Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:4–13, continued
وقوله: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا﴾ معناه أنَّه يقوله بلسانه، ولكنَّه لم يرسخ الإيمان في قلْبه، ولهذا ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾، فهو يقول بلسانه: آمَنَّا بالله، ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ أي: لَحِقَتْه أَذِيَّةٌ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أي: في دِين الله في الدين الذي كان يعتنقه، ويحتمل أن تكون ﴿فِي﴾ للسببية؛ أي: بسبب الله؛ أي: بسبب قيامه بِدِينِ الله، والمعنى واحدٌ سواء قلنا للظرفية أو للسببية.
﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ هذا شَرْطٌ، الجواب: (﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ أي: أذاهم له ﴿كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوف منه فيُطِيعهم فينافق). يجعل فتنةَ الناس؛ يعني: إيذاءَهم له؛ لأنَّ إيذاء المؤمن مِن غيرِه فتنةٌ يُخْتَبَر به المرءُ؛ فإنَّ بعض الناس-نسأل الله العافية- إذا أُوذِيَ في الله ما يصبر، بعض الناس إذا كان مؤمنًا وحَصَل له أَذِيَّةٌ ما صبر وارتَدَّ، وبعض الناس -الذي في إيمانه قوَّة- لو أُوذِيَ يصبر ويزدادُ قوَّة في إيمانه، لكن هذا الذي قال: آمنَّا بالله، ما عنده إيمانٌ في القلب راسِخ؛ ﴿إِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ في الخوف منه، فيجعل هذا عذابًا، ماذا يكون له؟ يرتدُّ بسبب هذا الإيذاء ويقول: هذه عقوبة، فأنا أرجع عمَّا أنا عليه، وحينئذٍ يُنافِق، ولكنَّه مع هذا يدَّعِي أنَّه مؤمن، متى يدَّعي أنه مؤمن؟
﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ لاحِظ أنَّه ﴿وَلَئِنْ جَاءَ﴾ يقول المؤلِّف: إنها لام القَسَم و(إنْ) ويش هي (إن)؟ شرطية، و﴿جَاءَ﴾ فِعْل الشرط، وجملة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب؟
* طالب: جواب الشرط.
* الشيخ: لا، ما هي جوابه، جوابُ القَسَم، ولهذا أُجيبتْ باللام؛ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فإذا اجتمع قَسَمٌ وشرْطٌ فابن مالك يقول:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــــا أَخَّــــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَـــــــــزَمْ
وهُنا الذي أُخِّرَ الشرطُ ولَّا القَسَم؟ الشرطُ، فحُذِف جوابُه لدلالة جواب القَسَم عليه.
(﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ﴾ للمؤمنين ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ فَغَنِمُوا) ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذه جماعة ولَّا واحد؟
* الطلبة: جماعة.
* الشيخ: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جماعة، فعاد الضمير على ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ باعتبار المعنى، وعاد إليه بالأول -﴿مَنْ يَقُولُ﴾ ولم يَقُلْ: مَن يقُولون- باعتبار اللفظ، وقد مَرَّتْ علينا هذه القاعدة غيرَ مرَّةٍ وقُلنا: إنه إذا جاء اسم الموصول أو اسم الشرط العامُّ للواحد والجماعة فإنَّه يجوز في ضميره أنْ يكون مجموعًا وأنْ يكون مفردًا، فإن رُوعِيَ اللفظ صارَ مفردًا، وإنْ رُوعِيَ المعنى صار بحسَب ما يُرادُ به في المعنى، وسواء كان ذلك في أسماء الشرط أو في الأسماء الموصولة. اللِّي عندنا الآن في الاسم الموصول.
في أسماء الشرط قال الله تعالى في سورة الطلاق: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَار﴾ هذا راعَى اللفظَ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ راعَى المعنى ﴿أبدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ﴾ [الطلاق ١١] راعَى اللفظَ؛ ففي هذه الآية مراعاةُ اللفظِ ثم مراعاةُ المعنى ثم مراعاةُ اللفظِ مرةً ثانيةً.
قال: (﴿لَيَقُولُنَّ﴾ حُذِفَتْ منه نونُ الرفعِ لتوالي النوناتِ، والواو ضمير الجمع لالتقاء الساكنين) وبَقِيَتْ الضمَّة -﴿لَيَقُولُنَّ﴾ - دالَّةً على الواو المحذوفة.
(﴿إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾ في الإيمان، فأشرِكونا في الغنيمة). أعوذ بالله، هؤلاء إذا أُوذُوا في الله ارتَدُّوا على أدبارهم ووافقوا مَن آذاهم، ولكنَّهم إذا أصاب المؤمنين نصرٌ قالوا: إنَّا كُنَّا معكم؛ يعني فنريد أن يَحْصُل لنا ما حَصَل لكم من الغنيمة. قال الله تعالى ردًّا عليهم: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ويش الجواب؟ بلى.
وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ﴾ قال المؤلِّف: (أي: بعالِمٍ). وسبق لنا أنَّ قوله هذا لا يُعتبَر تفسيرًا، ولكنَّه تحريف؛ لأنَّ (أعلم) أَبْلَغ من (عالِم)، فكيف يرُدُّها إلى (عالِم) وهو أنقص!
وقوله: ﴿بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ المراد بما في صدورهم أي: قلوبهم؛ يعني: أَعْلم بقلوب الناس؛ لأنَّ القلب محلُّه الصَّدْر، والقلب مَحَلُّ الإرادة، وفي هذا إن شاء الله دليلٌ على أنَّ مَحَلَّ التصديق والتكذيب هو القلب.
وقوله: (بما في قلوبهم من الإيمان والنفاق) الجواب: (بلى).
وعلى هذا فنقول لهذا الذي قال: إني معكم؛ نقول: لسْتَ معهم في الحقيقة؛ وذلك لأنَّك كافرٌ بالله عز وجل حينما ارتدَدْتَ لَمَّا أوذِيتَ.
* * *
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت ١١] ﴿لَيَعْلَمَنَّ اللَّه﴾ في المستقبل ولَّا في الماضي؟ في المستقبل؛ لأنَّ المضارع إذا دخلتْ عليه نون التوكيد جعلَتْهُ للمستقبل، والجملة هذه مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات؛ وهي القَسَم واللام ونون التوكيد، والمراد بالعِلم هنا الذي أكَّده الله وجعله مستقبلًا، أيش المراد بالعلم ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾؟
* طالب: عِلم المشاهدة.
* الشيخ: إي نعم، علم المشاهدة والْمُجازاة؛ لأنَّ الله تعالى عالِمٌ بالمنافق وبالمؤمن من قبْلِ هذا، لكن عِلمه السابق عِلمٌ بأنَّ هذا سيقع، وعِلمه اللاحِق عِلمٌ بأنَّه واقع، وثانيًا: عِلمُه السابق لا يترتَّب عليه الْمُجازاة؛ إذْ لا مُجازاة إلا بعد الاختبار، وعِلمه اللاحِق يترتَّب عليه الْمُجازاة، إذَنْ فكُلَّما رأينا أنَّ الله تعالى عبَّر في القرآن عن عِلْمه بالمستقبل فإننا نَحمِلُه على أيش؟ على عِلْم المشاهدة والمجازاة وليس على العلم السابق في الأَزَل؛ لأنَّ العِلْم السابق في الأَزَل هذا ثابِتٌ قبْل أنْ يُخْلَقَ الناسُ فضلًا عن كونه قبْل أن يعملوا، ولكنَّ العلم الذي يترتَّب عليه الْمُجازاة والمشاهدة ما كان بعد ذلك ووقع.
(﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بقلوبهم). قال المؤلِّف: (بقلوبهم) يعني: لا بألْسنتهم، والذي سبَقَ ذكره ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ هذا إيمانٌ باللسان، ولكنَّ هذا الإيمان باللسان لا ينفعهم عند الله، صحيحٌ أنه ينفع في الدنيا، ولهذا لم يَقتُل النبيُّ ﷺ المنافقين مع عِلمه بهم، لكنَّه امتنع من ذلك لأنَّ ظاهِرهم الإسلام، ولو أنَّه قتلهم لكان في ذلك وسيلة إلى أن يُقتل المسلمُ بِحُجَّة أنه منافق، مع أنَّ قلْبه لا يعلمه إلَّا الله، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٠٥) ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر بن عبد الله. ]]. والحمد لله أنَّ هذا مقتضى الشرع؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان كلُّ واحدٍ من الوُلاةِ الظَّلَمةِ في عصرنا هذا يرى شخصًا متديِّنًا يقول: إنه مُنافِق ومُراءٍ وهو كافرٌ في الباطن. ثم يقتله، ولكن مِن نعمة الله سبحانه وتعالى أنَّ الشرع جَعَل الحكْم في هذه الدنيا على الظواهر، أمَّا في الآخرة فعلى السرائر.
﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ (فيُجازِي الفريقين). المؤمن يُجازيه جزاءَ المؤمنِ، والمنافق يُجازيه جزاءَ المنافق، وجزاءُ المنافق أنَّه في الدَّركِ الأسفلِ من النار والعياذ بالله؛ ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء ١٤٥].
قال: (واللام في الفِعْلينِ لام قَسَمٍ). أين الفعلان؟ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ ﴿لَيَعْلَمَنَّ﴾، ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ الثانية، فهي لامُ قَسَمٍ، فالجملة على هذا مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّداتٍ.
* طالب: معنى قوله تعالى: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ (...)؟
* الشيخ: يحتمل هذا أو كعذاب الله الذي يعلمه الله، يعني جعلوه كأنَّه عذاب، وإنْ كانوا هم ما يُصدِّقون بهذا.
* * *
(...) * أولًا: وجوب الإحسان إلى الوالدَيْنِ في القول والفعل والمال.
* ثانيًا: إثبات رحمة الله سبحانه وتعالى؛ حيثُ وصَّى الإنسانَ بوالديه.
* ثالثًا: أنَّ للوالدَيْنِ حقًّا وإنْ كانا كافرَيْنِ، من أين نأخذه؟
* طالب: ﴿جَاهَدَاكَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾، فهُمَا مشركانِ ويجاهدانِ أيضًا بأن يُشرِك، ومع ذلك أوجَبَ اللهُ لهما الإحسانَ.
* ومن فوائدها: أنَّه لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصية الخالق؛ لقوله: ﴿فَلَا تُطِعْهُمَا﴾.
* ومن فوائد الآية: وجوب طاعتهما في غير المعصية؛ لأنَّه إنما نهى عن طاعتهما في المعصية.
وهنا انتبهوا يا جماعة؛ لأنَّ هذه قد تحتاج إلى مناقشة؛ يُقال نُهِيَ المرءُ عن طاعة الوالدَينِ في الشِّرك وسُكِتَ عن طاعتهما في غير الشِّرك.
خلُّونا نجعلها المعصية أعمّ؛ نُهِيَ عن طاعتهما في المعصية وسُكِتَ عن طاعتهما في غير المعصية، أو لا؟ المنهي عنه (...) يا جماعة، المنهي عنه طاعتهما في المعصية، طاعتهما في غير المعصية مسكوتٌ عنها؛ نشوف:
طاعتهما في الواجب واجبة؛ لأنَّ الله أوجبها؛ مثل إذا قال والدك لك: قم صَلِّ مع الجماعة. وجَبَ عليك أن تصلي.
طاعتهما فيما ليس فيه طاعةٌ ولا معصيةٌ هلْ تدُلّ الآيةُ على الوجوب أو ما تدلُّ على الوجوب؟
ما تدلُّ على الوجوب، ولكن إنْ كان في طاعتهما إحسانٌ إليهما فإنَّ الآية تدُلُّ على الوجوب؛ لقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، فإنْ لم يكنْ في طاعتهما إحسانٌ إليهما فالآية لا تدُلُّ على الوجوب، ولهذا قال شيخ الإسلام: إنَّ طاعة الوالدَيْنِ إنَّما تجب فيما لهما فيه منفعةٌ وليس عليه فيه مَضَرَّةٌ. الآية تدُلُّ على ما قاله الشيخ؛ لأنَّ الله نهى عن طاعتهما في المعصية وسكتَ عن طاعتهما في غير المعصية.
نشوف؛ طاعتهما في غير معصيةٍ إنْ كانتْ تتضمَّن الإحسانَ إليهما فهي واجبة؛ لقوله: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، فإذا أمَرَك أبوك مثلًا أن تذهب وتشتري من السوق حاجةً كان ذلك واجبًا عليك؛ لأنه من الإحسان إليه، فيجب عليك أن تفعل.
إذا أمَرَك أبوك ألَّا تُصاحِبَ فلانًا لأنَّه مستقيم، يجب عليك ولَّا ما يجب؟
* الطلبة: ما يجب.
* الشيخ: ما يجب؛ لأن في ذلك مَضَرَّة أو على الأقل عدم (...) لكن ليس فيه منفعةٌ له.
إذا قال: لا تُصاحِبْ فلانًا. لأنَّ فلانًا بينه وبينه عداوةٌ شخصيةٌ، وأنت ما لك منفعة من مصاحبته ولا عليك مَضَرَّة، تجب طاعته؟ نعم، تجب طاعته؛ لأنَّ مصاحبتك لعدوِّ أبيك هذا تغيظ أباك، فيكون في ذلك منفعة.
فالمهم الآن أننا نقول: القاعدة في هذا الأمر أنَّهما إذا أمَرَاك بمعصية تطيعهم ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: طيب، لو قال لك أبوك: لا تَحُجَّ هذا العام. وأنت قادِرٌ على الحج بمالك وبَدَنِك ولم تؤدِّ الفريضةَ، تطيعه ولَّا لا؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: ما تطيعه، يجب عليك وجوبًا أنْ تحجَّ ولو كان لا يرضى.
طالب : (...).
* الشيخ: إذا كان محتاجًا فهُنا يُنظَر؛ إذا كان ما فيه أحدٌ يقوم مقامَك وهو مُضطرٌّ إليك فارجع؛ لأنَّ الحجَّ يسقط عنك في هذا الحال.
إذا أمَرَك بألَّا تحُجَّ هذا العامَ حَجَّ نفْلٍ وهو ما له مصلحةٌ من هذا، بس يقول: يا ولدي الْحُجَّاج كثير (...). ما تجب الطاعة، لكن تجوز الطاعة؛ لأنَّها ما هي بفريضةٍ، وإذا قُلنا: تجوز ولا تجب، فحينئذٍ ينبغي للإنسان أن ينظر ماذا يترتَّب على سَفَره، قد يكون الوالد ما يستطيع أن يستقِرَّ وولدُه قد سافر إلى هذا الجمْع الكثير ويبقى قلِقًا مُدَّة غياب ولده، فهُنا ويش يترجح؟ الطاعة وعدم السفر، أمَّا إذا علِمْنا أنه لا يُبالِي ولكنه مثلًا من باب المشورةِ ولَّا ما هو متأثر، فحينئذٍ ما تجب طاعته في هذا الأمر، إلا أنَّه ينبغي مُداراته ما أَمْكن.
* طالب: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك.
* الشيخ: إذا قال: طلِّقْ زوجتَك، ما يجب عليك أن تجيبه إلَّا إذا كان في ذلك مصلحةٌ شرعيَّةٌ؛ مثل أنْ يكون الأب اطَّلَع على أمْرٍ ما يتحمَّل أن تبقى زوجتك معك من أجْله.
* طالب: (...).
* الشيخ: بينه وبينها عداوةٌ شخصيَّةٌ، ما يجب عليك، لكنْ مثل هذا تستطيع تُدارِيه بنقْلها إلى مكانٍ آخر، تبعد عنه ويستريح هو وتستريح هي.
وأمَّا فِعْل ابن عمر مع أبيه فهذا أُورِدَ على الإمام أحمد لَمَّا سأله رجلٌ عن الرجل يأمر أو أنَّ أباه أمَرَه بأن يُطَلِّق زوجتَه، قال: لا تُطَلِّقْها. قال: أليس عُمَر أمَرَ ابنَ عُمَر أنْ يُطلِّق زوجتَه فأمَرَه النبي ﷺ بتطليقها؟! قال: بلى، حَصَلَ هذا، ولكنْ هل أبوك عُمَر؟
ويش قال؟ لا ولا أيوه؟ طبْعًا: لا، ليس هو عُمَر.
إذَنْ الآية الكريمة تدُلُّ على تحريم طاعتهما في المعصية، وسكتَتْ عن طاعتهما في غير المعصية، وعلى هذا فلا تجبُ طاعتُهما إلَّا إذا كان داخلًا في أوَّل الآية، ويش هو؟ إذا كان إحسانًا إليهما؛ إذا كان في ذلك إحسانٌ إليهما كانت واجبة بقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، ما يجب عليه الإجابة (...).
* يُستفاد من هذه الآية: وجوب طاعتهما في غير معصية الله إنْ كان ذلك من الإحسان إليهما.
* من فوائد الآية: أنَّ حقَّ الله أَعظمُ من جميع الحقوق. وهلْ يدخُل في ذلك حقُّ نبِيِّه؟ نعم، يدخل فيه؛ فحقُّ النبي عليه الصلاة والسلام عليك أَعظمُ من حقِّ والِدَيْك.
* ومن فوائد الآية: أنَّ الإشراك بالله ما يُمْكن أن يقومَ عليه دليلٌ، بلْ الأدلَّة كلها على خِلافِه وبُطْلانه.
* ومنها: إثبات البعث والرجوع إلى الله؛ لقوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ الإنسان مجازًى بعَمَلِه؛ لقوله: ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.
* ومنها: إثبات عِلْم الله. من أين نأخذه؟ ﴿فَأُنَبِّئُكُمْ﴾؛ لأنَّ الإنباء هو الإخبار، ولا يكون إخبارٌ إلا عن عِلْم.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
* من فوائد الآية: فضيلة الإيمان والعمل الصالح.
* ومن فوائدها: أنَّه يُتوصَّل بهما إلى اللُّحُوق في الصالحين؛ لقوله: ﴿لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّ الإيمان وحده لا يَكْفي في اللُّحوقِ بالصالحين.
* ومنها: أنَّ العمل لا ينفع إلَّا إذا كان صالحًا، وهو ما جَمَع شَرْطَيِ الإخلاص لله والمتابعة للرسول ﷺ.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾.
* من فوائدها: أنَّ الإيمان باللسان لا ينفع.
* ومنها: حِكْمةُ الله تعالى في ابتلاء المرْءِ بإيذاء الناس له بإيمانه.
* ومن فوائد الآية: أنَّ الابتلاء هو الْمَحَكُّ الذي يتبيَّن به الصادق مِن غيره، وإلَّا لكان كلُّ الناس يقول: أنا مؤمن.
* ومنها: أنَّ مَن لم يرسخ الإيمان في قلْبه رجَعَ عنه إذا أُوذِي فيه.
* ومنها: أنَّ المنافقينَ يَدَّعون مشاركة المؤمنينَ عند الرَّخاء ويُفارقونهم في الشدائد.
* طالب: عند الرخاء (...).
* الشيخ: عند الرخاء عام (...) مِن باب أَوْلَى، ويُفارقونهم عند الشدائد؛ إذا أُوذُوا في الله ارتدُّوا.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أنَّ النصر من عند الله.
* ومنها: التحذير من النفاق؛ لقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾.* من فوائد الآية في قوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ﴾: أنَّ الحكمة من الامتحان إظهار المؤمن من المنافق.
* ومنها: إثباتُ النِّفاق؛ لقوله: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾.
* ومنها: أنَّ المنافقين ليسوا بمؤمنين، من أين نأخذه؟
جَعَل المنافقين قَسِيمًا للمؤمنين، وقَسِيمُ الشيء خلاف الشيء.
* ومنها: إثبات عِلم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب.
* ومنها: أن الإيمان محلُّه القلب وليس الجوارح؛ إذ لو كان الجوارحَ لكان المنافقون مؤمنين، الإيمان محلُّه القلب.
29:9Page 397
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُدۡخِلَنَّهُمۡ فِي ٱلصَّٰلِحِينَ ٩
And those who believe and do righteous deeds - We will surely admit them among the righteous [into Paradise].
No commentary for this ayah
29:10Page 397
وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ فَإِذَآ أُوذِيَ فِي ٱللَّهِ جَعَلَ فِتۡنَةَ ٱلنَّاسِ كَعَذَابِ ٱللَّهِۖ وَلَئِن جَآءَ نَصۡرٞ مِّن رَّبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمۡۚ أَوَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠
And of the people are some who say, "We believe in Allāh," but when one [of them] is harmed for [the cause of] Allāh, he considers the trial [i.e., harm] of the people as [if it were] the punishment of Allāh. But if victory comes from your Lord, they say, "Indeed, We were with you." Is not Allāh most knowing of what is within the breasts of the worlds [i.e., all creatures]?
No commentary for this ayah
29:11Page 397
وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيَعۡلَمَنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ ١١
And Allāh will surely make evident those who believe, and He will surely make evident the hypocrites.
No commentary for this ayah
29:12–13Page 397
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّبِعُواْ سَبِيلَنَا وَلۡنَحۡمِلۡ خَطَٰيَٰكُمۡ وَمَا هُم بِحَٰمِلِينَ مِنۡ خَطَٰيَٰهُم مِّن شَيۡءٍۖ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ١٢
And those who disbelieve say to those who believe, "Follow our way, and we will carry your sins."1 But they will not carry anything of their sins. Indeed, they are liars.
وَلَيَحۡمِلُنَّ أَثۡقَالَهُمۡ وَأَثۡقَالٗا مَّعَ أَثۡقَالِهِمۡۖ وَلَيُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَمَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ١٣
But they will surely carry their [own] burdens and [other] burdens along with their burdens,1 and they will surely be questioned on the Day of Resurrection about what they used to invent.
قال الله تعالى: (﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ [العنكبوت ١٢] دِيننا). يعني: طريقنا، السبيل بمعنى الطريق، وهذه من الدعايات والدعوة إلى الباطل؛ يقول الكفار للمؤمنين الذين آمنوا بالرسول ﷺ: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أي: طريقنا، وهو الشرك.
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ اللام لام الأمر، والمراد به الخبر؛ يعني: ونحن نَحمِل خطاياكم. وإنما جعلوا الخبر بصيغة الأمر لإظهار الالتزام لهم بذلك، إظهار التزام مَن؟ الكافرين للمؤمنين بذلك؛ يعني بَدَل ما يقولون: ونحن نحمل، كأنَّهم يقولون: ونُلْزِم أنفسَنا بذلك، نلزِمُها فنوجِّه الأمرَ إليها.
﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ الخطايا جمع خطيئة، وهي ارتكاب الإثم؛ يعني أنَّ ارتكابكم الإثمَ نحن نتحمَّله.
(﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ في اتِّباعنا إنْ كانت، والأمر بمعنى الخبر).
وقوله: (إنْ كانت) إنما قدَّرها المؤلِّف لأنَّ هؤلاء المشركين الذين دعَوْا إلى متابعتهم لا يعتقدون أنهم على خطأ، فهُمْ يقولون للمؤمنين: اتَّبعوا سبيلنا، وإنْ كان لكم خطايا بهذا الاتِّباع فإننا نتحمَّلها. فالتقدير الذي ذكره المؤلِّف واضحٌ من الآية؛ لأنهم لو كانوا يعتقدون أنهم إذا رجعوا إلى الشرك أو إذا دخلوا في الشرك كانوا مُخْطئين لكانوا ما دعَوْا إلى الشرك، فقولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ يعني: إن كان لكم خطايا بدخولكم في الشرك فإننا نتحمَّله.
تَضَمَّنَ هذا الكلام دَعْوةً ودِعايةً؛ الدعوة: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾، والدِّعاية بتزيين هذا الأمر لهم؛ قولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ يعني: ما عليكم شيء.
قال الله تعالى مكذِّبًا لما ادَّعَوْه: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾ (ما) نافيةٌ، وهي هنا حجازيَّة، ودخلتْ الباء في خبرها على حدِّ قول ابن مالك:
وَبَعْدَ (مَا) وَ(لَيْسَ) جَرَّ الْبَا الْخَبَرْ ∗∗∗ ............................
فهُنا بعد (ما) قال: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾، وإنما أتى بالباء الزائدة إعرابًا لتأكيد النفي؛ أي أنَّ هذا أمرٌ مُؤَكَّد؛ ﴿مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ حرف جرٍّ زائدٌ أيضًا، وفائدة زيادتها تأكيد العموم؛ سواء كان هذا الشيءُ قليلًا أو كثيرًا.
وأمَّا قوله: ﴿مِنْ خَطَايَاهُمْ﴾ فإنَّه في موضع نصْبٍ على الحال مِن ﴿شَيْءٍ﴾؛ لأنَّ الوصفَ إذا سَبَقَ النَّكِرة صار حالًا منها، وإنْ تأخَّر صار نعتًا.
يقول: ﴿مَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما هُمْ حاملِينَ شيئًا من خطاياهم، وهلْ هذا خَبَرٌ عن حُكمٍ شرعيٍّ أو عن حُكمٍ شرعيٍّ قَدَريٍّ؟
أمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ شرعيٍّ فنَعَمْ؛ ما يُمْكِن يحمِل هؤلاء من خطايا هؤلاء شيئًا لقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤]، وأمَّا كَوْنُه عنْ حُكمٍ قَدَريٌّ أيضًا فلأنَّ هؤلاء لو قالوا لهم فهُمْ كاذبون؛ لو قالوا: نَحمِل خطاياكم، فإنَّهم كاذبون في ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة ١٦٦]، فهُمْ لو قالوا ما هُمْ بحاملين، فكأنَّ الله تعالى يُكذِّبُهم؛ يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ﴾ أي إنهم ما يَصْدقون فيما قالوا، فصارتْ الآن هذه الآية متضمِّنةً للنفي حُكمًا شرعيًّا وللنفي حُكمًا واقعيًّا؛ فهُمْ في الشرع لا يَحمِلون أوزارهم، وهُمْ في الواقع لا يَحمِلون أوزارهم أيضًا، لو قالوا ما صَدَقوا، ما هُمْ بحاملين من خطاياهم، ولكنْ يريدون أن يخدعوهم ويغرُّوهم، وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، إنَّهم لكاذبون في أيش؟ في قولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾، كاذبون في هذا، لو قالوا ما يَصْدقون، كما أنَّه بالنسبة إلى الله عز وجل ما يُمْكِن أن يُحَمِّل أوزار هؤلاء لهؤلاء؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤]. ولَمَّا كان قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ قد يُوهِم أنهم لن يُحَمَّلُوا شيئًا من أوزارهم؛ أي: لن يُحَمَّل الدعاةُ شيئًا من أوزار المدْعُوِّين، قال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣] ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ﴾ الفاعل مَن؟ الدُّعاة أو المدعُوُّوُن؟ الدُّعاة؛ ﴿ولَيَحْمِلُنَّ﴾، والجملة هذه مؤكَّدة بالقَسَم واللام والنون.
(﴿أَثْقَالَهُمْ﴾: أوزارهم)؛ يعني عُقُوبة الذنوب وسُمِّيَت الأوزار أثقالًا؛ لأنها تُثْقِلُ -والعياذ بالله- صاحبَها، وقوله: ﴿أَثْقَالَهُمْ﴾ الضمير في (هم) يعود إلى الدَّاعين أو إلى المدعُوِّين؟ إلى الدَّاعين؛ يعني: لَيَحْمِلَنَّ هؤلاء الدُّعاة أثقالَ أنفسِهم، أيضًا ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ أثقالًا أُخْرى مع أثقالهم، ويش الأثقال الأخرى؟ أثقال دَعْوتِهم؛ قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥] فهُمْ يحملون أثقالهم كاملةً، أمَّا أثقال المدعُوِّين ما يحملونها كاملةً، لو حملوها كاملةً ما بقي للمدعُوِّين شيءٌ، ولهذا هنا قال: ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ﴿أَثْقَالًا﴾ بالنكرة، وفي الآية الثانية قال: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾؛ وذلك لأنَّ الدَّاعي لا يتحمَّل وِزْر المدعُوِّ كاملًا، لو تحمَّله كاملًا ما بقي للمدعُوِّ شيءٌ، ولكنَّه يكون لهذا ولهذا والعياذ بالله.
﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ لدعْوتِهم إلى الضلال، وكلُّ مَن دعا إلى ضلالة فله مثلُ وِزْر مَن عمِل بها مِن غير أن ينقُص من أوزارهم شيء.
(﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ بقولهم للمؤمنين: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾، وإضلالِهم مقلِّديهم). ويش المقَلِّدون؟ الذين اتَّبعوهم؛ لأنَّ الكفار رؤساء ومقلِّدون؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ [القصص ٤١]، والإمام له مأمومٌ أو لا؟ له مُؤْتَمٌّ به يتبَعُه، فالكفار لهم رؤساء ولهم مقلِّدون، فهؤلاء المقلِّدون يَحمِل الرؤساء من أوزارهم ما يتحمَّلونه، وكذلك من أوزار الذين يدْعونهم بغير عِلم، لكنْ إذا دَعَوْا شخصًا ولم يَقْتدِ بهم فإنهم يحملون أوزار الدعوة فقط دون وِزْر العَمَل، والسبب لأنَّه ما فيه عَمَل.
﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت ١٣]
﴿لَيُسْأَلُنَّ﴾ مَنْ يسألهم؟ الله سبحانه وتعالى.
﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يعني: في الآخرة، وقد تقدَّم أنه سُمِّي بذلك لأمورٍ ثلاثة وهي: قيامُ الناس من قبورهم، وإقامة العدل، وقيام الأشهاد؛ فإنَّ الأشهاد يقومون في ذلك اليوم، ويُقام فيه العدلُ، ويقوم الناس من قبورهم.
* طالب: ما المقصود بالأشهاد.
* الشيخ: الأشهاد: الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام، وكذلك غيرُ الرُّسُل من العلماء، وكذلك الجُلُود والألْسُن.
﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أيش معنى ﴿يَفْتَرُونَ﴾؟ (يَكْذبون على الله)؛ لأنَّهم قالوا: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ وهم كاذبون في هذا ولَّا لا؟ كاذبون، فسيُسْألون عن هذا الكذب، وكذلك كلُّ دَجَّالٍ يدعو إلى باطله بالكذب سيُسْأل عن هذا الكذب.
﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ قال المؤلِّف: (سؤال توبيخ). ولَّا سؤال استخبار؟
* الطلبة: توبيخ.
* الشيخ: سؤالُ توبيخٍ، نَعَم؛ لأَجْل أنْ يُقِرُّوا؛ ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ﴾ ويش الجواب؟ ﴿قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (٩) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِير﴾ [الملك ٨ - ١١].
قال المؤلِّف: (واللامُ في الفِعْلَيْنِ لامُ قَسَمٍ، وحُذِفَ فاعلُهما الواوُ ونونُ الرفع).
اللام في الفعلين؟
* طالب: ﴿لَيُسْأَلُنَّ﴾.
* الطلبة: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾، والثاني ﴿ولَيُسْأَلُنَّ﴾؛ فاللام لام القَسَم، والقَسَم مقدَّر، والنون للتوكيد، فصار التأكيد بكَمْ؟ بثلاثة، وحُذِف فاعلُهما الواو ونون الرفع، نون الرفع حُذِفت ليش؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، ما فيه جزم. يقولون: لتوالي الأمثال؛ لأنَّ ثلاث نونات اجتمعْنَ وكُلُّهنَّ زائدات ما يصير، فحُذِفتْ النون الأُولى لتوالي الأمثال، ولم تُحذَف نون التوكيد لأنه جِيءَ بها لِمعنًى، فكان الحذف لنون الرفع التي جَرَت العادة أن تُحذَف.
وقد عَلِمْتم أنَّ الأفعال الخمسة تُحذَف نونها وجوبًا في حال النصْب والجزم، وجوازًا بكثرةٍ في حال النفي، وجوازًا بقِلَّة في حال الإثبات.
الواو لماذا حُذِفتْ؟
* طالب: للتخفيف.
* الشيخ: للتخفيف؟! خطأ.
* طالب: لالتقاء الساكنَيْنِ.
* الشيخ: وين الساكنان؟ النون المشدَّدة أوَّلها ساكنٌ، والواو ساكنة، فحُذِفتْ الواو لالتقاء الساكنَيْنِ، فنون الرفع حُذِفتْ لتوالي الأمثال، والواو حُذِفتْ لالتقاء الساكنَيْنِ على حدِّ قول ابن مالك في الكافية، كرَّرْناه عِدَّة مرَّات، البيت مَن الذي يحفظه؟
* طالب:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ ............................
* الشيخ:
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَـــــــــــقْ
نعم، هذه قرأتها كَم من مرة هذا الأسبوع فقط.
إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ ...........................
﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة ١] كسرناها.
............................ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُنْ لَيْنًا فَحَذْفَهُاسْتَحَـــــــــــقْ
اللَّين: الواو أو الألِف أو الياء؛ فإنَّه يستحقُّ الحذفَ (فحذفَه استحق).
* طالب: النصارى يحملون (...).
* الشيخ: لا، الرسول ﷺ احترَزَ؛ قال: «مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، يدخلون في هذا (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) هذه نَذكُرها في الفوائد إن شاء الله في الدرس القادم.
* طالب: يا شيخ، القاعدة في طاعة الوالدين.
* الشيخ: القاعدة: ألَّا تكون في معصية الله وأنْ تكون من الإحسان إليهما.
* طالب: وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
* الشيخ: إي نعم، وألَّا يكون عليه مَضَرَّة.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...). ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ إلى آخره.
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: حِرْصُ الكافرين على إغواء المؤمنين؛ لقولهم: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ أولئك الضالِّين يستعملون أساليبَ الدِّعاية الباطلة؛ من قولهم: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾؛ فإنَّ هذا من الدِّعاية الباطلة.
* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء الدُّعاة إلى الضلال كاذبون فيما التزموا به من حَمْل الخطايا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية: أنَّ مَن كَفَر هان عليه ما دُون الكُفر، هؤلاء كفروا فهان عليهم الكذب أن يقولوا: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: الحذر من دعوة أهل الضلال ودعايتهم، وأقصد بالدعاية تزيينَ ما دَعَوْا إليه وتسهيلَه في نفوس المدعُوِّين، فيجب علينا أن نَحْذر من هؤلاء.
* ومن فوائد الآية أيضًا: تقرير قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾.
* ومن فوائد الآية: إثبات عِلم الله؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾؛ لأنَّه خَبَرٌ عن أمرٍ واقعٍ في المستقبل.
* ومنها أيضًا: إثبات عدل الله؛ حيث لا يُحَمِّلُ أحدًا خطيئةَ أحد.
أمَّا قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
* ففيه دليلٌ على أنَّ الدُّعاة إلى الشر عليهم من أوزار المدعُوِّين؛ لقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
* ومنها: أنَّ الدُّعاة إلى الخير لهم مثل أجر المدعُوِّين، منين نأخذه؟
لأنَّه إذا كان الداعي إلى الشر يناله من العقوبة -وهذا من العدل- فإنَّ الداعي إلى الخير يناله من الأجر؛ لأنَّ الله تعالى ذو الفضل العظيم، فإذا كان الله يعاقب مَن دعا إلى ضلالة فكيف لا يُثِيب مَن دعا إلى هُدى؟!
* ومنها: خطورة الدعوة إلى الضلال؛ حيث إنَّ كُلَّ مَن تأثَّر بهذه الدعوة فإنَّ على الداعي مثلَ وِزره، أو مِن وِزره؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥].
* ومن فوائد الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ﴾.
* ومنها: إثبات سؤال هؤلاء عن أعمالهم السيِّئة؛ لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾، وقد عرفتم الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص ٧٨] وبين قوله هنا: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.
* ومنها: أنَّ الكذب يُعاقَب عليه المرء؛ لقوله: ﴿عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾؛ يعني: عن الذي كانوا يفترونه، إلَّا الكذب المباح، الكذب المباح ما عليه عقوبة، لكن الكذب غير المباح عليه عقوبة.
وهناك مَن يقول من الناس: إنَّ الكذب نوعان: أبيض وأَسْود؛ فالأسود هو اللي عليه العقوبة، والأبيض لا عقوبة عليه. والحقيقة أنَّ الكذب كُلَّه أَسْود ما فيه أبيض، هم يقولون: الأَسْود ما فيه أكْلُ مالٍ للغير أو اعتداءٌ عليه أو انتهاكٌ لعِرضه؛ يعني ما فيه مَضَرَّة على الغير، فهذا أَسْود، وأمَّا ما فيه الترويح عن النفس والإصلاح وما سوى ذلك فهذا أبيض. هذا ما هو بصحيح، بلْ وَرَدَ الوعيد على مَن كَذَب ليُضحِك به القوم[[أخرج أبو داود (٤٩٩٠) والترمذي (٢٣١٥) كلاهما من حديث معاوية بن حيدة -واللفظ للترمذي- قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «وَيْلٌ لِلَّذِي يُحَدِّثُ بِالْحَدِيثِ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ فَيَكْذِبُ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ».]]، الإنسان يجب عليه أن يتجنَّب الكذب كُلَّه، والأصل أنه حرامٌ.
* طالب: قلنا الآن: إن الداعين إلى الضلالة (...) المدعُوِّين (...)، يكون للداعين مثله.
* الشيخ: نعم، مِمَّا تأثَّروا به من دعوتهم، أمَّا الأعمال السيِّئة الأخرى ما عليهم منها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، عليهم من وِزرهم، لكنْ لو عمِلوا شيئًا ما له دخْلٌ في الدعوة ما يصير على أولئك شيء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences