Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:189–193, continued
* الشيخ: ما محلها من الإعراب؟
* طالب: إذا قلنا: إن (الذين) صفة لـ﴿خَلْقِ﴾ قلنا: مجرورة.
* الشيخ: كيف مجرورة؟
* الطالب: يعني: المعطوف على المجرور مجرور.
* الشيخ: أين المجرور؟ ما قلت على ﴿يَذْكُرُونَ﴾؟
* الطالب: (الذين) إي، إي نعم، ﴿يَذْكُرُونَ﴾ حال، طيب تكون حالية.
* الشيخ: حالية، منصوبة على الحال.
* طالب: لا محل لها من الإعراب، صلة الموصول.
* الشيخ: إي، هذه لا محل لها من الإعراب؛ لأنها معطوفة على صلة الموصول، وصلة الموصول ليس لها محل من الإعراب.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ ما محلها من الإعراب؟
* طالب: منصوبة على مقول القول.
* الشيخ: مقول القول المحذوف؛ يقولون: ربنا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن ذكر الله عز وجل من لوازم العقل ومقتضياته؛ لقوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة إدامة الذكر، ذكر الله عز وجل على كل حال؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، وكان أبلغ مَن وفَّى بهذا حقه رسول الله ﷺ، قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ يذكر الله على كل أحيانه»[[أخرجه مسلم (٣٧٣ / ١١٧) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائدها: جواز ذكر الله تعالى للجنب، أي: أنه يجوز للجنب أن يذكر الله؛ لدخوله في العموم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن ذكر الله في حال كون الإنسان على جنب لا يُعد استهانة بالذكر، وكذلك قراءة القرآن إذا قرأتها على جنب، وقد ثبت أن النبي ﷺ: «كان يقرأ القرآن متكئًا في حجر عائشة وهي حائض رضي الله عنها»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٧)، ومسلم (٣٠١ / ١٥) من حديث عائشة.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة التفكر في خلق السماوات والأرض؛ لقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولكن التفكر المقرون بقول: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، لا التفكر الذي يراد به الاطلاع على العلم المادي فقط في خلق السماوات؛ لأن هذا التفكر وإن كان يفيد الإنسان في الدنيا لكنه لا يفيده في الآخرة، لا بد أن يكون التفكر هذا مُنتجًا هذا القول والإقرار: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا أُثني على المتفكرين في الخلق فالمتفكرون في الشرع من باب أولى؛ لأن الشرع ليس أمرًا محسوسًا، فالتفكر فيه أبلغ في الإيمان من التفكر في الخلق، الخلق أمر محسوس كل إنسان يدركه، لكن حكم وأسرار الشرائع ليس كل أحد يدركها.
* ومن فوائد هذه الآية: التوسل إلى الله تعالى بالربوبية حال الدعاء، وأكثر ما يكون التوسل به من أسماء الله في الدعاء هو الربوبية؛ لأن الربوبية بها الخلق والملك والتدبير، فلهذا نجد أن أكثر ما يُدعى به الربوبية؛ اسم الربوبية أو وصف الربوبية.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: انتفاء الباطل في خلق الله نفيًا مطلقًا، من أين يؤخذ؟ ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وإذا انتفى الباطل نفيًا مطلقًا ثبت الحق، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩].
* ومن فوائدها: إثبات ما أثبته أهل السنة من أن من صفات الله ما هو منفي أو ما هو سلبي؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، والقاعدة عند أهل السنة: أن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي، وإنما يراد بها النفي مع إثبات كمال الضد؛ لأنه لثبوت الكمال الضد انتفى هذا الوصف.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الإقرار من هؤلاء العقلاء بأن الله هو الخالق: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ وهو من تقرير توحيد أيش؟ الربوبية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾؛ لأنه لو خلقها باطلًا لانتفت الحكمة، فإذا انتفى الباطل ثبتت الحكمة، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة: أن أفعال الله وشرائع الله كلها لحكمة، ليس فيها شيء عبثًا إطلاقًا، وما خفيت علينا حكمته فهو لقصور أفهامنا وليس لانتفاء الحكمة فيه، عرفتم هذا؟ لأن الله قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، ونحن نؤمن بأن الله عز وجل لا يحكم بشيء حكمًا كونيًّا ولا قدريًّا إلا لحكمة.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تنزيه الله عز وجل عن كل عيب ونقص، مأخوذة من قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، والذي ينزه الله عنه شيئان: النقص، والثاني أيش؟
* طالب: العيب.
* الشيخ: النقص والعيب، هو العيب.
* طالب: مماثلة المخلوقين.
* الشيخ: مماثلة المخلوقين، حتى فيما هو كمال في المخلوقين فإن الله منزه عن مماثلتهم، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، فكل نقص قد تعالى الله عنه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن صفوة الخلق محتاجون إلى الدعاء بالوقاية من النار؛ لقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات التوسل في الدعاء بصفات الله من قوله: ﴿فَقِنَا﴾؛ لأنهم بنوا ﴿فَقِنَا﴾ على قولهم: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾ يعني: أننا نتوسل إلى الله عز وجل بتنزهه عن النقص أن يقينا عذاب النار؛ لأننا نحن مؤمنون، يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض، ويقرون بأنها خلقت بالحق وللحق، وينزهون الله عز وجل عن كل نقص وعيب، وينبني على ذلك أنهم جعلوا ذلك وسيلة لوقاية الله تعالى إياهم من النار: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا﴾؛ لأنه من المعروف في اللغة العربية أن (الفاء) تدل على أيش؟ تفرع ما بعدها على ما قبلها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار وهي دار المجرمين والعصاة والظالمين والكفرة؛ لقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
في الآية الكريمة كلمتان لا يجوز فصل إحداهما عن الأخرى أين هما؟
* طالب: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
* الشيخ: ﴿مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ لو قلت: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا﴾ وسكت أوهم معنًى فاسدًا؛ ولهذا يجب الوصل: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء ٤٣] لا بد أن تصل تقول: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ لو قلت: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ فقط فسد المعنى، ومثل: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون ٤، ٥] لا بد أن تصل فتقول: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾؛ وذلك لأنك لو سكت لأوهم أن الوعيد لمن يصلي.
نحن أعربنا ﴿بَاطِلًا﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من إيه؟ من (ذا)؟ من (هذا)؟
* طالب: من ﴿هَذَا﴾؟
* الشيخ: من (هذا) ﴿هَذَا بَاطِلًا﴾، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف أي: خلقًا باطلًا، إي نعم.
ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هذه الآية كالتعليل للدعاء السابق: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾؛ لأن من أدخلته النار فقد أخزيته، ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منادى حذفت منها ياء النداء، والتقدير: يا ربنا.
﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ (إن) واسمها في: ﴿إِنَّكَ﴾، والجملة الشرطية: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في محل رفع خبر (إن).
﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ مبتدأ وخبر، الخبر مقدم والأنصار مؤخر، وهو مجرور بـ(مِن) الزائدة ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ والتقدير: وما للظالمين أنصار، هذا إعراب الآية.
يقول هؤلاء السادة العقلاء: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ (مَن) يشمل العصاة والكفار، فالعصاة مستحقون لدخول النار، وإذا أدخلوا النار فإنهم غير مظلومين؛ لأنهم مستحقون لذلك، والكفار مستحقون لدخولها على وجه التأبيد والتخليد، وكلٌّ منهم إذا أدخل النار فقد أخزاه الله أمام العالم، أي: فضحه وهتك سره.
وقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ هنا إظهار في موضع الإضمار، إذ مقتضى السياق أن يقول: وما لهم من أنصار، ولكنه أظهر في موضع الإضمار لفائدتين: الفائدة الأولى: أن هؤلاء مستحقون لهذا الوصف، أعني الذين يُدخلون النار مستحقون لهذا الوصف، أي وصفهم بالظلم، والثاني: العموم: أن كل ظالم حتى وإن لم يدخل النار إذا أراد الله أن يعاقبه فإنه لن يجد من ينصره.
وفيه فائدة ثالثة وهي: إثبات العلة في الحكم، لو قال: وما لهم من أنصار، لم يتبين لنا أن السبب لأنهم ظلموا أنفسهم، فإذا وصفهم بهذا فكأنه بيّن الحكم بعلته.
وقوله: ﴿مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني: من أعوان؛ لأن الناصر بمعنى المعين، وسواء كان العون في دَفعهم أو في تَخليصهم، فلا أحد يَنصرهم عند إدخالهم فيمنعهم، ولا أحد ينصرهم إذا سقطوا فيها فيُخرجهم، قال الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥].
* من فوائد هذه الآية الكريمة؛ أولًا: فقه هؤلاء السادة أولي الألباب، حيث بينوا سبب دعائهم أن يقيهم الله من النار، وأن سبب ذلك هو أن النار دار الخزي -والعياذ بالله- ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات النار؛ لقوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا نصير للظالم وذلك في الآخرة، أما في الدنيا فقد ينصر الظالم ولكن تدور عليه الدوائر، لكن في الآخرة لا أحد ينصره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الظلم سبب لدخول النار؛ لقوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ بعد قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
ثم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ إلى آخرها.
نقول في ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا﴾ مثل ما قلنا في: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ أو ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ أي: أنها منادى حذفت منها ياء النداء.
﴿إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ سمعوا مناديًا ينادي للإيمان، جملة: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ صفة لقوله: ﴿مُنَادِيًا﴾ لكن فائدتها أنها بينت ماذا ينادي له، وذلك أن المنادي قد يكون ينادي لكذا ولكذا فبينت ماذا ينادي له، فهي إذن صفة لـ﴿مُنَادِيًا﴾.
وقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ (أن) هذه تفسيرية؛ لأنها جاءت بعد جملة تتضمن القول دون حروفه، وكل (أن) تقع بعد جملة تتضمن معنى القول دون حروفه فإنها تسمى تفسيرية، أي بمعنى: أيْ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧] يعني أي: اصنع الفلك، فـ(أن) هنا تفسيرية.
وقوله: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ الفاء هذه عاطفة ولكنها تفيد السببية؛ لأنها عطفت جملة على جملة، وقوله: ﴿سَيِّئَاتِنَا﴾ بالكسر مع أنها مفعول به؛ لأنها جمع مؤنث سالم.
وقوله: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ظرف، ولكن هنا المراد بالمعية المعية الحكمية لا الزمنية؛ لأن ميتات الأبرار تختلف.
يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ قالوا ذلك تحدثًا بنعمة الله على ما أنعم به من إرسال هذا المنادي، وقولهم: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ هذا المنادي أصله المصوِّت، معناها اللفظي: المصوِّت؛ لأن النداء هو رفع الصوت، ولكن المراد به محمد ﷺ، وسماعهم له يقع على وجهين: أحدهما: أن يسمعوا صوته مباشرة بدون واسطة، والثاني: أن يسمعوا من غيره ما جاء به، يسمعوه من ورثته وهم العلماء، وكل هذا داخل في الآية، يعني: السماع المباشر الذي سمعوه من صوته، والسماع غير المباشر والذي سمعوه بالواسطة من ورثته وهم العلماء.
وقوله: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قد يقول قائل: إن المتوقع أن يقال: إلى الإيمان، أن يقال: ينادي إليه، ولكنه أتى بـ(اللام)؛ لأن (اللام) ألصق من (إلى)؛ إذ إن (إلى) تفيد الغاية، والغاية لا بد لها من مُغَيّا، والمغيا طرفٌ فهو مؤذن بالبعد، أما ﴿لِلْإِيمَانِ﴾ فهي للإلصاق، ألصق من (إلى).
وقوله: ﴿لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ هذا بيان للإيمان الذي دعا إليه الرسول عليه الصلاة والسلام ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ الإيمان بالله عز وجل هو: الإقرار المتضمن للقبول والإذعان، وليس مجرد الإقرار، لو كان الإيمان مجرد الإقرار لكان أبو طالب مؤمنًا؛ لأنه مقر، ولكنه لا يكون إيمانًا حتى يتضمن أيش؟ القبول والإذعان، يعني الانقياد، فأما إذا لم يقبل أو قبِل ولم يذعن فإنه ليس بمؤمن.
وقوله هنا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ قد يقول قائل: هل الإيمان يقتصر على ركن واحد وهو الإيمان بالله؟ فالجواب: أن من آمن بالله آمن بكل ما أخبر الله به، ومنه بقية الأصول الستة: ملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فعلى هذا يكون الإيمان بالله متضمنًا للإيمان ببقية أركان الإيمان، ويكون ذكرها أحيانًا مفصّلة من باب التفصيل والبيان وليس من باب التخصيص؛ فإن الإيمان بالله يتضمن هذا كله، ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ يعني: أقررنا بذلك مع الانقياد؛ مع القبول والإذعان.
﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب إيماننا اغفر لنا ذنوبنا، والمغفرة هي ستر الذنب والتجاوز عنه، وإنما نقول: إنها ستر وتجاوز؛ لأنها مأخوذة من المغفر وهو ما يُلبس على الرأس من الحديد الذي يقي السهام، ومعلوم أن هذا المِغفر فيه ستر وفيه وقاية، فمن قال من العلماء: المغفرة ستر، فإن تفسيره لها ناقص، بل لا بد أن يقال: الستر مع الوقاية.
وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وأصلها النصيب، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ﴾ [الذاريات ٥٩] أي: نصيبًا مثل نصيب أصحابهم، ولكنها خصت بالنصيب من الآثام، والعياذ بالله.
وقوله: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ السيئات طلبوا تكفيرها والذنوب طلبوا مغفرتها؛ لأن السيئات هي الصغائر تكفر بماذا؟ بالأعمال الصالحة؛ بالطاعات، ولا يمكن أن تُكفر بالطاعات إلا بعد أن تكون الطاعات على الوجه الأكمل؛ لأن الطاعات إذا نقصت لم تقوَ على تكفير السيئات، إذ إن الإنسان قد يفعل الطاعة ولا يحصل له منها إلا إبراء الذمة فقط، لكن لا تقوى على التكفير حتى تكون تامة بقدر المستطاع؛ ولهذا قالوا: كفر عنا سيئاتنا بما نفعله من الأعمال الصالحة.
ثم اعلم أن تكفير السيئات قد يكون معينًا من قبل الشرع، أي: ما يُكفر به قد يكون معينًا من قبل الشرع، مثل: كفارة الظهار، كفارة القتل، كفارة الجماع في نهار رمضان، هذا مقيد بالشرع، وقد يكون عامًّا؛ كتكفير السيئات عمومًا بالصلاة، بالوضوء، بالجمعة إلى الجمعة، برمضان إلى رمضان، بالعمرة إلى العمرة، فالتكفير إما مقيد وإما مطلق عام.
﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ ﴿تَوَفَّنَا﴾ يعني: اقبضنا إليك، والتوفية بمعنى القبض، ومنه قولهم: توفى فلان حقَّه أي: قبضه وافيًا، وقولهم: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ المعية هنا ليست معية زمنية لتعذُّر اجتماع وفاة الأبرار في أيش؟ في آن واحد لكنها معية حكمية، مصاحبة حكمية، يعني أن نكون معهم، أي: في جملتهم ولو كنا بعدهم، وليست (مع) معية مصاحبة، لا، لاختلاف الأزمان بين موت الأبرار بعضهم مع بعض.
و(الأبرار) جمع (بَرّ)، والبَر هو: كثير الخيرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ﴾ [الطور ٢٨]، وأهل الحق والأعمال الصالحة لا شك أنهم كثيرو فعل الخير وأنهم أبرار.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعترف بنعمة الله عليه غَير مانٍّ بها على ربه؛ لقولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائدها: أن دعوة النبي ﷺ دعوةٌ إلى الإيمان ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان أن رسول الله ﷺ بَذَل الجهد في دعوة الخلق إلى الحق؛ لأن النداء يكون برفع الصوت، فكأن الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو الناس بأعلى صوته يناديهم للإيمان.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكلمات قد يستغنى بمضمونها عن تفصيلها؛ لقوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: بكل شيء يجب الإيمان به، فكل ما أخبر الله به فإذا صدقنا به وأقررنا به فهو داخل في الإيمان بالله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى بيان العلة؛ لقوله: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾، فالرب أهل لأن يؤمن به الإنسان؛ لأنه رب خالق مالك مدبر، فهو جدير بأن يؤمن به العبد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ذكر الإنسان لعمله الصالح لا يحبطه، فإذا قال: أمرني ربي بالصلاة فصلّيت، أو بالزكاة فزكّيت، أو بالحج فحجَجت، فإن هذا لا يبطل العمل؛ لأنهم قالوا: ﴿أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ أيش؟ ﴿فَآمَنَّا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والتوسل بالأعمال الصالحة مما ثبت بالسنة أيضًا، في قصة الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار بصخرة عظيمة لم يستطيعوا زحزحتها، فقال بعضهم لبعض: إنه لا ينجيكم من ذلك إلا أن تتوسلوا إلى الله بصالح أعمالكم، فتوسل كل منهم بصالح عمله، فلما دعا الأول وتوسل بصالح العمل انفرجت الصخرة قليلًا، ثم الثاني قليلًا لكن لا يستطيعون الخروج، ثم الثالث فانفرجت كلها فخرجوا يمشون[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٧٢) ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث ابن عمر، وهو مروي هنا بالمعنى.]].
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: استدلال بعض العلماء بهذه الآية: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ بأن النبي ﷺ كان يذكر الله على كل أحيانه على جواز الذكر في حال الخلاء، ذكر الله عز وجل في حال الخلاء، استدلال متوجه ولَّا فيه نظر؟
* الشيخ: أما من أخذ بالعموم فهو متوجه إلا أن يقوم دليل على كراهة ذكر الله في الخلاء.
* الطالب: قام دليل يا شيخ.
* الشيخ: أنا لا أعلم في هذا دليلًا إلا التعليل فقط.
* الطالب: لكن على التعليل ما فيه دليل؟
* الشيخ: ما فيه إلا التعليل فقط؛ أن هذا مكان قذر فينبغي للإنسان أن يتجنب فيه ذكر الله.
* طالب: شيخ، قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ طائفة الخوارج يستدلون بهذه الآية بأن من أدخل النار يكون منزوع الإيمان.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يكون منزوع الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾. قوله: ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾، كيف الرد عليهم؟
* الشيخ: ليس في هذا دليل؛ لأننا نقول: الخزي قد يكون عامًّا دائمًا، وهذا لأهل النار الذي يستحقونها على الدوام، وقد يكون خزيًا جزئيًّا يفضحه ثم بعد ذلك يزول عنه هذه الفضيحة.
* طالب: ما المقصود بالظالمين؟
* الشيخ: المقصود بالظالمين كل ظالم، لا يمكن أن يجد من ينصره في ظلمه، كل ظالم حتى في الدنيا لا يجد من ينصره في ظلمه إلا من كان ظالمًا مثله.
* طالب: هل المقصود الكفار يا شيخ؟
* الشيخ: لا، عام؛ لأننا إذا قلنا: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يشمل العصاة والكفار، صار مثله.
* طالب: شيخ، حد الكبيرة وحد الصغيرة؟
* الشيخ: ما مرت علينا؟
* طالب: كثيرًا.
* الشيخ: قلنا: إن الكبيرة أحسن ما قيل فيها هي: ما رتب عليه عقوبة خاصة، سواء كانت العقوبة دنيوية أو دينية، في الدنيا أو في الآخرة، هذا أحسن ما قيل فيها، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وقال بعضهم: إن الكبيرة ما رُتب عليه حد في الدنيا، أو وعيد في الآخرة، أو لعنة أو غضب، أو نفي إيمان، أو تبرؤ منه، وصاروا يعدون مثل هذا، فإذا قلنا: ما رتب عليه عقوبة خاصة صار أشمل.
ومن المعلوم أن الكبائر بعضها أهون من بعض أو أعظم من بعض؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي بكرة: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ» » بأيش؟ «بَأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٤) ومسلم (٨٧ / ١٣٤) من حديث أبي بكرة.]].
* طالب: حلق اللحية يكون من الصغائر هكذا؟
* الشيخ: إي نعم، يكون هذا من الصغائر، لكنه عند العلماء أن الإصرار على الصغيرة يعتبر كبيرة.
* طالب: الدعاء في: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾ ﴿وَتَوَفَّنَا﴾، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ يعني (...)، ﴿وَتَوَفَّنَا﴾ ومقيدة إذا جاء الأجل؟
* الشيخ: يعني: كأنك تقول في هذا دليل على جواز الدعاء بالموت؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: لا، ليس كذلك، معلوم أن الله سبحانه وتعالى لن يتوفاهم إلا إذا جاء أجلهم، وليس فيه أنهم يتمنون تقديم الوفاة، وهذا نظير قول يوسف عليه الصلاة والسلام: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف ١٠١]، ليس المعنى أنه يسأل الله أن يتوفاه الآن، بل أن يتوفاه على الإسلام متى جاء أجله، وكذلك قول مريم: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ [مريم ٢٣] ليس معناه أنها تمنت الموت، بل تمنت أن هذا لم يقع، يعني هي تقول: يا ليتني مت وأنا ما رأيت، هذا معناه.
* طالب: في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف ١٧] لو استدللنا يا شيخ على أن الإيمان يأتي بعد التصديق..؟
* الشيخ: الإيمان هنا عدي بـ(اللام)، عدي بـ(اللام) لا بـ(الباء)، فاختلف عن الإيمان المُعدى بـ(الباء).
* طالب: تكفير السيئات ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا﴾، ماذا يختلف فيه عن المغفرة؟
* الشيخ: المغفرة تكون بفضل الله فقط، بفضل الله مجردًا، مجرد فضل الله أن الله تعالى يغفر للإنسان، والتكفير يكون بعمل صالح يكفر السيئات.
* طالب: بس، هم طلبوا من الله أن..
* الشيخ: طلبوا هذا وهذا؛ لأن الكبائر لا تكفر، تحتاج إلى مغفرة من الله عز وجل، إما مجرد فضل منه سبحانه وتعالى، وإما بعمل أسباب؛ كالاستغفار والتوبة ترفع حكم هذه الكبائر.
* طالب: ما الفرق بين المغفرة والتكفير في اللغة؟
* الشيخ: الشرع بين الفرق بينهم، بيَّنَ الشرع ويكفي فرق الشرع، حتى المغفرة في الأصل الستر والكفر أيضًا في الأصل الستر.
* طالب: استدل أهل السنة على إثبات الصوت لله سبحانه وتعالى بقول الرسول ﷺ: «يُنَادِي اللَّهُ بِصَوْتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه البخاري معلقًا (٩ / ١٤١)، ومسندًا في خلق أفعال العباد (٤٨٠) ولكن بلفظ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ»، وأحمد (١٦٠٤٢) من حديث عبد الله بن أنيس.]] وقالوا: إن المناداة أصلًا لا تكون إلا بصوت، وهنا: ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ وكما تفضلتم أن المناداة تكون بصوت مباشرة وبواسطة أيضًا تكون، لا سيما جاء في بعض الروايات أن ملكًا هو الذي ينادي، ألا يمكن أن يكون في هذا حجة على أهل السنة؟
* الشيخ: أبدًا ولا شيء؛ لأن ﴿سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ﴾ يبينه الواقع، وإلا لو لم نقل بذلك لم تكن الآية شاملة للأمة كلها لكانت خاصة بالصحابة فقط، وهي شاملة لكل الأمة، فهنا وجدت قرينة تمنع من تخصيصه بالصوت المسموع من الرسول ﷺ، لكن ينادي بصوت الله عز وجل واضح: إن الله يأمرك، بهذا اللفظ، هل أحد بيقول من الخلق: إن الله يأمرك وهو يعني نفسه؟
* طالب: جزاك الله خيرًا، قلنا: أهل العلم يتحملون إثم الرسالة ولهم ثواب الرسالة (...)؟
* الشيخ: إي نعم، نعم لا شك، العالم يعطى من ثواب الرسالة بقدر ما حصل منه من التبليغ والدعوة.
* * *
* طالب: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (١٩٥)﴾ [آل عمران ١٩٥].
* الشيخ: بس، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
موقع قوله: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ مما قبلها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: في المعنى.
* الطالب: في المعنى؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: التعليم بأنه خلق الله سبحانه وتعالى السماوات والأرض لم يكن باطلًا؛ لأنه منزه.
* الشيخ: لأنه منزه، يعني: لما نفوا أن يكون باطلًا عقَبوه بتنزيهه عما لا يليق به؛ لأنه لو كان خلقها باطلًا لكان منافيًا لتنزيهه عما لا يليق به.
قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ في كسر اللام إشكال؛ ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ﴾ كيف كسرها وهي فعل مضارع؟
* طالب: (...) عن الجزم هنا السكون لكن (...) وما بعدها متصل، فلعدم التقاء الساكنين.
* الشيخ: لعدم ولا للتقاء؟
* طالب: للتقاء الساكنين.
* الشيخ: أحسنت.
ما معنى قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾، ﴿فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾؟
* طالب: أي فضحته.
* الشيخ: فضحته وأذللته، أحسنت.
قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ في هذا أيش من البلاغة؟
* طالب: حصر.
* الشيخ: لا، ما هو أريد حصر، هذا هو الحصر اللي يقول، لكن ما هذا أريد، لا أريد ذا.
* طالب: إظهار ما حقه الإضمار.
* الشيخ: الإظهار في موضع الإضمار، ما فائدته هنا؟
* الطالب: تأكيد الظلم إليهم، بأنهم ظالمون.
* الشيخ: الإشارة إلى أن من دخل النار فإنه دخلها بظلم نفسه، كذا؟
من المراد بالمنادي الذي ينادي للإيمان؟
* طالب: محمد رسول الله ﷺ.
* الشيخ: وهل سماعهم إياه بواسطة أو بلا واسطة؟
* طالب: بلا واسطة وبواسطة بين العلماء..
* الشيخ: أحسنت، تمام.
فالذين أدركوا عهده؟
* الطالب: بنفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بعهده من نفسه.
* الشيخ: بواسطة.
* الطالب: بواسطة، من نفسه يعني هو رسول الله ﷺ موجود في وقته.
* الشيخ: أقول: هؤلاء سمعوه بواسطة؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: الذين أدركوا عهده هؤلاء سمعوه بواسطة، توافقونه؟
* الطالب: من نفسه، في عهده من نفسه.
* الشيخ: إذن أسألك الآن هل هو بواسطة أو بغير واسطة؟
* الطالب: لا، بغير واسطة، ونحن بواسطة.
* الشيخ: أحسنت، تمام صح.
قوله: ﴿أَنْ آمِنُوا﴾ (أن) هذه؟
* طالب: تفسيرية.
* الشيخ: تفسيرية، هل للتفسيرية علامة؟
* الطالب: إي نعم يا شيخ، تقع في جملة فيها معنى القول دون حروفه.
* الشيخ: تقع بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه. هل تستطيع أن تأتي بمثال آخر؟
* الطالب: وأوحينا إلى موسى أن اصنع الفلك.
* الشيخ: موسى ما أوحي إليه أن يصنع الفلك!
* الطالب: وأوحينا إلى نوح أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا.
* الشيخ: صحيح أنه نوح لكن الآية ليست هكذا.
* طالب: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [المؤمنون ٢٧].
* الشيخ: نعم، يمكن تريد هذا ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص ٧]، هذا يمكن لعلك تريد هذه؟
* طالب: أريد الأول.
* الشيخ: تريد الأول، إي.
قوله: ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ ما الفرق؟
* طالب: أن الغفران في الكبائر.
* الشيخ: نعم.
* طالب: والسيئات في الصغائر.
* الشيخ: التكفير في الصغائر.
دليل هذا؟ دليل ما ذكرنا أن المغفرة للكبائر والتكفير للصغائر؟
* طالب: بالنسبة للسيئات قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود ١١٤].
* الشيخ: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ [النساء ٣١].
* الطالب: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.
وقفنا على هذا؟
قال الله عز وجل في جملة دعاء هؤلاء الموفَّقين أولي الألباب..
* طالب: (...).
* الشيخ: جزاكم الله خيرًا خلنا نكمل الآية، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ هل فسّرنا هذه؟
* طلبة: أخذنا الفوائد...
* الشيخ: فوائد من الآية نفسها، إلى؟
* طالب: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* الشيخ: إلى ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
* طالب: جواز التوسل في الدعاء بالأعمال الصالحة؛ لقولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ عطفًا على قولهم: ﴿فَآمَنَّا﴾.
* الشيخ: نعم.
هنا يحسن أن نذكر أنواع التوسل: التوسل ينقسم إلى قسمين: ممنوع، وجائز.
فالممنوع: ما لم يرد به الشرع، والجائز: ما ورد به الشرع. هذا هو الضابط، فما لم يرد به الشرع من أنواع التوسل فهو ممنوع، مثل: التوسل بجاه الرسول ﷺ، وهذا يقع كثيرًا عند بعض العلماء يقول: أتوسل إليك بجاه نبيك، فالتوسل هنا غير مشروع فيكون ممنوعًا؛ لأن التوسل جعل الشيء وسيلة، وكون الشيء وسيلة لا يثبت إلا بدليل، لا يثبت إلا بدليل من الشرع، وجاه النبي ﷺ ليس سببًا لقبول دعائنا؛ لأن جاهه عليه الصلاة والسلام مما يختص هو نفسُه بفضله، أما نحن فليس لنا تعلق فيه.
إذن ما هو ضابط الممنوع؟ ما لم يرد به الشرع، ووجه منعه: أن من توسل بشيء فقد جعله سببًا، والسبب يتوقف ثبوته على دلالة الشرع.
أما الجائز فهو ما جاء به الشرع، وهو أنواع؛ منها: التوسل بأسماء الله، التوسل بأسماء الله بأن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى، ودليله حديث ابن مسعود رضي الله عنه في دعاء الكرب والغم: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ؛ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ، أَوِ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي»[[أخرجه أحمد (٤٣١٨).]] إلى آخره، فهذا توسل بأيش؟
* الطلبة: بأسماء الله.
* الشيخ: بأسماء الله، «بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ».
الثاني: التوسل بصفات الله عز وجل، ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥، ١٣٠٦) من حديث عمار بن ياسر.]]، فقوله: «بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ» » هذا توسل لله بأيش؟ بصفته، ومن ذلك: «اللَّهُمَّ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٢٤) من حديث أنس، ولكن بلفظ: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث».]]، فإن هذا ليس استغاثة بالرحمة ولكن استغاثة بالله لصفته وهي الرحمة، فإن الرحيم يُغيث.
الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله، والفعل وإن كان من الصفات لكن هو صفة ليست أزلية أبدية، ومنه قولنا في التشهد: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠) ومسلم برقم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة .]]، فقوله: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ» » المراد بذلك التوسل إلى الله، يعني: مثل ما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم فصلِّ على محمد، وإذا قلنا بهذا صارت (الكاف) للتعليل، وبهذا التقرير يرتفع الإشكال الذي أورده بعض العلماء وقالوا: من المعلوم أن محمدًا ﷺ أفضل من إبراهيم.
والقاعدة: أن المشبّه دون مرتبة المشبّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»، وإذا قلنا بأن (الكاف) ليست للتشبيه ولكنها للتعليل وأن هذا من باب التوسل، يعني: أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع، ولا يبقى في هذا إشكال.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
الخامس: التوسل إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة.
والقاعدة أن المشبَّه دون مرتبة المشبَّه به، وهنا قال: «صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٧٠)، ومسلم (٤٠٦ / ٦٦) من حديث كعب بن عجرة. ]]. وإذا قلنا: بأن الكاف ليست للتشبيه ولكنها للتعليل، وأن هذا من باب التوسل؛ يعني أننا لا نسألك أمرًا غريبًا، نسألك أمرًا فعلته من قبل، فإن الإشكال هنا أيش؟ يرتفع ولا يبقى فيها الإشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، التوسل إلى الله بأسمائه، التوسل إلى الله بصفاته، التوسل إلى الله بأفعاله.
الرابع: التوسل إلى الله تعالى بالإيمان، بالإيمان به وبرسله، ومنه هذه الآية: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فجعلوا إيمانهم بذلك وسيلة لسؤال المغفرة: ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences