Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:28–34, continued
* الطالب: قول الرجل للرسول ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟ قُلْ: مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»[[أخرجه أحمد (١٨٣٩) من حديث ابن عباس بلفظ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ عِدْلًا».]].
* الشيخ: صح؛ ولأن التعليل يقتضي أن يجعل هذا السبب مساويًا لله عز وجل، طيب هذا الحكم لا يجوز، لكن يكفي أن نقول: لا يجوز؟
* طالب: لا شرك، قد يكون أكبر، وقد يكون أصغر.
* الشيخ: أكبرا، أكبرا بالتنوين، لا لا إنما نمشي على الكلمة الأولى بدون تنوين، وقد يكون أصغر بحسب ما قام بقلب هذا الْمُشَرِّك، إنما هو شرك على كل حال.
إذا كان مضافًا إلى سببه مع الله بـ (ثم) فما حكمه؟
* طالب: جائز.
* الشيخ: جائز؟ ما الدليل؟
* الطالب: قل: ما شاء الله ثم شاء.
* الشيخ: وينه؟
* الطالب: ثم.
* الشيخ: أبغي الدليل، لو أَثَر ما يخالف، من يحفظ؟
* طالب: يعني (ثم) تدل على دليل لازم.
* الشيخ: لا، نبغي دليلًا. فيه حديث قُتَيْلَة الرؤيا التي رآها رجل من المسلمين مع رجل.
* طالب: النبي عليه الصلاة والسلام قال لهم: «قُولُوا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ شَاءَ مُحَمَّدٌ»[[أخرجه النسائي (٣٧٧٣) من حديث قتيلة بلفظ: «مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ».]].
* الشيخ: نعم.
* الطالب: حديث ابن عباس.
* الشيخ: وحديث ابن عباس أَثَر.
فنقول: هذا دل عليه حديث قُتَيْلَة، وفيه إن شاء الله بيجينا في التوحيد، ونشوف عن صحته من عدم صحته، وكذلك أثر ابن عباس، وهو مشهور، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة ٢٢].
ثم التعليل أن (ثم) تدل على تأخر المعطوف عن المعطوف عليه تأخُّرًا مباشرًا، ولَّا كثيرًا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: كثيرًا؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب بمهلة.
إذا قرنه مع سببه بالفاء، أيش تقول؟
* طالب: ترددنا فيها.
* الشيخ: نعم، ما وجه التردد؟
* طالب: لأن الفاء للتعقيب المباشر فمن حيث إنها للتعقيب تكون جائزة.
* الشيخ: تخالف الواو.
* الطالب: ومن حيث إنها مباشرة للتعقيب المباشر..
* الشيخ: تخالف (ثم)، و(ثم) ورد جوازها، والواو ورد منعها، وهذه وسط، قلنا: فالأَوْلَى للإنسان تركها، وأن يعدل إلى أشياء ما فيها إشكال.
* من فوائد الآية: أن الزوجة داخلة في الأهل، من أين تؤخذ؟
* الطالب: من قول الملائكة: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، ثم استثنوا من ذلك امرأته.
* الشيخ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾، لو قال قائل: هذا الاستثناء منقطع فلا يدل، ما الجواب؟
* طالب: ما هو الاستثناء المنقطع؟
* الشيخ: إي نعم، المنقطع يكون مستثنى من غير جنس المستثنى منه، فلو قال قائل هذا لو عارضنا بها؟
* الطالب: هذا من جنس المستثنى.
* الشيخ: إيه؟ يقول: ليس من جنسه، يقول: ما هو من الأهل.
* الطالب: الأصل في الاستثناء الاتصال.
* الشيخ: صح.
* الطالب: إذن على المدعي الدليل.
* الشيخ: هذا هو الصحيح، الأصل في الاستثناء الاتصال؛ لأنه لولا أنه من المستثنى ما احتيج إلى إخراجه، فهو الأصل.
* ينبني على هذه الفائدة فائدة: وهي أن أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من أهل بيته؟ نعم من أهل بيته، ولا شك، خلافًا للرافضة الذين يُخْرِجون زوجاته من أهل بيته.
وفي القرآن ما يدل على ذلك صريحًا؛ أن أزواج الرسول ﷺ من أهل بيته، منين؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب ٦].
* الشيخ: لا، لا، السؤال: من القرآن ما يدل دلالة صريحة على أن زوجات الرسول ﷺ من أهل بيته.
* الطالب: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود ٧٣].
* الشيخ: لا هذه في إبراهيم.
* طالب: في آية الحجاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب ٥٩]، وفي الآخر خالص في آخرها: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب ٣٣].
* الشيخ: ما هي في الآية هذه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إلَّا، هو جاب آية الحجاب.
* طالب: لا لا قال: آية التبرج.
* الشيخ: آية التبرج.
* طالب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب ٢٨]، إلى قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب ٣٢]، ثم ختم الله تعالى الآية بقوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣].
* الشيخ: إلى أن قال: ﴿أَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب ٣٣] هذا واضح وصريح.
* من فوائد الآية الكريمة: أن الاتصال بالصالح لا يستلزم أن يكون المتصل صالحًا، صحيح أن الاتصال بالصالح من أسباب الصلاح، لكنه ليس بلازم، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾، كانت مصاحبة له.
* الشيخ: نبغي الآية، ما نبغي تعليلًا.
* طالب: ﴿كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾، فكانت من الهالكين، أو الباقين في الهلاك، مع أنها امرأة رجل صالح نبي من الأنبياء، فلا تُدِلُّ الزوجة على ربها بصلاح زوجها، وتجدون هذه المسألة جاءت في قصة التحريم، أو لا؟ سورة التحريم، لأجل ألَّا تُدِلَّ زوجات الرسول عليه الصلاة والسلام على الله بكونهن زوجات للنبي.
* طالب: شيخ، امرأة لوط في الغابرين، أما امرأة نوح لا يمكننا ذكر الآيات أن الغابرين غرق زوجة نوح..
* الشيخ: لأن نوح -والله أعلم- أنه ما بقي أحد إلا هلك، ولا ندري هل بقيت هي إلى أن هلك الناس بالغرق؟ ما ندري.
* طالب: (...) أنها فيها رد على من قال أن امرأة نوح خرجت معه ثم (...).
* الشيخ: إي نعم، ويكون قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ [هود ٨١] ليس مستثنى من قوله: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ﴾، بل مستثنى من الجملة التي قبلها.
* طالب: هذا لا يعارض هذا؟ لأنه ممكن تكون إذا التفتت ستكون من الغابرين، يعني هو قدر أو سبب كونها من الغابرين الالتفات، يعني ليس تعارضًا؟
* الشيخ: يعني الرد ما هو بواضح؟ على كل حال الرد واضح جدًّا، وهذه مرَّت علينا أظن، ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، وذكرنا خلاف العلماء هل هو مستثنى من الجملة الأخيرة، ولَّا من الأولى.
* طالب: شيخ، هل هنا إضافة العلم إلى النفس ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾، ما قالوا: بعد الله؟
* الشيخ: هذه فائدة لا بأس، لكن كلنا يعرف أن الإنسان يعلم.
* طالب: فائدة نحوية يا شيخ.
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: جواز تقدُّم خبر (إن) إذا كان جارًّا ومجرورًا.
* الشيخ: لا، هذه ما هي محل إشكال، هذه مثل: الأرض تحتنا، والسماء فوقنا، ما فيها إشكال.
* طالب: شيخ، ورد حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع فاطمة وعليًّا والحسن والحسين، وقال: «اللَّهُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي فَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا»، قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِكَ؟ قَالَ: «أَنْتِ عَلَى خَيْرٍ».[[أخرجه الترمذي (٣٢٠٥) من حديث عمر بن أبي سلمة.]]
* الشيخ: نعم، أَكِّد هذا الحديث ونشوف لفظه، وإلا الآية صريحة، ويصير المعنى إن ثبت هذا هو آل بيته من قرابة.
* فيها إذن -في الآية من الفوائد-: جواز القسم بدون استقسام، من أين تؤخذ؟ ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ﴾ كذا .
* ومن فوائدها أيضًا: اعتبار القسم المقدَّر، بمعنى أنه لا يُشتَرَط في القسم أن ننطق به، لو قال قائل: لأفعلنَّ كذا هل يكون مُقْسِمًا؟ نعم، يكون مقسمًا؛ لأن المعروف أن هذه الجملة تكون جوابًا لقسم مقدَّر، فيكون مُقْسِمًا، ولو قال: لئن آتاني الله من فضله لأصَّدَّقَنَّ، يكون ناذرًا؟
قال الله وعز وجل: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ﴾ [التوبة ٧٥،٧٦ ]، فجعل هذا نذرًا، وذلك لأن النذر ليس له صيغة معينة، كل ما دل على الالتزام فهو نذر بأي صيغة، وقد يكون نذرًا مقرونًا بالقسم فيفيد التوكيد.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ هل فعلًا مخالطة الصالحين ووجود الصالحين تدفع العذاب؟
* الشيخ: ربما إنها تدفعه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال ٣٣].
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ﴾ هذا شرحناه، وبَيَّنَّا أن (لما) شرطية، و(أن) زائدة.
وقوله: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ هو جواب (لما).
و﴿سِيءَ﴾ فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل يعود إلى لوط، أي: حصلت له المساءة.
وقوله: ﴿بِهِمْ﴾ الباء للسببية، أي: بسببهم.
* طالب: نائب الفاعل مقدَّر؟
* الشيخ: لا مستتر.
* الطالب: هل يكون الجار والمجرور هنا نائب فاعل؟
* الشيخ: لا ينوب الجار والمجرور عن الفاعل إلا إذا تعذَّر.
* الطالب: ما هو موجود لأن هذا يستدعي فعلًا لازمًا؟
* الشيخ: هو الآن فعل لازم، لكن إذا جعلت الجار والمجرور نائب فاعل فقد عدَّيْتَه؛ لأن نائب الفاعل معناه أنه في الأصل مفعول به، فمعنى ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ أي: لوط.
* طالب: (ساء) هذه فعل لازم في الأصل ولَّا متعدٍّ؟
* الشيخ: لا ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾ معناه: حصلت له المساءة، أو أصابه السوء، أما (ساء) في الأصل فيكون متعديًا، كما تقول: ساءني هذا الشيءُ.
* طالب: متعدٍّ بغير مفعول به يعني بظرف أو جار ومجرور أو ..
* الشيخ: ساءني فلان، ساءني هذا الخبر، كما تقول: سرَّني، واضح؟
قوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، أيش إعراب ﴿ذَرْعًا﴾؟
* طالب: تمييز.
* الشيخ: هذا تمييز مُحَوَّل عن أيش؟ عن الفاعل، والتمييز كما مرَّ علينا يكون محوَّلًا عن الفاعل، وعن المفعول به.
مثال المحوَّل عن المفعول به قوله تعالى: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر ١٢]، هذا تمييز محول عن المفعول به، وأصله وفجَّرنا عيونَ الأرض.
ومثال المحوَّل عن الفاعل تقول مثلًا: انشرح بهم صدرًا، أي: صدرُه.
هنا ضاق بهم ذرعًا، أصله: ضاق ذرعُه بهم، وما هو الذَّرْع؟ فسَّره المؤلف بالصدر، قال: (﴿ضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ أي: صدرًا)، أي: ضاق صدرُه بهم ولم ينشرح، بل حصل له غَمٌّ وهَمٌّ بذلك.
وقيل وهو الصحيح: إن الذَّرْع بمعنى الطاقة، أي: ضاق بهم طاقةً، فصار غير متحمِل لهم، وهذا معناه في اللغة العربية، وسُمِّيَت الطاقة ذرعًا من الذِّرَاع؛ لأن الذراع محل الحمل، والطاقة هي التي بها يستطيع المرء أن يحمل أو لا يحمل، يعني يحمل الشيء.
قال: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، العلة لأنهم حِسَان الوجوه في صورة أضياف، فخاف عليهم قومَه، فأَعْلَمُوه أنهم رسل ربه، هذا هو السبب أنه ضاق بهم؛ لأن قومه كما ذكر الله في آية أخرى لما سمعوا بذلك ﴿جَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾ [هود ٧٨]، يعني مسرعين -والعياذ بالله- يريدون هؤلاء الأضياف، وهذه من فتنة الله سبحانه وتعالى للعبد أن يجعل الأمور المحرَّمة عليه في صورة تهواها نفسه؛ ليعلم الله من يخافه بالغيب.
فهم -والعياذ بالله- لما جاء هؤلاء جاؤوا إلى لوط يريدونهم، فكان يقول لهم: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود ٧٨]، فهو ضاق بهم خوفًا عليهم من قومه؛ لأن قومه كما قال الله تعالى أهل خبث، ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأنبياء ٧٤]، فيُخْشَى منهم.
ولكنهم قالوا له: ﴿لا تخَفْ ولا تحْزَنْ﴾، الخوف عما يُتَوَقَّع حدوثه في المستقبل، والْحَزَن عما وقع في الماضي.
قالوا: وقد يُطْلَق الْحَزَن على المستقبل؛ ومثَّلوا لذلك بقول النبي ﷺ لأبي بكر: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]؛ لأن ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ هنا بمعنى: لا تخف، على أنه يحتمل أن تكون على بابها، وأنه لا تحزن مما حصل من خروجنا ودخولنا إلى الغار واختبائنا فيه، أو أنَّه خَشِي أن يشملَه العذاب فخاف، و﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾، بمعنى: هل ما حصَل لِلُوط مِن كونِه سيءَ بهم وضاق بهم ذَرْعًا، هل السبب الخوف عليهم مِن قومه، أو السَّبب أنَّه هو خَاف أن يَعمَّه الهلاك؟
* طالب: الأول.
* طالب آخر: الأول نقول: استئنافية أو تعليلية.
* الشيخ: إي، والله على كل حال يصلُح أن تكون استئنافية وتعليلية، وما المانع مِن أنَّه خاف هذا وهذا، هو فيه مانع؟ أن يكون خاف عليهم، وخاف أيضًا على نفسِه أن يعُمَّه العذاب؛ لأنَّ العذاب إذا نزَل يعُمّ، إلَّا مَن أنجَاه الله، فقد تلَوْنا أمس قولَه تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [المؤمنون ٩٣، ٩٤] لأنَّ كل إنسان معرَّض أن يشملَه العذاب.
* طالب: لكن (...) يكون ما عرف أنهم رسل، ما حدث من قومه.
* الشيخ: في الأول؟ إي، قد لا يكون عَلِم أنهم رسل.
* الطالب: ﴿رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾.
* الشيخ: لا، قبلها ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾، أخْبَرُوه.
* الطالب: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧) وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود ٧٧ - ٨١].
* الشيخ: طيب، ويش وجه الصلاح؟
* الطالب: الصلاح في النقاش والخوف حول..
* الشيخ: أنه خائف عليهم.
* الطالب: خوفه حتى علِم أنهم رُسُل ربِّه.
* طالب: قوله: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾ [العنكبوت ٣٣] (...).
* الشيخ: نتأَمَّلها إن شاء الله بعد.
قوله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾ [العنكبوت ٣٣] بالتشديد والتخفيف؛ قراءتان، يعني: ﴿مُنْجُوك﴾ و﴿مُنَجُّوكَ﴾؛ ﴿مُنْجُوك﴾ منين؟ الفعل فيها (أنجى)، و﴿مُنَجُّوكَ﴾: (نَجَّى).
﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾، ﴿أَهْلَكَ﴾ هنا بالنصب عطْفًا على أيش؟
* طالب: على الضمير.
* الشيخ: على الضمير في ﴿مُنَجُّوكَ﴾، وهنا إشكال؛ لأن الضمير في ﴿مُنَجُّوكَ﴾ محله الجر بالإضافة، وهنا جاءت (أهل) منصوبة، فما وجهُ النصب فيها إذا قلنا: إنَّها معطوفة على الكاف في ﴿مُنَجُّوكَ﴾؟
* طالب: لأن اسم الفاعل تارة يعمل عمل الفعل وتارة يُضَاف.
* الشيخ: صحيح؟ توافقون على هذا؟ يقول: لأن اسم الفاعل تارة يعمل عمل الفعل وتارة يضاف.
* طالب: (...) الإضافة.
* الشيخ: (...) التعليل.
* طالب: نقول: إن (أهلك) معطوفة على محل المفعول.
* الشيخ: محل المضاف، طيب نريد شاهدًا لِهذا من كلام ابن مالك؟
* الطالب: اجرر أو انصب تابع الذي.. كذا؟
* الشيخ:
وَاجْرُرْ أَوِ انْصِبْ تَابِعَ الَّذِي انْخَفَضْ ∗∗∗ كَمُبْتَغِــــــي جَـــــاهٍ وَمَــــــــالًامَــــــنْ نَهَــــــضْ
نعم هذا شاهد مِن كلام ابن مالك، ويجوز: كمبتغي جاهٍ ومالٍ مَن نهض. طيب هذه مثل (مالًا)، ولا مثل (مالٍ)؟
* طالب: مالًا.
* الشيخ: مثل (مالًا)، ويجوز أن تكون الواو للمعية، وقد قال ابن مالك:
يُنْصَـــــــــبُ تَالِي الْــــوَاوِمَفْعُــــــــولًا مَعَــــــهْ ∗∗∗ فِي نَحْــــــــوِ سَـــــــيْرِي وَالطَّرِيــــــــقَمُسْرِعَـــــــــه
﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ﴾ نقول فيها ما سبق.(ونَصْبُ ﴿أَهْلَكَ﴾ عطف على محل الكاف). (﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ بالتخفيف والتشديد -﴿مُنْزِلُونَ﴾، و﴿منَزِّلُون﴾ - ﴿عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا﴾: عذابًا، ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ ).
قوله: ﴿رِجْزًا﴾ قال المؤلف: (عذابًا)، والرجز غير الرِّجْس؛ الرجزُ: العذاب، الرجس: النَّجِس.
وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ هل المراد بالسماء السقْفُ المحفوظ، أو العُلُو؟
* طالب: الأول.
* الشيخ: كيف؟ ما هو الدليل؟
* الطالب: لأنه هو الأصل .
* الشيخ: أكثر الاستعمالات أن السماء للسقف المحفوظ؟
* طالب: العلو.
* الشيخ: العلو كثير، والسماء أيضًا كثير.
* الطالب: ﴿إِنَّا مُنْزِلُونَ﴾ علو.
* الشيخ: على كل حال هو سواءٌ قلنا: إنَّه السقف المحفوظ، وأن هذا العذاب نزل مِن السماء الدنيا، أو قلنا: إن المراد به العلو، فهو على كل حال قد أتاهم مِن فوق، وكونه يأتي من فوق أشدّ، وأبلغ؛ لأَنّ ما يأتي من الفوق يكون عاليًا ومُحيطًا -والعياذ بالله- بخلاف الذي يأتي من أسفل فإنَّه لا يكون كذلك.
قال: (﴿رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا﴾ بِالفعل الذي ﴿كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ به، أي: بسَبب فِسْقِهم).
غريب كلام المؤلف، فيه شيء مِن التناقض؛ (البَاء) في قوله: ﴿بِمَا﴾ للسببية لا شك، و(ما) أعرَبها على أنَّها اسم موصول، ثم قدَّرَها بالمصدر، مما يدل على أنَّه جعلها مصدريَّة، وهذا من الغرائب.
نشُوف الآن إذا أعرَبْناها على التقدير الأول، ﴿بِمَا﴾ قال: (بالفعل الذي)، فتكون (ما) اسمًا موصولًا صفةً لِموصوفٍ محذوف تقديره: بالفعل، الاسم الموصول كما تعرفون يحتاج إلى جملة تكون صلته، ويحتاج إلى عائد يربِط الجملة به، جملة الصلة قوله: ﴿كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، والعائد قدَّرَه بقوله: (به)؛ بما كانوا يفسقون به، وهذا خلاف المشهور عند النحويين؛ مِن أنَّه إذا كان العائد مجرورًا فلا بد من أن يكون موافقًا لاسم الموصول في نوع العامل، وفي نوع حرف الجر.
ما هو الشاهد مِن كلام ابن مالك في اشترَاط هذا الشيء؟
* طالب: الشاهد؟
* الشيخ: تعرف أصل المسألة؟
* الطالب: إي نعم أن العائد لا بد أن موافقًا..
* الشيخ: يلَّا نعم.
* طالب:
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِـ(مَا) الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَمُــــــــــــرَّ بالَّـــــــذِي مَــــــرَرتُفَــــهْـــــوَ بَـــــــــــرْ
* الشيخ: نعم
كَذَا الَّذِي جُرَّ بِـ(مَا) الْمَوْصُولَ جَرْ ∗∗∗ كَمُـــــــــــــــرَّ بالَّــــــــــــــــــذِيمَـــــــــــــــــــرَرتُ .....
وهنا اختلف العامل، فالصحيح أنَّ (ما) هنا مصدرية، أي: بكونهم فاسقين، أو: بكونهم يفسقون، فهي مصدرية، وليست موصولة.
وقوله: ﴿يَفْسُقُونَ﴾، الفسق في الأصل الخروج عن الطاعة، ومنه قولهم: فسقت الثمرة، إذا خرجَت من قشرها.
وينقسم الفسق إلى قسمين: فسق أكبر مُخرِجٌ عن الملة، وفسق أصغر لا يُخرِجُ من الملة.
والمصطلح عليه عند أهل العلم الثاني، إذا أطلَقَوا الفسق فإنما يريدون به ما لا يُخرِج من الملة، لكنه في القرآن ينقسم إلى هذين القسمين، أي أن الفسق يكون فسقًا أكبر مُخرجًا عن الملة، ويكون فسقًا دون ذلك أصغر لا يُخرِج من الملة، لكنَّه بقسميه مُخْرِج من العدالة، فالفاسق ليس بعَدْل.
ما هو الشاهد مِن القرآن للفسق الْمُخرِج من الملة؟
* طالب: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ [السجدة ٢٠].
* الشيخ: فسقهم هنا مُخرِج مِن الملة بلا شك.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣].
* الشيخ: نعم، وكذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾، في مقابِل ﴿فأمَّا الذين آمنوا﴾.
أما الفسق الذي لا يُخرِج مِن الملة ففي مثل قوله تعالى..؟
* طالب: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام ١٢١]
* الشيخ: إيه، وغيرها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦].
أما سبب الفسق؛ وهو الخروج عن الطاعة، فإنَّه قد يكون سببه تركَ واجب، وقد يكون سببُه فعلَ مُحَرَّم؛ قد يكون سببه ترك واجب، كما لو ترَك الإنسان صلاة الجماعة فإنه يكون فاسقًا؛ لأن الجماعة واجبة، وقد يكون سببه فعل مُحَرَّم، كما لو حلَق الإنسان لحيته؛ فإنَّ حلق اللحية محرَّم، إلا أن العلماء يقولون في المحرم: إن كان كبيرة فسَق بمجرَّد فعلها إذا لم يتب منها، وإن كان صغيرة لم يفسق إلا بالإصرار عليها.
حلْقُ اللحية يفسُق به إذا فعلَه مرة واحدة؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، لكن إذا أصَرّ، وصار كلما نبتت حلقها صار فاسقًا.
* طالب: اللي يأخذ نصفها؟
* الشيخ: يحلق الذقن ويبقي العوارض؟
* طالب: أو يخفف منها.
* الشيخ: لا فيه ناس، أنا رأيت إنسانًا حالق الذقن ومبقٍ العوارِض، موجود.
المهِم على كل حال هذا حرام، سواء حلق العوارض وأبقى الذقن، أو حلق الذقن وأبقى العوارض؛ لأن كثيرًا من الناس يظنُّون أن اللحية هي الذقن، والذَّقن ما هو اللحية، الذَّقْن مجمَع اللِّحيَين؛ لأن اللحية هي منْبَت الأسنان.
وقد ذكر في القاموس أيضًا أنَّ جميع شعر الوجه من اللحية، يعني: قص شعر الخدين من اللحية، على كل حال ليس كالحلق، لكنَّه معصية؛ لأن الرسول قال: «أَعْفُوا اللِّحَى»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٨٩٣)، ومسلم (٢٥٩ / ٥٢) من حديث ابن عمر.]]، والأصل في الأمر الوجوب، فإذا أصَرَّ عليه صار فاسقًا.
* طالب: التفسير الصحيح لقوله: أنزلنا عليهم رجزًا من السماء، بمعنى الحكم به؛ لأنه نازل من السماء.
* الشيخ: إي، هذا ليس بصحيح، الصحيح أنه نفس العذاب نزل من السماء، كما في الآية الأخرى: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا﴾ [القمر ٣٤] (...).
﴿أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾.
* من فوائدها: إطلاق الرُّسل على الملائكة؛ لقولِه: ﴿رُسُلُنَا﴾، وقد ذكرْنا فيما سبق الدليل على أنَّ الملَك يُسمَّى رسولًا.
* ومن فوائدها: تشريف هؤلاء الرسل بإضافتهم إلى مَن؟ إلى الله سبحانه وتعالى؛ فإنَّ الشيء يَشْرُف بشرف ما يُضَاف إليه.
* ومنها: أنَّ الأنبياء كغيرهم من البشر؛ يلحَقُهم المساءة والأحزان، والسرور، والفرح؛ لقوله: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾، فالعوارض البشرية لا تنافي كمال الرسالات، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا نسي، قال: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٠١)، ومسلم (٥٧٢ / ٨٩) من حديث ابن مسعود. ]]، وهو أيضًا يبرد، ويحتَرّ، ويجوع، ويعطش.
* ومنها: شدة احتراز لوط عليه الصلاة والسلام من قومه؛ لأنه إنَّما سِيءَ بهم، وضاق بهم ذرعًا؛ خوفًا عليهم مِن قومه؛ لأنهم جاؤوا بصورة مُغرية، حيث ذكر أنَّهم جاؤوا على صورة شباب ذوي جمال وحُسْن، فتنة من الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية أيضًا: الاستدلال على الأحوال بالملامح الظاهرة منين نأخذه؟
* طالب: ﴿سِيءَ بِهِمْ﴾.
* الشيخ: لا، أنك تستدل على حال الرجل بملامحِه الظاهرة، قولهم: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾؛ لأنهم رأوا منه العلامات، ولهذا قالوا: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾.
فيمكن أن نأخذ منها فائدة تنبني عليها وهي: العمل بالقرائن، والعمل بالقرائن ثابت، ولَّا لا؟
في قصة يوسف: ﴿شَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف ٢٦، ٢٧] هذه بيِّنَة ولَّا قرينة؟ قرينة، وكذلك أيضًا في قصة سليمان في المرأتين في غلامهما؛ لأنه تنازعت المرأتان؛ الصغرى والكبرى، وقال عليه الصلاة والسلام: سآتي بالسكين، أو دعا بالسكين؛ ليشُقَّه نِصفين، فأمَّا الكبيرة وافَقَت؛ لأنَّ ولدها قد أكلَه الذئب، وتقول: خَلِّ هذا يروح معه، وأمَّا الصغيرة فقالت لها: يا نبيَّ الله هو لها؛ لأنَّه أدركها الحنان، فعلِمَ بهذه القرينة أنَّه للصغرى، فحَكَم به لها، وهذا من القرائن.
كذلك أيضًا: في هذه الشريعة النبي عليه الصلاة والسلام في قِصَّة ذهب حُيَيّ بن أخطب« لَمَّا سأل عن ماله أين هو؟ فقالوا: يا محمد، إنه أكلَتْه الحروب والسنون، قال: «مَا يُمْكِنُ، الْمَالُ كَثِيرٌ، وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ»، ثم دَفَع الرجُل إلى الزبير بن العوام وقال: «مُسَّهُ بِعَذَابٍ»، فلما أحَسَّ بالعذاب قال: انتظر، أنا أرَى حيي بن أخطب يحوم أو يدور حول هذه الخَرِبة» -مكان خراب- «فلا أدري لعلَّه دفنه في هذا، فوجدوه»[[أخرجه أبو داود (٣٠٠٦)، وابن حبان (٥١٩٩) واللفظ له من حديث ابن عمر. ]].
هذا من العمل بالقرائن، ولها أمثلة كثيرة، المهم أن كوننا نستدل على حال المرء بملامحه هو مِن العمل بالقرينة.
* ومنها أيضًا -من فوائد الآية-: أنَّه ينبغي طمأنة الخائف لِيزولَ عنه الخوف، في قوله: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ﴾، ومنه ما يستعمل الآن في الطب؛ فإن الطبيب يقول للمريض: هذا أمر سهل وهيِّن، ويُطَمْئِنُه لأجل أن ينشرح صدره.
* ومنها: أنَّه ينبغي إزالة المؤذِي قبل حصول السارّ.
* طالب: ﴿لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ﴾، فبدؤوا بنفي الخوف والحزن، ثم أعقَبُوه بالبشارة، ولهذا من الكلمات المشهورة عند أهل العلم يقولون: التَّخْلِيَة قبل التَّحْلِيَة، يعني: جَرِّد الشيء مما يشوبُه من النقص، ثم بعد ذلك كمِّلْه بالتحلية.
ومنه كلمة الإخلاص، أيُّهما الأسبق النَّفي ولَّا الإثبات؟ النفي، لا إله إلا الله.
* ومن فوائد الآية: أنَّ الاتصال بالصالح لا يلْزَمُ منه الصلاح، مِن أين يُؤخذ؟
* طلبة: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾؛ فإنَّ امرأته مُتَّصِلَةٌ به، ومع ذلك لم تصلُح، لكن هل الاتصال بالصالح سبب للصلاح؟ نعم سبب للصلاح؛ ولهذا حثَّ النبي ﷺ على الجليس.[[منها قوله: «مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السُّوءِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ، وَكِيرِ الْحَدَّادِ؛ لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ: إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الْحَدَّادِ: يَحْرِقُ بَدَنَكَ، أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً» متفق عليه؛ البخاري (٢١٠١)، ومسلم (٢٦٢٨ / ١٤٦) من حديث أبي موسى. ]]
﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا﴾ [القمر ٣٤]
والمهم أنَّه إن صحَّ عن النبي ﷺ أنَّ جبريل حَمَلَ هذه القرى وقلَبَها فلا كلام، وإن لم يصِحَّ فإنَّنا لا نقول به؛ لأنَّ هذا خلاف ظاهر الآيات.
* طالب: (...).
* الشيخ: مؤتفِكة، ما قال: مُؤْتَفَكة، لو كانت باسم المفعول المُؤتَفَكَة المقلوبة.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، المؤتفِكَة هي التي صنَعَت الإفْك والكذب، وقوله: ﴿أَهْوَى﴾ [النجم ٥٣] ما يدُل على هذا أيضًا؛ لأنَّه إذا هوت من فوق المنازل فقد أهواها.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ما هي مشكلة، المهم أن هذه مسألة إذا صحَّت ما بقي الكلام، وإن لم تصِحَّ فليست هي ظاهر القرآن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾، فإنَّ الباء للسببية.
* ومن فوائدها: أن الفسق سبب للعقوبات والدمار، ولهذا جعل الله المعاصي من الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾.
في إثبات الأسباب رد على طائفة من المبتدعة، مَن؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: وغيرهم؟
* طالب: الجبرية.
* الشيخ: والجبرية هم الجهمية؛ لأنَّ الجهمية فيهم ثلاث جيمات -الله يعيذنا من الجيمات؛ من جيماتهم ما هو من كل جيم- ومن الشيطان الرجيم، ويش الجيمات اللي لهم؟
* طالب:
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ∗∗∗ ............................
* الشيخ: ابن القيم يقول:
جَبْرٌ وَإِرْجَاءٌ وَجِيمُ تَجَهُّمٍ ∗∗∗ ............................
ثلاث جيمات، إي نعم، هم يقولون: إنه ما فيه شيء، ما فيه أسباب مؤثِّرة، حتى إنَّك إذا رميت بالحجر على الزجاجة وانكسَرَتْ قالوا: الحجر ما كسرها، انكسَرَت عنده لا به.
كلام ما هو معقول، نعم عندما تضع ورقة في النار وتحترق يقولون: النار ما أحرقتها، ما فيها أسباب تؤثِّر، ولكن هذا حصل عند النار لا بها، لو هو عندك الثاني لو حطِّيتها عند الضوء قبل تقع في النار احترقت، ولو كان عندها كان نقول: يصلح على هذا أننا نجيب الحجر ونحطه عند الزجاجة ثم تنكسر.
على كل حال هذا قول تصوره كافٍ في ردِّه، لكن هم يريدون أن يتَوَصَّلُوا إلى شيء وراء ذلك، وهو أنَّ الإنسان مُجبَر على العمل، فإذا عذَّبَه الله تعالى وهو عاصٍ لله، فإنَّ تعذيبه إياه ليس حُجَّة؛ لأنَّ الله تعالى قد يُعَذِّب بدون سبب، والأسباب عندهم غير فاعلة، ونحن نوافقهم على أنَّها غير فاعلة بنفسها، أليس كذلك؟ بدليل أنَّ النار المحرِقَة صارت على إبراهيم بردًا وسلامًا، لكننا نقول: إنها فاعلة بتقدير الله عز وجل، الله الذي جعلها تحرق فأحرقت.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences