Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:199–200
3:199Page 76
وَإِنَّ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَمَن يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُمۡ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِمۡ خَٰشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشۡتَرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ ثَمَنٗا قَلِيلًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩٩
And indeed, among the People of the Scripture are those who believe in Allāh and what was revealed to you and what was revealed to them, [being] humbly submissive to Allāh. They do not exchange the verses of Allāh for a small price. Those will have their reward with their Lord. Indeed, Allāh is swift in account.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران ١٩٩].
﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ﴾ (إن) للتوكيد، و(اللام) أيضًا للتوكيد؛ ففي الآية مؤكدان: (إن) و(اللام)، وهنا لا يخفى أن في الجملة تقديمًا وتأخيرًا: فإن ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ خبر مقدم، و﴿مَنْ يُؤْمِنُ﴾ مبتدأ مؤخر، ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ أي: للذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم.
وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ هم اليهود والنصارى ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ إلى آخره، وهؤلاء كثير في النصارى فإنه آمن منهم كثير بمحمد ﷺ، أما في اليهود فلم يبلغوا العشرة الذين آمنوا بمحمد ﷺ في حال حياته، فمن اليهود الذين أسلموا عبد الله بن سلام رضي الله عنه فإنه كان حبرًا من أحبارهم فأسلم، ومن النصارى كثير مثل النجاشي ملك الحبشة.
وقوله: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ ومن جملة ما أنزل إلينا أن يؤمنوا بعموم الرسالة، رسالة النبي ﷺ وأنه مرسل إليهم كما أنه مرسل إلى العرب، فأما من قال: أنا أؤمن برسالة محمد ﷺ لكن للعرب خاصة؛ فإنه لم يؤمن بما أنزل إلينا، لا يمكن أن يتم إيمانه بما أنزل إلينا حتى يؤمن بمحمد ﷺ على أنه رسول لجميع الخلق وأنه رسول إليهم يجب عليهم أن يتبعوه، ولهذا أقسم النبي عليه الصلاة والسلام أنه: «لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ » -يعني أمة الدعوة- «يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جَاءَ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ» »[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة. ]]، إذا مات وهو لم يؤمن بما جاء به محمد ﷺ كان من أصحاب النار.
وقوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ أما ما أنزل إليهم فظاهر أنهم سيؤمنون به، فاليهود يؤمنون بالتوراة، والنصارى بالإنجيل، ولكن إذا لم يؤمنوا بمحمد ﷺ فإنهم لم يؤمنوا بالتوراة ولا بالإنجيل؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام قد بشرهم بمحمد ﷺ، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الصف ٦] فقوله: ﴿لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني محمدًا ﷺ، فهو بعد أن جاءهم بالبينات وأنه الرسول الذي بشر به عيسى قالوا: ﴿هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ولم يؤمنوا به ولم يتبعوه.
إذن الذي يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم نقول: لا يتم إيمانه بأن محمدًا أرسل إلى العرب، وأن القرآن كلام الله مثلًا، بل لا يتم إيمانه حتى يؤمن بمن؟ بمحمد عليه الصلاة والسلام على أنه رسول الله إلى جميع البشر، وأنه ملزم باتباعه، ويتبعه كما يتبعه غيره.
﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ قوله: ﴿خَاشِعِينَ﴾ يحتمل أن تكون حالًا من مَن؟ ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ وبناء على ذلك يكون مراعًا بها المعنى؛ لأن (مَن) لفظها مفرد ومعناها الجمع؛ لأن اسم الموصول وإن كان مفردًا يصح للعموم، مع أن (مَن) من الأسماء الموصولة للمفرد وللجماعة.
أقول: إن ﴿خَاشِعِينَ﴾ يحتمل أن تكون حالًا من (مَن) لا الذي يؤمن حال كونه خاشعًا، أو من فاعل: ﴿يُؤْمِنُ﴾ لمن يؤمن حال كونه خاشعًا، والمعنى لا يتغير، والخشوع هو الذل أي متذللًا لله عز وجل، يؤمن بالله متذللًا له خاشعًا له.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ لا يشترون: أي لا يأخذون ويطلبون بآيات الله ثمنًا قليلًا، فالشراء هنا بمعنى الأخذ، لأنه ليس هناك عقد بيع وشراء، لكن لما كان المشتري يأخذ السلعة طالبًا لها حريصًا عليها صار الذين يأخذون الحياة الدنيا بالآخرة بمنزلة المشترين؛ ولهذا قال: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهي الدنيا برئاستها أو بمالها أو بجاهها أو بغير ذلك.
وفيه إشارة إلى أن من أهل الكتاب وغير أهل الكتاب من يبقي على رئاسته وعلى جاهه وماله ليكفر بالرسل، فمثلًا أبو جهل وغيره من زعماء العرب قريش ما الذي صدهم عن اتباع محمد ﷺ إلا الكبر والإبقاء على الجاه وعلى الرئاسة؛ ولهذا يقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف ٣١] يعني: هلَّا أنزل على رجل عظيم حتى نتبعه، وهم يقولون ذلك ويعلمون أن محمدًا ﷺ من خيرهم، بل هو خيرهم نسبًا، وأنه أعظمهم وأشرفهم، وهم يسمونه قبل الرسالة الأمين والصادق، لكن لما جاءت الرسالة شركوا بها -والعياذ بالله- وأنكروها، وقالوا: هذه من رجل مهين كما قال فرعون لموسى: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف ٥٢]، فهؤلاء قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآَنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.
﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ والمراد بآيات الله هنا الآيات الشرعية؛ لأن من الناس من يشتري ثمنًا قليلًا بالآيات الشرعية، ومعنى: (يشتري ثمنًا قليلًا) أي: يأخذ الجاه والرئاسة والمال وغير ذلك بدلًا عن آيات الله الشرعية واتباعها، ووصف الله ذلك بأنه قليل؛ لأنه بالنسبة لما في الآخرة ليس بشيء، كما صح عن النبي ﷺ أنه قال: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد. ]].
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أولئك الذين عدلوا عن الدنيا ولم يأخذوها بدلًا عن طاعة الله والإيمان به.
﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (أجر) أي: ثواب، وإضافته إلى الله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يدل على عظمه، وأنه عظيم جدًّا، فإن الشيء من العظيم عظيم، ومن الكريم كثير؛ ولهذا قال: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
وقوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ فيه إشارة كما سيأتي -إن شاء الله- في الفوائد أنه باق؛ لأن ما عند الله يبقى، ولهذا يخلد أهل الجنة فيها أبدًا، نسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.
﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ سريع الحساب: السرعة هي عدم التباطؤ في الشيء، والله تعالى سريع الحساب من وجهين؛ الوجه الأول: أن الدنيا قليلة وفانية وسريعة وما هي إلا لحظات ثم تنقضي بسرعة، فاليوم الجمعة مثلًا أو السبت أو الأحد أو أحد أيام الأسبوع، ما تأخذ إلا شيئًا قليلًا ثم يأتي، بسرعة حتى يصل الإنسان إلى نهايته ويموت فيجد الحساب أمامه، هذا سرعة.
السرعة الثاني: يوم القيامة، فإن الله تعالى يحاسب الخلائق كلها في نصف اليوم؛ لقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان ٢٤] والقيلولة إنما تكون في نصف النهار، هكذا تكون في نصف النهار، ويلزم من هذا أن الله يحاسب الخلائق كلهم في نصف يوم، حتى إن كل واحد منهم يقيل في منزله ومستقره: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
* في هذه الآية فوائد منها: الثناء على بعض أهل الكتاب؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ و(من) هنا للتبعيض، وهم قليل.
* ومن فوائدها: عدل الله عز وجل بإسناد الفضل إلى أهله؛ فإن الله عز وجل لما ذكر عقاب الكافرين وثواب المؤمنين قال: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ فأسند الفضل إلى أهله عز وجل.
* ومن فوائدها: أن هؤلاء الذين يؤمنون بما أنزل الله على رسوله عليه الصلاة والسلام مع إيمانهم بكتبهم إنما يفعلون ذلك تعظيمًا لله وذلًّا له، لا طلبًا للدنيا أو المدح أو ما أشبه ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: بيان إخلاص هؤلاء حيث لم يؤمنوا بالله وما أنزل إلينا من أجل الدنيا، فهم لا يشترون بآيات الله ثمنًا قليلًا، والآية كما فسرناها أولًا يفهم منها أن الذين كفروا للدنيا (...) بهذه الجملة، ولكن ينبغي أن نقول: يراد بها الذين كفروا من أجل الدنيا والذين أسلموا من أجل الدنيا، ويؤيد المعنى الثاني قوله: ﴿خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ فإنه يدل على أنهم مخلصون في إيمانهم بالله وما أنزل إليهم، يعني لا يقصدون شيئًا من الدنيا أو جاه أو رئاسة أو رياء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب عن إخلاص سوف يكون لهم الأجر يعني الثواب في (...)، وإن فاتهم ما يفوتهم من الدنيا بسبب إسلامهم؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل في سرعة حسابه؛ حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وقد أورد بعض الصحابة على النبي ﷺ إشكالًا في هذا المعنى، وقال: كيف يحاسبنا في ساعة ونحن جمع، يعني كثير؟ فقال: «أَلَا أُخْبِرُكَ بِشَيْءٍ مِنْ آلَاءِ اللَّهِ»[[أخرجه أبو داود (٤٧٣١)، وابن ماجه (١٨٠) من حديث أبي رزين العقيلي. ]] أي: من آياته يقرب لك هذا، وذكر له القمر، القمر مخلوق من مخلوقات الله، وكل الناس يرونه في ساعة واحدة لا يضامون في رؤيته، فإذا كان هذا في مخلوق من مخلوقات الله يضيء نوره على كل من رآه، ويشترك فيه من العالم ما لا يحصيه إلا الله، فما بالك بالخالق جل وعلا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحساب، وأن الإنسان سوف يحاسب على عمله إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وليُعْلَم أن الحقوق نوعان: حق لله عز وجل فهو مبني على المسامحة وعلى العفو والإحسان، وحق للخلق بالاعتداء عليهم وعلى أعراضهم فهذا لا يغفره الله عز وجل، بل قد قال النبي عليه الصلاة والسلام حين بعث معاذ إلى اليمن قال: «إِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ»[[متفق عليه أخرجه البخاري (١٤٩٦)، ومسلم (١٩ / ٢٩) من حديث عبد الله بن عباس.]] فالمظلوم إلى من يلجأ؟ إلى الله عز وجل، فإذا رجع إلى ربه وهو سيلجأ بصدق لأنه قد ضيم من الخلق، فإذا رجع إلى الله عز وجل بهذا الصدق فإن الله سبحانه وتعالى يجيب دعوته، ويقول عز وجل: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأَنْصُرَنَّكِ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ»[[أخرجه الترمذي (٢٥٢٦)، وابن ماجه (١٧٥٢) من حديث أبي هريرة.]] فلذلك يجب على الإنسان أن يحذر من ظلم نفسه، وبحق الله عز وجل، ومن ظلم غيره بالعدوان عليه بالقول أو الفعل، فإن الدنيا لن تدوم، لا بد من زوال، ولا بد من الرجوع إلى الله عز وجل.
3:200Page 76
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠
O you who have believed, persevere1 and endure2 and remain stationed3 and fear Allāh that you may be successful.
ثم قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران٢٠٠] دائمًا نتكلم على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ونستشهد بقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إِذَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ » -يعني استمع لها-« فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، وَإِمَّا شَرٌّ تُنْهَى عَنْهُ.»[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠).]] وقلنا: إن الله تعالى إذا صدَّر الخطاب بهذا فهو دليل على العناية به، وجهه؟ أنه صدره بالنداء الذي يفيد تنبيه المخاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾ ثم إذا كان النداء بوصف الإيمان كان دليلًَا على أن ما يأتي بعده من مقتضى الإيمان؛ لأنه لولا أنه من مقتضاه ما صدر الخطاب لمن يوجه إليه بلفظ الإيمان، فكأنه قال: يا أيها الذين آمنوا بإيمانكم افعلوا كذا وكذا، أو لإيمانكم لا تفعلوا كذا وكذا.
ثانيا: يدل على أن مخالفة ذلك من نواقض الإيمان أو من نواقص الإيمان، إن كان الشيء من أصول الدين مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء ١٣٦] فإن مخالفته من أيش؟ من نواقض الإيمان، وإن كان في فرع من فروع الدين فإن مخالفته من نواقص الإيمان مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة١١] لو لم يتفسح الإنسان ما قلنا: إنه كافر، بل نقول: هو مخالف للأمر وإيمانه ناقص؛ لأن مقتضى الإيمان أن يفعل ما أمر الله به، حيث وجه الله له هذا الأمر بوصف الإيمان.
ثالثا: أنه يفيد الإغراء، يعني إغراء الإنسان وحثه على أن يفعل ما وجه إليه من الأمر أو النهي؛ لأن الإنسان إذا وصف بوصف فإنه يغريه هذا الوصف، فإذا قيل لشخص: يا أيها الكريم جُد على هذا، معناه أنك تغريه وأنه لكرمه لا بد أن يجود، ولهذا لما قيل للمتنبي،، لما قيل له -في مجال القتال- إنك قلت:
الْخَيْلُ وَاللَّيْلُ وَالْبَيْدَاءُ تَعْرِفُنِي ∗∗∗ وَالسَّيْفُ وَالرُّمْحُ وَالْقِرْطَاسُوَالْقَلَمُ
قال: الآن قتلتني، ثم أقدم حتى قتل، وذلك لأن الوصف الذي يتصف به الإنسان ويفخر به إذا لم يطبقه فعلًا فإنه كاذب في دعواه، فكأن الله يقول: يا أيها الذين آمنوا لإيمانكم افعلوا كذا.
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ اصبروا على أي شيء؟ على كل ما يحتاج إلى صبر، كل ما يحتاج إلى صبر اصبر عليه، ومعلوم أن الذي يحتاج إلى الصبر هو الذي يخالف هوى النفس، الذي يخالف هواك هو الذي يحتاج إلى الصبر، لأنه يشق عليك تحمله، فطاعة الله عز وجل ثقيلة على النفوس فاصبر عليها، المعاصي ثقيل تركها على النفوس اصبر على الترك، الآلام والمصائب التي تصيب الإنسان ثقيلة على النفس اصبر عليها، فالمصائب التي تصيب الإنسان هي بنفسها مكفرة للذنوب، فإذا احتسب الإنسان أجرها على الله وانتظر بذلك ثواب الله كانت مع التكفير زيادة الحسنات، والإنسان في الدنيا لا بد أن يبتلى، كما قال الشاعر:
فَيَوْمٌ عَلَيْنَا وَيَوْمٌ لَنَا ∗∗∗ وَيَوْمٌ نُسَاءُ وَيَوْمٌ نُسَرْ
لم تبق الدنيا لأحد زاهية مطلقًا أبدًا، وهذه من حكمة الله عز وجل يبتلي الإنسان بالنعم ويبتليه بالمصائب، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء ٣٥] فعلى الإنسان أن يصبر على كل ما يخالف هواه، والصبر ثقيل على النفس متعب لها، ولكن الإنسان ينظر إذا صبر إلى ما أمامه، ويش النتيجة؟ النتيجة خير: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠] إذا صبر فليبشر بالخير، وفي المثل: من صبر ظفر، وفي الشعر:
وَالصَّبْرُ مِثْلُ اسْمِهِ مُرٌّ مَذَاقَتُهُ ∗∗∗ لَكِنْ عَوَاقِبُهُ أَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ
وهذا شيء مجرب، دائمًا إذا صبر الإنسان ظفر ولا سيما إذا قرن صبره باحتساب الأجر على الله عز وجل فإنه يكون في ذلك الثواب والعاقبة الحميدة.
وقوله: ﴿صَابِرُوا﴾ المصابرة تكون من اثنين؛ ولهذا جاءت على وزن فَاعِل، فَاعَلَ كقَاتَلَ وجَاهَدَ، صابر أيضًا لا بد من شخص آخر يضادك فصابره، الصبر الأول ما فيه أحد يضاده إنما هو شيء بينك وبين نفسك تصبر، الشيء الثاني: إنسان يضادك ويثيرك ويعتدي عليك صابره، يعني بمعنى غالبه بالصبر، غالبه بالصبر، وهذا يكون في ملاقاة الأعداء، فالعدو يصابرك وأنت تصابره، ولكن الله تعالى قد سَلَّى عباده المؤمنون في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ﴾ [النساء١٠٤] أنت إذا جُرِحْتَ تتألم، وهو إذا جُرِحَ يتألم لا شك: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ [النساء ١٠٤] فرق عظيم، فالذي يرجو من الله عز وجل الثواب على ما حصل له يهون عليه هذا الشيء، حتى إنه أحيانًا لا يشعر به من شدة احتسابه الأجر على الله عز وجل، إذن الصبر حبس النفس مع غير مصابر، وتكون على ما لا يلائم الإنسان وما يشق عليه، والمصابرة مع شخص أيش؟ مضاد يصابرك ويصبر عليك، على معاندتك وعلى مضادتك فأنت اصبر اصبر، وقد قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [الشورى ٤٣].
أما قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ المرابطة أخص من المصابرة، يعني رابطوا على الطاعات، ومن ذلك ما بينه النبي عليه الصلاة والسلام حيث قال: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»[[أخرجه مسلم (٢٥١ / ٤١) من حديث أبي هريرة.]] إسباغ الوضوء على المكاره: يعني في أيام السَّبَرَاتِ والبرودة فإن الإنسان إذا أسبغ الوضوء يعني أتمه وأكمله دل هذا على إيمانه بالله عز وجل، وعلى شدة تصديقه ورجائه لثواب الله، والثاني: كثرة الخطا إلى المساجد؛ فإن الإنسان إذا ذهب إلى المسجد البعيد الذي يحتاج إلى كثرة الخطا، دل هذا على أيش؟ على مرابطته في الخير ومثابرته عليه وصدق الإيمان في قلبه؛ ولهذا يذهب إلى المسجد ولو كان بعيدًا ويتردد إليه ولو كان كثيرًا، يتردد إليه على الأقل في اليوم والليلة خمس مرات ولو كان كثيرًا، هذا أيضًا يدل على المرابطة على الخير.
﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ومن المرابطة المرابطة في الثغور، لكنها غير موجودة في عهد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه في عهد النبي عليه الصلاة والسلام ما فيه مرابطة يخرج النبي عليه الصلاة والسلام إلى العدو ويغزو ويرجع، لكن بعد ذلك لما فتحت الفتوحات وانتشر الإسلام في أقطار الأرض بعد ذلك صارت المرابطة، واحتاج المسلمون إلى مرابطة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكُمُ الرِّبَاطُ»[[أخرجه مسلم (٢٥١ / ٤١) من حديث أبي هريرة.]] ثلاثًا؛ لأن الرباط على الحدود الإسلامية غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ أي: من أجل أن تفلحوا.
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بتقوى الله عز وجل، وسبق لنا مرات كثيرة أن المراد بالتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه التقوى، هذا أحسن ما قيل في التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذه هي التقوى، وعطفها على ما سبق إما أن يقال: من باب عطف العام على الخاص، وهو كثير في القرآن، وإما أن يقال: إن ما سبق أوامر والتقوى للنواهي، كما نقول في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة ٢] أن البر فعل الخير والتقوى اجتناب الشر، وإذا ذُكِرَ التقوى وحدها شملت فعل الخير وترك الشر، والمعنيان لا يتنافيان، فهذه الأوصاف أو الأوامر الأربعة: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ كلها مؤداها تشتمل على شيء واحد، وهي فعل الأوامر واجتناب النواهي.
ثم قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (لعل): هنا للتعليل وليست للرجاء؛ لأن كلام الله عز وجل ليس فيه رجاء، فإنه على كل شيء قدير، ولا يصعب عليه شيء ولا يعسره شيء، لكنها للتعليل، أي: لأجل أن تفلحوا، والفلاح قالوا: إنها كلمة جامعة، كلمة جامعة للفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، هذا الفلاح، الفلاح أن يفوز الإنسان بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه، ولا شك أن كل واحد من الخلق يتمنى هذا، يتمنى أن يفوز بمطلوبه وأن ينجو من مرهوبه.
* في هذه الآية الكريمة: يوجه الله النداء إلى المؤمنين فيستفاد منه: فضيلة الإيمان، وأن أهل الإيمان هم الأجدر، هم أجدر الناس بتوجيه الخطاب إليهم؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي في أسلوبه بما يحمل الإنسان على فعل ما طلب منه أو ترك ما نهي عنه؛ لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا﴾.
* ومن فوائدها: الحث على الصبر، بل الأمر بالصبر؛ لقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾ وهو في الحقيقة مشترك قد يكون واجبًا وهو الصبر على الواجب وعلى ترك المحرم وعلى الآلام المؤلمة، وقد يكون مستحبًّا وهو الصبر على المستحبات أو على ترك المكروهات، فإن الصبر هنا ليس بواجب لكنه أكمل وأفضل.
* ومن فوائدها: الأمر بالمصابرة، وأن الإنسان يصابر من يضاده ويمد له، فإن العاقبة ستكون له عليه إذا صابره امتثالًا لأمر الله عز وجل ورجاء لثوابه وتحسبًا للعاقبة الحميدة التي تكون فيها الدائرة على من ضاده.
* ومن فوائد الآية أيضًا: الأمر بالمرابطة، والمرابطة إن كانت على واجب فهي واجبة وإن كانت على مستحب فهي مستحبة حسب الأمر المرابط عليه.
* ومن فوائدها: الأمر بالتقوى، والتقوى واجبة؛ لأنها اتقاء الوقوع في المحرم إما بترك الواجب وإما بفعل المحرم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: النتائج الحميدة لمن قام بأوامر الله من الصبر والمصابرة والمرابطة والتقوى، وهي -أي: العاقبة الحميدة - هي الفلاح؛ لقول الله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
* طالب: قوله: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ والرسالة المحمدية تقتضي الإيمان بالرسالات السابقة، قال تعالى: ﴿قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة١٣٦].
* الشيخ: وآمنوا بما أنزل إليهم قبل بعثة الرسول، يعني: جمعوا بين الإيمانين: إيمان بما أنزل عليهم وإيمان بما أنزل على محمد ﷺ.
* الطالب: قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ هو المقصود به قول النبي ﷺ: المرابطة؟
* الشيخ: المرابطة أعم، ولكن الرسول فسرها عليه الصلاة والسلام بما يعرفه الناس في ذلك الوقت.
* طالب: الآية التي قلت عنها يا شيخ: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هذه الآية إذا جاء ضيف فيكرم عند نزوله، هل نستطيع أن نقول: إن في الجنة جنتين؟
* الشيخ: لا، أبدًا، ما نقول، كلها نزل، كلها على خير ما يرام من أولها إلى آخرها.
* طالب: (...) الآن ذكرنا في أثناء الشرح قصة الصحابي الذي سأل النبي ﷺ كيف الله عز وجل يجمع الخلق في نصف نهار كيف الجمع؟
* الشيخ: هم ما سألوا عن كيفية.
* الطالب: سألوا عن كيف يجمع..
* الشيخ: لا، لا، سألوا عن مقدار، هذا المقدار كيف يشمل أو كيف يتسع لحساب جميع الخلق.
* الطالب: هذا يكون (...) نوع من الغيب.
* الشيخ: ولو كان، ما فيه شيء.
* الطالب: نحن ذكرنا أن الصحابة ما كانوا يسألون..
* الشيخ: نعم ما كانوا يسألون، لكن هذا يسألون عن المقدار، كيف نصف يوم يحاسب الله جميع الخلائق، فبين لهم الرسول أن هذا غير ممتنع.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- بعض العلماء عبر (...).
* الشيخ: (...) ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ فيكون ذكر الإيمان هنا بلفظ المضارع لاستمرارهم عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: كيف من المؤمنين؟ مؤمن وهو يحكم بغير ما أنزل الله!
* الطالب: النجاشي.
* الشيخ: النجاشي يحكم بما أنزل الله، بما بلغه، أقول: هو سيحكم بما بلغه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما بلغه الحكم بالقرآن، آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام وآمن بعيسى وآمن بالرسل، وهذا الذي بلغه.
* طالب: (...).
* الشيخ: هذه الخصائص، يختص برحمته من يشاء، ﴿اللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ١٠٥] فالخاشعون ما هي ثقيلة عليهم (...).
* * *
* الشيخ: هل من الابتلاء إلزامنا بالزكوات والنفقات؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، من الابتلاء؛ ابتلاء شرعي.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذن هنا ابتلاء شرعي، وذلك بتكليفنا أن نؤدي الزكاة؛ لأن من الناس من لا يؤدي الزكاة، فيكون في هذا ضرر عليه.
قوله: ﴿أَذًى كَثِيرًا﴾ من القول أو من الفعل؟ ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
* طالب: (...) من القول.
* الشيخ: من القول؟ ما الدليل على تخصيصه بالقول؟ ما الدليل على أنه خاص بالأذى القولي لأنه قد يكون بأذى فعلي كضربهم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أنا أريد دليل على أنها خاصة بالأذى القولي؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾..
* الشيخ: والذي يسمع؟
* الطالب: هو القول.
* الشيخ: الذي يسمع هو القول، هذا هو الظاهر مع أنه يمكن أن يكون أذى بالفعل، وأسمع أنا أن هذا الرجل أوذي، فيكون أسمع عن خبر الإيذاء الفعلي.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٨٩) إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ [آل عمران ١٨٩، ١٩٠]
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أين اسم (إن)؟
* طالب: ﴿فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ الجار والمجرور اسم (إن).
* الشيخ: هل يكون الجار والمجرور اسمًا لـ(إن)؟
* طالب: إذن محذوف.
* الشيخ: محذوف، ويش التقدير؟
* طالب: ﴿لَآَيَاتٍ﴾ -يا شيخ- مؤخر.
* الشيخ: هذا اسم (إن): ﴿لَآَيَاتٍ﴾ ويش تقولون يا جماعة؟ صحيح.
ما معنى: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾؟
* طالب: أصحاب العقول.
* الشيخ: أصحاب العقول.
هل يؤخذ من هذه الآية أن العقل يؤيد الشرع، وأن الشرع ينمي العقل؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟
* طالب: إذا الإنسان تفكر في مخلوقات الله.
* الشيخ: لكن كيف تفهم من الآية أن العقل يؤيد الشرع؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ لا يفكر في الآيات السابقة إلا أصحاب العقول.
* الشيخ: إذن فالعقول تؤيد ما جاء به الشرع، كما أن الشرع ينمي العقل ويزيده.
قوله: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ هل هذا للتنويع أو للاستغراق؟ بمعنى هل هم يذكرون الله مرة وهم قعود ومرة وهم قيام ومرة على الجنوب أو المراد استيعاب جميع الأحوال؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: الثاني، يعني: يذكرون الله دائمًا.
قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ هل له نظير في القرآن يؤيد ما قالوه؟
* طالب: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧].
* الشيخ: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ تمام، ما هو الباطل؟
* طالب: كل شيء لا يوافق الشرع فهو باطل (...).
* الشيخ: ويش معنى كلمة باطل؟
* طالب: الذي لا يوافق الشرع.
* الشيخ: لا لا، أريد الكلمة فقط، ما أريد ما المراد، أريد معنى باطل؟ أصل الباطل في اللغة الضائع سدى، الضائع الذي ما يلتفت له ولا يؤبه به.
قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ أين اسم (إن)؟
* طالب: جملة: ﴿لمَنْ يُؤْمِنُ﴾.
* الشيخ: جملة: ﴿لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾.
* طالب: (من) فقط.
* الشيخ: (مَنْ) فقط، إذن الخبر جملة ولا مفرد؟
* طالب: مفرد.
* الشيخ: (...) التقدير: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ﴾ فَسِّر (مَن) تقول؟ أي: للذي يؤمن كذا؟ هل يمكن أن تمثل لأحد بذلك؟ من اليهود؟
* الطالب: عبد الله بن سلام.
* الشيخ: ومن النصارى؟
* الطالب: النجاشي.
* الشيخ: لو آمن الكتابي بما أنزل على محمد لكن قال: إنه للعرب خاصة لقوله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة ٢] السؤال: لو قال الكتابي: أنا أومن بما أنزل على محمد ﷺ لكنه للعرب خاصة لا لبني إسرائيل؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾؟
* الطالب: هذا لم يؤمن بمحمد.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأنه أرسل إلى الناس كافة، أما الآية فهي للخبر وليس (...).
* الشيخ: كيف؟
* طالب: الآية خبرية (...).
* الشيخ: سَليم.
* طالب: وصفه بالأميين (...) ما هو وصف للرسالة، وصف للتعيين (...).
* طالب آخر: أقول: إن من لم يؤمن بالرسول إنه لم يؤمن بما أنزل إلينا ولم يؤمن بما أنزل إليهم.
* الشيخ: لا، هو مؤمن بالرسول يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، لكن إلى العرب خاصة.
* الطالب: لكنه لم يؤمن بما أنزل إليهم كما قال عيسى بن مريم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ﴾ [الصف ٦]
* الشيخ: هو لم يؤمن أيضًا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنه رسول للعموم.
* الطالب: لكنه قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي﴾.
* الشيخ: أنا قصدي أنه لم يؤمن لا بالذي أنزل إليهم ولا بالذي أنزل إلينا؛ لا بالذي أنزل إليهم لأنه لم يقبل بشارة عيسى، ولا بالذي أنزل إلينا لأن الذي أنزل إلينا أنزل على أنه أيش؟ للناس كافة فإذا قال: أنا لا أومن لأنه أرسل للعرب نقول ما آمنت.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾، توجيه الآية أنه بعثه أي منهم، بعثه منهم، يعني أول بعثته كانت في الأميين، قالوا: وهذا إشارة إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام لن يباشر أحدًا من غير الأميين، لأنه الفتوحات في عهده ﷺ ما عدت الجزيرة، كلها في الجزيرة وما حولها لم تتعد إلى فارس ولا إلى الروم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو الذي بعث من الأميين رسولًا منهم، على سبيل التوكيد، أو نقول في الأميين: في أول الرسالة كما شرحناها؛ يعني أول رسالته كانت فيهم ثم انتشرت.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ ما الفرق بين الصبر والمصابرة؟
* طالب: المصابرة من المفاعلة يصبر ويتصبر يتفعل الصبر ويتصنع الصبر يعني: إن لم يصبر فليتصبر.
* طالب آخر: الصبر هو الصبر يعني على النفس الأمارة بالسوء، أما ﴿وَصَابِرُوا﴾ المصابرة التي تحصل بين شخص وبين آخر تحصل بالجهاد كما يحصل بالجهاد مقاومة أعداء الله فالإنسان يصبر ويصابر على (...)
* الشيخ: يعني صابر من يضادك في أمرك، لأن الإنسان ربما يصبر إذا لم يصابره أحد، لكن إذا صابره وجادله وناظره ربما لا يصبر.
(لعل) ويش معناها؟
* طالب: تعليلية.
* الشيخ: تعليلية، ولا يصح أن تكون للرجاء؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لماذا؟
* طالب: لأن الرجاء لا يتأتى.
* الشيخ: لا يتأتى في حق لله، أحسنت.
وما هو الفلاح؟
* طالب: هو الفوز بالمرغوب والنجاة من المرهوب.
* الشيخ: أحسنت، تمام.
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ ما معنى (استجاب)؟
* طالب: أي: أجاب.
* الشيخ: ولماذا قال: ﴿رَبُّهُمْ﴾.
* طالب: لأن هذه ربوبية خاصة.
* الشيخ: ربوبية خاصة؛ حيث وفقهم للإيمان ولهذا الدعاء فهي ربوبية خاصة.
هل تعرف أن هناك ربوبية خاصة وعامة؟
* طالب: الربوبية العامة لجميع الخلق، والربوبية الخاصة قد يختص بها الرسل أو المؤمنين (...).
* الشيخ: ما هي الآية التي اجتمع فيها الربوبيتان العامة والخاصة؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ٢٦]
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢].
* الشيخ: نعم، ﴿قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، في هذه الآية نكتة حيث قدم موسى على هارون، ما هي؟
* طالب: موسى أفضل من هارون
* الشيخ: نعم، تمام.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences