباب بن الأرت، قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا، ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون».]]. يعني يُؤتى بأمشاط الحديد ويخلع بها اللحم، نعم، يُنشَر ومع ذلك يصبِر على دينه ولا يرتد. فإذا كان هذا فيمن قبلنا، فإن هذه الأمة أولى بالصبر على هذا الأمر العظيم، لا سِيَّما إذا كان المقام مقامَ جهاد، مثلما وقع للإمام أحمد رحمه الله في أيام المحنة، فإنه كان يُضرب بالسياط ويُجر بالبغال ليقول: إن القرآن مخلوق، ومع ذلك أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق؛ لأنه لو قال: إن القرآن مخلوق، ما هي المسألة تنطلي عليه هو، لكنه يترتب على ذلك فساد الأمة كلها. ولهذا من أُكرِه على الكفر وكان كفرُه يستلزم كفر غيره وفسادَ الملة، فإنه لا يجوز له أن يوافِق ولو أُكرِه؛ لأن المقام في حقه، ويش المقام؟ مقام جهاد، والإنسان يجب أن يجاهد في سبيل الله ولو تعرَّض للقتل. أما إذا كانت المسألة إكراهًا شخصيًّا على الكفر، فإن هذا يجوز بشرط أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان.

فعلى هذا؛ هذا رجل مثلًا قدوة وإمام في الناس، أُكرِه على أن يفعل معصية أو أن يفعل كفرًا، فعلُه لها ليس لمُجرد أن يتخلص من الأذية، ولكن يفتن به أمةً من الناس. فهذا نقول له: لا تفعل، لا توافق ولو أُكرهت ولو ضُربت؛ لأن المقام مقام جهاد في سبيل الله.

وإنسان آخر لا يُؤبَهُ به ولا يَنظر الناس إليه ولا يَقتدون به، أُكرِه على أن يفعل شيئًا من الكفر أو ما دونه، فله أن يفعل بشرط أن يكون قلبه مطمئنًّا بالإيمان مثلما قال الله سبحانه وتعالى.

وقوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت ٣]، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ الصدق مُطابَقة القول للواقع، أو مطابقة الفعل للواقع.

﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ [العنكبوت ٣] في أيش؟ في قولهم: إنهم مؤمنون، فمَن كان صادقًا في إيمانه فإنه يَسلَم بذلك، ومن كان كاذبًا فإنه -والعياذ بالله- ينخدع بهذه الفتنة وينقلب على وجهه فيخسر الدنيا والآخرة.

وقول المؤلف: (علم مشاهدة) يشير إلى أن قوله تعالى: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت ٣] فإن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ مستقبَل، بدليل دخول نون التوكيد عليه، وبدليل أنه جملة قسَمِيَّة، والجملة القَسمية تكون في المستقبل، فهو فعل مضارع واقع في جملة قسمية مُؤكَّد بالنون، فيكون للمستقبل. والله تبارك وتعالى يعلم ذلك قبل أن تحصل الفتنة، أليس هكذا؟

* طالب: بلى.

* الشيخ: فكيف الجواب عن قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾ الدال على أن العلم ما يكون إلا بعد الفتنة؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском