Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:41–44, continued
* الشيخ: لا؛ لأن العزيز اسم، فهو دلالته على الذات وحدَها أو الصفة وحدها دلالة تضمن، وعليهما جميعًا دلالة مطابقة، وعلى ما تستلزمه العزة مِن العلم والقدرة والقوة، وما أشبه ذلك التزَام، ولهذا اسم الحي القيوم تضَمَّن جمِيع الصِّفَات، هذان الاسمان تضمَّنَا جميعَ الصفات؛ لأنَّ الحي مستَلْزِم لجميع صفات الكمال، والقَيُّوم مستلزم لجميع صفات السلطان والمـُلْك والتدبير وما إلى ذلك، ولهذا ورد في الحديث أنَّهما اسمُ الله الأعظم[[أخرجه أبو داود (١٤٩٦) من حديث أسماء بنت يزيد.]].
العزيز الحكيم قلنا: فيها إثبات العزة، والحكِيم فيها إثبات الحُكْم والحِكْمَة، وفي الجمع بينهما يظهَر صفة ثالثة، وهي أنَّ عزةَ الله مقرونَة بالحكمة ليست كعزةِ العزيز غيرِه فإنَّها قد تكونُ خاليةً من الحكمة.
* ومِن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التَّأَمُّل إذا خُتِمَت الآيات بما يكون مُخالفًا لِظَاهِر الحال؛ يعني فلا ترُدَّها إذا وجدت آية مختومة بخِلَاف ما يقتضيه ظاهر الحال أو السياق، فتأمَّل فيها فإنَّ الخطأ منك ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨]، مقتضى ظاهر السياق أن يقول: فإنك أنت الغفور الرحيم، لكن عَدَل عنه، لا تقل إن هذا خلل أبدًا، الخلل منك أنت فإن هذا كلام الله عز وجل ما فيه خلل، فآياته الكونية ليس فيها خلل، وآياته الشرعية كذلك، فيجب أن تتَأَمَّل وتتوقف، هنا في الآية التي معنا، قد يتبادَر للإنسان أن تخُتَم بالعلم، ولكن عند التأمل يكون ختمُها بالعزة والحكمة أولى. ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣].
* في هذه الآية الكريمة فائدة: ضرْب الأمثال، وأنَّه نوْع من التعليم والتوجيه؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾.
* ومِن فوائدِها: إثباتُ عظمةِ الله عز وجل، منين تؤْخَذ؟
* طالب: ﴿نَضْرِبُهَا﴾.
* الشيخ: ﴿نَضْرِبُهَا﴾ مِن نون العظمة ﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾، واعلم إن كنت لا تعلم مِن قبل أنَّ ما أضافه الله تعالى إلى نفسه بلفظ العظَمة فإنه يدُلُّ على عظمة نفسه سبحانه وتعالى، وقد يُرادُ به ملائكته لا نفسه، وهذا في القرآن كثير، وكذلك الأول في القرآن كثير، فمِمَّا أراد الله به ملائكتَه مثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٨]، الضمير هذا يعود على مَن؟ ضمِير الفاعل؟ على جبْرِيل، لكن أضافَه الله إلى نفسِه؛ لأنَّ جبريل رسولُه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود ٧٤] ﴿يُجَادِلُنَا﴾ وهو لا يُجادِلُ الله إنما يجادِل الرُّسل، لكن حمل ما أضيفَ إلى الله بصيغة العظمة على رسلِه وملائكتِه لا بُدَّ له مِن دليل، وإلَّا فالأصل أنَّه يعود إلى الله، أمَّا ما أضافَه الله تعالى إلى نفسه بصيغة الإفراد فهو له نفسه، ونضرِب لهذا مثلَيْن؛ الأَوَّل: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة ١٨٦] هذه الضَّمَائِر كلُّها بصيغة الإفراد. فعلى هذا يكون قوله تعالى: ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ المراد قربُه نفسه مِن داعِيه، ولكنَّ هذا القُرْب لا يلزمُ منه أن يخلُوَ منه العرش أو ينتفِيَ عنه العُلُوّ كما أنه ينزل إلى السماء الدنيا ولا يلزم منه أن يخلُو من العرش أو أن ينافي ذلك علُوَّه، لكن قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة ٨٣ - ٨٥] فإن ﴿أَقْرَبُ﴾ فيها ضمير يعود على ﴿نَحْنُ﴾ و﴿نَحْنُ﴾ الضمير لمن؟ الضمير لله، لكنَّه أقربُ إليه منَّا بِـملائكتِه ويش الدليل؟
الدليل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ﴾ فإنَّ الملائكة تحضُر إلى الميت لقبض روحه، وتجلس منه مَدَّ البصر لكن ما نُبصِرُها نحن، فهنا القرب لِمَن؟
القرب للملائكة؛ لأنَّ الله أضافَه إلى نفسه بصيغة العظمة ووُجِدَ الدليل، وهذه الفائدة مهمة جدًّا تنفعُك في بابِ الصفات وغيرها أنَّ ما أضافه الله إلى نفسه بصيغَة الإفراد فهو له، وما أضافَه إلى نفسِه بصيغة الجمع فهو له، لكن قد يكون لِملائكته بقرينَة، وهذا غيرُ ممتنع كما عرفْتُم.
هنا قال: ﴿تِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا﴾ له ولَّا للملائكة؟ لَه؛ لأن ما فيه قرينة تدل على أنه للملائكة.
و﴿نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ﴾ الفائدة الأولى: قلنا: فيها فائدة ضرب الأمثال.
* وفيها أيضًا من فوائد الآية: رحمةُ الله تعالى بالخلق بضربِ الأمثال لهم؛ لأنَّ ضربَ الأمْثَال كما قلنا: يُقَرِّبُ المعقول إلى الأذهان، وتصَوُّرُ الإنسان للمحسوس أقْوَى مِن تصَوُّرِه للمعقول، أليس كذلك؟
الآن لو أشرَح لكم صفة الحج شرحًا بيِّنًا ظاهرًا وافيًا أو أذهب بكم إلى الحج إلى المناسِك، أيهن أبلغ؟
الأخير أبْلغ؛ لأنَّكم تُحِسُّونَه بأعينكم، لكن الأول تتصَوَّرُونه بقلوبكم فلا تدركونه جيدًا، فإذن ضرب الأمثال فيه رحمة للخلق حيث إنَّه سبحانه وتعالى يقرب لنا المعقولات بالمحسوسات.
* ومن فوائد الآية: أنَّه ينبغي التأمل في الأمثال؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فالعالم هو اللي يتَأَمَّل وينظر حتى يعقل.
* ومِن فوائد الآية: الثناء على العقل؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا﴾، والمراد بالعقل هنا عقْلُ الإدراك أو عقل الرُّشْد؟
* الطلبة: عقل الرشد.
* الشيخ: عقل الرُّشْد، العقل الذي ينفع هو الذي يُثْنَى عليه.
* ومنها أيضًا: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ فاللي غير عالِم بالله سبحانه وتعالى وآياتِه ما يعقِل هذه المعاني، ويقول: هذه أشياء ليس لها معنى، لكن العالم هو الذي يعقِلُها ويعرِف مغْزَاها ومعنَاها، وأوجُه الشبه بينها حتى يصل إلى درجة الكمال.
قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* في هذه الآية فوائِد: أولًا: أنَّ خالقَ السماوات والأرض هو الله أو لا؟ ﴿خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ﴾ لأنا ما نعرف.
لو قال قائل: ما في الآية حصر حتى تقولوا: إنَّ الخالق هو الله؟
نقول: نعم، ما فيها حصر بالطرق المعروفة، لكن في حصر من حيث إنَّه لا يوجد إلا سماوات وأرض واحدة إذا كان الخالق لها هو الله انتفى أن يكون غيرُه خالقًا لها.
* ومنها: الردُّ على أهل الطبيعة -والعياذ بالله- الذين يقولون: إنَّ السماوات والأرض ليس لها خالق، إنَّها أشياء تتفاعل وتتحَوَّل وتتَقَلَّب، وأنَّ الخلق لا أول له ولا نهاية.
* ومنها: إثبات حدوث السماوات والأرض، وأنَّها ليست قديمة، مِنين نعرفه؟ خلق السماوات فهي مُوجدة بعد العدم، وكلُّ ما سوى الله فهو موجود بعد العدم.
* ومنها: أنَّ السماوات عِدَّة، كم؟
* طلبة: سبع سماوات.
* الشيخ: نعم، بُيِّنَت في آيات أخر بسبْع.
* ومنها أيضًا: أن الأرض واحدة؟
* طلبة: لا، هذا الجنس.
* الشيخ: المراد الجنس، طيب في القرآن ما جُمعت الأرض أبدًا أو لا؟ لكنَّه أُشير إلى جمعِها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] المماثلة هنا في الوصف متعَذِّرة أو لا؟ لأنَّه ما فيه مقارنة بين السماوات والأرض إذا تعذّرَت المماثلة في الوصف رجَعْنا إلى المماثلة في العدد، وقد جاءت السنة صريحةً في ذلك مثل قوله ﷺ: «طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ»[[أخرجه البخاري (٢٤٥٢) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو، ومسلم (١٦١٢ / ١٤٢) من حديث عائشة.]].
* ومِن فوائد الآية: أنَّ هذه السماوات والأرض خَلْقُها بالحَقّ ليس عبثًا ولا لهوًا ولا باطِلًا؛ لقولِه: ﴿بِالْحَقِّ﴾.
* ومنها أيضًا: أنها مشتملة على الحق، فخلْقُها أصل إيجادِها بالحق، وهي أيضًا مشتملة على الحَقّ، ما يمكن يحدث في السماوات والأرض شيء إلا بحَقّ.
* مِن فوائدها أيضًا: اطمئنان الإنسان لِمَا يُحْدِثُه الله في السماوات والأرض أو بعثُ الاطمئنان، ما وجْهُ ذلك؟ هذا السؤال أنا ذكرت الفائدة فما وجهُها؟ طيب ما وجهُ كونِها تبعَث على الاطمئنان؟
* طالب: بالحق.
* الشيخ: أنَّها بالحق، كلُّ شيء يحدث ما دام عرفت أنَّه بالحق أطمئن ما أقول: ليش حدث؟ وليش ما حدث؟ حدث على الناس جُوع ومرض وزلَازِل وفيضانات، أعرف أنَّ ذلك بالحق فأطمَئِنّ وأرضَى وأُسَلِّم، ولا راحَة في الحقيقة للإنسان إلَّا بهذا ما يمكن يستريح الإنسان إلَّا بهذا إذا آمَن بقضَاء الله وقدرِه، وأنَّه الحق وهو يطمئن تمامًا، وإلَّا فإنه سيتكَدَّر؛ لأنَّه ما من ساعَةٍ إلا ويجِدُ فيها ما يسُوؤه إمَّا في نفسِه أو أهلِه أو صحبِه أو بلدِه أو البلاد الإسلامية عامَّة، ولا يمكن أنَّ الإنسان يطمئن ويستَقِرّ حتى يؤمِن بأنّ هذه الأشياء كلها حق.
* طالب: المنازعة في الأقدار؟
* الشيخ: منازعة الأقدار بالشرع هذه واجبَة، طيب فيه أيضًا.
* الطالب: يعني تطمَئِن وتُنَازِع؟
* الشيخ: تنازع بالشرع، ما هو بالقضاء.
* الطالب: لا، أنا قصدي الجمع بينهم؟
* الشيخ: أنه هذا الجمع بينه، نحن مثلًا أي إذا جاءَنا القدَر ما يسوؤنا ننازعُه بالشرع بالصبر إذا صبرنا ما ساءنا ذلك، وهكذا منازعة القدَر بالشرع، هذا شيءٌ واجِب أن تُقَابِل القدر بما يقتضِيه الشرع، لكن منازَعة القدر بالقدر هذا ما يجوز، أنت تجيب دائمًا كلمات صوفية ما أدري ويش..
* الطالب: لا، ما صوفية يا شيخ لنحذر (...) أنا اللي خلاني أجيب هذا..
* الشيخ: أنا ما وُدِّي أنك جبت هذا؛ لأنه تحتاج إلى.. لاحظ يمكن بعض الناس ينفُر مِن كلمة منازعَة، والمرادُ بالمنازعة المقابلة.
* مِن فوائد الآية: أن خلْقَ السماوات والأرض آية دالة على ما يقتضيه هذا المخلوق من صفات الله عز وجل، وقد ذكرْنا أنَّ منه ما يقتضِي الدلالة على قدرة الله، والدلالة على حكمة الله، والدلالة على عزَّتِه حسب ما تقتضيه الآية.
* ومنها: أنه لا ينتَفِع بالآيات إلا من؟ إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* نستفيد مِن هذه الفائدة فائدة تتفَرع: أنه كلَّما كمُلَ إيمان العبد ازدَاد انتفاعًا بالآيات، هذه الفائدة الطريق إلى الحُصُول عليها هو ما سبقَ لنا غيرُ مرَّة مِن أنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصْف ازدَاد قوةً بقُوَّتِه وضعفًا بضعفِه، كل حكم يعلق على وصف فإنه يزداد قوةً بقوة هذا الوصف وضعفًا بضعفه، فنقول: إذن كلما كان الإنسان أكمَل إيمانًا ظهرَ له من آيات الله في هذه المخلوقات ما لم يظْهَر لِمَن دونَه، مفهوم هذا يا جماعة؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences