Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:136–137
3:136Page 67
أُوْلَٰٓئِكَ جَزَآؤُهُم مَّغۡفِرَةٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَجَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ١٣٦
Those - their reward is forgiveness from their Lord and gardens beneath which rivers flow [in Paradise], wherein they will abide eternally; and excellent is the reward of the [righteous] workers.
ثم قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ أولئك هنا إشارة وخطاب، الإشارة مأخوذة من قوله: (أولاء)، والخطاب من قوله: (أولئك) الكاف، ويجب أن نعلم من حيث اللغة العربية أن اسم الإشارة يكون بحسب المشار إليه، وأما كاف الخطاب فبحسب من؟ المخاطَب، ثم إذا كانت بحسب المخاطب فهل تبقى مفردة مفتوحة مبنيّة على الفتح؟ أو تكون بحسب المخاطب تذكيرًا وتأنيثًا وتثنية وجمعًا وإفرادًا؟ أو تكون بالفتح للمذكر مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟ وبالكسر للمؤنث مطلقًا ولو جمعًا أو مثنى؟
في هذا ثلاث لغات للعرب:
اللغة الأولى: أنها لازمة للفتح باعتبار أن المخاطب اسم جنس، فإذا قلت: (ذلكَ) تخاطب اثنين فالمعنى أنك تخاطبهما باعتبار جنس الذكور، أو باعتبار جنس الشخص.
والثاني: أنها بالفتح للمذكر مطلقًا وبالكسر للمؤنث مطلقًا، ويش معنى الإطلاق؟ حال التثنية والجمع والإفراد.
والثالث؛ وهو الأفصح: أنها بحسب المخاطب مطلقًا، فإن كان مفردًا مذكرًا فهي بالفتح مفردة، إذا كان مثنى فهي بالتثنية، إذا كان جماعة ذكور فهي بالميم تقترن بالميم؛ جماعة إناث تقترن بالنون.
﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ﴾ [يوسف ٣٢] لأنها تخاطب جماعة نسوة. ﴿ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ [يوسف ٣٧] يخاطب اثنين. ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٥٤] يخاطب جماعة ذكور، هذا هو الأفصح، فهنا يقول: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ أولئك الخطاب لمن؟ لواحد؛ يعني أولئك أيها المخاطب، فالخطاب لواحد والإشارة لجمع؛ يعني أولئك المتقون أيها المخاطب ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ أي: ثوابهم ومكافأتهم على عملهم ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ يكون بها النجاة من النار ﴿وَجَنَّاتٌ﴾ يكون بها حصول المطلوب في جنات النعيم. ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: عفو وتجاوز عن الذنوب وستر عن الخلق ﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ جنات جمع؛ لأن الجنة درجات كثيرة، ومنازل متنوعة يختلف الناس فيها بحسب أعمالهم،« وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أهل الجنة يتراءون الغرف كما نتراءى الكوكب الدري الغابر في الأفق، قالوا: يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا ينالها غيرهم، » قال: «بَلَى، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ رِجَالٌ آمَنُوا بِاللَّهِ وَصَدَّقُوا الْمُرْسَلِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٥٦) ومسلم (٢٨٣١ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. اللهم اجعلنا منهم، هذه المنازل يختلف الناس فيها، أهل الجنة يتراءونها مثل ما نرى الكوكب الدريّ المضيء الغابر في الأفق بعيد جدًّا ليس فوق مسامة الرؤوس بل هو بعيد، فهي درجات ولهذا تجمع، وأعلى ما فيها الفردوس؛ لأن فوقه عرش الله جل جلاله، وهو وسط الجنة وأعلى الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة.
﴿وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ووصف الله بأنها جنات؛ لأن فيها من أنواع النعيم ما لا يخطر على البال، فهي دار لا يمكن أن يدرك الإنسان كنهها وحقيقتها؛ لأنها أعظم من أن تدركها مخيلتنا، قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤) ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]].
وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من تحتها قال العلماء: أي: من تحت قصورها وأشجارها لا من تحت أرضها؛ لأنه لو كان من تحت أرضها لكانت في الأسفل في قعر، ولكنها تمشي على سطح أرض الجنة إلا أنها تحت القصور والأشجار ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. وقد ورد في الحديث أن هذه الأنهار تجري بلا أخدود وبلا حفر، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:
أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ
تجري على الأرض بدون أن يكون لها أخدود؛ يعني سواقي أو حفر، ومع هذا تجري حيث أراد الإنسان حيث أراد.
وقوله: ﴿الْأَنْهَارُ﴾ جمع (نهر)، وقد بيّن الله تعالى في سورة القتال سورة محمد أنها أربعة أنواع: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] أنهار من ماء غير آسن؛ يعني لا يقبل أن يكون آسنًا، بخلاف ماء الدنيا فإنه يكون آسنًا؛ أي: متغيرًا، فإنه إذا تأخّر وأبطأ تغير، أما ماء الجنة فلا يتغير.
﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد ١٥] بخلاف ألبان الدنيا فإنها تتغير إذا زادت عن المدة تغيرت وفسدت، ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد ١٥] لذة، وليس فيها غول ولا هم عنها ينزفون، لا توجع الرأس ولا تغتال العقول، وأشد ما يكون من اللذة. الرابع: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] أنهار من العسل، ليس من عسل النحل الذي يكون نصفها أو أكثر شمعًا، ولكنه من عسل مُصفّى.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها مكثًا طويلًا، وقد جاءت آيات أخرى تدل على أن هذا الخلود خلود تأبيد، وقد أجمع علماء أهل السنة على أنها -أي الجنة- مؤبدة بما فيها من النعيم.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الجملة هنا إنشائية للمدح والثناء، الثناء على أيش؟ على هذا الأجر العظيم، و﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ أي ثوابهم، وجعله ذو الفضل والإحسان أجرًا ليكون الإنسان مطمئنًّا على الحصول عليه إذا قدم العوض، وإلا فالمنة لمن؟ المنة لله عز وجل أولًا وآخرًا، لكن يمن علينا -والحمد لله- بالعمل، ثم يمن علينا ثانيًا بالجزاء، ويقول: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، كأننا نحن محسنون استقلالًا وابتداءً، فإذا أحسنّا فجزاؤنا أن يحسن إلينا مع أنه والله هو الذي أحسن إلينا أولًا وآخرًا.
كذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ سبحان الله، يمنّ علينا بالسعي ويوفقنا له ويعيننا عليه، ثم يشكرنا عليه، هذا غاية الفضل والإحسان من الله عز وجل.
﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ الذين يعملون لهذا الأجر العظيم. وقوله: ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ نقول في إعرابها: إن (أجر): فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: نعم أجر العاملين هو أو الجنة، كما قال الشاعر:
نِعْمَتْ جَزَاءُ الْمُتَّقِينَ الْجَنَّهْ ∗∗∗ فِيهَا الْأَمَانِي وَالْمُنَىوَالْمِنَّهْ
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: بيان جزاء المتقين، وأنه جزاء لا يدركه الإنسان بتصوره؛ لأنه أعظم مما يتصور.
وفيها: أن جزاءهم متضمن لحصول المطلوب ودرء المكروه، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿مَغْفِرَةٌ﴾ وجنة، فبالمغفرة درء المكروه، وبالجنة حصول المطلوب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مغفرة الله عز وجل للمرء من أعظم الثواب، فلا تستغرب أن تكثر من سؤال المغفرة، كان النبي ﷺ حينما نزلت عليه سورة النصر يُكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٨١٧) ومسلم (٨٤٨ / ٢١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: بيان حال الجنات التي وعدها المتقون وما يصوره قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من النعيم العظيم.
* ومن فوائدها: أن أهل الجنة خالدون فيها؛ لقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ وقد دلّت النصوص على أن هذا التخليد أبدي.
* ومن فوائدها: عِظم هذا الأجر؛ لأن العظيم إذا أثنى على شيء دل على عظمه، والله تعالى أعظم شيء، وقد أثنى على هذا النعيم.
* ومن فوائدها: بيان فضل الله عز وجل على عباده، حيث جعل هذا الجزاء أجرًا بمنزلة الأجر المحتّم الذي لا بد من أن يناله العبد، فإذا قال قائل: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: «وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣) ومسلم (٢٨١٦ / ٧٥) واللفظ له من حديث أبي هريرة.]]. قال: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِه». وظاهر الآية التي معنا أن هذه الجنة التي أُعدّت لهم أجر لهم، عوض عما قاموا به من العمل، والجواب عن هذا أن نقول: إن قول الرسول ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ» » أي: على سبيل المكافأة، أي أن الجزاء يكافئ العمل ويكون عوضًا عنه، وأما على أنه سبب من الأسباب ولكن الله بفضله جعله بمنزلة العوض فهذا ثابت، فأعمالنا سبب، ولو قُوبلت بنِعم الله لم تكن شيئًا، لو أنك جمعت نِعم الله عليك وقارنت بينها وبين عملك لكان العمل ما هو أقل ضئيلًا جدًّا، ولا ينسب لشيء، النفس لو أُصيب الإنسان بضيق في نفسه لكان يبذل كل ما يملك من أجل زوال هذه المحنة، كذلك البول، الغائط، السمع، البصر، إلى غير ذلك، نِعم كثيرة لا يقابلها العمل، وقد قال بعض الشعراء:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ∗∗∗ عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ؎فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
صحيح هذا؟ لأنَّا نقول: إذا وفقت للشكر وشكرت الله فهي نعمة؛ لأن الله قال: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣]، وما أكثر الذين كفروا نعمة الله، ثم إذا شكرت الله قلنا: إنها نعمة تحتاج أيضًا إلى شكر آخر، فإذا وفقت لشكر الشكر فهو نعمة ثالثة تحتاج إلى شكر، وهلم جرًّا، ولهذا قال:
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ∗∗∗ وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَالْعُمْرُ
* طالب: يا شيخ، بالنسبة لقوله: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا﴾ أحيانًا الإنسان يتوب ويعزم أن لا يعود، وبعد فترة تراوده نفسه أن يعود، فهل تنتقض التوبة في هذه الحال؟
* الشيخ: لا، ما تنتقض.
* طالب: أصرّ على المعاودة؟
* الشيخ: ما أصرّ، المصِرّ الذي يبقى على الذنب وكأنه ليس بذنب، أما الإنسان الذي يتوب، ثم تغلبه نفسه في المستقبل، ويفعل المعصية فهذا ليس بمُصرّ، ولهذا ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ رَجُلًا أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، ثُمَّ أَذْنَبَ فَاسْتَغْفَرَ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: عَلِمَ عَبْدِي أَنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ وَيَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ مَا شَاءَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٠٧) ومسلم (٢٧٥٨ / ٢٩) من حديث أبي هريرة.]]، فكون الإنسان كلما أذنب استغفر، وكلما استغفر عاد فأذنب لا يبطل توبته الأولى.
* طالب: ذكرنا في ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ هذا شأن مدح، فكيف يكون خبرًا للجنة (...) ما المقصود؟
* الشيخ: كيف يكون خبرًا؟
* الطالب: يعني جملة إنشائية (...) وخبر.
* الشيخ: أحسنت، لما كانت صيغتها صيغة الخبر صحت أن تكون خبر المبتدأ، هي صيغتها صيغة الخبر، نقول: (نِعْمَ) فعل ماضٍ، و(أجرُ) فاعل، لكن هي المقصود بها إنشاء المدح مثل (بئس).
* طالب: شيخ، هذه الآية ما تؤيد الحديث: «لَا يَدْخُلُ أَحَدُكُمُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» أنه قال الله سبحانه وتعالى صدّر الآية بالمغفرة قال: ﴿جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ﴾، فيكون الأول يدخلهم يعني بمغفرته الجنة، ثم يجازيهم بهذه الأعمال برفعهم درجات.
* الشيخ: ظاهر الآية أن الجنة هي الأجر؛ لأنه ما ذكر إلا جنات تجري من تحتها الأنهار فقط.
* طالب: قلنا: إن الآية مثلًا ما فعلوه وهم يعلمون.
* الشيخ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
* طالب: يعني الجاهل لا ذنب له.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: الجاهل فعل ذنب وهو جاهل به؛ يعني ربنا ما يكتب له الذنب.
* الشيخ: إي نعم، صحيح.
* الطالب: وأخذنا القاعدة يا شيخ.
* الشيخ: أخذنا القاعدة أن الجاهل لا يؤاخَذ بذنبه، وهو صحيح.
* طالب: أحسن الله إليك، الله في القرآن امتدح الذين يستغفرون ولا يصرون على الذنوب، والذين يتركونها بالكلية.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يمتدحهم على الاستغفار وعدم الإصرار عليها لا تركها بالكلية، والنبي ﷺ يقول: «كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦١٢) ومسلم (٢٦٥٧ / ٢١) واللفظ من حديث أبي هريرة.]]، فهل دليل على أن المقدمات الكبيرة لا بد أن الإنسان يفعلها؟
* الشيخ: ما هو على كل حال؛ يعني معناه أن الإنسان من حيث هو إنسان سيفعل هذا، وبقدرته أن يغض من بصره، لكن لا بد لبني آدم من الخطأ: «كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ»[[أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) واللفظ له من حديث أنس بن مالك. ]]، «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٧٤٩ / ١١) من حديث أبي هريرة.]].
* طالب: الْمُصرّ على الصغيرة، قلنا: إن الإصرار على الصغيرة من الكبائر، مع أن الْمُصرّين على الصغائر يختلفون جدًّا منهم من يستهين بحرمات الله، ومنهم من يعتقد أنه ما هو بالأمر المحرم، كيف يكون يعني سواء؟
* الشيخ: لا، ما هو بسواء، بارك الله فيك، حتى الكبائر ليست سواء، إذا قلنا: كبيرة معناها أنها في ضمن الكبائر لكن الكبائر تختلف، ليس شيء من الأعمال إلا يختلف، إن أتيت الأعمال الصالحة وجدتها تختلف، الكفر نفسه يختلف، أليس كذلك؟ الكبائر تختلف؛ أكبر الكبائر ووسط الكبائر، وأدون الصغائر، الصغائر أيضًا تختلف، النظر إلى المرأة بشهوة، مثلًا المرأة الأجنبية، من الصغائر، ومسّها من الصغائر، وأيهما أعظم؟ المس أعظم.
* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، من كان يفعل المعاصي فتاب عن بعضها ولم يتُب عن البعض، فهل يقبل الله توبته علمًا بأنه قد تاب عن بعض المعاصي الصغيرة وترك الكبيرة؟
* الشيخ: أظن هذه مرت علينا.
مر علينا أن العلماء اختلفوا إذا تاب من ذنب وهو مُصرّ على آخر، فهل تقبل توبته من هذا الذنب أو لا؟ ذكرنا أن في هذا خلاف، منهم من قال: لا تقبل، ومنهم من قال: تقبل مطلقًا، ومنهم من قال: إن كان الذنب الذي هو مُصرّ عليه من جنس الذنب الذي تاب منه فإنها لا تقبل، وإن كان من غير جنسه قبلت؛ فمثلًا إذا تاب من غش الناس في البيع لكن غشهم في الإجارة، هذا الذنب جنس واحد، وإن اختلف محل الغش، المهم فيها ثلاثة أقوال للعلماء، والصحيح أنها تقبل، إذا تاب من ذنب ولو أصرّ على مثله أو على جنسه، ولكنه لا يستحق الوصف المطلق في مدح التوابين، يعني لا يدخل في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة ٢٢٢]، إنما يقال: هذه توبة مقيدة.
3:137Page 67
قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ١٣٧
Similar situations [as yours] have passed on before you, so proceed throughout the earth and observe how was the end of those who denied.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٨) وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾ [آل عمران ١٣٧ - ١٤١].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ جملة محقّقة بـ(قد)؛ لأن قد إذا دخلت على الفعل الماضي تفيد التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع تفيد التقليل، وقد تفيد التحقيق بالقرائن، فقول القائل: قد يجود البخيل. هذه للتقليل، وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٨]، هذه تفيد التحقيق، أما إذا دخلت على الماضي فإنها تكون للتحقيق، كقول المقيم: قد قامت الصلاة.
﴿قَدْ خَلَتْ﴾ أي: مضت. ﴿مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ الخطاب لهذه الأمة، والسنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها سنن الله عز وجل في المكذبين حيث يأخذهم ويدمرهم، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]، قال: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ يعني أهلكهم وأبادهم، ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ من هذه الأمة، إذن سنن جمع (سُنّة) وهي الطريقة، والمراد بها طريق الله تعالى في المكذبين للرسل حيث تكون عاقبتهم الهلاك والدمار.
وقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (الفاء) هنا للترتيب وهي عاطفة، عطف جملة على جملة، و(سيروا) فعل أمر من السير وهو المشي، والمراد به هنا سير القلوب وسير الأقدام، أما سير القلوب فهو بالتفكّر، أن يتفكر الإنسان في الأمم السابقة، السابقة عليه زمنًا، وكذلك يتفكر في الأمم السابقة عليه مكانًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، فالإنسان يسير بقلبه ويسير بقدمه، أما سيره بقلبه فهو أن يتفكر في عاقبة من مضى زمنًا، وفي عاقبة من مضى مكانًا، فمثلًا ديار ثمود موجودة الآن، يفكر الإنسان فيها زمنًا أو مكانًا؟ يفكر فيها مكانًا وزمانًا، فينظر كيف كان عاقبتهم، السير بالقدم قد يكون أشد وقعًا من السير بالقلب؛ لأن الإنسان يصل به إلى حق اليقين والمشاهدة بالعين، والسير بالقلب أعم وأشمل؛ لأن الإنسان يصل به إلى ما لا يمكنه الوصول إليه بالسير قدمًا، أليس كذلك؟
وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ (في) للظرفية، ولكنها عند المفسرين هنا بمعنى (على)، أي: سيروا على الأرض؛ لأن السير في جوف الأرض غير ممكن وغير مفيد أيضًا، وإنما يفيد السير على ظاهر الأرض. وقوله: ﴿سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي أرض من سبق، فـ(أل) هنا للعهد، للعهد المفهوم من قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ أي: سيروا في أرضهم، وانظروا كيف كانت عاقبتهم.
وقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ انظروا بعين البصر أو بعين البصيرة أو بهما؟ بهما جميعًا، فإن وصل إلى مكان هؤلاء الأمم فالنظر يكون بعين البصر وبعين البصيرة، وإن لم يصل، ولكنه فكر في قلبه فالنظر يكون بعين البصيرة؛ لأن البصر لا يمكن أن يصل إليه وهو ينظر في قلبه. ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾، (انظروا) فعل أمر، وهي تنصب المفعول به، لكنها علقت عن العمل؛ لأنه وليها جملة استفهامية، والجملة الاستفهامية إذا وليت الفعل المتعدي علقته عن العمل، علقته يعني منعته، وعلى هذا فتكون الجملة في قوله: ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ في محل نصب مفعول (انظروا).
أما إعراب ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ تفصيلًا، فإن ﴿كَيْفَ﴾ اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر (كان) مقدمًا، وتقديمه هنا واجب أو جائز؟ واجب؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام، فإذا وقع خبرًا وجب تقديمه، إذا وقع الاستفهام خبرًا وجب أن يقدم، فهنا كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان، و﴿عَاقِبَةُ﴾ اسمها، وأما ﴿الْمُكَذِّبِينَ﴾ فمعروف أنها مضاف إليه.
﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ أي: مآل أمرهم، عاقبة الشيء ما يعقبه ويؤول إليه الشيء، والمكذبين هنا المراد بهم المكذبين لله ورسله، فماذا كان عاقبتهم؟ كان عاقبتهم الهلاك والدمار، وعقوبتهم على حسب ذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ [العنكبوت ٤٠]، الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط. ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر ٣٤]، ومنهم من أخذته الصيحة كقوم صالح..
﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٠] الذين أرسل الله إليهم حاصبًا مثل قوم لوط: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر ٣٤]، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ كقوم صالح؛ ثمود، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ كقارون، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ كفرعون وقوم نوح، أغرقهم الله عز وجل، حسب ما تقتضيه الحكمة، والعقول قاصرة غالبًا عن معرفة تناسب العقوبة والعمل، أعطوا بالكم، أقول: إن العقول قاصرة غالبًا عن معرفة التناسب بين العقوبة وبين العمل، وأقول: غالبًا؛ لأنها أحيانًا قد تعرف المناسبة؛ فمثلًا نحن نعرف مناسبة إهلاك عاد بالريح هو أنهم كانوا يقولون: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥] فأراد الله عز وجل أن يريهم أنه يهلكهم بما هو من ألطف الأشياء وهو الريح؛ الهواء، الهواء لطيف، ومع ذلك دمر الله به هذه الأمة التي تفخر بقوتها.
في آل فرعون كان فرعون يعتز بالأنهار التي تجري من تحته ويقول لقومه: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥١، ٥٢] فأهلكه الله عز وجل بجنس ما افتخر به وهو الماء، والباقي أنا لا أستطيع أن أحدد التناسب بين العمل وبين العقوبة، لكن قوله تعالى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ يدل على أن العقوبة تناسب العمل، ومن الأمثال المشهورة عند الناس (كما تدين تدان).
* في هذه الآية من الفوائد العظيمة: أن الله سبحانه وتعالى قد أهلك أممًا قبل هذه الأمة؛ لقوله: ﴿سُنَنٌ﴾ [آل عمران ١٣٧] و(سنن) جمع؛ جمع كثرة ولّا جمع قلة؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: أو قلة؟ (سنن) قلة أوكثرة؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: كثرة، قلة، الأمران جميعًا، لا هذا ولا هذا، القسمة أربعة الآن، أنا أقرأ عليكم بيتًا لابن مالك وانظروا، قال ابن مالك رحمه الله:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ∗∗∗ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْماذا تكون (سُنن)؟
* الطلبة: كثرة.
* الشيخ: جمع كثرة، قولًا واحدًا، يعني أن جمع القلة محصور بهذه الأوزان الأربعة فقط:
أَفْعِلَةٌ أَفْعُلُ ثُمَّ فِعْلَهْ ∗∗∗ ثُمَّتَ أَفْعَالٌ جُمُوعُ قِلَّهْ* ومن فوائد هذه الآية: تسلية هذه الأمة من وجه، وتحذيرها من وجه آخر، تسليتها من وجه وتحذيرها من وجه آخر؛ تسليتها بأن الله سبحانه وتعالى قد عاقب من قبلها، فعقوبته لها في أُحُد من سنن الله عز وجل؛ لأنه لا شك أن ما حصل في أُحُد عقوبة: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، وفيها أيضًا تحذير من جهة أخرى عن عقوبة أشد؛ لأن الأمم السابقة أُهْلِكوا ودُمِّرُوا عن آخرهم.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات القياس، إثبات القياس كيف؟ لأن المقصود بقوله: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ النظر والاعتبار، وأن يُقاس ما حضر على ما مضى وسبق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالسير في الأرض، ولكن هل هو على إطلاقه أو من أجل الاعتبار فقط؟ لننظر: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا﴾، إذن السير في الأرض لغير غرض شرعي مذموم، كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وغيره من أهل العلم؛ لأن السير في الأرض من غير غرض شرعي فيه إتعاب النفس وتعريضها للهلاك، وإضاعة المال، وإضاعة الوقت، أما إذا كان لغرض شرعي فهو على حسب هذا الغرض، وعلى هذا فإن السير في الأرض ينقسم إلى أقسام؛ قسم: لأغراض محرمة، وهذا لا شك في تحريمه، قسم آخر: لأغراض مشروعة مطلوبة، وهذا لا شك في طلبه، وقسم ثالث: لمجرد الفرجة والنزهة، فهذا يُنظر فيه؛ الأصل فيه الإباحة، ولكن إن توصل به الإنسان إلى محرم كان حرامًا، وإن توصل به إلى مشروع كان مشروعًا؛ فمثال الأول - السير في الأرض من أجل الحرام - ما يفعله بعض الناس المترَفون الذين يسيحون في أرض الكفر وأرض المجون من أجل أن يحصلوا على مآربهم التي لا يستطيعون أن يحصلوا عليها في بلادهم، وهذا لا شك في أنه حرام؛ لأن السفر لهذا الغرض حرام، ونفس هذا الغرض أيضًا حرام، وإضاعة المال فيه حرام، فهو مركّب، حرام مركب ظلمات بعضها فوق بعض - والعياذ بالله - .
والثاني: الذي يكون مشروعًا؛ مثل السير في الأرض لطلب الرزق الواجب، كإنسان ليس عنده ما يقوته وأهله فسار في الأرض من أجل الحصول على هذا الرزق، وكذلك أيضًا السير في الأرض لطلب العلم، وقد كان السلف رحمهم الله يسيرون في الأرض لطلب العلم مسيرة شهر من أجل مسألة واحدة، يرحلون ارتحالًا في الأرض من أجل مسألة واحدة، والسفر في ذلك الوقت ليس كالسفر في وقتنا هذا، فيه مشقة وفيه أخطار كبيرة، أما السفر الذي لا لهذا ولا لهذا فمثل سفر بعض الناس للاستجمام والنزهة في أيام الإجازة، إجازات الأعياد وما أشبهها، هذا نقول ليس فيه بأس في الأصل، لكن قد يكون مفضيًا إلى خير فيكون خيرًا؛ كما لو كان في هذا السير صلة رحم أو بر والدين أو ما أشبه ذلك فإنه يكون في هذه الحال أمرًا مطلوبًا.
السير في الأرض التي هلك أهلها هل هو من الأمور المطلوبة؟ نقول: نعم إذا كان المقصود بهذا الاتعاظ، أما إذا كان المقصود بهذا التفرج على قوة القوم وما أشبه ذلك فإنه لا يجوز؛ لأن النبي ﷺ لما مر بديار ثمود في ذهابه إلى تبوك مر مسرعًا مقنعًا رأسه عليه الصلاة والسلام خائفًا، وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٣)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وهذا خلاف ما يفعله بعض الناس الذين ماتت قلوبهم، يذهبون إلى ديار ثمود من أجل الاطلاع على مآثرهم وآثارهم وقدرتهم، فإن هذا لا شك أنه حرام؛ لأن الرسول نهى، قال: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ».
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن عاقبة المكذب لله ورسله عاقبته وخيمة؛ لقوله: ﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences