Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:157–159

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:157–159

3:157–159Page 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

So by mercy from Allāh, [O Muḥammad], you were lenient with them. And if you had been rude [in speech] and harsh in heart, they would have disbanded from about you. So pardon them and ask forgiveness for them and consult them in the matter. And when you have decided, then rely upon Allāh. Indeed, Allāh loves those who rely [upon Him].

ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ﴾ عندكم كذا؟ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ ؟

* الطلبة: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾.

* الشيخ: فيها قراءتان: ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ بالكسر، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ قراءتان، إذن ففي الآية هذه كلمتان فيهما قراءتان، الأولى قال: ﴿مِتُّمْ﴾ مأخوذة من مات يمات، وإذا أُخذت من مات يموت كيف نقول؟ ﴿مُتُّمْ﴾ بضم الميم. أو من مات يمات؟

* الطلبة: ﴿مِتُّمْ﴾ .

* الشيخ: ﴿مِتُّمْ﴾ مات يمات، يعني كلها لغة عربية، تقول: (مات الرجل، يمات الرجل)، (مات الرجل، يموت الرجل)، (مات) كـ(يخاف)، وأصلها: مَوِتَ يَمْوَتُ، هذا أصلها، كخاف يخاف أصلها: خَوِفَ يَخْوَفُ، إذن هي من باب: فرِح يفرَح. خوِف يَخْوَف، فيقال فيها: خَوف يَخْوَفُ، نقول فيها أيش: ﴿مِتُّمْ﴾ كما تقول: خِفتم.

الثاني يقول: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ هل في الآية التفات؟

* طالب: نعم، القراءة الثانية.

* الشيخ: أيهم الياء ولّا التاء؟

* الطالب: الياء.

* الشيخ: الياء فيها التفات، وعلى قراءة التاء لا؛ لأن الآية كلها للخطاب.

وفي الآية أيضًا من جهة اللغة العربية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ ...﴿أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ . اجتمع في الجملة قسَمٌ وشرط، أيهما السابق؟

* طالب: القسم يا شيخ ﴿وَلَئِنْ﴾.

* الشيخ: أيهما السابق؟

* الطالب: الواو، واو القسم.

* الشيخ: وإذا تقدم القسم فأيهما يحذف جوابه: الشرط أو القسم؟

* الطالب: القسم.

* الشيخ: القسم؟

* طالب: جواب المتأخر على الشرط.

* الشيخ: جواب المتأخر، الشرط أو القسم، قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

(واحذف لدى اجتماع شرط وقسم) يعني عند اجتماع الشرط والقسم في الجملة، احذف (جواب ما أخرت فهو ملتزم).

هنا المتقدم أيش؟ القسم، إذن الذي يحذف جواب الشرط وهو كذلك، الآن في الآية هو كذلك، ولهذا جاء الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، جاء الجواب جواب قسم ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾، فاللام هنا واقعة في جواب القسم، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ مُوَطِّئة للقسم، وجواب الشرط محذوف.

فإن قال قائل: كيف يُحذف وهو ركن في الجملة؟ قلنا: لأنه وُجد ما يسد مسده، وهو جواب القسم.

يقول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي: في الجهاد في سبيله، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، بمعنى: قُتلتم في سبيل الله في الجهاد، أو قُتلتم في سبيل الله في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو قُتلتم في سبيل الله في الدعوة إليه، أو قُتلتم في سبيل الله في بيان الحق، كل هذا داخل في سبيل الله. الجهاد جهاد الكفار، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، بيان الحق؛ لأن الجامع بينها أن هذا قُتِل وهو يدافع عن أيش؟ عن دين الله عز وجل، فالذي يُقتل في سبيل الله يقول الله عز وجل: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ خير من الدنيا وما فيها.

وقوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ هل نقول: إن المعنى: أو مِتم في سبيل الله، فيكون المراد به من مات في الجهاد، أو مِتم مطلَقًا؟

الظاهر الثاني؛ لأن الله عز وجل لو أراد الأول لقال: ولئن قُتلتم أو مِتم في سبيل الله، فلما أخر (مِتم) عن القيد عُلم أنه غير مراد في الجملة الثانية.

ولهذا يقول العلماء: إن الوصف أو الشرط إذا تعقَّب جملًا عاد إلى الكل، وإن توسط جملًا فهو للأول، فهو لما سبقه. ما هي القاعدة؟ كل قيد بشرط أو صفة أو استثناء أو غيره -كل قيد- إذا تعقَّب جملًا -أي صار في آخرها- فهو عائد على الكل، وإن توسط عاد على ما سبقه فقط دون ما تأخر عنه، إلا ما دل عليه الدليل.

وعلى هذا نطبق قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور ٤، ٥]، هذه الآية فيها قيد بالاستثناء تعقَّب الجمل الثلاثة، فهل يعود إلى الثلاث؟ نقول: أما الأولى فلا يعود إليها بالإجماع، وأما الثالثة فيعود إليها بالإجماع، وأما الوسطى ففيه خلاف.

﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، الجملة الأولى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، الثانية: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾، الثالثة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ الاستثناء لا يعود إلى الأولى بالاتفاق، فلو أن القاذف تاب فإن حق المقذوف لا يسقط، يُجلد ثمانين جلدة ولو تاب، وإذا تاب القاذف زال عنه وصف الفسق بالاتفاق. وإذا تاب القاذف فهل تُقبل شهادته أو لا؟

في هذا خلاف؛ منهم من قال: تُقبل، ومنهم من قال: لا تُقبل.

يقول عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ المغفرة فيها النجاة من المكروه، والرحمة فيها حصول المطلوب.

وقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي مما يجمعون من الدنيا كلها، قال الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].

* طالب: في التشبه، لو كان الشيء مشتهرًا بين المسلمين، يعني يفعله طائفة من المسلمين ليس مختصًّا بالكفار، ولكن يفعله الشخص ليس لأن المسلمين يفعلونه ولكن لأن الكفار يفعلونه يعنى يقلدهم في الصفة.. في الأكل مثلًا، لا يأكل هذا لأن المسلمين يأكلونه بل يأكله لأن أهل أوربا يأكلونه أو كذا؟

* الشيخ: لا، لكن الظاهر ما يعتبر من التشبه.

* الطالب: أو اللباس، بعض الألبسة؟

* الشيخ: يعني هذا ما يتصل بنفس الإنسان، الأكل والآلات وشبهها، لو قال واحد: أنا باذبح بسكاكين من سكاكين الكفار، لكن ليس في قلبي تعظيمهم، فلا بأس، وأما قول الرسول ﷺ: «وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ» » فليست العلة أنه مدى الحبشة، لكن العلة أن إطالة الظفر من فعل الحبشة من أجل أن ينحروا به. الحبش يغذون أظفارهم حتى تكون كالسكاكين، وبدل من أن يحمل السكين في جيبه يقول: السكين جاهز في الأصبع. لأن هذا لو أن الناس اعتادوه خرجوا عن الفطرة التي هي تقليم أيش؟

* الطلبة: الأظافر.

* الشيخ: تقليم الأظفار، إي نعم.

* طالب: في بعض البلدان أكثر العلماء يلبسون ثيابًا تشبه ثياب الأساقفة والرهبان، فيكون هذا من التشبه بهم؟

* الشيخ: الظاهر أنه من التشبه، ما دام الإنسان إذا رآهم قال: هؤلاء من الأساقفة فهو تشبه. مع أن المسألة ربما يقال: إن السبق في هذا اللباس للمسلمين.

* الطالب: لماذا لا يلبسون لباس أهل البلد؟

* الشيخ: لكن ما تظن أن هذا اللباس سابق للمسلمين أنه خاص بالعلماء؟

* الطالب: لا يا شيخ، الأساقفة سابقين.

* الشيخ: سابقين؟ مشكلة هذه، هذه ما هي مضاهاة للنصارى.

* الطالب: ولكن يا شيخ هم لا يعلمون ولا يقصدون؟

* الشيخ: إي لكن معروف، يعني من عرف لباس الأساقفة قال: هذا أسقف.

* الطالب: هم يقلدون العلماء من قبلهم، وما يعلمون أنهم يتشبهون؟

* الشيخ: نحن قلنا: إن التشبه لا يُشترط فيه القصد.

* طالب: أقول -أحسن الله إليك يا شيخ-: بعض النساء عندهم قصات معينة ويفعلها الكفار، لكن هم ما قصدوا التشبه، بل عادة؟

* الشيخ: أبدًا، ما دام أن هذا لم ينتشر بين المسلمين ويكن من لباسهم أو من هيئاتهم فهو تشبه حرام.

* الطالب: ما قصدوا؟

* الشيخ: ولو ما قصدوا؛ لأن الذي يقصد التشبه قلت لك: إن هذا خطر؛ لأنه لن يقصد التشبه إلا وفي قلبه تعظيم لهم ومحبة لهم.

* طالب: اشترطتم يا شيخ المغفرة والرحمة على مجرد الميت؟

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ﴾.

* الشيخ: يعني معناه أن من مات -وعلى كل حال ما بعد وصلناها- لكن معنى من مات فإنه لن تفوته المغفرة، ثم هو إذا مات انتقل إلى خير مما كان عليه، يعني هؤلاء الذين يموتون في سبيل الله ينتقلون إلى ما هو أفضل، ولهذا يتمنون أن يعودوا إلى الدنيا لا ليعيشوا فيها ولكن ليُقتلوا مرة ثانية في سبيل الله، كذلك الموت، الله المستعان، كررنا عليكم مرارا: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى ٤]، ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى ١٦، ١٧] أتظن أن المؤمن إذا مات يندم على أنه مات من أجل فوات محبوب له؟ لا، من أجل العمل، يتمنى أنه باقٍ ليزداد عمله، لا ليتمتع بالدنيا؛ لأنه ينتقل إلى دار أفضل، ما دام -نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم- ما دام يُفسح له في قبره مد بصره ويأتيه من نعيم الجنة وروحها، هذا ما له نظير في الدنيا.

* طالب: في قول الله عز وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾...﴿أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ نريد توضيح القسم من أداة القسم والمقسوم؟

* الشيخ: (والله لئن) هذا أداة القسم، (والله لئن).

* طالب: ﴿وَقَالُوا﴾ للماضي، و﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾ للمستقبل، ما فيه إشكال؟

* الشيخ: إي، وعلى كل حال فيه شيء من الإشكال، ما هو الإشكال اللي يمكن أن يرد؟ ﴿وَقَالُوا﴾ ﴿إِذَا ضَرَبُوا﴾، بعض العلماء قال: إن (إذا) هنا لا يراد بها الاستقبال، إنها سُلِبت الدلالة عن المستقبل، وإن المراد بها مجرد الظرف، وإنه يشبه قول: وقالوا إذ ضربوا في الأرض، وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض أو كانوا غزى. قالوا: والدلالة على المعنى قد تُسلب الكلمة كما في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ٩٦] هل المعنى: كان في الأزل ثم لم يكن الآن غفورًا رحيمًا؟ لا، سُلبت الدلالة على الزمان، كذلك (إذا) هنا سُلِبت الدلالة على المستقبل وصار المراد بها مجرد الزمان فقط.

* * *

* طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)﴾ [آل عمران ١٥٩].

* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا يسأل يقول عن الذين يُعَلِّقون على مصاحف المسجد؟

اللي يحب يعلق القراءات يشتري مصحف ويعلق عليه، هذا طيب، المصحف هذا معلق عليه القراءات، أما المسجد ما يجوز؛ لأنه ربما يأخذه عوام ما يعرفون، ثم هذا يُجَرِّئ الناس على تعليقات غير صحيح، لذلك انتبهوا ممنوع، التعليق على مصاحف المسجد ممنوع، أفهمتم يا جماعة؟ لأن أولًا: ما هي لنا حتى نعلق عليها، والثاني: اللي يقرؤه ناس ما يعرفون، عامة، أخشى من هذا.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مِتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ هذه العبارة تكون في القرآن الكريم كثيرًا، أي أنه يجتمع قسم وشرط، القسم مستفاد من اللام في ﴿وَلَئِنْ﴾؛ لأن اللام هنا موطئة للقسم، أما الشرط فهو بـ (إن)، وإذا اجتمع شرط وقسم فإنه يُحذف جواب المتأخر، ويكون الجواب المذكور للمتقدم؛ لسبقه، قال ابن مالك في الألفية:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ

في هذه الآية: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ﴾ الجواب: ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ جواب قسم؛ لأنه اقترن باللام.

في هذه الآية في قوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ قراءتان: قراءة بكسر الميم، وقراءة بضم الميم، أما ضم الميم فهي من مات يموت، وهذه قاعدة تنفعكم: إذا أُسند الفعل الماضي إلى ضمير الرفع فإنه على حسب المضارع، فمثلًا إذا كان المضارع مضموم العين فإن هذا يكون أيضًا مضمومًا: قام يقوم، تقول: قُمت، باع يبيع: بِعت، خاف: خِفت، لماذا؟ لأن أصله خوف يخوف مكسور، فتقول: خِفت، مات يمات: مِت، مات يموت مُت، إذن ﴿مُتُّمْ﴾ من مات يموت، ﴿مِتُّمْ﴾ من مات يمات، هاتان قراءتان.

فيه أيضًا في قوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ فيها قراءتان ﴿يَجْمَعُونَ﴾: قراءة بالتاء: ﴿تَجْمَعُونَ﴾ وقراءة بالياء. هذا الكلام عن القراءات والكلام عن الإعراب.

يقول الله عز وجل مبينًا ومسليًا لعباده المؤمنين: إنهم إذا خرجوا من ديارهم وقُتلوا أو ماتوا فإنَّ ما يُقبِلون عليه خير مما يرحلون عنه، وهذا متصل بما قبله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى آخره. يعني يقول: لو متم أو قُتلتم فإن هذا ليس حسرة، هذا خير، ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في الجهاد في سبيل الله، ويحتمل أن يكون المعنى أعم من الجهاد في سبيل الله بالسلاح ليشمل الجهاد في سبيل الله بالدعوة إلى الله عز وجل والعلم، فمن قُتل لكونه داعية فإنه مقتول في سبيل الله؛ لأنه كالمجاهد بسلاحه.

وقوله: ﴿أَوْ مِتُّمْ﴾ يعني دون أن تُقتلوا في سبيل الله، ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها، ﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ لمن؟ لكم: ﴿مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾ لكم أيضًا.

والفرق بين المغفرة والرحمة: أن المغفرة بها زوال المكروه، والرحمة بها حصول المطلوب؛ أي أنكم يحصل لكم مطلوبكم وتنجون من مرهوبكم، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، والرحمة صفة من صفات الله عز وجل لكنها تقتضي الإحسان إلى المرحوم والإنعام عليه.

وفي قوله: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ إضافة المغفرة إلى الله تدل على عظمة هذه المغفرة؛ وذلك لأن الشيء يعظم بعظم باذله، فمثلًا إذا قلت: أعطاني الملك عطية، وقلت: أعطاني الصعلوك عطية، الصعلوك من هو؟ الفقير. ماذا يتصور الناس إذا قلت: أعطاني الملك عطية؟ أنها كثيرة. أعطاني الصعلوك عطية؟ أنها خمس وعشرون هللة، قليلة، فالشيء يَعْظُم بحسب ما أيش؟ ما يضاف إليه، فلهذا قال: ﴿مَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي ابتداؤها منه، فهو الذي يبتدئ بها عز وجل ويتفضل بها.

﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني: منه ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أو ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ من الدنيا كلها.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: أن من قُتل في سبيل الله أو مات من المؤمنين فقد انتقل إلى خير من الدنيا كلها؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.

* ومن فوائدها: منة الله عز وجل على عباده بتسليتهم في الأمور التي يهمهم فواتها، فالإنسان يهمه فوات الدنيا، كلٌّ يحب أن يبقى في الدنيا، فإذا جاءت التسلية من الله وقيل: إنك إذا مِت أو قُتلت انتقلت إلى ما هو خير، فإن الإنسان يتسلى بهذا، ويقول: الحمد لله أنني إذا انتقلت إلى الآخرة فأنا أنتقل إلى خير من الدنيا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين المغفرة والرحمة ليكمل للإنسان سعادته؛ إذ إن بالمغفرة زوال المكروه، وبالرحمة حصول المطلوب.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إيقاع التفضيل بين شيئين بينهما بُعْدٌ تام؛ لأنك إذا نسبت ما في الدنيا للآخرة فليس بشيء، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]] وأبين من ذلك قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩].

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مِتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ نقول في: ﴿لَئِنْ مِتُّمْ﴾ من حيث الإعراب ما قلنا في الآية التي قبلها، أي أنه اجتمع فيها قسم وشرط فحُذف جواب الشرط، ونقول: في ﴿مِتُّمْ﴾ قراءتان كما في الآية التي قبلها، بكسر الميم على أنها من مات يمات، وبضم الميم على أنها من مات يموت.

يقول عز وجل: إن متم أو قتلتم فإن مرجعكم إلى الله، مهما طالت بكم الأيام أو قصرت المرجع إلى الله، وإذا كان المرجع إلى الله فإن الإنسان سوف يبقى مطمئنًّا؛ إذ إن من كان مرجعه إلى الله عز وجل فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا، بل إنه إذا كان مؤمنًا فإنه يستبشر، كيف ذلك؟ لقول الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٢٢٣] ولما حدَّث النبي عليه الصلاة والسلام عائشة فقال: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قالت: يا رسول الله، كلنا يكره الموت» -ولقاء الله يكون بالموت- «قال: «لَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ فَبُشِّرَ بِالْجَنَّةِ اشْتَاقَ إِلَى رَبِّهِ وَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ، وَالْكَافِرُ» -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- «إِذَا حَضَرَهُ الْأَجَلُ بُشِّرَ بِالنَّارِ فَكَرِهَ لِقَاءَ اللَّهَ فَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٠٧)، ومسلم (٢٦٨٣ / ١٤) من حديث عبادة بن الصامت رضي لله عنه.]].

* ففي هذه الآية: أن المرجع إلى الله عز وجل مهما طالت بالإنسان الحياة، وعلى أي صفة كان موته، سواء كان بقتل أو بغيره، فالمرجع إلى الله.

* ومن فوائدها: زيادة التسلية للمؤمنين؛ لأن المؤمن إذا علم أن مرجعه إلى الله فإنه سوف يطمئن، وسوف يستبشر وينشرح صدره بذلك.

* ومن فوائدها: إثبات لقاء الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحشر يوم القيامة، فإن الناس يقومون من قبورهم ويحشرون إلى الله عز وجل ليجازيهم.

ثم قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾.

أولًا الإعراب: الفاء عاطفة، والباء حرف جر، و(ما) زائدة، ولكنها زائدة لفظًا زائدة معنى، أي تفيد زيادة المعنى. وقد كره بعض العلماء أن تقول: زائدة أو أن تقول عن حرف في القرآن: إنه زائد، قال: لأن القرآن لا زيادة فيه، ولكن نقول: إن المراد بقولنا: زائدة أي من حيث الإعراب، لا من حيث المعنى.

وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ إذا جعلنا (ما) زائدة تكون: ﴿رَحْمَةٍ﴾ مجرورة بالباء، وهذا في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ﴾ [النساء ١٥٥] أي: فبنقضهم ميثاقهم، ومنها قوله تعالى: ﴿قَالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نَادِمِينَ﴾ [المؤمنون ٤٠] أي: عن قليل.

وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ الجار والمجرور متعلق بـ (لنت)، بالفعل في: ﴿لِنْتَ﴾.

وقوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ﴾ (لو) هذه شرطية، وفعل الشرط: ﴿كُنْتَ﴾ وجوابه: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، والباقي ليس فيه مشكل.

يقول الله عز وجل مخاطبًا نبيه ﷺ ومبينًا نعمته عليه وعلى أمته، يقول: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: فبسبب رحمة الله لك ولأمتك أنك لين لهم ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ أي: كنت لينًا؛ لينًا في مقالك، لينًا في جلوسك، لينًا في مقابلتك، في كل أحوالك، فالرسول عليه الصلاة والسلام من أسهل الناس خلقًا وأكرمهم نزلًا، وقد قال الله عنه، وكفى به قولًا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤].

وقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أسند الرحمة إلى الله عز وجل؛ لأنه المتفضل بها، ولأن إسنادها إليه يفيد عظمتها وأنها رحمة عظيمة، وقوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ الضمير يعود على الصحابة رضي الله عنهم وعلى من بعدهم أيضًا؛ لأن التشريع الذي يقع في عهد الصحابة تشريع لهم وللأمة إلى يوم القيامة.

كونه رحمة له واضح، كونه رحمة لهم واضح أيضًا، من أجل أن يألفوه ويستأنسوا به وتتسهل معاملته إياهم؛ ولهذا «كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا يخيَّر بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٨٦)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ما خير النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم.]].

قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذه عطف على قوله: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ اللين يقابله الشدة، الشدة تكون في الهيئة، في القول، في القلب. قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ: الجافي الشديد في مقاله، تجده جافيًا ما يهتم بأحد، يقابل الناس يصعر خده لهم، لا يهتم بأحد، جاف على اسمه. أيضًا في قوله تجده عنيفًا شديدًا لا يلين، الغلظ هذا في القلب، تجد قلبه قاسيًا لا يرحم ولا ينزل الناس منازلهم، ولا ينظر إلى الأحوال المقترنة بالأفعال، أحيانًا تكون هناك أحوال تقترن بفعل الشخص يُعذر بفعله من أجلها، فتجد غليظ القلب -والعياذ بالله- يعامل الناس معاملة واحدة، لا ينظر إلى أحوالهم ولا ينظر إلى ظروفهم كما يقولون، وإنما تجده غليظ القلب قاسيًا لا يلين.

ومن أعظم ما يدل على ذلك ما يبدر من بعض الناس في معاملة الصغار، تجده في معاملة الصغار عنيفًا، يريد من الصغير أن يكون أدبه كأدب الكبير، وهذا لا شك أنه خطأ عظيم، وهذا من غلظ القلب، «ولما رأى الأقرع بن حابس النبي ﷺ يُقَبِّل الحسن أوالحسين قال: تُقبِّلون أولادكم؟! قال: «نَعَمْ». قال: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم، قال: «أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٩٩٧)، ومسلم (٢٣١٨ / ٦٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ أن الأقرع بن حابس أبصر النبي ﷺ يقبل الحسن فقال: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدًا منهم، فقال رسول الله ﷺ: «إنه من لا يرحم لا يرحم».]]. فالإنسان ينبغي له أن يكون رحيمًا، وأن يكون لين القلب.

قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظ ماذا قلنا فيه؟ الجافي الشديد القول.

غليظ القلب: القاسي القلب الذي لا يلين قلبه لأي سبب من الأسباب.

يقول: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ انفضوا أي: تفرقوا وخرجوا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة ١١] أي تفرقوا إليها وخرجوا.

وقوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ولم يقل: منك؛ لأن ﴿مِنْ حَوْلِكَ﴾ أبلغ من قوله: منك، يعني: انفضوا وبعُدوا حتى لا يقربون إلى مكان قريب منك، ﴿انْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ يعني: يبعُدون حتى عما قارب مكانك.

يقول عز وجل: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ هذا تفريع على قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾ إذا قصروا في حقك. والعفو هو التسامح وعدم المؤاخذة، ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ في حق الله عز وجل إذا قصروا فيه.

فالصحابة قد يقصرون في حق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يقصرون في حق الله، أما في حق الرسول فقال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ﴾ وما أكثر ما يحصل من جفاة الأعراب أو غيرهم من الكلام المسيء إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه يصبر ويتحمل ويعفو عنهم، إلى حد «أن رجلًا من الأنصار قال له لما حكم له في خصومة بينه وبين الزبير بن العوّام قال له رجل من الأنصار: أنْ كان ابن عمَّتِك يا رسولَ الله؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٣٥٩)، ومسلم (٢٣٥٧ / ١٢٩) من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.]] هذا اتهام فظيع. الزبير بن العوام أمه صفية بنت عبد المطلب عمة الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال هذا الرجل الأنصاري -عفا الله عنه- قال: أن كان ابن عمتك يا رسول الله؟

«وقال له رجل وهو يقسم فيئًا قال: إنّ هذا لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجه الله. وقال له: اعدل»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٣٨)، ومسلم (١٠٦٣ / ١٤٢) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه.]]. كل هذه الكلمات كان النبي عليه الصلاة والسلام يصبر ويحتسب الأجر من الله ويعفو، حتى أحيانًا يأتيه من زوجاته ما يأتيه مما يحصل من الغيرة بين النساء وهو يعفو عنهم.

قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ يعني: ما أخطؤوا فيه من حق الله، يعني: اسأل الله أن يغفر لهم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد ١٩].

﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الضمير يعود في: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ يعني لأصحابك، شاور أصحابك في الأمر. والمشورة هي استطلاع الرأي بحيث يُعرَض الشيء على المستشار ليستطلع رأيه، ويُنظر ما رأيه فيه، و«الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ»، يجب عليه أن يؤدي الأمانة على الوجه الذي يرى أنه أصلح لمستشيره.

وقوله عز وجل: ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ كلمة الأمر -أولًا- المراد بها واحد الأمور، لا واحد الأوامر؛ لأن الأوامر ما يستشير فيها أحدًا، الأوامر يأمر بها، شرْع، لكن ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الشأن، وهو مفرد محلى بـ(أل)، فهل (أل) هذه للعموم أي شاوره في كل أمر، أو هو عام أريد به الخاص، أي: شاوره في الأمر الذي يكون مشتركًا أو يشتبه عليك وجهه، أم ماذا؟

الثاني لا شك، الثاني بلا شك؛ لأنه لا يمكن أن الرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله بأن يشاورهم في كل شيء، إنما يشاورهم في الأمر العام المشترك، بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى ٣٨] أمرهم الذي يجمعهم جميعًا شورى بينهم، أما الأمر الخاص فإنه تُطْلَب الاستشارة عند اشتباه الأمر، «كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حين استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد في شأن عائشة، لما حصلت قصة الإفك»[[أخرجه البخاري (٢٦٣٧) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] وكثر القول فيها والقيل استشار النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في شأنها، وغير هذا من الأمور الخاصة التي قد تشكل على الرسول عليه الصلاة والسلام فيستشير فيها.

إذن: ﴿شَاوِرْهُمْ﴾ استطلِع رأيهم، ﴿فِي الْأَمْرِ﴾ أي في الأمر المشترك، أو في الأمر الخاص أيش؟ إذا اشتبه عليك الأمر؛ وذلك لأن الشورى يحصل فيها فوائد نذكرها إن شاء الله في الفوائد.

﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ إذا عزمت: أي صممت على الفعل. بعد المشورة أو قبل المشورة؟

الظاهر بعد المشورة؛ لأن الفاء تدل على أن ما بعدها مفرَّع على ما قبلها، أي: فإذا عزمت بعد الاستشارة واستطلاع الرأي فلا تعتمد على مشورتهم، اعتمد على من؟ على الله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ فهنا أُمِرَ بالأسباب والاعتماد على الله عز وجل. الأسباب هي المشورة، والاعتماد على الله هو التوكل عليه.

فما معنى التوكل؟ معنى التوكل: هو الاعتماد على الله عز وجل، الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة بالله، وشعور النفس بأن الإنسان محتاج إلى الله عز وجل.

قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ لما أمره بالتوكل بيَّن الثمرة العظيمة من هذا التوكل، وله ثمرات كثيرة، منها هذه الثمرة التي ذكر الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ على مَن؟ عليه، إن الله يحب المتوكلين عليه.

* في هذه الآية فوائد كثيرة:

* أولًا: بيان رحمة الله عز وجل بنبيه ﷺ وبأمته، بماذا؟

* طالب: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.

* الشيخ: بماذا الرحمة؟ ما أقول: أين الدليل؟

* طالب: (...) ﷺ بصحابته.

* الشيخ: إي نعم، هذا محل الرحمة، لكن بماذا كانت هذه الرحمة؟

* الطالب: هذه الرحمة كانت بأن الصحابة لما عصوا أمر الرسول ﷺ في الغزوة غزوة أحد فأمره الله سبحانه وتعالى أن يلين لهم.

* الشيخ: لا، هذا خبر بأنه لين، ما هو أمر.

* طالب: توجيه الله سبحانه تعالى لرسوله حتى يرفق بأصحابه.

* طالب آخر: جعل الرسول لينًا لهم.

* الشيخ: صح، الرحمة من جعل الرسول ﷺ لينًا لهم، بجعله لينًا لهم، هذه رحمة به وبهم.

* ومن فوائدها: أنه ينبغي لمن له سيادة في قومه أن يكون لينًا؛ ليتعرض لرحمة الله عز وجل. دليل ذلك ظاهر أن الرسول هو سيد قومه بل سيد الأمة جميعًا، فألانه الله لهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن اللين أولى بكثير من الفظاظة والشدة؛ لأن الله جعله من الرحمة، ولكن الفقهاء رحمهم الله لما ذكروا ما ينبغي للقاضي أن يتأدب به قالوا: ينبغي أن يكون لينًا من غير ضعف؛ لأن بعض الناس قد يكون لينًا ويكون بسبب لينه ضعيفًا، ما يكون حازمًا، وهذا نقص في اللين، لكن ينبغي أن يكون لينًا مع الحزم والقوة في مواضعها؛ لأن القوة في مواضعها حكمة، فاللين إن ضاعت به الحكمة فهو مذموم، وإن اجتمع مع الحكمة فهو محمود.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مضار الفظاظة والغلظة، وأن من أعظم مضارها نفور الناس عن الإنسان إذا كان فظًّا غليظًا غليظ القلب؛ لقوله تعالى لرسوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ هذا مع أنهم يرجون من قربهم من الرسول عليه الصلاة والسلام ما يرجون، فكيف إذا كان الإنسان لا يُرجى منه ما يُرجى من الرسول؟ إذا كان فظًّا غليظ القلب فالظاهر أنه لا يكفي أن ينفضوا من حوله، فربما رموه بالحجارة؛ لأن الصحابة يرجون من الرسول الخير بقربهم منه، فإذا قُدِّر أنه فظ غليظ القلب ينفضون من حوله، فمن سواه من باب أولى.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يستعمل مع الناس كل ما يجلبهم إليه. وجهه أن الله جعل؟

* طالب: جعل معهم الأسباب المؤدية للقلوب.

* الشيخ: نعم أنه جعل الفظاظة والغلظة سببًا للتنفير على سبيل الذم، لا على سبيل المدح. فينبغي للإنسان أن يستعمل في معاملة الناس كل ما يقربهم إليه، بشرط ألا يضيع شيئًا من الواجبات.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعذر في الابتعاد عن أهل الخير إذا كانوا جفاة غلاظ القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ ويعني بهم مَن؟ الصحابة. ويعني المنفض عنه الرسول، فإذا كان الصحابة لا يلامون على الانفضاض من الرسول لو كان فظًّا غليظ القلب فما بالك بمن دونه بمراحل، فلهذا إذا كان الإنسان فظًّا غليظًا ولم ير الناس حوله لا يلومنَّ إلا نفسه، ونحن نرى الآن أن الإنسان ربما يكون كافرًا، فإذا كان يعامل الناس باللين والرفق والبشاشة والسماحة ربما يفضلونه على مسلم فظ غليظ القلب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعفو عن حقه في معاملة إخوانه؛ لقوله: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، ولكن هذه الآية مقيدة بما إذا كان العفو إصلاحًا، قيدها قولُه تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى ٤٠]، أما إذا كان في العفو زيادة إفساد وطغيان فإن هذه مصلحة تضمنت مفسدة أعظم، مثل لو كان الجاني معروفًا بالشر والفساد، فهل الأولى أن نعفو عنه أو أن نؤاخذه بالذنب؟

الأولى أن نؤاخذه بالذنب. ولهذا ينبغي في حوادث السيارات ألا يتعجل الإنسان بالعفو عمن تسبب للحادث، بل ينظر؛ إذا كان من الرجال المتهورين الذين إذا عفونا عنه اليوم أحدث حادثًا غدًا، فهنا الأولى ألا نعفو، أما إذا علمنا أن الرجل شديد الحرص على سلامة الأنفس والأموال، ولكن هذا أمر قُدِّر ونعلم أنه سوف يتحرز غاية التحرز في المستقبل، فإن الأولى في هذا العفو، إذن فالعفو مقيد بماذا؟ بالإصلاح ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾.

وهل العفو واجب؟

ليس بواجب؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى ٤١] فمن انتصر لنفسه بعد أن ظُلِم فليس عليه سبيل، لكن الأفضل أن يعفو إذا كان في العفو إصلاح.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن التفريط في حق النبي عليه الصلاة والسلام قد يكون ذنبًا؛ لأن الله لما أمر نبيه بالعفو عن حقه الخاص قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهو كذلك، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام ليس كغيره؛ لأن له حقاًّ، حق الإسلام، وحق الرسالة، ولأنه أعظم الناس حقوقًا علينا، فالاعتداء في حقه أشد من غيره، يُكسِب الإثم؛ ولهذا قال: ﴿اعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. اللي غير الرسول ﷺ إذا عفا الإنسان عن حقه الخاص انتهى، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام لما كان الأمر الذي يتعلق به متعلقًا بحق الله عز وجل قال: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. ولهذا لو سب أحد شخصًا من الناس لم يَكْفُر، ولو سب النبي ﷺ كفر؛ لعظم حقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الأمر بالمشاورة، مشاورة المسلمين في شؤونهم، فيما يتعلق بالشؤون.

نقف على هذا ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾.

* طالب: (...) بين قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ يعني أن هذا سبب للانفضاض من حول الرسول، وبين ما كان عليه الرسول ﷺ من الهيبة، كانوا يهابونه الصحابة، يهابونه أن يكلموه في بعض الأمور؟

* الشيخ: الهيبة هذه شيء في القلب يقع، لكن الْمَهيب ليس فيه شيء من هذا، ولهذا من صفاته أنه من رآه بداهةً هابه، ومن خالطه أحبه، فهو عليه الصلاة والسلام يُهاب إجلالًا وتعظيمًا، لا من أجل أنه هو نفسه فظ غليظ القلب.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском