Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:181–184, continued
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران ١٨٣-١٨٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾، إلى آخر الآية، من هؤلاء القائلون؟
* طالب: اليهود.
* الشيخ: وهل تحفظ لهم شيئًا آخر مما وصفوا الله به من العيوب؟
* طالب: نعم، قالوا: يد الله مغلولة.
* الشيخ: أي؟
* طالب: بخيل.
* الشيخ: أي: بخيل، وغير؟
* طالب: قالوا: إن الله سبحانه وتعالى لما خلق السماوات والأرض استراح.
* الشيخ: تعب فاستراح، طيب، قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ما المراد بالكتابة، هل يكتبها الله بيده؟
* طالب: المراد الملائكة نُسِب إلى الله لأنهم جنود الله.
* الشيخ: ما الدليل على أن المراد كتابة الملائكة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾.
* الشيخ: أحسنت.
قال: ﴿وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هل في قتل الأنبياء حق حتى يخرج بالقيد؟ يعني كونه يقيد بغير حق هل معناه أن قتل الأنبياء يكون تارة بحق وتارة بغيره؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أجل، لماذا قال: بغير حق؟
* الطالب: لأنه فعلا بغير حق.
* الشيخ: نعم؟
* الطالب: لأن الواقع أنه بغير حق.
* الشيخ: يعني لبيان الواقع؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: نعم.
* طالب: صفة كاشفة.
* الشيخ: صفة كاشفة، كاشفة يعني تبين الواقع، وأيضًا فيها فائدة أخرى غير هذه؟
* طالب: التوكيد؟
* الشيخ: لا.
* الطالب: لئلا يكون أنهم قتلوهم بحقهم، لئلا يكون قالوا أنهم قتلوا الأنبياء بحق، فالله أكد على أن تقتيلهم بغير حق.
* الشيخ: نعم.
* طالب: التسجيل على هؤلاء والوصل بأن حالهم ليس فيها حق.
* الشيخ: إيه، يعني معناها المبالغة في الشناعة عليهم أو في التشنيع عليهم أنهم قتلوهم بغير حق.
قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ الأمر هنا يراد به؟
* طالب: يراد به هنا التوبيخ.
* الشيخ: والإهانة. هل لك دليل على أن مثل هذا الأمر يراد به الإهانة؟
* طالب: إي نعم، من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩].
* الشيخ: نعم، ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾، قال بعض العلماء المعاصرين: إن النار لا تحرق أهلها، ولهذا لا يموتون فيها ولا يحيون، فهل في الآية ما يرد عليهم؟
* طالب: نعم، قوله: ﴿ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾، وذلك يستلزم أنهم مستمرين في أنهم يذوقوا العذاب ولا يموتون.
* الشيخ: ويحترقون.
* طالب: يحترقون وتنضج جلودهم ثم يبدلهم الله جلودًا غيرها.
* الشيخ: ولا يموتون، بخلافهم في الدنيا؛ فإن الإنسان إذا احترق في الدنيا يموت.
ما معنى قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾؟
* طالب: يعني بما كسبت أيديكم.
* الشيخ: لكن الباء هنا؟
* طالب: الباء للسببية.
* الشيخ: الباء للسببية، هل يستفاد من الآية بأن أفعال الله مقرونة بالحكمة؟
* طالب: نعم؛ لأن الباء للسببية.
* الشيخ: وكل شيء للسببية فهو يفيد العلّية، والعلة هي الحكمة.
قوله: ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾، (ظلام) هنا صيغة مبالغة ولّا نسبة؟
* طالب: مبالغة.
* الشيخ: مبالغة، يعني أن الله يظلم قليلًا لكن كثيرًا لا؟
* طالب: ظلام بالنسبة للصيغة يعني.
* الشيخ: نعم (ظلام) الصيغة صيغة مبالغة، صحيح، لكن هذه الصيغة تأتي للنسبة، يقال: نجار وحداد وبنّاء، فهل هي هنا للنسبة أو للمبالغة؟
* طالب: للنسبة.
* الشيخ: للنسبة، تمام؛ لأننا لو قلنا: للمبالغة، لكان المنفي كثرة الظلم.
(العبيد) هنا هل هو بالمعنى الخاص أو بالمعنى العام؟
* طالب: بالمعنى العام.
* الشيخ: بالمعنى العام، يعني حتى الكافر لا يظلمه الله؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: صحيح؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، ثم قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾، هذا صفة لقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾.
* طالب: الفوائد يا شيخ.
* الشيخ: من أين، فوائد أيش؟
* الطالب: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ أربع فوائد أخذناهم بالأمس.
* الشيخ: وقفنا على دي؟
* الطالب: جواز الحكم بعض على الكل إذا وجدت (...) بعدها، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
* الشيخ: إذن كمّل.
* من فوائد الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ انتفاء الظلم عن الله؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
* ومن فوائدها: إمكان الظلم من الله لولا أن الله نفاه عن نفسه؛ لقوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ﴾؛ لأنه لو كان الظلم غير ممكن في حقه لم يصح أن يتمدح به عز وجل؛ إذ لا يتمدح بشيء إلا إذا كان تركه اختيارًا، أما لو كان مستحيلًا في حقه لم يكن للتمدح به فائدة، صح؟
وبناء على هذه الفائدة: يكون فيها رد على من؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: لا.
* طالب: على الجبرية.
* الشيخ: لا، على الجهمية، الجهمية يقولون: إن الظلم محال على الله، محال لذاته لا لأن الله نفاه عن نفسه؛ لأنهم يقولون: إنه مهما تصرف فقد تصرف في ملكه، والمتصرف في ملكه يفعل ما يشاء، فالظلم عندهم المحال لذاته، كما قال ابن القيم في النونية:
وَالظُّلْمُ عِنْدَهُمُ الْمُحَالُ لِذَاتِهِ ∗∗∗ .......................
ونحن نقول: الظلم ليس محالًا لله، لو شاء الله أن يظلم لظلم، ولكنه نفاه عن نفسه تمدحًا بذلك؛ ولهذا قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]] وهذا يدل على إمكانه منه لكنه لا يفعل.
فإن قال قائل: قد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٤٦٩٩)، وابن ماجه (٧٧) من حديث أبي بن كعب وزيد بن ثابت.]]
فالجواب أن نقول: لا معارضة بين هذا الحديث وبين الآية؛ لأن الله لو عذبهم لم يمكن أن يعذبهم وهو ظالم لهم، إذن لا يعذبهم إلا وهم مستحقون للعذاب، وعلى هذا فيكون الحديث مطابقًا للآية، أو يقال وجه آخر: إن الله لو عذب أهل السماوات والأرض لعذبهم وهو غير ظالم لهم، إذا أراد أن يناقش العباد، فإنّ من نوقش الحساب عُذِّب؛ لأنه لو ناقشهم لكانت نعمة واحدة من نعمه تقابل جميع أعمالهم، وحينئذ يستحقون أن يعذَّبوا، فلنا في هذا الحديث مخرجان؛ المخرج الأول: أنه يعذبهم وهو غير ظالم لهم، أي لا يعذبهم إلا بذنب، فيكون مطابقًا للآية، والثاني: أن المراد بذلك المناقشة، مناقشة الحساب؛ لأن الله لو ناقشهم سبحانه وتعالى لكان نعمة واحدة من نعمه تحيط بجميع أعمالهم، فيبقون وليس عندهم رصيد.
فإذا قال قائل: هذه صفة سلبية كما يقولون، وهل توجد الصفات السلبية في صفات الله؟
فالجواب: لا؛ لكن المراد بالصفات السلبية ثبوت كمال ضدها، فهو لا يظلم لا لعجزه عن الظلم ولكن لكمال عدله.
3:183Page 74
ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣
[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"
ثم قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ﴾ إلى آخره، هذا أيضًا من كذب هؤلاء اليهود أنهم قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾، أي: أوصانا وصية موثقة بالعهد، يقال: عهد إليه، أي: أوصى إليه وصية موثقة، ومنه العهد بالولاية، أي: ولاية الحاكم إلى من بعده، فإنه يوصي بالحكم إلى من بعده، مثل عهد أبي بكر رضي الله عنه إلى عمر، فمعنى: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ أي: أوصانا وصية مثبّتة بالعهد، ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، هكذا قالوا، وهذا من كذبهم كما سيأتي.
يقول: ﴿أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ يعني: لرسول من عند الله، ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، وذلك بأن نقرّب قربانًا من طعام أو بهائم أو لحم أو ثياب ثم تنزل نار من السماء فتأكل هذا القربان، يعني أنهم حصروا الآيات التي يطلبونها من الرسول بأن يأتي بنار تأكل هذا القربان، وكانوا فيما سبق إذا غنموا غنائم من الكفار جمعوها ثم نزلت نار من السماء فأكلتها، حتى أُحِلّت الغنائم لهذه الأمة، هؤلاء يقولون: لا نؤمن لرسول إلا إذا أتانا بهذه الآية فقط، وهي أننا إذا قرّبنا قربانًا أكلته النار، هكذا قالوا، قال الله تعالى لرسوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني: قد جاءتكم رسل بأكثر مما تدعون الآن، ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات التي تبين صدق رسالتهم، والثاني: ﴿بِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ أي: بالقربان الذي تأكله النار، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، يعني ومع ذلك كذبتموهم وقتلتموهم.
فإن قال قائل: لماذا عدل الله عز وجل عن المطالبة بصدق ما ادعوه؟
قلنا: هذا من باب التنزّل مع الخصم، يعني على فرض أن الأمر كما قلتم فقد اعتديتم حتى فيما جيء به من مطلوبكم، اعتديتم على الرسل، وأرجو أن ننتبه لهذا، أولًا من ادعى دعوى فإننا نعامله بمراتب؛ المرتبة الأولى: صحة ما قال، المرتبة الثانية: مخالفته لما قال، فهنا لم يطالبهم الله عز وجل بصحة ما قالوا من باب موافقة الخصم، أقول: من باب موافقة الخصم، أحسن من التنزّل؛ لأن اللي معنا قرآن، أنا قلت بالأول: تنزل، بناء على العبارة المعروفة عند العلماء، ونحن نقول هنا: موافقة الخصم، فهنا قد وافق الخصم، قال: نعم، هب أن الأمر كما قلتم، وأنه عُهِد إليكم ألا تؤمنوا لرسول حتى يأتيكم بقربان تأكله النار، فقد جاءكم رسول بقربان تأكله النار ومع ذلك قتلتموه، إذن فطلبكم هذه الآية المعينة ليس عن صدق؛ لأنها قد جاءتكم ومع ذلك كذبتم الرسل وقتلتموهم، فهنا عدل عن المطالبة بصحة الدعوى من باب موافقة الخصم، أي أنكم لا تريدون أن تصدقوا الرسل، وإنما تريدون تكذيبهم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، حين قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾، فهم طالبوا بالقربان (...) تأكله النار، مع أن الذي ذكرنا أنه (...)؟
* الشيخ: لا، بقربان، لكن القربان هم يتقربون بقربانهم، يعني حتى يأتينا بمشروعية قربان نتقرب به وتأكله النار، ما هو اللي يأتي بالقربان.
* طالب: هكذا ظاهر الآيات.
* الشيخ: إي، لكن العلماء فسروها بذلك، أنهم هم يتقربون بالقربان تأكله النار.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في الأمم السابقة إذا تقرب بقربان من البهائم فهل تأكله النار مثل المتاع؟
* الشيخ: الظاهر إذا كان مشروعًا تأكله النار، من البهائم وغيرها إذا كان مشروعًا مثل البهائم، أما إذا كان بغير البهائم فالأمر ما فيه إشكال.
* طالب: مثل الغنائم.
* الشيخ: الغنائم هم قالوا: عامة.
* طالب: بالنسبة للأمة الإسلامية هل أحلت لأول غزوة غزوها (...)؟
* الشيخ: لا هو المعروف في بدر أنه ما قسموها إلا بقسمة النبي عليه الصلاة والسلام، قسمها هو، ولم تكن موزعة كالتوزيع في الأخير، وقد اختلف العلماء في هذا، هل إن الرسول عليه الصلاة والسلام أُذن له في بدر خاصة بأن يقسم الغنائم على غير ما ذكر الله في سورة الأنفال، أو أنها لم تنزل سورة الأنفال إلا بعد بدر.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: والله ما عندي تحريرها الآن.
* طالب: هل القربان من الغنائم أو من أي حدًا (...) الشخص؟
* الشيخ: الذي يريدون هؤلاء؟ لا، من أي شيء، يعني واحد شخص بيتقرب إلى الله يجعل الطعام ثم تنزل النار وتأكله.
* الطالب: لِمَ أوردنا الغنائم؟
* الشيخ: مناسبة الغنم فيما إذا كانت غنائم، كانت الغنائم في الأول إذا غنموها من الكفار لا تحل لهم، يجمعونها في مكان فتنزل عليها النار فتحرقها.
* طالب: شيخ، قلنا: الجواب الثاني على الحديث أن المراد هو مناقشة الحساب، من نوقش الحساب ما هو (...)؟
* الشيخ: يعني مثلًا لو عذبهم وهم يعملون عملًا صالحًا لعذبهم وهو غير ظالم لهم بالمناقشة، فمثلًا إذا كانوا يصومون، يصلون ويتصدقون ويصومون ويحجون، لو نوقشوا الحساب لكانت نِعَم الله ما تقابل أو لا يقابلها الصلاة، تجتاح الصلاة والصدقة والصيام وكل شيء، وإذا اجتاحتها ويش بقي للإنسان؟ ليس عنده عمل.
* طالب: قوله تعالى: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ يعني (...) كيف تدل على ثبوت اليد لله عز وجل، وجه الدلالة؟
* الشيخ: وجه الدلالة أنه أثبت ﴿أَيْدِينَا﴾، لولا أن له يدًا ما صح أن يعبر بها عن نفسه.
* الطالب: (...) بها عن الله؟
* الشيخ: إلا، لكن لا يمكن أن يضيفها إلى اليد وهو لا يد له أبدًا.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أظن نبدأ المناقشة، ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾، ما محل قوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ من الإعراب؟
* طالب: لا محل لها من الإعراب.
* الشيخ: لا، الاسم لا بد له من محل من الإعراب.
* طالب: صلة الموصول.
* الشيخ: لا، (الذين).
* طالب: عطف.
* الشيخ: ما فيه واو.
* طالب: بدل.
* الشيخ: ما تصلح بدل.
* الطالب: صفة.
* الشيخ: صفة للذين الأولى، البدل يا إخواني البدل هو الذي يقوم مقام المبدل، هو المقصود بالحكم، عرفتم؟ فمثلًا إذا قلت: أكلت الرغيفَ ثلثَه، (ثلث) بدل، إذن المأكول هو الثلث، خذ نبلًا مُدى، هذا بدل الغلط أو النسيان، خذ نبلًا مدى، الْمُدى يعني سكاكين؛ ما المقصود؟ خذ السكاكين، فالبدل معناه أن يحل محل المبدل ليس معناه أن يكون زائدًا عليه.
قوله: ﴿عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ ما معناها؟
* طالب: يعني أوصانا.
* الشيخ: أوصانا، كذا؟ طيب.
قوله: ﴿حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾ ويش معناها؟
* طالب: أي لا يؤمنون حتى يأتيهم الرسول بقربان من ثياب أو أكل أو أي شيء تأكله، الله عز وجل يرسل عليها نارًا تأكله.
* الشيخ: هل قولهم هذا صحيح؟
* طالب: غير صحيح، كذب من عند أنفسهم، كذبوا على الله وعلى الرسول.
* الشيخ: وهل أبطل الله ما ادعوه؟
* الطالب: لم يأت بإبطال ما ادعوه، ولكن أتى بشيء، أتى بأنه قد جاءهم رسل بما قالوا ولكنهم قتلوهم.
* الشيخ: المهم هل إنهم صدقوا؟
* الطالب: هم كاذبون.
* الشيخ: إي، لكن هل صدقوا أنه لو أتاهم رسول بقربان تأكله النار آمنوا؟
* الطالب: لا، لم يصدقوا.
* الشيخ: ما الدليل؟
* الطالب: الدليل قوله تعالى: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
* الشيخ: لا.
* الطالب: اللي قبلها: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾.
* الشيخ: من أين تأخذ من أي الكلمات هذه؟
* طالب: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ﴾.
* طالب آخر: قل قد جاءكم رسل بما قلتم..
* الشيخ: هو عندي: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ من أين نأخذ أنهم كذبوا فيما ادعوا؟
* طالب: إنهم لما أرسل الله عز وجل لهم بشيء قتلوا الأنبياء، فقتلهم للأنبياء يدل على عدم تصديقهم (...) فقال الله عز وجل موافقة للخصم: ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
* الشيخ: نعم؟
* طالب: من قوله تعالى: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، يعني أنهم جاؤوا بالبينات وبالذي قلتم.
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ما شرحناه؟ قال الله عز وجل: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾ أي: بالآيات البينات الدالة على رسالتهم وصدقهم، ﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، يعني والذي قلتم دون البينات التي جاؤوا بها، بدليل أنه قدم قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾، فدل هذا على أن ما قالوه وإن كان آية لكنه دون البينات التي جاؤوا بها؛ لأنهم جاؤوا بأعظم من هذا، فمثلًا موسى عليه الصلاة والسلام جاء ببينة أعظم من ذلك، كان يلقي العصا فتكون حية ويردها يحملها فتكون عصا، كان يُدخل يده في جيبه فتخرج بيضاء لكن من غير عيب، من غير برص، كذلك أيضًا عيسى عليه الصلاة والسلام كان يُخرج الأموات من القبور أحياء أو يقف على الميت قبل أن يدفن فيحيا بإذن الله عز وجل، يخلق من الطين كهيئة الطير بإذن الله فينفخ فيه ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾ [آل عمران ٤٩] طائرًا، فيها قراءتان: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، و﴿فَيَكُونُ طَائِرًا﴾ ، يعني: يكون طيرًا طائرًا أيضًا بالفعل، أيهما أعظم هذا أو أن تنزل نار من السماء لتأكل القربان؟ الأولى أعظم، ولهذا قدمها.
﴿وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾، وهو أن يأتي بقربان تأكله النار، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾، قوله: ﴿فَلِمَ﴾ الفاء عاطفة، و(لم): اللام حرف جر، و(ما) استفهامية، ومن قواعد الإملاء أن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر فإنها تُحذف ألفها، مثل: عم، بم، لم، وغير؟ مم، كيم، المهم على كل حال أن (ما) إذا دخل عليها حرف جر تحذف ألفها.
﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ في أنكم تقبلون الرسل إذا جاؤوا بهذه الآية، وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الجملة شرطية كما رأيتم، وهل تحتاج إلى جواب؟ ذهب بعض العلماء إلى أنها لا تحتاج إلى جواب؛ لأن المعنى مفهوم بدونه، والجواب إنما يؤتى به ليتمم المعنى، وقال بعضهم: بل جوابها محذوف دل عليه ما قبله، وعلى هذا الرأي يكون التقدير: إن كنتم صادقين فلم قتلتموهم، وإلى القول الأول ذهب ابن القيم رحمه الله في أن مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب.
* يستفاد من هذه الآية: بيان تعنت هؤلاء اليهود الذين ردوا ما جاء به النبي ﷺ من البينات بناء على ما ادعوه من هذه الآية.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي عند المخاصمة إفحام الخصم بما يدعيه؛ ليكون ذلك أبلغ في دحض حجته، يؤخذ من قوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾؛ لأنه إذا خوصم بما يقوله لم يبق له حجة، ومن ذلك مخاصمة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله للرافضة وأهل التعطيل، حيث يخاصمهم بما يقرّون به، فمثلًا الأشاعرة أو المعتزلة أهل التعطيل عمومًا قالوا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر؛ لأن العقل يمنع من الأخذ بظاهرها، فقالت الفلاسفة أهل التخييل: المراد بنصوص المعاد خلاف الظاهر، خلاف الظاهر؛ لامتناع القول بظاهرها؛ لأنه ما فيه بعث ولا فيه رب ولا فيه جنة ولا فيه نار، فبماذا رد عليهم أهل التعطيل؟ ـ أهل التعطيل يقرون بالبعث واليوم الآخر ـ قالوا: إن كلامكم هذا غير مقبول، بل البعث حق واقع، وذلك لأننا علمنا أن الرسل جاءت به، وأن الشبهة المانعة منه فاسدة، الشبهة المانعة هي قول القائل: ﴿مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس ٧٨]، فلزم القول بثبوته، نحن نقول لهم: أيضًا آيات الصفات علمنا بأن الرسل جاؤوا بها، وقد علمنا فساد الشبهة المانعة منها فوجب إثباتها، بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إن نصوص الصفات في الكتاب والسنة أكثر بكثير من نصوص المعاد؛ لأنك لا تكاد تجد آية في كتاب الله إلا وجدت فيها اسمًا من أسماء الله أو صفة من صفاته، فالمهم أن إفحام الخصم بحجته أنكى وأقوى في خصمه، أي في أننا نخصمه ولا يستطيع أن يجادل بعد ذلك.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام جاؤوا بالبينات الدالة على رسالتهم، ولا بد من هذا عقلًا كما هو واقع شرعًا، لماذا يا جماعة؟ لأنه لو جاء رسول من البشر يقول: أنا رسول الله إليكم أدعوكم إلى كذا وأمنعكم من كذا ومن خالفني قاتلته، هل يُقبل منه ذلك؟ لا يُقبل إلا ببينة تشهد لما قال، ولهذا جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا مِنْ نَبِيٍّ -أَوْ قَالَ: مِنْ رَسُولٍ- يُرْسِلُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُهُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]] فقال: «مَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا آتَاهُ اللهُ مَا عَلَى مِثْلِهِ يُؤْمِنُ الْبَشَرُ»، وهذا لا بد منه؛ إذ لا يقبل أحد أن يأتي شخص ويقول: أنا رسول الله إليكم افعلوا كذا واتركوا كذا، وإن لم تفعلوا فإني أقاتلكم إلا ببينة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة الحجة على هؤلاء الذين ادعوا هذه الدعوى بأنهم قتلوا الأنبياء الذين جاؤوا بما قالوه.
3:184Page 74
فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤
Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1
ثم قال الله تعالى مسليًا لرسوله ﷺ: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ فيها قراءة: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ أي زيادة الباء.
يقول عز وجل: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، والفاعل قريش وأهل الكتاب، كل من كذّب الرسول، ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ﴾ هذه (فقد): الفاء واقعة في جواب الشرط؛ لأنه مقرون بـ (قد)، وقوله: ﴿كُذِّبَ رُسُلٌ﴾، في آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ﴾ [فاطر ٤]، فلماذا جاء التذكير والتأنيث؟ نقول: لأن الرسل جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه ثبوت التاء وحذفها، قال ابن مالك رحمه الله:
وَالتَّاءُ مَعْ جَمْعٍ سِوَى السَّالِـــــــــمِمِنْ ∗∗∗ مُذَكَّرٍ كَالتَّاءِ مَعَ إِحْدَىاللَّبِنْ
اللبن إحداها لبنة، فاللبنة تذكر وتؤنث، وجميع الجموع تذكر وتؤنث ما عدا جمع المذكر السالم على رأي ابن مالك، ويضاف إليها على رأي ابن هشام جمع المؤنث السالم، ويقابله من قال بأن جميع الجموع يجوز تذكيرها وتأنيثها حتى السالم من مذكر أو مؤنث، ومنه قول الزمخشري يرد به على أعدائه يقول: لا أبالي بجمعِهم، كلُّ جمعٍ مؤنثٌ.
المؤنث لا يقابل الرجال، الشاهد قوله: كل جمع مؤنث، والذي يظهر -والله أعلم- أن الرأي الصحيح رأي ابن هشام؛ أن السالم من الجمع المذكر يجب تذكيره، ومن الجمع المؤنث يجب تأنيثه، أما جمع التكسير فيجوز فيها التذكير والتأنيث، هنا: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ﴾، وفي آية أخرى: ﴿فَقَدْ كُذِّبَتْ﴾.
وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الرسول كما مر علينا كثيرًا هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، هؤلاء الرسل جاؤوا بالبينات، جملة ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ يجوز أن تكون صفة لـ﴿رُسُلٌ﴾، ويجوز أن تكون حالًا، أما جواز أن تكون صفة فظاهر؛ لأن (رسل) منكر فالذي يأتي من بعده يكون صفة، وأما جواز كونها حالًا مع أن الذي قبلها منكر فلأن هذه النكرة وُصِفت، وإذا وصفت النكرة جاز وقوع الحال منها؛ لأنها إذا وُصفت تخصصت.
﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ البينات هي الآيات، البينات الشرعية والكونية، فالآيات الشرعية هي الكتب التي جاؤوا بها، والآيات الكونية هي ما يسمى بالمعجزات الحسية.
﴿وَالزُّبُرِ﴾ جمع زبور، والمراد به ما اشتمل على المواعظ والزواجر، هذا الزبر، ولهذا كان الزبور الذي أوتيه داود أكثره مواعظ وزواجر.
﴿وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، والمنير بمعنى المنير للظلمات، وهذا العطف ﴿وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هذا من باب عطف الصفة على الصفة الأخرى؛ لأن الزبر تتضمن الكتاب المنير، وعطف الصفات بعضها على بعض موجود في القرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى ١-٤]، فقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ هذا من باب عطف الصفات، ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ﴾ أيضًا من باب عطف الصفات، فالتغاير هنا تغاير صفة وليس تغاير أداة.
* في هذه الآية من الفوائد: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام.
* ويتفرع عليها: أن يتسلى الإنسان بكل ما أصاب غيره، فمثلًا الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يؤذَى فليتسلَّ، بأيش؟ بأذية غيره؛ لأن الإنسان إذا علم أن غيره أصيب بمثل ما أصيب به لا شك أنه ينسى الحزن، كما قالت الخنساء ترثي أخاها صخرًا تقول:
وَلَوْلَا كَثْرَةُ الْبَاكِينَحَوْلِــــــــــــــــي ∗∗∗ عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي؎وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ ∗∗∗ أُسَلِّي النَّفْسَ عَنْهُبِالتَّأَسِّـــــــي
الشاهد هنا قولها: أسلي النفس عنه بالتأسي، فالإنسان إذا نظر يمينًا وشمالًا، وإذا هذا مصاب بعقله، وهذا مصاب ببدنه، وهذا مصاب بأهله، وهذا مصاب بماله يتسلى، كذلك الرسول عليه الصلاة والسلام إذا قال الله له: قد كُذِّب رسل من قبلك، لا شك أنه تهون عليه المصيبة وأنه يتسلى بذلك؛ لأنه بشر يلحقه من أحكام البشرية ما يلحق غيره.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يؤذَون بالتكذيب، ولا أظن أن شيئًا أشق على النفس من التكذيب فيمن جاء بالصدق، أليس كذلك؟ الإنسان يكاد يتقطع إذا أخبر بشيء صدق ثم قيل له: كذبت، فكيف وهم من عند الله عز وجل مؤيَّدون بآياته يكذَّبون، لا شك أنها شديدة عليهم، ولكنهم يصبرون عليهم الصلاة والسلام، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]، يعني: وعلى ما أوذوا، (أو) معطوفة على ﴿كُذِّبَتْ﴾، أي: وحصل لهم الأذية أيضًا فصبروا على ما كُذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا.
* من فوائد هذه الآية الكريمة، وانظروا هل يستفاد منها: أن الرسول عليه الصلاة والسلام آخر الرسل؟ هل يمكن أن يستفاد؟
* طالب: (...) يمكن.
* الشيخ: يمكن ولكنه ضعيف؛ لأنك لو قلت مثلًا: زارني رجل قبلك أو من قبلك، هل معناه أنه لا يزورني أحد بعده؟ لا، فالظاهر أنها لا تفيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرسل لا بد أن يؤيَّدوا بالبينات؛ لقوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسل السابقين كلهم جاؤوا بكتاب، ما من رسول إلا ومعه كتاب، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد ٢٥]، وذلك لأنه لا بد لكل رسول من شريعة، والشريعة بماذا تكون؟ تكون بما يُكتب، سواء نزلت وحيًا ثم كُتبت أو نزلت مكتوبة كالتوراة، فإن الله كتبها بيده وأنزلها عز وجل.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكتب السابقة ككتابنا كلها تنير الطريق لمن أراد المسير، ولكن أعظمها إنارة هو هذا القرآن الكريم، ولهذا كان مهيمنًا على ما سبقه من الكتب، كل الكتب اللي سبقه منسوخة به.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences