Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:21–25
3:21–25Page 52
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ٢١
Those who disbelieve in the signs of Allāh and kill the prophets without right and kill those who order justice from among the people - give them tidings of a painful punishment.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٢
They are the ones whose deeds have become worthless in this world and the Hereafter, and for them there will be no helpers.
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣
Do you not consider, [O Muḥammad], those who were given a portion of the Scripture? They are invited to the Scripture of Allāh that it should arbitrate between them;1 then a party of them turns away, and they are refusing.
ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤
That is because they say, "Never will the Fire touch us except for [a few] numbered days," and [because] they were deluded in their religion by what they were inventing.
فَكَيۡفَ إِذَا جَمَعۡنَٰهُمۡ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٥
So how will it be when We assemble them for a Day about which there is no doubt? And each soul will be compensated [in full for] what it earned, and they will not be wronged.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ في هذه الآية قراءتان في كلمتين، أولًا: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ فيها قراءة ﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، وثانيا: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ فيها قراءة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ ﴿وَيُقَاتِلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ يكفرون بآيات الله الكونية أو الشرعية، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة، وهذه الآيات الكونية التي نشاهدها مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها هي آية على الله، آية تدل على أن الخالق واحد لا شريك له وعلى أنه لا يشبهه شيء؛ لأن الناس لو اجتمعوا كلهم على أن يخلقوا جبلًا واحدًا ما استطاعوا، أو أن يخلقوا حيوانًا واحدًا ما استطاعوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]. آيات الله الشرعية أيضًا لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء ٨٨] فالآيات الشرعية هي العلامات الدالة على أن الذي أنزل هذه الآيات إله واحد وأنه كامل الحكمة، هؤلاء الذين يكفرون بهذه الآيات يقول عز وجل بعد أن ذكر معطوفات متعددة: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ولكن كيف يكون الكفر بآيات الله؟ نقول أولًا: الآيات الكونية؟
* طالب: (...) بأن يجحد الخالق سبحانه وتعالى بأنه خلقها.
* الشيخ: أن يدَّعي أن الذي خلقها غير الله، هذا واحد.
* الطالب: أو أن ينسب له له شريك في خلقه.
* الشيخ: أو أن له شريكًا في خلقه.
* الطالب: أو أن ينسب له معينًا في خلقه.
* الشيخ: أو أن له معينًا في خلقه، ثلاثة أشياء. طيب الكفر بالآيات الشرعية؟
* طالب: إما أن يكون بالجحود أو بالاستكبار والعياذ بالله.
* الشيخ: نعم إما بجحودها وتكذيبها أو بالاستكبار والعناد، ومن تكذيبها أو الاستكبار عنها تحريف النصوص، فإن تحريف النصوص نوع من الكفر بلا شك. يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ يقتلون النبيين الذين أرسلهم الله إليهم بغير حق، والنبيون هنا يشمل الرسل ومَن لم يرسَل من النبيين، وأكثر ما وُجِد هذه الصفة في اليهود؛ لأن اليهود هم أعتى المخالفين للرسل وأشدهم غلظة والعياذ بالله، فصار منهم مَن قتل الأنبياء بغير حق وعبد الطاغوت، وهنا يقول: ﴿النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾، هذه الصفة لا يراد بها إخراج ما خالفها، وإنما يراد بها بيان الواقع والدلالة على أن هذا القتل كان عدوانًا، فيراد بها شيئان:
أولًا بيان الواقع وأنهم يقتلونهم وهم غير محقين يعني لا يقتلونهم قصاصًا مثلًا، بل يقتلونهم عدوانًا وظلمًا.
ثانيًا: أنَّ قتلهم كان بباطل بغير حق، وإلا فليس هناك قتْلٌ يكون بحق لأحد من النبيين.
﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي قراءة: ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ مَن الذين يأمرون بالقسط من الناس؟ الرسل وغير الرسل، أهل العلم يأمرون الناس بالقسط، الخلفاء الراشدون يأمرون الناس بالقسط، النبيون يأمرون الناس بالقسط؛ وحينئذ فعطفه على النبيين من باب عطف العام على الخاص، ولكنه خص الأنبياء لأن قتلهم أعظم من قتل غيرهم، فلا قتْلَ أعظم جرمًا من قتل النبيين بغير حق. ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ يشمل النبيين وغيرهم، وقد مر علينا إذا عُطف العام على الخاص أو الخاص على العام هل هذا يدل على إخراج الخاص من الحكم العام؟ أو على التنصيص عليه لأهميته فيكون قد ذُكر مرتين؟
* الطلبة: الثاني.
* الشيخ: الثاني هو الأقرب يكون ذُكر مرتين مرة بطريق العموم ومرة بطريق الخصوص، ولكن خُص من بين سائر الأفراد أو أُعيدَ الحكم عليه من بين سائر الأفراد للاعتناء به والاهتمام به. ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الخطاب إما للرسول ﷺ أو لكل من يتأتَّى خطابه، و﴿بَشِّرْهُمْ﴾: أَخبِرْهم ﴿بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ والعذاب: العقوبة، والأليم بمعنى المؤلِم. وهذه البشارة هل هي على سبيل التهكم بهؤلاء؟ أو هو من باب تشبيه البشارة بما يسوء بالبشارة بما يسُرّ بجامع أن كلًّا منهما تتأثر فيه البشرة وتتغير.
* طلبة: يشمل الأول.
* طالب: الثاني.
* الشيخ: يحتمل الواقع يحتمل هذا وهذا، ولكن إذا قلنا: إنه من باب التهكم استُفيد بذلك زيادة الألم على هؤلاء المبشَّرين، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ﴾ -يعني قولوا له: ذُقْ- ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٧ - ٤٩] فإن هذه الكلمة أو الجملة لا شك أنها ستبلغ في قلبه كل مبلغ؛ لأنه سيتذكر أين العزة؟ وأين الكرم؟! أين العزة التي بها أغلب والكرم الذي به أجود؟! فيكون أشد وقعًا وأشد تحسرًا أنه فاته هذا الوصف الذي كان في الدنيا يرى نفسه من أهله.
* طالب: قول صاحب الجلالين أن اليهود قتلوا ثلاثة وأربعين نبيًّا؟
* الشيخ: لا ما أعرف جيدًا، لا شك أنهم قتلوا الأنبياء بغير حق، لكن كونهم ثلاثة وأربعين أو أربع مئة أو أكثر أو أقل الله أعلم.
* طالب: لو كانت الدولة من الدول تستورد لحوم معروف أنها من بلد شيوعي.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: تستورد لحوم من دولة يعني ملحدة ما تؤمن بالله شيوعية يعني معظم استيرادها أو كله تقريبًا وفيه بأه لحم بلدي في البلد لكن ما أحد يشتريه لغلاء سعره أو قليل ما يشتريه، وأنت تعلم أن هذا مثلًا اللي عزمك ما يشتري إلا من هذا اللحم دائمًا أو غالبًا وعزمك يا شيخ أو أعطاك مثلًا لحمًا هل تتحرج إنك ما تعرف هو من وين؟ المعظم شراؤه منه دائمًا ما يشتري بلدي؟
* الشيخ: أولًا: إن الدول الشيوعية قد يكون فيها مسلمون، ألم تعلم الضجة التي حصلت في يوغوسلافيا هذه الأيام؟
* الطالب: لا.
* الشيخ: فيه مسلمون كثيرون، وقد قيل: إن أكثر من يتولى المسالخ هم المسلمون؛ لأنهم فقراء في ذلك المكان، فربما يكون الذابح مسلمًا؛ لكن مع هذا أهل العلم يقولون: إذا وُجدت مُذَكَّاة في بلد أكثر أهله ممن تحل ذبيحته فهو حلال اعتبارًا بالأكثر والأغلب وتيسيرًا على الأمة، فيُنظر إذا قيل: والله أكثر المسالخ في البلد الشيوعي هذا أكثرها يتولاها مسلمون صار الوارد منه حلالًا، وإذا قال: أكثره غير مسلمين صار الوارد حرامًا حتى لو فُرض أنها بلد يهود أو نصارى، وقد عُلم أن أكثر من يتولى الذبح غير يهودي ولا نصراني فإنها لا تحل ذبيحتهم.
* طالب: شيخ، طيب يعني الإنسان إذا ذهب مثلًا هناك كثرة الدجاج الذي يعني يأتي من الخارج يا شيخ يكون من الخارج متيقنين أنه لم يسمَّ عليه، لم يسموا عليه لأنهم لا يعرفون التسمية أصلًا حتى يعني إنه ذهب ناس هناك وقال: إنهم يأكلونها؟
* الشيخ: ما علمت لأنه قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام ١٢١] ولم يقل: ولا تأكلوا مما لم تعلموا، قال: ﴿مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ﴾ يعني إنه إذا تيقنا أنه لم يذكر اسم الله عليه.
* الطالب: هذا شبه متيقنين يا شيخ لأني أنا عارف ما يسمون؟
* الشيخ: إذا كان شيء متيقن لا تأكل، لكن ما دمت لم تتيقن فلك الأكل.
* الطالب: إذا كان تيقنا فلا نأكل؟
* الشيخ: معلوم إذا تيقنا لا يجوز الأكل.
* طالب: الفائدة اللي أخذناها هي أن من آتاه الله علمًا في هذا الوقت فعليه البلاغ أو يجب عليه البلاغ (...)؟
* الشيخ: نعم، العالم يجب عليه أن يبلغ الشرع.
* الطالب: الوحي يا شيخ ما معنى الوحي؟
* الشيخ: إي، الوحي (...) القرآن وحي.
* الطالب: (...)
* الشيخ: لا، لا نبي بعد محمد.
* طالب: يا شيخ، قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ هذا المعطوف على كل موصول صلة على خبر (إن) ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هذا خبر، وهذا الاسم، الفاء الجزائي من وين؟
* الشيخ: فهمتم سؤاله؟
* طالب: أعد.
* الشيخ: هذا الرجل فهم فهمًا جيدًا وأنتم وُلدتم في البلد هنا في العرب ولا فهمتم ذلك ها؟
* طالب: إيه نعم.
* الشيخ: يقول: الفاء الواقعة في خبر المبتدأ كده، ويش اللي جابها هنا؟ ما هي أداة شرط؟ يقول العلماء: إن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ فهو كقوله: إن من يكفر بآيات الله.
* الطالب: يعني متضمن لمعنى الشرط.
* الشيخ: إي نعم، اسم الموصول متضمن لمعنى الشرط، ويقول: إنك تقول: الذي يأتيني فله درهم، فهو بمعنى قولك: من يأتيني فله درهم. معلوم؟
* طالب: شيخ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ إذا قيل: المقصود من الوجه هنا الذات أي أسلمت ذاتي كلها لله سبحانه وتعالى؟ فما يكون قوله: ﴿أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق ١٦]؟
* الشيخ: هو من أسلم وجهه فقد أسلم نفسه، الآن مثلًا واحد يكلمك وهو (...) وقلت أنا أتسمع لك وأنت ويش تقول يصدقونك الناس؟ ما يصدقونك.
* طالب: أقول يا شيخ، أن اختلاف العلماء في فهم النص يعني أحيانًا بعض العلماء يعطيك فهم للنص بيختلف من عالم إلى آخر هل هذا يكون اختلاف تنوع أو تضاد؟
* الشيخ: ما ندري، إذا كان يمكن الجمع بين القولين فهو من باب التنوع، فمثلًا قال بعض العلماء في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير ١٧] أي أدبر، وقال آخرون: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: [التكوير: ١٧] أقبل. ولا تضاد في هذا، فهو اختلاف تنوع، فإذا كان القولان لا يمكن الجمع بينهما مثل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة ٢٢٨] منهم من قال: المراد بالقرء الحيض، ومنهم من قال: المراد بالقرء الطهر هذا ما يمكن الجمع بينهما، فهذا اختلاف تضاد. وكذلك قال الأحناف: يدخل وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثليه. وقال غيرهم: يخرج وقت العصر إذا كان ظل كل شيء مثليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما يمكن الجمع، هذا اختلاف تضاد هذا (...).
* طالب: يا شيخ، الله عز وجل أمر النبي ﷺ عند محاجة أن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾، ما حكم المحاجة لو تحدث فيما بين المسلمين وأهل الكتاب؟
* الشيخ: نعم المحاجة هذه إذا ظهر عناده فقل هكذا، أما ما دام أنهم غير معاندين لكنهم يتطلبون الحق فجادلهم حتى يتبين الحق، ولكن إذا تبين عنادهم الآن فإننا نقول: إما أن نضرب أعناقكم أو أن تعطوا الجزية عن يد وأنتم صاغرون، هذا الواجب على المسلمين إذا قدروا، وأما إذا لم يقدروا في الوقت الحاضر فهذا شيء (...).
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٢) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران ٢٢ - ٢٧]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ هذا مبتدأ الدرس، المناقشة.
* طالب: فإن أسلموا باطنًا بالإيمان.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أين جواب الشرط في قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾؟
* طالب: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾.
* الشيخ: ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، لماذا اقترن بالفاء؟
* الطالب: لأن الماضي بقد الماضي إذا كان بقد وجب الفاء عليه.
* الشيخ: أحسنت تمام، فيه بيت مشهور في الجمل التي يجب ارتباطها بالفاء إذا وقعت جوابًا للشرط؟
* طالب:
اسْمِيَّــــــــــــــــةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــــــا وَقَـــــــدْ وَبِلَــــــنْوَبِالتَّنْفِيــــــــــسِ
* الشيخ: هذه قد، طيب يقول: ﴿إِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ ما المراد بالهداية هنا؟
* طالب: هداية التوفيق.
* الشيخ: هداية التوفيق، هل تستطيع أن تأتي لي بمثال فيه هداية الدلالة والتوفيق؟
* الطالب: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]
* الشيخ: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ هذه هداية أيش؟
* الطالب: الدلالة.
* الشيخ: هداية دلالة. يستفاد من هذه الآية أن الرسول ﷺ ليس عليه هداية الناس؟
* طالب: لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. هل ينسحب هذا الحكم على من ورث النبي ﷺ من أهل العلم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: فيكون عليهم البلاغ دون هداية التوفيق. استدل بعض العلماء بهذه الآية على أنه على القاعدة المعروفة في أصول الفقه: لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. كيف ذلك؟
* طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، إن هذا حصر، تفيد الحصر.
* الشيخ: طيب، لكن ما وجه دلالته على قولهم: إنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة؟
* الطالب: ﴿عَلَيْكَ﴾ و(على) ظاهرة الوجوب، والتبليغ واجب إذا ظهر هذا الأمر (...) قوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾
* الشيخ: يعني لو لم يبين عند الحاجة لم يكن مبلغًا لأخل بهذا الواجب واضح؟ طيب. إذا سكت النبي ﷺ عن شرط والحاجة تدعو إلى بيانه لو كان شرطًا فهل يمكن أن يستدل بذلك على أنه ليس بشرط؟ يعني مثلًا مسألة اشترطها بعض العلماء لصحة العبادة والنبي ﷺ سكت عنها في حال تدعو الحاجة إلى بيانها لو كانت واجبة فهل يمكن أن نستدل بذلك على أنها ليست بشرط؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: من هذه الآية؟
* الطالب: من هذه الآية؟
* الشيخ: من هذه الآية لأنها لو كانت شرطًا لبلغه النبي ﷺ. قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ هل المراد بصر الرؤية أو بصر العلم؟
* طالب: يراد بالآية بصر العلم.
* الشيخ: بصر العلم، لماذا قيدتها في هذه الآية ببصر العلم؟
* الطالب: لأن قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...) ما يعملون.
* الشيخ: طيب، ولا يمكن أن يكون بصيرًا بأعمالهم يراها؟
* الطالب: (...) السياق هذا (...).
* الشيخ: ما وجه السياق؟
* الطالب: قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ (...).
* الشيخ: إذن يشمل بصر الرؤية وبصر العلم. طيب هل هناك دليل على أن الله يبصر بصر رؤية؟
* طالب: قول النبي ﷺ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ».
* الشيخ: «حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٧٩ / ٢٩٣) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. فأثبت لله بصرًا يرى به عز وجل. طيب ماذا تفيده هذه الجملة التي وقعت جوابًا لقوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْ﴾؟
* طالب: التهديد.
* الشيخ: التهديد وأنه إذا كان بصيرًا بهم فسوف يجازيهم على توليهم. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ في ﴿يَقْتُلُونَ﴾ الثانية قراءتان؟
* طالب: ﴿يَقُاتِلُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿يَقْتُلُونَ﴾ و﴿يَقُاتِلُونَ﴾ . طيب، هل يمكن العمل بالقراءتين؟ وهل بينهما منافاة؟
* الطالب: ليس بينهما منافاة.
* الشيخ: نعم؛ لأنهم يقتلون من الذين يأمرون بالقسط من الناس يقتلون مَن لا يقاتلهم ويقاتلون مَن يقاتلهم. في ﴿النَّبِيِّينَ﴾ قراءتان أيضًا؟
* الطالب: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ .
* الشيخ: ﴿النَّبِيِّينَ﴾ و﴿النَّبِيئِينَ﴾ ، أظن مر علينا أنه إذا جاءت قراءتان في آية فإن الأفضل أن يقرأ الإنسان بهذه مرة وبهذه مرة، كما لو جاءت السنة بصفتين من صفات العبادة فالأفضل أن يفعل الإنسان هذا مرة وهذا مرة كذلك القراءتان، ولكن يجب أن يتأكد الإنسان من القراءة، فإذا تأكد أن هذه قراءة سبعية فإن الأفضل أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة لأن الكل سنة. طيب قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ هل هناك قتل للنبيين بحق؟ لأنه جعل محط الدم قتل النبيين بغير حق، فهل هناك قتل للنبيين بحق؟
* طالب: كأن يكون قصاص يعني يا شيخ؟
* الشيخ: (...).
* الطالب: (...) من النبيين مقصودون بهذا.
* الشيخ: طيب هل المقتول قصاصًا يُذَم قاتله؟ إذن الآية سيقت مساق الذم؟
* طالب: شيخ؟ هذه الآية لبيان الواقع.
* الشيخ: لبيان الواقع صحيح، هذه الآية لبيان الواقع والتنديد بهم، لبيان الواقع أنهم يقتلون الأنبياء بغير حق بل بالباطل والتنديد بهؤلاء حيث يقتلون هؤلاء السادة بغير حق. نعم قال الله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، كيف استعمل البشارة بالعذاب والبشارة ما تكون إلا بالخير؟
* طالب: إما على سبيل التهكم بهم.
* الشيخ: وهل يذكر الثناء أو الوصف بالطيب في مقام التهكم؟ هل يمكن أن يذكر الشيء المحبوب في مقام تهكم؟
* الطالب: (...)
* الشيخ: هات مثالًا تستشهد به لتقوية قولك؟
* طالب: في قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]
* الشيخ: مثاله في قوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ طيب، هذا وجه، الوجه الثاني؟ الوجه الأول أنه على سبيل التهكم بهم، والوجه الثاني؟
* طالب: تظهر البشارة على وجوههم.
* الشيخ: أنه استعملت البشارة في مقام الوعيد لأنها علامة الخبر هذا يظهر على بشرته فتتغير كما تتغير البشرة بما يسر. ثم قال الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ المشار إليهم هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس وهم أهل الخير الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، هؤلاء الذين قامت بهم هذه الصفات هم الذين حبطت أعمالهم، حبوط الشيء يعني ذهابه وزواله وعدم الاستفادة منه، فهؤلاء حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، أما في الآخرة فظاهر لأنهم لن يستفيدوا من أعمالهم وإن كانت خيرًا حتى الإنسان الكافر إذا عمل خيرًا في الدنيا كالإحسان إلى الناس خصوصًا أو عمومًا فإن ذلك لا ينفعه في الآخرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان ٢٣] لكن كيف حبطت أعمالهم في الدنيا؟ حبطت أعمالهم في الدنيا لأنهم لما لم يستفيدوا منها صاروا كأنهم لم يعملوها فأعمالهم لم تنفعهم، وشاهد هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥].
قال: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ هذه الجملة كما نعلم جميعًا جملة منفية بما، وأسأل هنا: هل (ما) هذه عاملة عمل (ليس) أو لا؟
* طالب: ليست عاملة عمل (ليس).
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: لأنه تقدم الخبر.
* الشيخ: لأنه تقدم الخبر، وهل لديك شاهد من كلام أهل العلم على ما قلت؟
* الطالب: من الألفية؟
* الشيخ: من الألفية إذا كانت مغيرة حبة ما يهم.
* طالب: قاعدة نحوية تقول: (...) يعمل بمتشابه بليس.
* الشيخ: لا، أنا أريد من كلام ابن مالك.
* الطالب: وعندي كلام ابن الحاجب.
* طالب:
إِعْمَالَ لَيْسَ أُعْمِلَتْ مَا دُونَ إِنْ ∗∗∗ مَعَ بَقَا النَّفْيِ وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ
* الشيخ: طيب ولكن هنا إشكال وهو قوله: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ كيف نعربها؟
* طالب: ﴿مِنْ نَاصِرِينَ﴾ من زائد حرف جر زائد زائد.
* الشيخ: حرف جر زائد زائد، كده؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: أيش لون زائد زائد؟ اشرح للإخوان.
* الطالب: زائد إعرابًا وزائد في اللفظ.
* الشيخ: معنى، أي زائد في الإعراب ويزيد في المعنى.
* الطالب: و﴿نَاصِرِينَ﴾ اسم (ما) مرفوع.
* الشيخ: اسم (ما) ومحمد يقول ما تعمل كيف نقول اسم (ما)؟ ما عندك غير هذا؟
* طالب: خبر.
* الشيخ: خبر لا ما هو صحيح.
* طالب: مبتدأ، و(لهم) خبر.
* الشيخ: إي نعم لكن كمِّل إعراب ناصرين، مبتدأ.
* الطالب: (ناصرين) اسم الفاعل مجرور لفظًا ومرفوع معنًى مبتدأ. و(لهم).
* الشيخ: اصبر كمِّل كمِّل.
* الطالب: مبتدأ يعني مرفوع لفظًا -في النهاية صح- (ناصرين) اسم الفاعل جمع المذكر السالم ورفعه بالواو ما قبله مضموم، ونصبه وجره بالياء ما قبله مكسور، مجرور لفظًا ومرفوع محلًّا مبتدأ، و(ما) نافية.
* الشيخ: إيه علامة رفعه؟ الواو المقدرة.
* الطالب: و(ما) نافية و(لهم) ظرف يتعلق بالمحذوف.
* الشيخ: جار ومجرور متعلق بمحذوف.
* الطالب: والمحذوف هو خبر.
* الشيخ: المهم الآن فهمنا من كلامه أن الواو مقدرة في محل الياء منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة؟
* الطلبة: حرف الجر
* الشيخ: حرف الجر الزائد، يعني هؤلاء الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ليس لهم أحد ينصرهم، وأكد سبحانه وتعالى النفي هنا أكده بـ (من) الزائدة، يعني ما لهم أحد ينصرهم لا على سبيل الاجتماع ولا على سبيل الانفراد؛ لأن (من) الزائدة إذا دخلت تجعل النفي نصًّا في العموم كـ (لا) النافية للجنس.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ الاستفهام هنا للتعجب، فإن هذه الحال يتعجب منها كل عاقل، و﴿تَرَ﴾ يحتمل أن يكون رؤية عين ويحتمل أن يكون رؤية علم والثاني أولى؛ لأنه أشمل ولأنه يتعلق بالحال، والحال تُعلم وليست تُرى بالعين، يعني ألم تعلم إلى هؤلاء.
﴿الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يعني أوتوا نصيبًا من العلم والذي آتاهم النصيب هو الله عز وجل وحذفه للعلم به؛ لأن الله تعالى هو الذي يؤتي العلم، قال الله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة ٢٦٩] وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف ٦٥] فالذي يؤتي النصيب من العلم هو الله عز وجل.
وقوله: ﴿نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ يفيد التقليل أو التكثير؟ يحتمل أن يكون المراد أوتوا نصيبًا كبيرًا من الكتاب بحيث يكون حاملًا لهم على الاهتداء ولكنهم -والعياذ بالله- استكبروا، ويحتمل أنه ليس عندهم إلا علم قليل، وإنه لو فُرض أن عندهم علمًا كثيرًا فإن هذا العلم لم ينفعهم فصاروا كالذي أوتي نصيبًا قليلًا من العلم.
وقوله: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ هذا محل التعجب، يعني أنهم مع ما عندهم من العلم يُدعون إلى كتاب الله، والداعي لهم هو رسول الله ﷺ ومن دعا بدعوته إلى يوم القيامة، هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾، إسناد الحكم هنا يحتمل أن يكون إلى الله عز وجل ليحكم الله بينهم بكتابه، ويحتمل أن يكون إلى الكتاب وأُسند الحكم إليه لأن الحكم صار به ويضاف الشيء إلى سببه كثيرًا، على كل حال سواء قلنا إن الضمير في ﴿يَحْكُمَ﴾ يعود إلى الله أو قلنا إنه يعود إلى الكتاب هؤلاء يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ولكنهم لا يقبلون هذا، ولهذا قال: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ يتولى فريق منهم لا كلهم؛ لأن بعضهم قد هُدِي بعض هؤلاء الذين أوتوا نصيبًا من الكتاب قد هداهم الله وهم كثير، لكن تولى فريق منهم ومع توليهم فإنهم معرضون -والعياذ بالله- ليس عندهم إقبال لا في الظاهر ولا في الباطن، بل هم متولون معرضون، وإنما قال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ وهي جملة حالية من فريق إنما قال ذلك؛ لأن الإنسان قد يتولى لسبب طارئ لكن في قلبه شيء من الإقبال، أما هؤلاء فإنهم متولون وهم قد امتلؤوا إعراضًا عن كتاب الله ليحكم بينهم، وهنا يقول: ﴿يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ كيف صحت الحال من النكرة؟
* طالب: الحال هو ما يبين هيئة الفاعل.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: سواء الفاعل نكرة أو معرفة.
* الشيخ: لا لا.
* الطالب: هو يبين هيئة الفاعل.
* الشيخ: إي لكن الفاعل لا بد أن يكون معرفة أو نكرة فيها سبب.
* طالب: لأنها موصوفة.
* الشيخ: لأنها موصوفة: ﴿فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، وإذا وُصفت النكرة تخصصت فصارت شبيهة بالمعرفة.
﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه التولي والإعراض بأنهم خدعوا أنفسهم وقالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ﴾ أي لن تصيبنا ﴿إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ أيامًا قلائل؛ لأن كل معدود فهو قليل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود ١٠٤] وقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ [النساء ٧٧] فكل شيء معدود فهو قليل؛ لأن شيئًا يمضي بالعدد واحد اثنين ثلاثة أربعة لا بد أن ينتهي، هؤلاء يقولون: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ ثم من يخلفهم بعده؟ مَن يخلفهم فيها؟ يدَّعون أن الذي يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه، وهؤلاء هم اليهود قالوا -زعمًا منهم ودعوى مردودة- قالوا: إنهم يدخلون النار ولكنهم لا يمكثون فيها إلا أيامًا معدودة، ثم يخلفهم النبي ﷺ وأصحابه فيها أبد الآبدين، وكذبوا في ذلك، فهم ستمسهم النار ويبقَوْن فيها أبد الآبدين، لكن غروا أنفسهم وخدعوا عوامَّهم بهذا القول الكاذب المفترَى: ﴿بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ غرهم الغُرور والخداع بمعنى واحد متقارب، يعني أن هؤلاء خدعوا أو انخدعوا في دينهم حيث ظنوا أنهم على حق، وبعضهم عاند الحق عالمًا به مفتريًا كذابًا ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي الذي كانوا يفترونه، ومنه قولهم: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.
﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ أي فكيف تكون حالهم؟ كيف تكون حالهم في هذا الوقت ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟ والاستفهام للتعظيم يعني ما أعظم ما تكون حالهم في تلك اليوم! وما أشد حسرتهم ﴿إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي جمعناهم لهذا اليوم أي فيه، واللام تأتي دائمًا بمعنى (في) ويسمونها لام التوقيت ومنه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي في قُبُل عدتهن أي في استقبال عدتهن، فاليوم لا ريب فيه أي جُمِعوا لهذا اليوم أي فيه وهو يوم القيامة. وقوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إما أنه خبر بمعنى النهي، المعنى: لا ترتابوا فيه، أو أنه خبر على حقيقته والمعنى أن الله عز وجل يخبر عن هذا اليوم بأنه لا ريب فيه أي لا ريب في وقوعه، وهذا اليوم قد دل عليه الكتاب والسنة والعقل، أما الكتاب فما أكثر الآيات التي فيها إثبات اليوم الآخر، وما أكثر الأمثال التي يضربها الله عز وجل لإثبات هذا اليوم ببعث الخلائق، وأما في السنة فكثير أيضًا إثبات هذا اليوم، وأما في العقل فلأن العقل يدل بالضرورة على أن هذه الخليقة لا بد أن يكون لها معاد تحاسب عليه على ما أمرت به؛ لأنه ليس من المعقول أن ينشئ الله الخليقة يأمرها وينهاها ويبعث إليها الرسل وينزل عليها الكتب ويستباح دماء من لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تموت هذه البشرية ولا تبعث تكون ترابًا، لو وقع هذا الفعل من أي أحد لقيل هذا سفه من أسفه السفه، لو أن الإنسان صنع ثوبًا وخاطه وأتقنه ومِن أحسنِ ما يكون ثم في النهاية أحرقه وتلف ولم يبق له أثر لعدّ الناس كلهم هذا سفهًا، فكيف بهذه الخليقة التي خلقها الله عز وجل وأنزل عليها الكتب وأرسل إليها الرسل وأباح دماء وأموال مَن لم ينقد لهذه الكتب ويتبع هؤلاء الرسل ثم تكون النتيجة أن تُتلف هذه الخليقة بدون أي معاقبة وأي حساب، فالكتاب والسنة والإجماع والعقل كلها دلت على ثبوت هذا اليوم الذي قال الله فيه: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ وُفِّيت يعني أُعطيت ومنه قولهم: وفَّاه حقه أي أعطاه حقه وافيًا. وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ من البشر؟ أو من غيرهم؟ من البشر والجن يعني من المكلفين الذين أُمِروا ونُهوا هم الذين يُوفَّون أجورهم، أما من لم يتوجه إليه أمر ولا نهي فإنهم يُجمعون يوم القيامة ولكن ليس لهم أعمال يُجازون عليها، فلا يشملهم قوله: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ كيف تكون حال هؤلاء الذين تولوا وهم معرضون؟ تكون أسوأ حال والعياذ بالله؛ لأنهم ينظرون إلى الناس وقد جُوزُوا بالثواب العظيم وإلى أنفسهم وقد جُوزوا بالعذاب المهين، فتكون أعمالهم حسرات عليهم -والعياذ بالله- يوم القيامة، ولا يستفيدون لا من دنياهم ولا من أُخراهم.
وقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ يعني من خير أو شر بدليل العموم في كلمة (ما)، ولكن كيف تُوَفَّى؟ أما الخير فيُوَفَّى العامل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبع مئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأما في الشر فيُوفَّى السيئة بمثلها إن لم يعف الله، قد يعفو الله عنه، وقد يكون له أعمال صالحة تُكفِّر هذه السيئات، فجزاء الله عز وجل وتوفيته للأعمال دائر بين الفضل والعدل، بين الفضل في أهل الخير، والعدل في أهل السوء.
أما القسم الثالث وهو الجور والظلم فهذا ممتنع ولهذا قال: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ لا يُظلمون فلا يُنقص أحد من حسناته ولا يُزاد في سيئاته، ونحن نعلم أن من أوفى غيره حقه فلا يخلو من ثلاث حالات، إما أن يوفيه بالفضل، أو بالعدل، أو بالجور، إلا الله عز وجل فإن وفاءه دائر بين العدل والفضل، وأما الجور والظلم فهذا ممتنع عليه كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت ٤٦] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] وفي الحديث القدسي أن الله تعالى قال: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences