Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:123–128

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:123–128, continued

* في هذه الآية: امتنان الله سبحانه وتعالى على رسول الله ﷺ وأصحابه بنصرهم في بدر، والنصر لهم نصر للأمة إلى يوم القيامة.

* ومن فوائد الآية: أن الإنسان بغير نصر الله لا يستطيع أن ينتصر؛ لأنه إذا كان جند الله الذين هم أعظم جند كان على وجه الأرض؛ وهم رسول الله ﷺ ومن معه لم ينتصروا بأنفسهم وإنما انتصروا بنصر الله، فمن سواهم من باب أولى.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أننا لا نُعلّق النصر إلا بالله سبحانه وتعالى، لا نعلّق النصر بقوتنا، ولا بقوة مساندة لنا، وإنما نعلّق النصر بالله وحده، ونجعل هذه الأشياء المادية التي يكون بها النصر نجعلها أسبابًا قد تتخلف عنها مسبباتها؛ لأن النصر يكون من عند الله وحده.

* ومن فوائد هذه الآية: أنه كلما كان الإنسان أذلّ لله كان أقرب إلى نصر الله، وكلما كان الإنسان مستغنيًا عن الله كان أبعد عن النصر؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، والإنسان إذا رأى من نفسه العزة وعلا وشمخ فإنه يُخذَل، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق ٦، ٧].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النصر لا يكون بكثرة العدد ولا بقوة العُدد، بل هو من عند الله سبحانه وتعالى، لكن كثرة العدد وقوة العُدد مما أمرنا الله به وجعله سببًا للنصر، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ﴾ من ورائهم ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال ٦٠]، ولهذا يجب على ولاة الأمة الإسلامية أن يُعدّوا أعظم سلاح يفتك بالأعداء من أجل إذا احتاجوا إليه يستطيعون المهاجمة؛ مهاجمة العدو، أو المدافعة إذا اعتدى عليهم أحد، وأما الأسلحة التقليدية التي تُعتبر في وقتنا الحاضر مثل الحمير بالنسبة للخيل في الوقت السابق، فهذه لا تكفي إلا إذا كان الإنسان لا يستطيع فإنه معذور، لكن إذا كان يستطيع فالواجب أن يُجهّز نفسه بكل ما يستطيع من قوة؛ لأن أعداء الإسلام يتربّصون به الدوائر، ويريدون أن يقضوا على المسلمين بكل وسيلة، فإذا لم يكن عندنا سلاح نكبتهم به ونخزيهم به ونذلهم به فإننا لم نقُم بما أوجب الله علينا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾. وهنا يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾.

* من فوائدها: أن من منَّ الله عليه بنعمة كان ذلك موجبًا لتقوى الله، فالنصر سبب للتقوى والذل لله والخضوع له والانطراح بين يديه، كما فعل النبي ﷺ حين فتح مكة دخل مطأطئًا رأسه يتلو كتاب الله عز وجل، خلافًا لما يفعله الناس اليوم أو بعض الناس إذا انتصر جعل هذا النصر سببًا للأشَر والبَطر والملاهي والأغاني وغير ذلك من المعاصي، بل قد يكون بعد النصر أكثر منه فسوقًا مما قبل الحرب، وهذا خلاف ما أمر الله به؛ لأن الله قال: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ﴾ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمر بالتقوى بعد النصر لئلا يشمخ الإنسان بأنفه ويتطاول على ربه بانتصاره فيعود إلى ما كان عليه من الفرح والبطَر والأشَر.

* ومن فوائد هذه الآية: أن تقوى الله تعالى من الشكر، أن تقوى الله من شكر الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهذا أمر لا شك فيه أن التقوى من الشكر، بل هي الشكر حقيقة؛ لأن التقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، والشكر هو القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح، عرفت؟ الشكر ما هو؟

* طالب: هو القيام بطاعة الله بالقلب واللسان والجوارح.

* الشيخ: نعم، القيام بطاعة المنعِم بالقلب واللسان والجوارح.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٢٤].

* من فوائدها: ما كان عليه النبي ﷺ في معاملة أصحابه من إدخال الأمل في قلوبهم عند اشتداد الأزمات، وهذه هي الطريقة السليمة؛ لأنك إذا أدخلت الأمل على الناس نشطوا ونسوا ما هم فيه من الهمّ والغمّ، أما بعض الناس فيكون على العكس، تجده يدخل على الناس باب التشاؤم والمروِّعات والمخِيفات، وكلما قلنا: انتهت هذه المروعات جاءنا ما هو أشد ترويعًا، هذا لا شك أنه خلاف السياسة الشرعية، بل هو خلاف العقل، الشيء الذي تدعو الضرورة إليه مما يروّع هذا لا بد منه، أما الذي لا تدعو الحاجة إليه أو الضرورة فافتح للناس باب الأمل، فالرسول عليه الصلاة والسلام لما أنهم خافوا من إمداد المشركين بعضهم بعضًا قال لهم هذا الكلام: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤]. ولما أُخبر بأن بني قريظة نكثوا العهد في عام الأحزاب أرسل إليهم من يقص الخبر، وقال للرسول: «إِذَا أَتَيْتُمْ فَالْحَنُوا لِي لَحْنًا» ، «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، ويش معنى يلحنوا؟ يعني أخبروني بهذا بإشارة، وهي تُسمى عندنا الآن بالشفرة، شفرة خاصة أخبرهم بها؛ لأنهم إذا جاؤوا ووجدوا أن اليهود قد نقضوا العهد، ثم أخبر الرسول أمام الناس يلحقهم الروع والخوف، فقال: «الْحَنُوا لِي لَحْنًا»، فلما رجعوا إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وأخبروه أن بني قريظة نقضوا العهد، لكن ما هو بلفظ صريح، باللحن الذي أرشدهم إليه، قال: «أَبْشِرُوا، أَبْشِرُوا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١٣٧٣) من حديث عاصم بن عمر بن قتادة.]]، وكان المتوقّع لو كان مثل بعض قادتنا أن يقول: والله هذه مصيبة جاءنا عدو جديد، ثم ملأ القلوب رعبًا، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أَبْشِرُوا»، ولما كانوا يحفرون الخندق واعترضتهم كُدْية؛ صخرة شديدة عجزوا عنها، جاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه، فجاء ونزل في الخندق وأخذ المعول فضربها ضربة انقدح منها شعاع، قال في الأولى: «أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، وفي الثانية: «قُصُور كِسْرَى أَوْ قَيْصَر»، في الثالثة: «قُصُورُ الْيَمَنِ». صَنْعَاء، فقال: «أَبْشِرُوا»[[أخرجه الطبري في التفسير (٢٠ / ٢٢٣) من حديث عوف المزني، وأحمد في المسند (١٨٦٩٤) من حديث البراء بن عازب بنحو هذا اللفظ، وأصله في البخاري (٤١٠١) من حديث جابر بن عبد الله.]]، مع أن الله تعالى قال عنهم في تلك الحال: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب ١٠].الآن مثلًا هنا في هذه الأحداث نجد أن الطاغي قد تخلخل وظهر فيه الخلل ولا إشكال فيه، ثم يأتي بعض الناس يقول: لا، عنده قوة عظيمة مدخرة بيخليها في آخر الوقت، فالله أكبر! الآن قد بشّرك الله سبحانه وتعالى بما يدل على أن الله سيكفي المسلمين شره، ثم تأتي وتروّع الناس، تقول: لا، عنده، عنده قوة بس بيخليها آخر الشيء، من قال لك هذا؟! إن كان هذا محتملًا فالأول أقرب احتمالًا، ما فيه شك أنه أقرب؛ لأن كل إنسان لا يمكن أن يتظاهر بهزيمة أمام عدوه أبدًا، ولهذا ينبغي لنا أن نُدخل على الناس باب الأمل والمقدّر سيكون، سواء أدخلنا باب الأمل الذي يُنشّطهم ويُدخل عليهم السرور، وينسيهم الغموم، أو أدخلنا عليهم باب المروّعات والمقبّضات حتى إن الإنسان تيبس أمعاؤه على بطنه، هذا ما هو صحيح، أنت أدخل الأمل وما أراد الله سوف يكون، ولكن مع ذلك أنا أقول: إنما يكون إدخال الأمل حينما يتعلق القلب بالله عز وجل، وتنقطع الحيل إلا من عند الله سبحانه وتعالى.

* من فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾.

والربوبية نوعان: عامة وخاصة؛ ففي قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة ٢] هذه عامة، وفي قوله: ﴿رَبُّكُمْ﴾ هنا خاصة، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون الذين منَّ الله عليهم بالإيمان: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] الأولى: عامة، والثانية: خاصة.

* الطالب: جاء في بعض الأحاديث أن بعض الملائكة قاتلوا مع المسلمين في غزوة أُحُد؟ كيف (...)؟

* الشيخ: لا، بس هذه إن صحّت الأحاديث في هذا؛ لأن بعض العلماء ضعّفها، وقال: ما قاتلت الملائكة إلا في بدر، وإنما جاءت في أُحُد لتقوية المسلمين فقط، لكن إن صحت فهذه خاصة حينما تخلّى الصحابة عن النبي عليه الصلاة والسلام ولم يبقَ معه إلا نفر قليل.

* طالب: شيخ، بعض الناس في الأحداث الراهنة ينظر بعدم التفاؤل الحقيقة، قلت له: تفاءل يا أخي وأحسن الظن، قال: والله حالنا لا تسرّ؟ فما أدري أيش تقول يعني؟

* الشيخ: نعم، لا شك أن حالنا ضعيفة، ولكن أملنا بالله وعفوه أكبر من سوء ظننا بأنفسنا.

* طالب: شيخ، ما معنى قوله: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾؟

* الشيخ: ما ذكرناها؟!

* طالب: ذكرناها يا شيخ.

* الشيخ: ﴿مِنْ فَوْرِهِمْ﴾ يعني في الوقت الحاضر، يعني من الوجه الذي جاؤوكم به، هم لما انصرفوا هم الكفار هزموا الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وحصل ما حصل لهم وانصرفوا، قال الله عز وجل: إن جاؤوكم من فورهم هذا ورجعوا عليكم أمدكم الله.

* طالب: شيخ، ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ عطف على أيش؟

* الشيخ: ويش تقولون؟

* طلبة: ما سمعنا.

* طالب: السؤال يا شيخ.

* الشيخ: يقول: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ على أيش معطوفة؟

* طالب: على ﴿بُشْرَى﴾ يا شيخ.

* الشيخ: على ﴿بُشْرَى﴾.

* الطالب: إذا كان على ﴿بُشْرَى﴾ (...) مفعول به.

* الشيخ: وهذا مما يؤيد على أنها مفعول من أجله.

* الطالب: إذا كان مفعولًا به؟

* الشيخ: وإذا كان مفعولًا به يُقدّر الفعل.

* الطالب: يقدّر الفعل.

* الشيخ: إي نعم، يعني وأخبركم الله لتطمئن به قلوبكم.

* الطالب: شيخ، سؤال ثان يجوز؟

* الشيخ: يجوز! بشرط أن يوافق الإخوان، توافقون؟

* الطالب: الله تبارك وتعالى أرسل ثلاثة آلاف من الملائكة مع الصحابة مع أن واحد جبريل يكفي بجميع..؟

* الشيخ: إي، لا، قل: ألف؛ لأنه هذا ذكرنا أنه ما حصل الإمداد؛ لأن الشرط لم يحصل على القول الصحيح، لكن الألف من الملائكة في بدر يكفي ملك واحد لا شك، ويُغني عن ذلك أيضًا كلمة واحدة من الله، تُغني عن الملائكة وعن البشر، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (٤) سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (٥) وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد ٤ - ٦] تفوت هذه الفائدة، واضح؟

* طالب: بالنسبة لشروط النصر إذا توفرت تحقق النصر، ولكن نزول الملائكة إلى يومنا تنزل الملائكة؟

* الشيخ: ربما نعم، ربما إن الملائكة تنزل لتثبيت المؤمنين، وإذا كان القتال جهادًا في سبيل الله حقًّا فقد تُقاتل؛ لأن الله تعالى ينصر دينه.

* طالب: شيخ، ما يصلح أن يكون متعلق الظرف (اذكر) أو (تذكّر)؟

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ هل يصلح؟

* الشيخ: يصلح إذا لم يمكن؛ لأن التقدير الأصل فيه عدمه؛ لأن التقدير يستلزم الحذف، والأصل عدم الحذف، فإذا أمكن أن يكون متعلقًا بشيء موجود فإنه لا يُقدّر، أما إذا لم يمكن يُقدّر.

* طالب: شيخ، الراجح في العائد في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ﴾؟

* الشيخ: إلى قول الرسول، هذا هو الراجح، وإن كان أكثر المفسرين يعود على إخبار الله عز وجل، لكن الأقرب أنه قول الرسول ووعده إياهم.

* * *

* طالب: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩)﴾ [آل عمران ١٢٨، ١٢٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ﴾ [آل عمران ١٢٤].

أخذنا * من فوائد هذه الآية: أنه ينبغي إلقاء البُشرى في قلوب المقاتلين كما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام.

* من فوائدها أيضًا: الربوبية الخاصة في قوله: ﴿أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾. والربوبية الخاصة تقتضي مع المعنى العام وهو التدبير والملك التثبيت والإعانة والكفّ عن الشرور وما أشبه ذلك؛ لأنها خاصة.

* من فوائدها: أن الملائكة أجسام يُحصَون بالعدد؛ لقوله: ﴿بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾.

* من فوائدها أيضًا: أن موطن الملائكة هو السماء، هذا هو الأصل؛ لقوله: ﴿مُنْزَلِينَ﴾ لأن النزول إنما يكون من أعلى إلى أسفل، فإذا كان الملائكة هؤلاء مُنزلين دلّ على أن مكانهم في السماء، هذا هو الأصل، لكن ينزلون إلى الأرض كثيرًا حسب أمر الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائدها: أن الملائكة لم تقاتل بلا شك، ولكن هل أُمِدّوا؟ ذكرنا أن المسألة فيها قولان للعلماء؛ إن كان في بدر فقد أُمدّوا، وإن كان في أُحُد فإنهم لم يمدوا؛ لأن ذلك شُرط بالصبر والتقوى.

ثم قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية: أن الصبر والتقوى سببان للنصر؛ لقوله: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي: تصبروا على الأوامر وتتقوا المحارم، وقد سبق تفسيرها.

* من فوائدها أيضًا: أن الله سبحانه وتعالى زادهم على ما بشّرهم به الرسول عليه الصلاة والسلام، زادهم ألفين إذا صبروا واتقوا.

* ومن فوائدها: أن هؤلاء الملائكة الذين يمدون بهم لو صبروا واتقوا ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أو ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ على قراءتين، فـ﴿مُسَوَّمِينَ﴾ أي: قد جعل فيهم علامة تختص بهم كما سبق، ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ أي: جعلوا علامة، هم جعلوا علامة على ما جعل لهم من الخيول على حسب ما جاءت به الروايات.

* من فوائد الآية أيضًا والتي قبلها: أن من نعمة الله على العبد أن يكون الذي يتولاه الملائكة؛ لأن الملائكة تُثبِّت على الخير، بخلاف الشياطين فإنها تُثبِّت على الشر.

ويتفرع على هذه الفائدة: أنه إذا امتنعت الملائكة عن بيت فإنه نوع من العقوبة، كما في قوله عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ»[[أخرجه البخاري (٣٢٢٤) من حديث عائشة، ومسلم (٢١٠٦ / ٨٥) من حديث أبي طلحة زيد بن سهل.]].

ثم قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ﴾ إلى آخره.

* من فوائدها أيضًا: أن هذا الوعد من الله بشرى أو من الرسول على خلاف بين العلماء، والخلاف في هذا بسيط، الخطب يسير سواء كان ما جعله أي قول الرسول، أو ما جعله أي قول الله لهم ﴿إِلَّا بُشْرَى﴾.

* من فوائدها: أن إمداد الشخص بما يعينه سبب لسروره وبشارته؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ وسبب لطمأنينة قلبه وثبوته وسكونه؛ لقوله: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه مهما عظمت الأسباب إذا لم يؤيد الله الإنسان بنصر فإنه لن ينتصر؛ لقوله بعد ذكر هذا الإمداد: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه يجب على المرء مع فعل السبب أن يعتمد على ربه، وأن يؤمّل النصر منه سبحانه وتعالى.

* ومن فوائدها: أن النصر من مقتضى اسمه العزيز الحكيم.

* ومن فوائدها: أن الله لن ينصر إلا من اقتضت الحكمة نصره؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، ولا يرد على هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل للمشركين نصرًا في غزوة أحُد؛ لأننا نقول: هذا النصر فيه فائدة عظيمة للمسلمين، فهو حكمة، انتصار المشركين في أُحُد لا شك أنه حكمة تترتب عليه فوائد عظيمة تذكر -إن شاء الله- في الآيات.

منها قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللام هنا للتعليل، والفاعل في قوله: ﴿يَقْطَعَ﴾ يعود إلى الله سبحانه وتعالى، والمراد بالقطع هنا الإهلاك، أي: ليهلك طرفًا، والجار والمجرور: اللام هذه متعلقة إما بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ ولكن هذا ضعيف؛ لأنه بعيد، يعني أنه جاءت آيات كثيرة تفصل بين العامل والمعمول، وهذا لا نظير له، وإما أن يكون متعلقًا بمحذوف تقديره: فَعَل ذلك ليقطع طرفًا، وهذا القول أصح، فتكون اللام متعلّقة بفعل محذوف يُقدّر على وجه مناسب.

قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: ليهلكهم، ولكن هل هذا فيما إذا انتصروا على المسلمين أو فيما إذا انتصر المسلمون عليهم؟ أو على الوجهين جميعًا؟

الصواب: أنه على الوجهين جميعًا؛ لأنه إن انتصر المسلمون وهزموهم فقد هلك طرف منهم، وإن انتصروا هم على المسلمين فإنهم سوف يلحقهم الغرور ونشوة النصر، ثم يعيدون الكرّة مرة ثانية وحينئذٍ يُقضى عليهم، فيكون الوجهان حاصلين سواء غَلبوا أم غُلبوا.

وقوله: ﴿طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الطرف: طرف الشيء هو منتهاه من أسفل أو من أعلى، فهل المراد بالطرف هنا الذي يلي المسلمين؟

الجواب: نعم، المراد الذي يلي المسلمين؛ وذلك لأن المسلمين مطالبون بقتال من يليهم من الكفار حتى يفتحوا بلاد الكفار بلدًا بلدًا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة ١٢٣] وهذا كما أنه سُنّة الله الشرعية فهو أيضًا موافق للفطرة؛ لأنه ليس من الحكمة أن تذهب إلى البعيد تقاتله وتترك القريب؛ إذ إن القريب في هذه الحال ربما يكون كمينًا؛ يعني يحول بينك وبين رجوعك إلى بلدك.

وقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ يعني يخذلهم ويذلهم وإن لم يحصل فيهم قتل.

﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ ينقلبوا إلى مَن؟ ينقلبوا إلى بلادهم خائبين أي: لم يحوزوا خيرًا، وذلك كما حصل في غزوة الأحزاب، فإن الأحزاب في غزوة الأحزاب رجعوا خائبين بدون قتال، كما قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾. [الأحزاب: ٢٥]. إذن لا قتال، ردّهم الله بالريح والجنود التي لم نرها.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ﴿لَيْسَ لَكَ﴾ قال بعض العلماء: إن المعنى: ليس إليك من الأمر شيء، مثل قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٩٣] يعني ينادي إلى الإيمان، ولكن الظاهر أن اللام على بابها ليست بمعنى (إلى)، والمعنى أنك لا تملك شيئًا، وليس المعنى أنه لا يُرد إليك شيء، بل المعنى أنك لا تملك شيئًا، فاللام على ما هي عليه، والخطاب في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ للنبي ﷺ.

وقوله: ﴿مِنَ الْأَمْرِ﴾ يعني الأمر الكوني، أما الأمر الشرعي فإن للرسول عليه الصلاة والسلام منه شيء؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠] أما الأمر الكوني فلا.

واختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية، ففي بعض الروايات أن سببها أن النبيّ ﷺ دعا على قوم من الكفار مثل أبي سفيان، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، والحارث بن هشام، هؤلاء أربعة كان الرسول ﷺ يدعو عليهم، يلعنهم، إذا صلّى الفجر في الركعة الأخيرة يدعو عليهم: «اللَّهُمَّ الْعَنْ فلانًا وفلانًا وفلانًا»[[أخرجه البخاري (٤٠٧٠) من حديث سالم بن عبد الله، وأحمد في المسند (٥٩٩٧) من حديث ابن عمر.]]. بأسمائهم، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فالأمر إلى الله.

وفيه أيضًا رواية أخرى صحيحة: أن النبي ﷺ لما شجوا وجهه في أُحُد، جعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: «كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟». »[[أخرجه مسلم (١٧٩١ / ١٠٤) من حديث أنس بن مالك.]] فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.

والقاعدة في أسباب النزول أنه إذا لم يمكن الترجيح فلا مانع من أن يتعدد السبب، فيكون لنزول الآية سببان؛ يعني أنها نزلت بعدهما جميعًا، فيكون الأمران سببين لنزول الآية، أولًا: إنكاره عليه الصلاة والسلام على هؤلاء القوم وقوله: «كَيْفَ يُفْلِحُ؟» استبعاده فلاحهم.

والثاني: لعنه هؤلاء الأربعة. ولا محظور في ذلك، فإن الآية قد يكون لنزولها سببان.

وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ قيل: إنها معطوفة على ﴿يَقْطَعَ﴾، وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى) أن يتوب عليهم.

فعلى القول الأول لا إشكال في الآية، ويكون الله عز وجل ذكر عاقبة هؤلاء الكفار أربعة أمور: يقطع طرفًا من الذين كفروا، أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذّبهم، وهذا الوجه -كما ترون- وجه حسن ليس فيه إلا الجملة المعترضة في قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وهذا لا يضر، ففي القرآن جمل معترضة بين أشياء متقاربة في المعنى، بل فيه آيات، فمثل قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ذُكرت هذه في أثناء آيات العِدد، ولا يظهر للإنسان وَجْه مناسبة، لكن الله عز وجل أعلم منا، كذلك أيضًا هنا نقول: لا يضر أن توجد جملة معترضة مع أننا سنبين -إن شاء الله- المناسبة فيها.

أما القول الثاني: الذي يقول ﴿أَوْ﴾ بمعنى (إلى)، فيقولون: إن في الآية حذفًا، والتقدير: ليس لك من الأمر شيء فاصبر أو يتوب الله عليهم، فيقدّرون فعلًا هو (اصبر)، يعني لا تدْعُ عليهم، اصبر أو يتوب عليهم، وتعلمون أن (أو) تأتي بمعنى (إلى)، وتأتي بمعنى (إلا أن)؛ بمعنى (إلى أن) وبمعنى (إلّا أن)، فإذا قال القائل: لأقتلن الكافر أو يسلم، فهي بمعنى (إلا أن)، ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى أن). وإذا قال: لألزمن الغريم أو يقضيني ديني، فهي بمعنى (إلى أن).

وقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ وذلك بهدايتهم للإسلام؛ لأن الكلام الآن في الكافرين، وتوبة الله على الكافر أن يهديه للإسلام، وتوبته على الفاسق أن يرده عن الفسق إلى الطاعة.

وتوبة الله على العبد قسمان: توبة سابقة، وتوبة لاحقة، وتوبة العبد متوسطة بينهما، وهذا مذكور في سورة التوبة، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ [التوبة ١١٧، ١١٨].

﴿تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ هذه التوبة السابقة، والتوبة السابقة معناها التوفيق للتوبة، والتوبة اللاحقة قبول التوبة، وتوبة العبد تكون أيش؟

* طلبة: بينهما.

* الشيخ: بينهما، نعم. ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ييسرهم للإسلام من الكفر.

* طالب: شيخ، بالنسبة الرسول نهاه، يعني الله نهى الرسول ﷺ ألا يسمي الأسماء في لعنه وهو مثلًا في السجود، (...) واحد (...) مثلًا يعني.

* الشيخ: لا لا، هو نهى عن لعنهم، اللعن لا تلعن، لكن ادعُ عليه بالهلاك لا مانع، ادعُ عليه بأن الله يشدد وطأته عليه.

* الطالب: باسمه؟

* الشيخ: باسمه ما فيه مانع، لكن اللعنة؛ لأن اللعنة معناها الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وأنت لا تدري ربما يكون هذا الكافر المعتدي الظالم يكون في يوم من الأيام ناصرًا للإسلام، أليس خالد بن الوليد قاتَل الرسول عليه الصلاة والسلام في أُحُد؟ قاتله، وصار من فرسان الإسلام، وعمر بن الخطاب، عمرو بن العاص يقول: «والله إني أتمنى أن أتمكن من رسول الله ﷺ* » فأقتله[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص.]]، يتمنى منية، فلما مَنَّ الله عليه بالإسلام قال: «والله ما أحِدّ الطرف به تعظيمًا له»[[أخرجه أبو عوانة في مسنده (٢٠٠) من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري عن عمرو بن العاص، ولفظه: إني لم أكن أستطيع أن أملأ عيني منه إجلالًا.]]، الله أكبر! ما تدري القلوب بيد الله.

* الطالب: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ هل يصح العطف على شيء؟ إذا كان (أو) بمعنى (إلا إن)، العطف على شيء هل هو أحسن؟

* الشيخ: لا لا، هذا ما يستقيم المعنى؛ لأنك إذا قلت: إلى أن يتوب عليهم صار معناه: إذا تاب عليهم فلك من الأمر شيء؟

* الطالب: ليس لك من الأمر شيء.

* الشيخ: إلى أن يتوب عليهم.

* الطالب: لله في الأمر شيء ما هو؟

* الشيخ: لا، لله، هذا شيء ثانٍ، لكن إذا قلنا الآية: ليس لك من الأمر شيء إلى أن يتوب عليهم، صار معنى الآية: فإن تاب عليهم فلك من الأمر شيء، ولهذا أنكر ابن جرير هذا المعنى قال: هذا ما يصح؛ لأن الأمر لله سواء تاب عليهم أو ما تاب عليهم، والرسول ليس له من الأمر شيء سواء تاب الله عليهم أو ما تاب عليهم.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ (١٢٨) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾ [آل عمران ١٢٨ - ١٣٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.

﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ سبق الكلام على تفسير هذه الآية، وقلنا: إن القول الراجح أن قوله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ جملة معترضة، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿لِيَقْطَعَ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ﴾ أي: يهيئ لهم أسباب التوبة حتى يتوبوا، وبينّا أن لله سبحانه وتعالى على عبده توبتين: توبة التوفيق، وتوبة القبول، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨].

قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ معطوفة أيضًا على ﴿لِيَقْطَعَ﴾، وهذه هي الحال الرابعة، والثلاث؟

* طالب: ليقطع طرفًا، وليتوب عليهم، ويكبتهم.

* الشيخ: أو يكبتهم، قال: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: يعذبهم بعذاب من عنده، فهذا كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة ٥٢] يعني أو يعذبهم عذابًا من عنده فيرسل عليهم رجسًا أو رجزًا، بالمرض والطاعون والزلازل وغير ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.

﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ الجملة هذه موقعها مما قبلها أنها تعليل لها؛ يعني أنهم يستحقون أحد هذه الأمور؛ لأنهم ظالمون، إلا التوبة، فإن الله إذا تاب عليهم زال وصفهم بالظلم، والأربعة الذين كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو عليهم كلهم تاب الله عليهم فأسلموا، وفي هذا إشارة -كما سبق- إلى أنه لا ينبغي للإنسان أن يدعو على شخص مهما بلغ في الكفر والطغيان باللعنة، بل لا يجوز أن يدعو عليه باللعنة؛ لأن اللعنة هي الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ولا يحل لك أن تتحجّر رحمة الله، فقد يمنّ الله على هذا الكافر المجرم فيتوب، كما أنه سبحانه وتعالى قد يمن على الفاسق الذي لم يصل إلى حد الكفر فيستقيم وتصلح حاله.

* من فوائد هذه الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾ إثبات الحكمة لله عز وجل في أفعاله وتشريعاته؛ وذلك لأن اللام للتعليل، والتعليل هو الحكمة.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الله سبحانه وتعالى يُسلّط المؤمنين على الكفار ليقطع طرفًا من الذين كفروا، وليس كل الذين كفروا؛ لأن من حكمة الله أن يبقى الإيمان والكفر متصارعين دائمًا حتى يتبين المؤمن الخالص من غيره.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الكفار واحد من هذه الأمور الأربعة: إهلاكهم، الثاني: خذلانهم؛ لقوله: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الكبت وهو الإذلال والخذلان هو الخيبة؛ لقوله: ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾.

وهل لنا مثل في هذا؟ مثل قصة الأحزاب فإن الله سبحانه ردهم على أعقابهم خائبين.

ثم قال: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية: أن النبي ﷺ لا يملك شيئًا من الأمر، أي الأمر؟ الكوني، وفي هذه الجملة رد على الذين يتعلقون بالرسول عليه الصلاة والسلام في الدعاء والاستعانة به حتى بعد موته، الآن تجدهم عند القبر الشريف يدعون الرسول عليه الصلاة والسلام صراحة، بل إنهم عند الدعاء ولو كانوا بعيدين يتجهون إلى القبر، لا إلى القبلة، وهذا من سفههم.

* ومن فوائد هذه الآية، بل هذه الجملة: أن النبي ﷺ مُكلَّف، يأمره الله وينهاه، وعليه فيكون في هذا إبطال لدعوى من يقولون: إن الإنسان إذا وصل إلى حالة معينة من العبودية سقطت عنه التكاليف، وهذا قول طائفة من الصوفية، يقولون: إن الإنسان إذا ترقّى في اليقين حتى وصل إلى الدرجة العليا سقط عنه التكليف، وصار كل شيء حرام حلالًا له، وكل شيء واجب ليس بواجب عليه، فلا يوجبون عليه الصلاة، ولا يحرّمون عليه الزنا، ولا شرب الخمر؛ لأن الرجل وصل إلى الغاية، وهذه التكاليف عندهم ما هي إلا وسيلة وطريق، إذا وصل الإنسان إلى الغاية سقطت الوسيلة، فقالوا: لو أنك سافرت إلى بلد ووصلت إلى هذا البلد، هل تحتاج إلى طريق تمشي فيه؟ لا، هم يقولون كذلك، العبادة طريق تصل به إلى غاية معينة، إذا وصَلْت إليها سقطت عنه.

فيقال لهم: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام -وهو أشرف الخلق- لا يصل إلى هذه المرتبة، فما بالك بمن دونه؟!

* من فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يتوب على أعتى الناس وأشدهم كفرًا؛ لعموم قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الله قد يعذب الكافرين عذابًا ليس للمسلمين فيه يد، بل هو من عند الله وحده؛ لقوله: ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية: أن الله لا يعذب إلا بذنب؛ لقوله: ﴿فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ والظالم مستحق لأن يُنكِّل الله به؛ لأن الله تعالى لا يحب الظلم، بل إنه قال في الحديث القدسي: «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском