Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:176–177
3:176Page 73
وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ ١٧٦
And do not be grieved, [O Muḥammad], by those who hasten into disbelief. Indeed, they will never harm Allāh at all. Allāh intends that He should give them no share in the Hereafter, and for them is a great punishment.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [آل عمران ١٧٦].
في قوله: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ قراءتان؛ القراءة الأولى: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ من الثلاثي (حزَنه يحزُنه)، والقراءة الثانية: ﴿يُحْزِنْك﴾ من الرباعي (أَحْزَنَهُ)؛ ﴿وَلَا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ أي: يسارعون إليه، ولكنه عدّى يسارع بـ(في) إشارة إلى أن هؤلاء يسارعون إلى الكفر ويتوغلون فيه؛ انتبه وهذا من باب التضمين؛ وقد مر علينا أن علماء النحو اختلفوا فيما إذا عُدّي الفعل بغير الحرف المعتاد، فقال بعضهم: إن التجوز في أيش؟ في الحرف، وقال بعضهم: إن التجوز في الفعل؛ والفرق بين القولين أنه على القول الأول نحول معنى الحرف الموجود إلى الحرف المناسب للفعل؛ وعلى الثاني نحول الفعل إلى المعنى المناسب للحرف؛ فهمتم يا جماعة؟
وأوضح مثال من ذلك قوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان ٦] المعروف أن ﴿يَشْرَبُ﴾ تتعدى بـ(مِن)، وهنا تعدت بالباء؛ فقال بعض النحويين: الباء بمعنى (مِن)، والتقدير: يشرب منها عباد الله؛ وقال بعض العلماء: يشرب بمعنى (يرْوَى)، ومعلوم أن الرّيّ يستلزم الشرب؛ فتكون يشرب هنا دالة على معنى الشرب باللزوم وعلى الرِّيّ؛ ويكون هذا أبلغ مما لو قلنا: يشرب منه؛ لأن الإنسان قد يشرب ولا يروى؛ وهذا الأخير هو مذهب نحاة البصرة؛ أي أنهم يحولون الفعل إلى معنى أيش؟ مناسب للحرف ليكون الفعل دالًّا على معناه اللفظي وعلى معناه التضمني أو المعنى اللزومي.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ قلنا: إن الشيطان يجوز في إعرابه وجهان؛ خبر، والثاني يكون بدلًا أو عطف..
* الشيخ: نعم.
* الطالب: القاعدة هذه مطّردة: أن كل ما صح أن يكون بدلًا صح أن يكون عطف بيان؟
* الشيخ: إي نعم، إلا ما استثني؛ قال ابن مالك:
وَصَالِحًا لِبَدَلِيَّـــــــــــةٍيُــــــــــــــــــــــرَى ∗∗∗ فِي غَيْرِ نَحْوِ يَا غُلَامُ يَعْمُـــــــرَا؎وَنَحْوِ بِشْرٍ تَابِعِ الْبَكْـــــــــــــــرِيِّ ∗∗∗ وَلَيْسَ أَنْ يُبْدَلَبِالْمَرْضِـــــــــيِّ
في هاتين المسألتين فقط.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ، خاف قاطع طريق ولم يخرج إلى صلاة الجماعة فترك واجبًا، هل يُلام على ذلك؟
* الشيخ: هل الخوف مُحقَّق؟
* الطالب: محقق.
* الشيخ: طيب إذا كان محققًا فإن الجماعة تسقط عنه، وحينئذٍ..
* الطالب: لا يكون هناك أسباب ثانية للخوف.
* الشيخ: لا، لا يكون ترك واجب، ما دام وجوب الجماعة يسقط بالخوف بقي الآن غير واجب عليه.
* طالب: شيخ، المؤمن لا يكون جبانًا، والحديث: «أيكون المؤمن جبانًا؟ قال: «نَعَمْ». فكيف هذا؟
* الشيخ: الجبن -بارك الله فيك- نوعان؛ جبن طبيعي وهو الأول، الخوف؛ أما الجبن الذي يؤدي إلى ترك الواجب، هذا ما يمكن للمؤمن.
* طالب: قلنا: إن المصيبة إذا وقعت على المؤمن زِيد في إيمانه، وكذلك إذا وقعت لغير المسلم يلجأ إلى الله، فالكافر إذا (...) دعوة بيجوز اللجوء إلى الله.
* الشيخ: إي، لكن فرق بين هذا وهذا؛ زيادة إيمان المؤمن بالمصائب زيادة إيمان بقدر، ورضا بما صنع الرب؛ أما إيمان الكافر فهذا إيمان ضرورة؛ ولهذا ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت ٦٥] إيمان ضرورة ما هو بإيمان رضا واقتناع وتسليم؛ المؤمن يرضى ويقتنع ويسلّم، فتجده منشرح الصدر؛ أما ذاك لا؛ إنما يؤمن من أجل حصول غرضه الدنيوي فقط؛ ولهذا إذا حصل له الغرض الدنيوي عاد إلى ما كان عليه. واضح؟
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أيهما أصح قولًا يا شيخ؟ القول بالتضمن أو القول (...)؟
* الشيخ: الذي أرى أن الأصح القول بالتضمّن أو بالتضمين؛ لكن القول بالتضمين ما يتسنى لكل واحد، إنما يفهمه شخص طالب علم، يفهم التلازم بين المعنى المراد وبين المعنى الذي يدل عليه ظاهر اللفظ؛ وفيه صعوبة، ولهذا نقول: إن عجزت عن التضمين فاجعل الحرف مؤّولًا بحرف يناسب المذكور.
* طالب: كيف تضمن أو ﴿يُسَارِعُونَ﴾؟
* الشيخ: يدخلون فيه، يدخلون في الكفر مسارعين. واضح؟
* طالب: قوله: ﴿وَخَافُونِ﴾، قراءة ﴿وَخَافُونِ﴾، فيها قراءتان (...).
* الشيخ: ما هي هنا، ما ذُكرت.
* الطالب: بفتحها (...) ﴿وَخَافُونِ﴾.. وصلًا.
* الشيخ: ما ذُكرت، يعني حذف الياء أو بقاؤها؛ عندي ما ذُكرت.
* طالب: شيخ، الكسر والفتح.
* طالب آخر: يا شيخ، في قوله: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين ٢٨] إذا استبدلنا حرف الباء بـ(من) صح: عينًا يشربون منها المقربون؛ إذا استبدلنا يشرب بمعنى (يروى)، عينًا يروى بها؛ يعني (...)؟
* الشيخ: لا يا أخي؛ يعني يروى بسببها.
* الطالب: ويشرب بسببها؟
* الشيخ: لا، يشرب منها بعضها يعني، (مِن) للتبعيض.
* الطالب: والباء للسببية؟
* الشيخ: إي نعم. واضح؟
* طالب: (...) ومن الموصول؛ الاسم الموصول، ما يصح أن يكون في معنى..
* الشيخ: يصح؛ يعني ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله، يصح.
* الطالب: إذا كان معطوفًا على الكاف، هل يجوز العطف على الضمير؟
* الشيخ: إي كيف؟! يجوز مع الفاصل قولًا واحدًا، أما مع عدم الفاصل ففيه خلاف والصحيح الجواز ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء ١] ﴿وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة ٢١٧].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٧٦) إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٧) وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ [آل عمران ١٧٦ - ١٧٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ تكلمنا على هذه الجملة من الآية، وقلنا: إن قوله تعالى: ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ خلاف ما يتوقعه السامع، إذ إن المسارعة تتعدى بـ(إلى) كما في قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران ١٣٣] وهنا جاءت (في) في مكان (إلى)، واختلف العلماء في مثل هذا التركيب، هل التجوّز بحرف الجر أو بالفعل الذي تعدى بحرف الجر؟
على قولين؛ أحدهما: أن التجوّز بحرف الجر، يعني أننا نُقدّر حرفًا مناسبًا للفعل؛ فنقول: (في) بمعنى (إلى)، والثاني: أن التجوّز في الفعل بمعنى أن نضمّن الفعل معنى يتعدى بـ(في)؛ وقلنا: إن الثاني أولى وأدقّ وأعمق؛ فيُضمن: يسارعون فيه أيش؟ يدخلون فيه بسرعة؛ فإذا فسرنا يدخلون فيه بسرعة تضمن المسارعة والدخول في الشيء.
وقوله: ﴿فِي الْكُفْرِ﴾ أصل الكفر السّتر، ومنه (الكُفُرَّى)، وهو وعاء الطلع؛ طلع النخل، وهو معروف لدى الجميع، ولكنه في الاصطلاح هو جحد ما جاء به النبي ﷺ أو جحد بعضه، أو ترك ما يستلزم الكفر بتركه؛ هذا تعريف الكفر: جحد ما جاء به النبي ﷺ أو جحد بعضه ولو حرفًا واحدًا من كتاب الله، أو ترك العمل الذي يستلزم تركه الكفر؛ يعني مثل الصلاة فتركها كفر وإن لم يجحد وجوبها.
﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ الجملة هنا محلّها مما قبلها تعليل، محلّها تعليل، أي: مهما سارعوا في الكفر فإنهم لن يضروا الله شيئًا. وقوله: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أي: لن يلحقوا الضرر به جل وعلا وتقدس أن يُنال بضرر. وفي الحديث القدسي الذي أخرجه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) عن أبي ذر. ]].
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ هذا نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم؛ يعني لن يضروا الله أي شيء لا في ذاته، ولا في ملكه، ولا في أسمائه وصفاته، ولا في غير ذلك، لن يضروا الله شيئًا أبدًا؛ وقد قال الله تعالى في الحديث القدسي الذي أشرنا إليه آنفًا: «يَا عِبَادِي، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) عن أبي ذر. ]].
ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: يريد الله سبحانه وتعالى بكفرهم ﴿أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا﴾ أي: نصيبًا في الآخرة؛ والإرادة هنا إرادة كونية، أي: يشاء الله أن لا يجعل لهم حظًّا في الآخرة، أي: لا يُصيّر لهم نصيبًا في الآخرة لا قليلًا ولا كثيرًا.
وهكذا كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، المؤمن له نصيب في الآخرة، لكن قد يسبق بعذاب وقد لا يُسبق.
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الذين يسارعون في الكفر. ﴿عَذَابٌ﴾ أي: عقوبة. ﴿عَظِيمٌ﴾ أي: ذو عظمة، وعظمة كل شيء بحسبه؛ ففي مقام المدح تكون العظمة مدحًا؛ وفي مقام الذم تكون العظمة ذمًّا؛ فقوله تعالى: هذا إفك عظيم، هكذا جاءت في القرآن؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: في أي آية؟
* طالب: في سورة النور: ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور ١٦].
* الشيخ: ﴿هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ كلمة ﴿عَظِيمٌ﴾ هنا من باب الذم. ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل ٢٣] من باب المدح؛ المهم أن العِظم في كل موضع بحسبه، قد يكون مدحًا وقد يكون ذمًّا، هنا العقوبة لا شك أنها مكروهة عند الإنسان أن يُعاقَب؛ فهي بالنسبة لعدل الله أو لفعل الله عدل، وبالنسبة للمخلوق المعذَّب قبح وذمّ.
* في هذه الآية الكريمة من الفوائد: تهديد هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ لقوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ﴾ ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ﴾ أي: لا يهمنك أمرهم فسوف يعذبون.
* ومنها: حرص النبي ﷺ على هداية الخلق؛ لأنه يحزنه هؤلاء الذين يسارعون في الكفر؛ ولولا حرصه عليه الصلاة والسلام ما حزن لكفرهم.
* ومنها: بيان ما يلحق النبي ﷺ من الهمّ أو من الحزن لعدم إسلام الأمة؛ وذلك لمحبته للخير عليه الصلاة والسلام حتى الذين يسارعون في الكفر يحزنه عملهم؛ لأنه يود أن يسلموا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان ما يقع فيه سفهاء بني آدم من الخطأ والخطل؛ لكون هؤلاء يسارعون في الكفر مع أنه ضرر عليهم وهلاك.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الضرر عن الله، وأنه لا تضره معصية العاصين كما لا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾.
فإن قيل: إن الله قد أثبت أن بعض عباده يؤذيه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧] وفي قوله في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ١) عن أبي هريرة.]] فكيف نجمع بين نفي الضرر وإثبات الأذية؟
فالجواب أن يقال: لا يلزم من الأذيّة الضرر؛ فقد يتأذّى الإنسان بالشيء ولا يتضرّر به؛ أرأيت لو صلّى إلى جانبك أو جلس إلى جانبك رجل قد أكل بصلًا وثومًا فإنك تتأذى بما معه أو برائحته، ولكن لا تتضرر، فلا يلزم من الأذية الضرر؛ وحينئذٍ لا معارضة بين نفي الضرر عن الله عز وجل وإثبات الأذية.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان غنى الله عز وجل عن كل من سواه؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾.
وقد قسم العلماء إرادة الله تعالى إلى قسمين: إرادة كونية وإرادة شرعية؛ فالكونية هي ما يتعلق بفعله، والشرعية ما يتعلق بشرعه. حطوا بالكم، الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة؛ الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم فيها وقوع المراد. أفهمتم؟
فإذن الفروق كم؟ ثلاثة؛ الأول: أن الإرادة الكونية تتعلق بفعله، والثانية: بشرعه.
ثانيًا: الكونية بمعنى المشيئة، والشرعية بمعنى المحبة.
الثالث: الكونية يلزم فيها وقوع المراد، والشرعية لا يلزم.
فإذا قال قائل: ما تقولون في إيمان أبي بكر؟ أهو مراد بالإرادة الكونية أو الشرعية؟ والجواب؟
* طالب: إرادة كونية وشرعية.
* الشيخ: إرادة كونية وشرعية، صحيح؟
* طلبة: صحيح.
* الشيخ: صحيح؛ لأنه وقع بالإرادة الكونية؛ ولأنه متعلق بالشرع بما يحبه الله.
وما تقول في إيمان أبي لهب؟
* طالب: مراد شرعًا ولا.. لم يقع كونًا.
* الشيخ: مراد شرعًا لا كونًا؛ لأن الله لو أراده كونًا لكان. تمام، وما تقول في كفر المسلم؟
* طالب: كفر المسلم إرادة شرعية.
* الشيخ: هل هو مراد لله أو لا؟
* طالب: أول شيء يكون مسلمًا ثم يكفر؟
* الشيخ: إي، إي نعم.
* الطالب: هذا يصير كونية يا شيخ.
* الشيخ: كونيّة.
* الطالب: أن الله عز وجل أراد له..
* الشيخ: لا، هو الآن مسلم ما تقول في كفره هو الآن مسلم؟
* الطالب: يعني مسلم.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: هذه إرادة شرعية يا شيخ.
* الشيخ: يريد الله منه أن يكفر شرعًا؟!
* الطالب: الشرع لا يلزم أن يتحقق.
* الشيخ: طيب، المهم الآن هذا مسلم فما تقول بالنسبة لكفره وهو الآن مسلم، هل هو مراد شرعًا أو مراد كونًا؟
* الطالب: كونًا.
* الشيخ: كونًا؟ يلّا.
* طالب: لا مرادًا لا شرعًا ولا كونًا.
* الشيخ: ليس مرادًا لا كونًا ولا شرعًا، واضح؟ لأنه الآن مسلم ما كفر؛ لو أراد الله أن يكفر لكفر؛ وهل هو مراد شرعًا كفره؟ لا؛ إذن هذا انتفى فيه الإرادتان؛ وإيمان المؤمن اجتمعت فيه الإرادتان، صح؟ طيب إيمان الكافر؟
* طلبة: الشرعية.
* الشيخ: فيه الإرادة الشرعية، كفر الكافر؟ الكونية، هو مراد كونًا غير مراد شرعًا؛ وإيمان الكافر مراد شرعًا غير مراد كونًا؛ وإسلام المسلم مراد كونًا وشرعًا؛ وكفر الكافر مراد كونًا لا شرعًا، واضح الآن؟
إذنْ فيه ما تجتمع فيه الإرادتان، وما تنتفي فيه الإرادتان؛ وما فيه الإرادة الشرعية فقط، وما فيه الإرادة الكونية فقط. عرفتم؟
وهذا التقسيم لا تظنوا أنه مجرد تزيين، التقسيم هذا مهم؛ لأن من الناس من قال: إن المعاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا مع أنها واقعة؛ فيقولون: إن معصية العاصي غير مرادة لله لا كونًا ولا شرعًا؛ نوافقهم على أيش؟
* طلبة: على (شرعًا).
* الشيخ: على (شرعًا)، غير مرادة شرعًا، لكنها مرادة كونًا. ولهذا يقولون: كل المعاصي فهي محبوبة لله؛ ليش؟ قال: لأن الله أرادها كونًا، فإذا أرادها كونًا لولا أنه يحبها ما أرادها؛ على هذا يتبين أن هذا التقسيم ليس مجرد وشي وتزيين للفظ، بل وراءه أمر معنوي.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حظّ للكافر في الآخرة؛ لأنه مخلد في النار؛ لقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾.
* ومن فوائدها بالمفهوم: أن الكافر قد يكون له حظ في الدنيا، وكفره لا يمنعه من الحظ في الدنيا.
فإن قال قائل: إن الله قال في كتابه: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦] فهذا يدل على أن الكافر لا يحصل له نعيم في الدنيا؟
قلنا: نعم، الأصل أن لا يحصل له نعيم في الدنيا، هذا الأصل؛ لكنه قد يُنعّم استدراجًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣].
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الآخرة، وأنها حق، وأن الناس ينقسمون فيها إلى قسمين: منهم من له نصيب، ومنهم من لا نصيب له؛ لقوله: ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات العقوبة لهؤلاء الكفار؛ فليس حظهم أن لا يجدوا حظًّا في الآخرة، بل لا يجدون حظًّا في الآخرة ومع ذلك يُعذّبون؛ ليت الأمر أن يُحرموا من النعيم أو من الحظ والنصيب بل الأمر أشد، ولهذا يقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف ٧٧] نستريح. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر ٤٩]، نسأل الله العافية.
3:177Page 73
إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلۡكُفۡرَ بِٱلۡإِيمَٰنِ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٧
Indeed, those who purchase disbelief [in exchange] for faith - never will they harm Allāh at all, and for them is a painful punishment.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هذه الآية صلتها بما قبلها أنها كالتوكيد لها. قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ﴾ أي: اختاروا الكفر على الإيمان، وإلا فإن الكفر ليس سلعة يُباع ويشترى؛ فالاشتراء هنا بمعنى الاختيار، وترك الطرف الآخر.
وقوله: ﴿اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾ إذا قال قائل: هم لم يؤمنوا؟
قلنا: لكن اختيارهم للكفر أخرجهم من الفطرة التي كانوا عليها وهي التوحيد، فهم اشتروا الكفر بعد الإيمان، وسبق معنى الكفر، وأما الإيمان فإنه في اللغة قيل: التصديق، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧] وقيل: الإقرار، والإقرار أخص من التصديق، واستدل هؤلاء بأن الكلمة إذا كانت بمعنى الكلمة فلا بد أن تتعدّى بما تتعدّى به، ومن المعلوم أن الإيمان لا يتعدى كما يتعدى التصديق؛ فإنك تقول: صدّقته ولا تقول: آمنتُه. لا تقول: آمنته؛ إذن فليس معناهما واحدًا، بل معنى الإيمان الإقرار؛ وهذا في اللغة، أما في الشرع فهو الإقرار المستلزم للقبول والإذعان، ليس مجرد الإقرار بإيمان، بل لا بد من أن يقبل ما جاء به الرسول ويُذعن له؛ ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمنًا مع أنه مقرّ بما جاء به الرسول ﷺ، لكنه لم يقبله ولم يُذعن له فلم يكن مؤمنًا؛ وإذا كان هذا هو الإيمان -أي الإقرار المستلزِم للقبول والإذعان- فإنه يتضمّن جميع شرائع الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن الإيمان شامل للاعتقاد وقول اللسان وعمل الجوارح وعمل القلب أيضًا، عمل القلب والجوارح، وقول اللسان، واعتقاد القلب؛ أربعة أشياء، كلها من الإيمان.
﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٧] ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ كالآيات السابقة تمامًا. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ هنا قال: إنه أليم، وهناك قال: إنه عظيم، فيجتمع في عذابهم -والعياذ بالله- العِظم والألم. و﴿أَلِيمٌ﴾ هنا بمعنى (مؤلم)، وليست بمعنى شديد، فهي بمعنى اسم الفاعل من الرباعي من (آلمه يؤلمه إيلامًا فهو مؤلم). وهل يأتي (فَعِيل) بمعنى (مُفْعِل)؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: مثاله؟
* طالب: نبيه.
* الشيخ: نبيه بمعنى نابه.
* الطالب: (سَمِيع) بمعنى (مُسْمِع).
* الشيخ: إي نعم، صح، السميع بمعنى (مُسمِع) على حد قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِـــــي وَأَصْحَابِـــــيهُجُـــــــوعُ
الداعي السميع: يعني المسمع.
* في هذه الآية الكريمة: بيان شدة رغبة الكفار بالكفر؛ لأنهم اشتروه اشتراء، والمشتري طالب للسلعة، فهم يأخذونها -والعياذ بالله- عن رغبة، يأخذون الكفر عن رغبة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان خسران هؤلاء حيث أخذوا الكفر بدلًا عن الإيمان، وهذه أخسر صفقة على وجه الأرض أن يأخذ الإنسان الكفر بالإيمان طائعًا طيبة به نفسه، والعياذ بالله.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان كمال الله عز وجل، وأنه لا تضره معصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائعين؛ لقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾.
* ومن فوائدها: كمال سلطان الله، حيث إن هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان لم يضروا الله شيئًا، مع أن المعروف أن الملك كلما قلّت جنوده ضعفت قوته إلا الله عز وجل فإنه لا يضره شيء.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن عذاب هؤلاء الذين اختاروا الكفر على الإيمان عذاب مؤلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ [فاطر ٣٧] يصارخون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فينادون توبيخًا: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨] ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يظن الذين كفروا؛ وفيها قراءة ثانية سبعية: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: نمهلهم عن الأخذ بالعقوبة؛ خيرًا أو خيرٌ؟ ﴿خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وهنا يقع تساؤل: لماذا كانت خيرٌ مع أنه قال: ﴿نُمْلِي﴾ والفعل المضارع ينصب المفعول به؟
* طالب: خبر (أنّ).
* الشيخ: أنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ لكن ﴿أَنَّمَا﴾ هنا (ما) اسم موصول، ولَّا أنما حرف حصر؟
* طالب: (ما) اسم موصول اسم من الأسماء..
* الشيخ: نعم، صح، إذن يكون التقدير: أن الذي نملي لهم خير، مع أن عندي مرسومة متصلة بـ(أن)، فصورتها صورة الحصر، ولكن هذا لا يمنع من أن تكون اسمًا موصولًا؛ لأن العلماء اتبعوا في رسم المصحف الرسم العثماني، وإلا لو مشينا على القاعدة الموجودة الآن لكُتبت (أنَّ) وحدها و(ما) وحدها.
قال الله تعالى: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ هذه (إنما) أداة حصر ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ أي: نمهلهم ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ اللام للتعليل باعتبار فعل الله؛ يعني أنه عز وجل يملي من أجل زيادة الإثم؛ وللعاقبة باعتبار حال المشركين أو الكافرين؛ لأنهم ما كفروا لأجل أن يزدادوا إثمًا ولكن كفرهم كان سببًا لزيادة الإثم؛ وقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ أي: إلى إثمهم؛ لأن الرجل إذا كفر عشرة أيام وزاد يومًا زاد كُفرًا، إذا زاد عشرة أيام أخرى زاد أكثر وهكذا؛ فهم -والعياذ بالله- لا يستفيدون من دنياهم بل يزدادون بذلك كفرًا.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ﴿مُهِينٌ﴾: مُذِلّ من الإهانة؛ وذلك لأنهم إنما كفروا استكبارًا وعلوًّا فعُوقبوا بعذاب يذلهم ويهينهم.
يقول عز وجل: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن لا يظن أن إمهال الله له خير له؛ من أين تؤخذ؟ من النهي، والأصل في النهي التحريم، فلا يجوز للإنسان أن يغتر بإمهال الله له.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل بحكمته قد يستدرج بعض الخلق فيعطيه النعم تترى وذاك متجاوز لحدوده، ليبلغ في الطغيان غايته حتى إذا أخذه لم يفلته، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) عن أبي موسى الأشعري.]] وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود ١٠٢].
فإن قال قائل: هل تقيسون العاصي على الكافر؟ بمعنى أنه قد يُمهَل له وهو مقيم على المعصية؟
قد نقول: بالقياس بجامع أن كل واحد منهما أمهله الله ولم يعاقبه؛ وقد نقول: بعدم القياس، وذلك لأن الكفر أعظم من الفسوق؛ ولكن من رجع إلى ظاهر القرآن تبين له أنه حتى الفاسق ربما يُمهَل له؛ في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن يعتبر في عمره؛ وهل هو قد أمضاه في طاعة الله فليبشر بالخير، وإن أمضاه في معصية الله والله تعالى يُدرّ عليه النعم فليعلم أن هذا أيش؟ استدراج.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الإنسان قد يغتر بظواهر الحال ولو كان من المتقين ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فالإنسان قد يغتر بظاهر الحال ويقول: إن الله لم ينعم عليَّ نعمة إلا لأنني أهل، كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨].
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات زيادة الآثام؛ لقوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ فتدل بالمفهوم على زيادة الإيمان، كذا؟ لأنه إذا ازدادوا إثمًا فما نقص عن الإثم كان زيادة في الإيمان؛ ولهذا قال أهل السنة: إن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة المذلّة لهؤلاء؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الجزاء من جنس العمل؛ فإن هؤلاء لما استكبروا على الخلق وعلوا عليهم أذلهم الله.
* طالب: أقر ممكن تأتي بدون تعدي بالباء ﴿وَصَدَّقَ﴾ تأتي بالتعدي بالباء مثل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣] نقول مثلًا: الله أقرّ فعل الرسول، ولكن الإشكال الذي يرد بالنسبة للتصديق والإيمان هو نفسه أتى مع الإقرار..؟
* الشيخ: لا يا أخي؛ أقره غير أقرّ به؛ أقره يعني لم ينكر عليه، وأقر به اعترف به؛
* طالب: مصدق؛ يعني متبع (...) وصدق به.
* الشيخ: إي، لكن الإقرار أعظم أخص، ليس كل مصدق مقرًّا؛ يعني يصدق وفي نفسه شيء.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: عدم المطابقة بين التصديق والإيمان هل هو مبرر أحسن الله إليك لأن نقول: بأن الإيمان هو الإقرار لا التصديق، وإذا كان الأمر كذلك فكيف الجواب عن قول أبناء يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف ١٧]؟
* الشيخ: إي نعم، إي، واضح لأنه مصدق، هنا مؤمن بمعنى مصدق؛ فالإيمان إذا تعدى باللام صار بمعنى التصديق.
* الطالب: صار بمعنى التصديق باللام.
* الشيخ: إي باللام.
* الطالب: أقول: أحسن الله إليك، عدم المطابقة بين أنواع التصديق، لكن ما بيجعلنا نقول بأن الإيمان لا يجمع (...).
* الشيخ: إي نعم، الإيمان المعدّى بالباء كما هو الإيمان بالله وملائكته إلى آخره لا يطابق الإيمان بالتصديق. هذا البحث الحقيقة ما رأيت أحدًا بحثه وسُدّد فيه إلا شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب الإيمان، وأنكر على من قال: إن الإيمان هو التصديق.
* طالب: بالنسبة للكافر يعني عندما تشاهده إذا كان قريبًا يعني هل تتأسف عليه وتتمنى له الإيمان؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ولو عرفته مثلًا واحد.. مثلًا تدعو له؟
* الشيخ: إي نعم، تقول: اللهم اهده، اللهم اهده.
* الطالب: تدعو له؟
* الشيخ: إي نعم، كيف ما تدعو؟!
* الطالب: طيب بالنسة يا شيخ اللي عارف..
* الشيخ: لا سيما إذا كان من الرؤساء؛ لأن الرؤساء إذا هداهم الله اهتدى بهم أمّة.
* الطالب: شيخ، إذا كان الإنسان عارف إنجليزي ودرس إنجليزي؛ يعني وجب عليه يبلغه لمن قابله؟
* الشيخ: فرض كفاية، التبليغ فرض كفاية.
* طالب: هل القراءات في: (يَحْسِبن) بكسر السين؟
* الشيخ: ما أعرف اللي عندي ما ذكر كسر السين يقول: ﴿تحسَبَنّ﴾ بس.
* طالب: شيخ، فيه قراءة..
* الشيخ: أقول اللي عندي ما فيه.
* طالب: فيه وجهان.
* الشيخ: ما هم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: اقرأ.
* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾. الإملاء: طول العمر ورغد العيش. والمعنى: لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين فإن الله قادر على إهلاكهم، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي لا لأنه خير لهم، ويقال: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ بما أصابوا من الظفر يوم أُحُد لم يكن ذلك خيرًا لأنفسهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences