Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:186–187
3:186Page 74
۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦
You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٦ - ١٨٩].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ هذه الجملة: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ مؤكدة كما هو معلوم بثلاثة مؤكدات؟
* طالب: نون التوكيد، واللام، والقسم المقدر.
* الشيخ: والقسم المقدر؛ لأن اللام هذه موطئة للقسم، أي: والله لتبلون.
والابتلاء: الاختبار، والله سبحانه تعالى أحيانًا يختبر بالخير وأحيانًا يختبر بالشر، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥]، وكما قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠]. وذلك أن الإنسان دائر بين حالين؛ إما شيء يُسر به ويفرح به، فهذا وظيفته الشكر، وإما شيء يسوؤه ويحزِنه فهذا وظيفته الصبر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، إِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وقال: ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٩٩ / ٦٤) من حديث صهيب.]].
هنا يقول عز وجل: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ في أموالكم: إما من قِبل الله عز وجل كالجوائح، وإما من قبل المخلوقين؛ كتسلط المشركين على أموال المسلمين، وكل ذلك من البلوى، كل هذا من البلوى الذي يبتلي الله به العباد.
وقوله: ﴿وَأَنْفُسِكُمْ﴾ يشمل أيضًا البلوى المتصلة والمنفصلة. البلوى المتصلة ما يحصل على الإنسان من بلوى من الله عز وجل في بدنه، مثل المرض والعجز وما أشبه ذلك. والبلوى المنفصلة ما تكون في الأولاد؛ لأن الأولاد من أنفسنا؛ يُبتلى الإنسان في ولده، في أهله، في زوجته، في غير ذلك، هذا أيضًا من الابتلاء.
ثم إن الابتلاء الذي يكون إما من الله عز وجل، وإما من المخلوق، يبتلى الإنسان في نفسه من المخلوقين، يؤذونه أحيانًا بالضرب، وأحيانًا بالقول، وأحيانًا بالقتل؛ كما قتلوا الأنبياء بغير حق.
﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
﴿لَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ وهم الوثنيون؛ كقريش وغيرهم، تسمعن منهم ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ أذى بأيش؟ بالقول؛ لأنه هو الذي يسمع، مثل أن يعيروكم أو يسبوا دينكم، أو يسبوا نبيكم، وقد قالوا عن النبي عليه الصلاة والسلام: إنه ساحر كذاب، ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥]، وقالوا: إنه مجنون ﴿أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات ٣٦] وقالوا: إنه كاهن، ووصفوه بكل عيب. ولا شك أن هذا يؤذي المؤمنين، يؤذي النبي ﷺ، ولكن وظيفتنا نحو هذا الأمر الصبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦].
وقوله: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ يعني: وأذًى قليلًا، لكن الأذى الكثير أشد على الإنسان من الأذى القليل، ومع ذلك فإنه مأمور بالصبر، ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾. وتأمل قوله: لتسمعن أذى ولم يقل: ضررًا؛ لأن هذا الذي نسمع يؤذينا ولكن لا يضرنا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران ١٢٠] وهنا فرق بين الأذية وبين الضرر، قد يتأذى الإنسان بالشيء ولا يتضرر منه.
ولهذا أثبت الله سبحانه وتعالى أن عباده يؤذونه، أي من عباده من يؤذيه، ونفى أن يكون أحد يضره، فقال عز وجل في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب ٥٧]، فأثبت الأذية، وقال تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، فأثبت الأذية أيضًا، أما الضرر فلا.
فهنا يسمع المؤمنون من أهل الكتاب ومن المشركين ما يؤذيهم ولكنه لا يضرهم.
ثم قال: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ تصبروا على ما سمعتم، وعلى ما ابتليتم به في أموالكم وأنفسكم، والصبر بمعنى الحبس، ومنه قولهم: قُتل صبرًا، أي حبسًا، يوقَف ويُحبس ويُقتل، وهو في الشرع: حبس القلب واللسان والجوارح عما يغضب الله عز وجل.
قال أهل العلم: والصبر على ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وهو أعلى الأنواع، أعلى الأقسام، وصبر عن معصية الله، وهو دونه، وصبر على أقدار الله المؤلمة، وهو دون الاثنين؛ لأن الاثنين الأولين صبر على شرع الله، والثاني صبر على قدر الله، والصبر على قدر الله يكون من المؤمن والكافر ومن الناطق والبهيم، لكن الصبر على شرع الله لا يكون إلا من المؤمن.
ثم الصبر على المأمور أعلى من الصبر عن المحظور؛ لأن الصبر عن المحظور كف فقط، والصبر على المأمور فعل، فهو إيجاد وعمل، ففيه نوع من الكلفة، بخلاف الصبر عن فعل المحظور؛ فإنه ليس إلا مجرد كف.
على أنه قد يكون أحيانًا -بالنسبة للنفس- قد يكون الصبر عن المحظور أشد من الصبر على فعل المأمور، يسهل على بعض الناس مثلًا أن يصلي، لكن يصعب عليه أن يدع ما حرم الله عليه من الأمور التي تحثه نفسه إليها حثًّا.
طيب صبر الصائم على الصيام؟ من الأول.
وصبره على ألمه الذي يحصل بالجوع والعطش؟
* طالب: من الثاني.
* الشيخ: لا، من الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة.
وصبره عما حُرم عليه بالصوم من الثاني.
ولهذا يسمَّى شهر رمضان شهر الصبر؛ لأن جميع أنوع الصبر الثلاثة تحصل للصائم؛ ففيه -أي في الصيام- صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر على الأقدار.
صبر يوسف على إلقاء إخوته إياه بالبئر؟
* طلبة: من الثالث.
* الشيخ: من الثالث (...).
* طالب: الصبر على قتله.
* الشيخ: وصبره عن إجابة امرأة العزيز؟
* طلبة: من الثاني.
* الشيخ: من الثاني، صبر على المعصية.
وصبره على الدعوة إلى الله وهو في السجن؟
* طلبة: من الأول.
* الشيخ: من الأول، نعم.
﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ تتقوا أيش؟ تتقوا الله عز وجل، بألا تتجاوزوا أو تعتدوا على غيركم؛ وذلك لأن النفس مجبولة على محبة الانتقام من الغير، فربما إذا سمعت أذى أن تأخذ أكثر من نصيبها.
أقول: النفس مجبولة على حب الانتقام من الغير إذا حصلت منه أذية، فربما يعتدي الإنسان ويأخذ أكثر من حقه، ولهذا قال: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ أي تتقوا الله عز وجل فلا تعتدوا على الذين أسمعوكم الأذى.
﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ أي من معزومات الأمور، فعزم هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي من الأمور المعزومة التي تحتاج إلى عزم وإلى همة وإلى مكابدة؛ لأنها شاقة على النفس.
والعزم في الأمور من الصفات الحميدة التي وُصف بها الكمَّل من الخلق، قال الله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥]، فالعزم لا شك أنه خُلق عالٍ يهبه الله عز وجل لمن يشاء، فإذا كان الإنسان عنده عزم في أموره فهذا هو الموفَّق، أما الإنسان الذي ليس عنده عزم فتجده دائمًا في ملل وفي كسل وفي تهاون، فإن هذا لا شك خاسر، يخسر، فالإنسان العازم في أموره هو الرابح دنيا ودينًا ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
* من فوائد هذه الآية:
* أولًا: أن من البلاغة تأكيد الشيء بما يوجب الاطمئنان فيه؛ لقوله: لتبلون في أنفسكم. والتأكيد يقول علماء البلاغة: إنه قد يكون حسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون لغوًا إذا لم تدع الحاجة إليه؛ وذلك لأن التأكيد لا بد فيه من زيادة، ما هي الزيادة؟ زيادة الحروف التي حصل بها التأكيد، فإذا لم يكن حاجة إليه صار لغوًا، ثم إنه أيضًا لغو من حيث المعنى.
ولهذا لو أنك أكدت لشخص شيئًا شاهده لعتب عليك وقال: أنا ما أشوف؟! أنا علمت. لو قلت: (والله لقد صليت ركعتين حين دخلت المسجد) وهو يراك ويشاهدك، ماذا يقول لك؟ تقول: كيف تقسم لي وأنا أشاهدك؟! هذا لغو من القول.
ويكون حسنًا -أي التوكيد يكون حسنًا- إذا كان عند المخاطَب شيء من التردد، إذا كان عند المخاطب شيء من التردد فيحسن أن تؤكد له الكلام ليطمئن.
ويكون واجبًا إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكِر.
متى يكون واجبًا؟
* طالب: إذا كان الفعل منكرًا.
* الشيخ: إذا كان الفعل منكرًا؟!
* الطالب: نعم.
* الشيخ: كيف تقول: نعم؟
إذا كان المخاطَب منكِرًا أو فاعلًا فعل المنكر.
المنكِر: هو الذي إذا ألقيت إليه الخبر قال: أبدًا ما يصير. هنا يجب أن تؤكد له.
والفاعل فعل المنكِر: هو الذي يفعل فعلًا لو كان مصدِّقًا ما فعله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥] هنا فيه تأكيد بـ(إن) وأيش؟
* طلبة: واللام.
* الشيخ: واللام، هل الموت يحتاج إلى توكيد؟ كلنا يعرف أنه سيموت، لكن لما كان فعل أكثر بني الإنسان فعل المنكِر حسن التوكيد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يتفطن لما هو فيه من خير وشر، ليعلم أنه ابتلاء من الله، ففي الخير يُبتلى لأيش؟ ليشكر، وفي ضده يبتلى ليصبر.
* ومن فوائد هذه الآية: التأكيد على الحذر من أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى، والمشركين أيضًا. وجهه: أن الله أكد لنا أننا سنسمع منهم ما يؤذينا، هذا بالقول، وهم يمكرون بنا بالقول وبالفعل، ولهذا يجب التحرز من اليهود والنصارى وألا نتخذهم أولياء، وأن نعلم أنهم لن يعطونا قرشًا إلا في مقابلة درهم أو أكثر، ولن ينفعونا بشيء إلا وقد ضرونا بأكثر منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بين عداوة هؤلاء، وأنه لا يجوز اتخاذهم أولياء، وأنهم -اليهود والمشركين- أشد الناس عداوة.
أقربهم مودة الذين قالوا: إنا نصارى، والخطاب هنا في نصارى معينين وصفهم الله بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة٨٢- ٨٣]، فهل في نصارى اليوم من يكون هذا وصفهم؟ أبدًا بالعكس، هم يحاربون الدين الإسلامي ربما أكثر من محاربة اليهود؛ لأنه صارت بينهم وبين المسلمين معارك أدمت قلوبهم وأيتمت أولادهم ولن ينسوها، المعارك الصليبية لن ينسوها أبدًا، فهم في الحقيقة إذا سمعنا ما ينشرونه من دينهم المنسوخ الذي لا يُقبل عند الله وحرصهم على ذلك، وكونهم يجمعون حتى من العجائز من الأموال ما يقضون به على الإسلام ليدخل الناس في النصرانية، عرفنا أنهم يسعون بكل وسيلة إلى القضاء على الإسلام، ولهذا هم يؤملون أنهم في حدود الألفين ستكون أفريقيا كلها -على زعمهم- نصرانية، ولكن بحول الله إن الأمر سيكون منقلبًا عليهم، ستكون إن شاء الله إسلامية وسيدحرهم الله عز وجل ويردهم على أعقابهم خائبين.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الصبر أمام أذى الأعداء، أو نقول في هذه الآية الكريمة: الثناء على الصبر؟
الثاني أحسن، الثناء على الصبر أمام ما نسمعه من أذية الأعداء، وألا يردنا ذلك على أعقابنا، وأن نحذر منهم.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله هل هذه الآية منسوخة وأننا نصبر ونتقي إذا كنا عاجزين على الرد بالمثل أو هي محكَمة؟ والصحيح أنها محكمة، وأنها إنما تكون في حال يكون الصبر فيه على الأذى خيرًا، أما إذا كان الأمر بالعكس فالخير مطلوب في جميع الأحوال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التنبيه على فضيلة العزم في الأمور؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، وكلما كان الإنسان عازمًا في أموره كان ذلك أنجح له وأحسن.
* طالب: عند بعض الناس من المسلمين: من الكفار من يشتم الإسلام عنده، ولا يتأثر قلبه، فهل يدل هذا على أنه ضعيف الإيمان؟
* الشيخ: ما فيه شك، الذي لا يتأذى بسب الإسلام ولا يثأر له لا شك أنه ناقص الإيمان، بل يُخشى عليه أنه قد نزع منه الإيمان بالكلية؛ لأن مبدأ الإنسان ولو كان من وضع البشر لا يرضى أن أحدًا يسبه، فكيف وهو من شرع الله عز وجل.
* طالب: أحسن الله إليك، التوكيد في قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ [المؤمنون ١٥] قلنا: إنه حسن، مع أن هؤلاء يعني من فاعلي المنكر وقلنا: إذا كان المخاطب فاعل منكر فإنه في التوكيد يجب.
* الشيخ: نعم، إذا كان فعله فعل المنكر، نعم، يعني يحسن، قد نقول: المراد يعني حسن وجوب، لكن فرق بين المنكِر صراحة والفاعل فعل المنكِر، هذاك أوجب من المنكِر.
* طالب: آية ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] (...) لماذا قدَّم الله عز وجل الأموال على الأنفس؟
* الشيخ: أحيانًا يكون الكلام بالتعلِّي، وأحيانًا يكون بالتدني، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب ٣٥] أيهما أعلى؟ الإيمان، فأحيانًا يكون من الأعلى إلى الأسفل، وأحيانًا بالعكس، وهنا من الحكمة في هذا أن البلاء في النفس، وإن كان أمس بالإنسان وألصق بالإنسان هو عند بعض الناس أهون من البلاء في المال، البخيل لما عثر ورأى أصبعه قد تدمى قال: (الحمد لله، شوي ولا في النِّعْلَة). نعم وش صار الآن؟ صار المال أشدّ عليه، أغلى عنده من البدن.
* طالب: شيخ، ذكرتم بالنسبة للأذية تكون في القول، فلماذا لا تكون الأذية في القول والفعل؟
* الشيخ: والله أنا ما أتصور أن الفعل مما يسمع.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إنك ممن يسمع عن الغير؛ يُمكِن، يعني: سمعت أنهم آذوا فلانًا بالفعل، أما الفعل نفسه فهو ما يُسمع ولكن يُرى.
* طالب: شيخ، عند الأذية يسن أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون.
* الشيخ: إي نعم، كل مصيبة.
* * *
﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] هذا لبيان الواقع؛ وذلك لأن القيود أحيانًا تكون لبيان الواقع، لا للاحتراز، وهذا كثير، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة ٢١]، فهنا لو قال قائل: هل لنا رب لم يخلقنا؟ نقول: لا، إذن لماذا قال: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾؟ لبيان الواقع.
* طالب: هل الصبر على الأذية مطلقًا؟
* الشيخ: الصبر عليهم مطلقًا ما لم نكن أقوى منهم، فإن كنا أقوى منهم فإننا نرغمهم على أن يسلموا، أو يبذلوا الجزية، ونقاتلهم.
* طالب: شيخ، الآن اليهود والنصارى بدؤوا يصرحون بعداوتهم للمسلمين، في هذه الأيام يقولون: إن روسيا وأمريكا بدأت توجه تكتيكها إلى دول العالم الثالث، سمعت بأن الخطر القادم سوف يكون من دول العالم الثالث وأن الشرق الأوسط هو يعني أهم منطقة.
* الشيخ: إي نعم صحيح، ولكن إنها كلمة، كلمة تغني عن كل تهديداتهم: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران ١٦٠] نحن في الحقيقة إن خُذلنا أو تسلط علينا هؤلاء الأعداء فهو من أنفسنا، والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج ٤٠].
ولهذا أنا أحب من إخواننا الشباب أن يحرصوا على تطبيق الإسلام، وألا يعتمدوا على القوة المادية فقط، القوة المادية لو اعتمدنا عليها لكانوا هم أقوى منا وأكثر عَددًا وأقوى عُددًا، لكن القوة الإلهية المعنوية التي تصل الإنسان بربه هي التي لا تُهزم.
فنحن لا يهمنا هذا، الذي نخشى منه ليس من أسلحتهم، نخشى من أسلحتنا نحن التي نصوبها إلى صدورنا، وهي المعاصي والإعراض عن طاعة الله وصد الناس عن سبيل الله. هذا اللي نخشى منه، أما هم فليسوا إلا كبعوضة بالنسبة لقدرة الله عز وجل، وليسوا بشيء.
* طالب: هم يا شيخ خائفون من الإسلام.
* الشيخ: هم خائفون لكن يجب علينا نحن أيضًا أن نخاف منهم لنستعد لهم؛ ألا نتأثر بتهديدهم، وإلا هم يقولون: الشيوعية خلاص تحطمت، وهي العدو الأول، أما الآن فيُخشى من الإسلام. ولكن هل نحن استغللنا هذه الفرصة؟ أبدًا ما استغللنا هذه الفرصة، بل ضيعنا.
* طالب: قلنا: الثناء على الصبر.. في الآية قلنا: ينبغي الثناء على الصبر (...)؟
* الشيخ: لا، الصبر على أذى الأعداء، نعم، ما (...) لا، نأخذ بالثأر منهم.
* طالب: في حال الضعف؟
* الشيخ: في حال الضعف نعم، في حال الضعف نصبر، يحسن أن نصبر.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧) لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران ١٨٧ - ١٨٩]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران ١٨٦] إلى آخره، ما نوع البلاء في المال؟
* طالب: البلاء في المال ينقسم إلى عدة أقسام، منها ما أصابه البلاء من المشركين، أي من الخلق، مثل أن يتسلط عموم الكفار على أموال المسلمين، ومنها ما يقدره الله عز وجل من الجوائح والمصائب التي تصيب المال.
* الشيخ: أحسنت.
* الطالب: ومنها ما يكون بافتراض الفرائض مثل الزكاة والنفقات.
* الشيخ: يعني يختبركم على هذا الوجه الأخير فيما يفرضه عليكم.
الابتلاء في النفس؟
* طالب: الابتلاء في النفس بالمرض.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، بس؟
* الطالب: مرض أو شيء خفيف مثل الهم أو الغم.
* الشيخ: نعم، بس؟ هذا كله في النفس.
* الطالب: غير النفس يعني؟
* الشيخ: لا، اللي في النفس، ما هو ينقسم؟
* الطالب: ثلاثة أقسام؛ صبر..
* الشيخ: لا.
* طالب: من قِبل الله عز وجل، ومنه من قِبل المخلوقين.
* الشيخ: ما يكون من قبل الله وما يكون من قبل المخلوقين.
مثاله من قبل الله؟
* الطالب: من قبل الله كأن أصابتهم الصاعقة مثلًا.
* الشيخ: ما اخترت إلا الصاعقة؟!
* طالب: الابتلاء في النفس من الله عز وجل، مثل المرض وغيره والعجز وغيره.
* الشيخ: المرض والضعف والعجز وفقد الأولاد أيضًا؛ لأن الأولاد من الأنفس.
* طالب: نعم، هذا ابتلاء في النفس منفصل، مثل الأولاد والزوجة وغيرهم، وابتلاء في النفس متصل بالمرض بالبدن.
* الشيخ: أحسنت، وكله من الله. طيب والقسم الثاني؟
* طالب: القسم الثاني من المخلوق، مثل أن يضربه أو يشتمه أو يقتله.
* الشيخ: أحسنت، تمام، طيب قوله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ما المراد بالذين أوتوا الكتاب؟
* طالب: اليهود والنصارى.
* الشيخ: اليهود والنصارى، هذا الذي نسمع يكون ضارًّا أو غير ضار؟
* طالب: غير ضار.
* الشيخ: غير ضار، لكن قال: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾.
* الطالب: إلا أنه غير ضار.
* الشيخ: نعم، لا يلزم من الأذية الضرر، ما الدليل؟ هات مثالًا يدل على أنه لا يلزم من الأذية الضرر؟
* الطالب: الدليل على هذا أن الله عز وجل قال في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ، يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢٦) ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، فأثبت الأذية ونفى الضرر بقوله سبحانه وتعالى «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]].
* الشيخ: نعم، أحسنت. وهذا (...) يتأذى الإنسان مثلًا من الرائحة الكريهة ولا تضره.
قوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران ١٨٦] ويش معنى الآية، يعني الجملة هذه؟
* طالب: يريد الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن يحث المؤمنين على الصبر على أذية أهل الكتاب.
* الشيخ: الصبر والتقوى.
* الطالب: أي يصبرون على أذاهم ويتقون الله سبحانه وتعالى (...) بما يحصل عليهم من أذى المشركين.
* الشيخ: فلا يعتدوا عليهم بأكثر من عدوانهم، تمام.
قوله: ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ويش معنى من عزم الأمور؟
* الطالب: (...) العزم بمعنى المعزوم.
* الشيخ: بمعنى المعزوم، يعني من الأمور المعزومة، ويش معنى العزم؟
* طالب: الأمور الهامة، من الأمور الـ (...).
* طالب آخر: الأمور التي يُعزم عليها ويتنافس من أجلها.
* الشيخ: يعني تحتاج إلى عزم وقوة وصبر وجلد.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا ما تريد؟ ولكن عبرته بما لا يدل عليه.
في الإعراب: ﴿لَتَسْمَعُنَّ﴾ فعل مضارع متصل بنون التوكيد، ومع ذلك كان مرفوعًا، والمعروف أن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح.
* طالب: ليس مباشر (...) نون التوكيد (...).
* الشيخ: كيف مباشر، العين بعدها نون مباشرة.
* طالب: مباشر في الصورة، لكن الأصل فيه هناك واو محذوفة تدل عليه الضمة، في الحقيقة فيه واو محذوفة، يعني (لتسمعونن)، أصلها (لتسمعونن)، فيها حذف واو ونون.
* الشيخ: ويش تقولون؟ صحيح؟ إذن مباشرة لفظًا لا تقديرًا، ونون التوكيد إذا اتصلت بالمضارع يبنى على الفتح إذا كانت متصلة لفظًا وتقديرًا، وهذه متصلة أيش؟ لفظًا، لا تقديرًا.
3:187Page 75
وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧
And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.
ثم قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، (إذ) ظرف لما مضى، وتأتي في القرآن كثيرًا محذوفة العامل، ويقدره العلماء بقولهم: (اذكر إذ)، (واذكر إذ أخذ الله) يعني: اذكر هذا للناس مبينًا ما حصل.
وقوله: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ﴾ الميثاق هو العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا من الوثاق، وهو الحبل الذي يُشد به الإنسان ويربط، كما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ [محمد ٤] يعني الحبل الذي تربطونهم به وتأسرونهم به، فالميثاق بمعنى العهد الثقيل، وسمي العهد الثقيل ميثاقًا لأنه كالرباط للمعاهد.
وقوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ المراد بهم اليهود والنصارى، أخذ الله عليهم العهد والميثاق بما أعطاهم من الكتاب أن يبينوه للناس، ولهذا قال: لتبيننه، اللام موطئة للقسم، أي أُخذ عليهم عهد بهذا: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾، هنا قال: لتبينن ولا تكتمونه، فكيف يصح قوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ مع أنه قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾؟ لأن البيان ضد أيش؟ ضد الكتمان، ولكن نقول: المعنى: لتبيننه بيانًا لا كتمان فيه.
والكتمان نوعان: إما إخفاء بعض الآيات، وإما تحريف الآيات إلى معانٍ أخرى، فإن هذا يعد كتمًا؛ لأن الذي يحرف الآيات إلى معانٍ أخرى لم يبين الآيات على ما هي عليه، بل كتم المعنى الحقيقي المراد إلى معنًى آخر، فالكتم إذن نوعان: إخفاء لبعض الآيات كما قال الله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا﴾ للناس ﴿وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام ٩١]، وإما أن يكون الكتم كتم المعنى، أي لا يُبين المعنى، وإنما يُحرف.
فالكتم إذن نوعان: إخفاء الألفاظ، والثاني: إخفاء المعاني، بحيث لا يغير اللفظ لكن يغير المعنى، فهذا كتمان.
ومن ذلك مثلًا أن النصارى قالوا: إن محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام ليس هو الذي بشّر به عيسى؛ لأن الذي بشر به عيسى اسمه أحمد، وهذا اسمه محمد، هذا كتمان، كتمان معنى ولا لفظ؟
* طلبة: معنى.
* الشيخ: معنى.
﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فإن قال قائل: هل يشعر العالم بهذا الميثاق، وأنه جرى بينه وبين الله عز وجل صفقة عهد؟
الجواب: لا يشعر، لكن إيتاء الله العلم له يعتبر ميثاقًا، يعني كون الله يهبه علمًا هذا ميثاق، ما أعطاك هذا العلم إلا من أجل أن تبينه، وإن كان الإنسان لا يستحضر أنه جرى بينه وبين ربه عهد كما يعاهَد أهل الذمة مثلًا، ولكن إيتاء الله عز وجل العلم له هذا عهد أن يبينه.
قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾: ﴿نَبَذُوهُ﴾ أي: نبذوا العهد، نبذوا الميثاق، أي طرحوه، ومع ذلك لم يطرحوه بين أيديهم، بل طرحوه وراء ظهورهم، وهو كناية عن شدة إعراضهم عما آتاهم الله من الكتاب، حيث نبذوه نبذًا، ولم ينبذوه أمامهم، بل وراء ظهورهم، فيكون هذا أشد في كراهية ما أنزل الله وفي الاستكبار عنه والإعراض عنه.
﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾: ﴿اشْتَرَوْا بِهِ﴾ أي استبدلوا به ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي بهذا العهد والميثاق ثمنًا قليلًا، ما هو الثمن القليل الذي اشتروه؟ إبقاء رئاستهم وجاههم وسلطانهم على قومهم؛ لأن هؤلاء الأحبار والقسيسين لو تبعوا محمدًا زالت رئاستهم ووجاهتهم، وصاروا كعامة الناس، فقالوا: نكذب محمدًا ونبقى على ما كنا عليه من الرئاسة والجاه والتقديم. إذن ما هو الثمن؟ ما هو المبيع وما هو الثمن؟
المبيع العهد، والثمن: الجاه والرئاسة وما أشبه ذلك، ووصف الله هذا بأنه قليل، وصدق الله، فإن جميع ما في الدنيا قليل، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [النساء ٧٧]. فهذا الذي استبدلوه هو ثمن قليل زهيد، لا يدوم للإنسان ولا يدوم الإنسان له، بل لا بد من زوال؛ إما زوال الإنسان وإما زوال الثمن الذي اشتراه.
يقول: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ بئس: فعل ماضٍ جامد. جامد يعني لا يتصرف، النحويون يسمون الفعل الذي لا يتصرف جامدًا؛ لأنه باقٍ على حال واحدة، والمتصرِّف يسمونه متصرفًا لأنه يشبه المائع الذي يسيل ويسيح، لكن هذا جامد لا يتصرف.
وقوله: ﴿بِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ كلمة (بئس) و(نعم) وما أشبههما تحتاجان إلى شيئين: إلى فاعل، ومخصوص بالذم أو بالمدح، فقوله: ﴿مَا يَشْتَرُونَ﴾ هذا هو الفاعل (ما)، والمخصوص محذوف، والتقدير أيش؟
* طالب: هذا الشراء.
* الشيخ: فبئس ما يشترون هذا الثمن أو هذا الشراء.
في هذه الآية قراءات نسينا أن نبينها لكم، قوله: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ فيها قراءة: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ﴾ ، يعني بالياء بدلًا عن التاء، فعلى القراءة الأولى بالتاء يكون في الكلام التفات، منين؟ من الغيبة إلى الخطاب، وعلى القراءة الثانية يكون الكلام نسقًا واحدًا، ليس فيه التفات.
والالتفات ذكرنا أن فيه فوائد، ما هي؟
* طالب: منها التنبيه على هذه الجملة.
* الشيخ: نعم، التنبيه على هذه الجملة؛ لأن الكلام إذا صار على نسق واحد شرد الذهن، فإذا جاء التفات كأنه يقول: انتبه. هذا واحد.
* طالب: بيان عظم هذا الأمر.
* الشيخ: لا.
* طالب: تشويق السامع.
* الشيخ: تشويق السامع؟ أحيانًا يكون فيه تشويق السامع، صحيح، لكن شدة وقع هذا الشيء؛ لأن العدول عن الغيبة إلى الخطاب أشد وقعًا من الغيبة، يعني أن المشافهة بالخطاب أشد وقعًا من المشافهة بالغيب، ولهذا قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس ١، ٢] ولم يقل: عبست، وهو يريد سبحانه وتعالى النبي ﷺ، لكن أسلوب الغيبة أهون وقعًا من أسلوب الخطاب. وتأملوها في قصة الخضر مع موسى: في الأول، في الجملة الأولى، قال له: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٢]، ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾، في الثانية قال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف ٧٥] فكانت الثانية أشد من الأولى، أشد وقعًا.
وفيه أيضا قراءة في الآية التي بعدها.
* من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل أخذ على أهل العلم العهد ببيان العلم وعدم كتمانه؛ لقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّه﴾ إلى آخره.
* ومن فوائدها: التحذير من كتمان العلم؛ لأن الله ذكر ذلك على سبيل الذم، لا على سبيل المدح، وقد جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أن «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ ثُمَّ كَتَمَهُ؛ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه الترمذي (٢٦٤٩) وابن ماجه (٢٦٦) من حديث أبي هريرة.]]، نعوذ بالله، كما أنه كتم العلم ولم ينطق به فإنه يُجعل له يوم القيامة لجام يلجم به على فمه لسكوته عن بيان العلم.
* ومن فوائد هذه الآية: وجوب بيان العلم على أهل العلم؛ أنه يجب على أهل العلم أن يبينوه، أن يبينوا العلم الذي آتاهم الله، ولم يذكر الله عز وجل الوسيلة التي يحصل بها البيان، فتكون على هذا مطلقة، راجعة إلى ما تقتضيه الحال، قد يكون البيان بالقول، وقد يكون بالكتابة، وقد يكون في المجالس العامة، وقد يكون في المجالس الخاصة، على حسب الحال؛ لأن الله أطلق البيان ولم يفصل ولم يعين.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه في الأمور الهامة ينبغي أن يُقرن النفي بالإثبات ليتحقق الكمال؛ لقوله: لتبيننه ولا تكتمونه. ووجه ذلك ما أشرنا إليه قبل أن البيان عدم الكتمان، لكن لما قال: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ أكد البيان، وأن يكون بيانًا كاملًا ليس فيه كتمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الذم القبيح لأهل الكتاب اليهود والنصارى؛ لقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ وأنتم تجدون شدة الوقع في قوله: ﴿نَبَذُوهُ﴾، ثم شدة الاستكبار؛ لقوله: ﴿وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين نبذوا العهد والميثاق وراء ظهورهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، يعني لم يأخذوا مقابله ولا مماثله ولا ما فوقه، ولكنهم أخذوا بدله ثمنًا قليلًا، مما يدل على خسة هممهم، وأن هممهم دنيئة، حيث أخذوا الأدنى بدلًا عن الأعلى.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: القدح في هذه الطريقة؛ لقوله: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: تحذير أولئك الذي يحابون الرؤساء والأمراء والوجهاء والأعيان في ترك بيان العلم؛ لأن الله تعالى أثنى بالقدح واللوم والتوبيخ على من كانت هذه حاله، والواجب البيان حتى عند الأمراء والوزراء والكبراء والرؤساء، بل إن بيان الحق عندهم يكون أوجب، وكلمة الحق عند السلطان الجائر من أفضل الجهاد.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences