Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:29–30

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:29–30

3:29Page 53

قُلۡ إِن تُخۡفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمۡ أَوۡ تُبۡدُوهُ يَعۡلَمۡهُ ٱللَّهُۗ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٩

Say, "Whether you conceal what is in your breasts or reveal it, Allāh knows it. And He knows that which is in the heavens and that which is on the earth. And Allāh is over all things competent.

ثم قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّه﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للرسول ﷺ، ولكن لا بأس أن يقوله من يحتاج إليه وإن كان من غير الرسول عليه الصلاة والسلام. ﴿تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والذي في الصدور هو ما تُكنّه القلوب، وجعله في الصدور؛ لأن القلوب في الصدور كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].

وقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ من أي شيء؟ من كل شيء؛ من الخير أو من الشر أو العداوة أو الولاية أو غير ذلك، كل ما يخفيه الإنسان في صدره أو يبديه لمن؟ للناس.

قال: ﴿أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ ﴿يَعْلَمْهُ﴾ بالجزم جوابًا للشرط في قوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ يعلمه الله عز وجل، وهو سبحانه وتعالى عالم به قبل أن تخلق الصدور وما فيها، ولكن يعلمه أيضًا بعد أن يقع في الصدور عِلم وقوع، وأما علمه السابق فهو علم بما سيكون، وأما بعد وقوع الشيء فهو علم بالشيء بعد كونه، فلله سبحانه وتعالى فيما يكون بالنسبة للعلم اعتباران:

الاعتبار الأول: باعتبار ما سيكون، والثاني: باعتبار ما كان، وبهذا التقرير يزول الإشكال الذي يرد على النفس ويورده كثير من الناس في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] فيقول: أليس الله عز وجل قد علم المجاهدين والصابرين من غيرهم في الأزل؟ والجواب: بلى، لكن علمه في الأزل علم بما سيكون، وعلمه بعد كون الشيء علم به كائنًا وفرْق بين الأمرين، هذا من وجه.

من وجه آخر: أن علمه الأزلي لا يترتب عليه عقاب ولا ثواب، وعلمه بالشيء بعد كونه هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فيكون المعنى ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ أي: علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب وإلا فالله عالم من قبل أن يبتلينا.

قال: ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ (يعلمُ) بالرفع على الاستئناف، والتقدير: وهو يعلم، ولا يجوز في مثل هذا الجزم عطفًا على ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بخلاف قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ﴾ فإنه يجوز (فيغفرْ لمن يشاء) ويجوز (فيغفرَ) ثلاثة أوجه، لكن في هذه الآية لا يجوز سوى الرفع، لماذا؟ لأننا لو جعلناه بالجزم صار علم الله بما في السماوات وما في الأرض مقيدًا بقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾؛ لأن المعطوف على جواب الشرط له حكم جواب الشرط، وجواب الشرط معلّق بماذا؟ بفعل الشرط، وعلى هذا فيتعين في قوله: و﴿وَيَعْلَمُ﴾ الاستئناف والرفع ولا يجوز الجزم.

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿مَا﴾ من صيغ الموصول أو من الأسماء الموصولة، وكل اسم موصول فإنه يفيد العموم سواء كان من صيغ الجمع كـ(الذين) و(اللائي)، أو من صيغ المفرد كـ(الذي) و(التي)، أو من الصيغ المشتركة كـ(ما) و(من)، وعليه فجميع الأسماء الموصولة بأصنافها الثلاثة كلها تفيد العموم، ألم تروا إلى قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر ٣٣] وين الخبر؟ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر ٣٣] فجعل الخبر جمعًا مع أن المبتدأ مفرد؛ لأنه مفرد لكنه عام.

هنا ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أقول: إن ﴿مَا﴾ اسم موصول تفيد العموم، فكل ما في السماوات فهو معلوم لله عز وجل، وكل ما في الأرض فهو معلوم لله عز وجل بعلمه الأزلي القديم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ [آل عمران ٥] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ مَقَادِير َكُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٣ / ١٦) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.]] ولا يكتب إلا ما كان معلومًا عنده عز وجل.

﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ختم الآية ببيان عموم قدرته إشارة إلى أن الله تعالى قد وسع كل شيء علمًا وقدرة، وأنه قادر على الانتقام منكم فيما إذا أخفيتم ما لا يرضيه، ولكنه لحكمته قد يؤخِّر الانتقام.

قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ الصيغة عامة كما تشاهدون ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سواء كان ذلك من أفعاله أو من أفعال العباد فهو قادر على كل شيء، وسواء شاء ذلك الشيء أم لم يشأه فهو قادر على كل شيء شاءه أم لم يشأه، وكل شيء شاءه فهو قادر عليه، فلدينا الآن عمومان: العموم الأول في القدرة فنقول: هو قادر على كل شيء سواء شاءه أم لم يشأه، والعموم الثاني: في المشيئة، فكل ما شاءه الله فهو قادر عليه كما جاء في الحديث القدسي: «إِنِّي عَلَى مَا أَشَاءُ قَادِرٌ»[[أخرجه مسلم (١٨٧ / ٣١٠) من حديث ابن مسعود.]].

في هذه الآية من الفوائد؛ أولًا: وجوب إبلاغ الناس بعلم الله تعالى بما في صدورهم لقوله: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾.

ومن فوائدها أيضًا: عموم علم الله عز وجل لما أخفاه الإنسان وما أبداه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العقل في القلب، والتدبير في القلب، والإرادة في القلب؛ لأنه قال: ﴿إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ﴾ وهذه المسألة اختلف فيها أهل الكلام، هل العقل في القلب أو في الدماغ؟ ولكن من تأمل الآيات القرآنية وجد أن العقل في القلب، بل من تأمل الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦] ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]. وهذه الآية نص صريح على أن العقل في القلب، ونص صريح على أنه ليس المراد بالعقل القوة المعنوية التي في المخ، وإنما المراد بالقلب أيش؟ القلب الحقيقي قِطعة اللحم الذي في الصدر، ولهذا قال: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ والكلام هنا كلام مَن؟ كلام الخالق عز وجل، والخالق أعلم بما خلق، ولكن الدماغ لا شك أن له تأثيرًا؛ لأن الدماغ يتصور الشيء ويرتّبه ويجهزه، ثم يرسله إلى القلب وينتظر الأوامر، ثم يصدر القلب الأوامر إلى أين؟ إلى المخ ما هو إلى العقل، العقل هو في القلب، يرسله إلى المخ، المخ خادم أمير مطيع على طول يوجّه الأوامر إلى الجنود؛ الجوارح، ولا تستغرب هذا الأمر كيف تقول بها اللحظة هذه يكون فيه أمر إصدار وإيراد؟ نقول: الله عز وجل على كل شيء قدير، فالمخّ يتصور ويصلح الأشياء، ثم يرسل إلى القلب ويقول الأمر، القلب يأمر ولَّا ينهى، ثم هذا المخ ينفّذ على طول ما يتأخر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]].

وأما ما اشتهر عند الأطباء الآن من أن القلب ماتور فقط يُصفي الدم ويرسل، يستقبل الدم الفاسد وينظّفه ويرسله إلى العروق والشرايين فهذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول لهم: أأنتم أعلم أم الله؟ لا شك أن الله أعلم؛ لأنه الخالق، لكننا نوافقكم على أن للدماغ تأثيرًا، ولكن وجه التأثير فيه أنه بإذن الله قابل لكل ما يأمر به القلب.

* طالب: شيخ، نريد السنة؟

* الشيخ: السنة هذا الحديث اللي أشرنا إليه.

* طالب: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل هذا يعتبر موالاة لهم؟

* الشيخ: السؤال: الذين يجلبون الخدم من الكفار، هل يعتبر هذا موالاة لهم أم لا؟

* طالب: يعتمد على صاحبه ينظر، بعض الناس.

* الشيخ: الظاهر ينظر في هذا، إذا كان مقصود ذلك الاستخدام والاستذلال فهو استذلال لهم، وإذا كان المراد بذلك نفعهم؛ أن ينفعهم، فهذا لا شك أنه موالاة؛ لأنه يُعتبر مناصر لهم، فإن هذه الدراهم التي تخرج من جيوبنا لهؤلاء الكفار تؤخذ عليهم ضرائب عليها لدولهم الكافرة فتنتفع الدول بها، وبالتالي تستعين بها على ضرب المسلمين؛ فالمسألة في الحقيقة خطيرة، لكن أكثر المسلمين اليوم لا ينظرون إلى هذه المسائل هذه النظرة الفاحصة، يريدون أن يمشّوا دنياهم فقط، لكن لو أنهم فكروا في الأمر وين تروح الدراهم هذه، ثم إنك لا تأتي بكافر إلا حرمت مسلمًا بدلًا من الكافر هات مسلمًا، وليكن المسلم أقل إنتاجًا من الكافر، الأمر سهل، لكني أنفعه وأنفع عائلة من ورائه مسلمة تتلهف إلى أن تجد خبزة عيش، ولكن نسأل الله أن يهدي إخواننا إلى أن النظر في هذه الأمور.

* طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ يعني الشيء اللي بيجيلي في صدري أنا محاسب به في الآية؟

* الشيخ: لا، ما يدل على هذا إلا ما ركن إليه الإنسان واطمأن به.

* الطالب: كيف يعني؟

* الشيخ: يعني أصر عليه، عزم عليه وأراد يفعله، لكن مجرد الهم لا.

* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ بعضهم يقول: إنها على حذف أن يحذركم الله من عقاب نفسه لأن الذات ما يتصور منها الخوف، يعني هل إذا قلت لشخص ترى خاف من نفسه والآن نقول: ما يتصور من نفسه إنما من أفعاله؟

* الشيخ: أنا إذا قلت: أنا أحذّرك نفسك، كل يعرف أنه ليس معناه إن الواحد (...) على الثاني هذا لأن يوقفه، المعنى: يحذّركم ما في نفسه من العقاب، ولكن هذا أبلغ؛ يعني إضافة التحذير إلى النفس أبلغ من إضافته إلى الفعل، فإذا قلنا: عقاب نفسه ضعف التحذير، وإذا قلنا: نفسه صار أشد.

* طالب: شيخ، قلنا: موالاة الكفار من كبائر الذنوب، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١] فهل هذا كفر أو من كبائر الذنوب؟

* الشيخ: ما هو قلنا إحنا: قد يكون كفرًا وقد يكون دون ذلك.

* الطالب: كيف الصورة تكون دون ذلك؟

* الشيخ: يمكن أن يتولهم في أمر من الأمور الدنيوية ما هو لأجل دينهم ولا إعانة لهم على دينهم وكفرهم، فلا يكون هذا كفرًا، ما يكون كفرًا، افرض واحد ودّه يبر ها الكافر هذا، وده يبرّه ويعطيه مالًا ما يعتبر هذا كفرًا، وإن اعتبرناه ولاية فإنه لا يُخرج من الإسلام، لكن الموالاة المناصرة والمعاونة سواء عاونهم على المؤمنين، وسبق لنا أنهم إذا عاونوهم على الكفار أعداء المسلمين فلا بأس.

* الطالب: شيخ، لما أعطي شخصًا مالًا تعمل مودة بيني وبينهم؟

* الشيخ: لا، أبدًا ما يزعمون هذا.

* الطالب: شيخ، يعني هل يمكن أن أعطيه بدون أي مودة أو أي شيء؟

* الشيخ: لا، أبدًا، هذا إحسان، مجرد إحسان (...) والله قال: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ﴾ [الممتحنة ٨].

* الطالب: شيخ، بعض الناس يلبسون لبس النصارى أو اليهود، هل يعتبر هذا من الموالاة؟

* الشيخ: يعني يقول: هل إذا لبست لبسة اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار هل هذا موالاة؟

هو لا شك أنه تشبه هذا متفق عليه، لكن إذا قصد بذلك إعزازهم ورفع شأنهم فهو موالاة؛ لأنه قد يتشبه بهم من أجل أن يعزهم ويظهر لباسهم الخاص بهم وزيهم فيكون هذا موالاة.

* الطالب: بيسوون عمليات نقل القلب يا شيخ من شخص إلى شخص ما يتأثر بالشخص الثاني بعد ما ينقل له القلب فتتغير يعني عقيدته ويتغير أفكاره

* طالب آخر: يعني قلب صناعي هذا.

* الشيخ: وأيشنو بها الإرادة؟ هذا أوردناه من قبل وأجبنا عليه، والإنسان الفاهم يفهم الجواب من كلامي.

* طالب: (...) أقول: الذي ينتقل هو الجسد، وليس الروح، وإنما المحاسبة في القلب هي الروح الذي في القلب وليس الجسد.

* الشيخ: لا، هو ما هو يقصد مسألة المحاسبة، يقول: إن أفكار الإنسان ما تتغير.

* الطالب: نعم، لأنا نقول إن هذا متعلق بالروح وليس بالجسم، وهذا..

* طالب آخر: شيخ، إحنا قلنا الذي يرسل الدماغ يجهز الشيء ويصوره ثم يرسله إلى القلب ثم القلب يأمر بالتنفيذ.

* الشيخ: على مقتضى ما ورد إليه، فهمت؟ هذا الرجل مثلًا دماغه ما تغيرت وتصوراته ما تغيرت، والقلب يرسل ويأمر حسب ما يصل إليه من التصورات، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا وصالحًا صار يصل إلى القلب الذي نقل إليه الشيء الصالح أمر به، ولّا هذا يقولون: يحط أظن هذا قلب صناعي.

* طالب: (...) الإيمان ما فيه مشكلة؟

* الشيخ: لا، ما هو مشكلة أبدًا، ما هو مشكل؛ لأن هذا القلب له صمامات وله أشياء خلقها الله عز وجل على صفة ما يصنعونه، أو هم يصنعونها على صفة ما خلق الله فلا يُشكل.

* طالب: شيخ، في قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قيدها إنه لا (...).

* الشيخ: إي نعم، هذه تكلمنا عليها إن هذا لبيان أقبح الموالاة وإلا ففيه آية أخرى تدل على تحريم اتخاذهم الأولياء مطلقًا.

* طالب: شيخ، هل الشيطان يعلم ما يوسوس في نفس الإنسان؟

* الشيخ: وأيش تقولون؟

* طلبة: هو اللي يوسوس، أصلًا هو اللي يوسوس.

* الشيخ: الشيطان لا شك أنه يجس القلب يختبره؛ لأنه يجري من ابن آدم مجرى الدم، ثم إذا رأى أن القلب قوي؛ يعني وعجز عنه، عجز عنه، مثل ما كان الشيطان يهرب من عمر بن الخطاب رضي الله عنه، «مَا سَلَكَ فَجًّا إِلَّا سَلَكَ الشَّيْطَانُ فَجًّا آخَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٩٤)، ومسلم (٢٣٩٦ / ٢٢) من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، وإن وجد في القلب لينًا وتهاونًا زاده من اللين والتهاون، وإن وجد فيه القوة حاول أن يزيده في الغلو والإفراط.

* طالب: لكن يا شيخ، لو حدثت مثلًا نفسي بشيء هل يعلم هذا التحديث؟

* الشيخ: الله أعلم، لكنه لا شك أنه يختبر القلوب.

* الطالب: لكن الله سبحانه وتعالى متفرد بهذا العلم.

* الشيخ: لكن قد يطلع الله غيره.

* * *

* طالب: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠) قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران ٣٠ - ٣٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾.

قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ في هذه الآية أيضًا رد على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مُجبر على عمله وليست له فيه إرادة، ووجه الرد عليهم: أن الله أضاف الفعل إلى الإنسان، فقال: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله محيط بكل شيء علمًا حتى ما بين جوانح الإنسان لقوله: ﴿إِنْ تُخْفُوا﴾ ﴿أَوْ تُبْدُوهُ﴾ يعلمه الله، فلا يخفى عليه شيء مما في نفس الإنسان، بل زد على ذلك أنه يعلم ما لم يُحدّث به الإنسان نفسه بأنه سيحدث به نفسه في الوقت والمكان المعين، واضح؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من أن يُسرّ الإنسان في نفسه ما لا يرضي الله؛ لأن الله إنما أخبرنا عن علمه بذلك تحذيرًا لنا من أن نخفي في صدورنا ما لا يرضى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله في قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. والآيات في العلم متنوعة، تارة تكون مجملة وتارة تكون مفصّلة، وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الإنسان وتارة تكون فيما يتعلق بفعل الله عز وجل؛ لأن صفة العلم متى آمن بها الإنسان أوجب له ذلك أمرين:

الأمر الأول: الهروب من معصية الله، فلا يجده أي: فلا يجده الله عز وجل حيث نهاه.

والثاني: الرابح في طاعة الله، فلا يفقده حيث أمره؛ لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى، يؤمن بأن الله سبحانه وتعالى يعلمه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السماوات، وأنها جمع، وقد صرح الله في كتابه أنها سبع، فقال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [المؤمنون ٨٦] وأما الأرض فإنها تأتي مفردة ولم تأتِ في القرآن مجموعة، لكن جاءت في السنة مجموعة، وفي القرآن إشارة إلى أنها سبع في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا بالكيفية متعذّرة، وإذا تعذرت المثلية في الكيفية لزم أن تكون المثلية في العدد كما تقول: سبحان الله عدد خلقه والحمد لله مثل ذلك؛ يعني عدد خلقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات قدرة الله عز وجل لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وعموم هذه القدرة لقوله: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.

* ومن فوائدها: إرشاد الإنسان إلى أن يتعلق بربه؛ لأنك متى علمت أن الله على كل شيء قدير فإنه لن يمنعك مانع من أن تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى بسؤال ما تريد، لا تستبعد شيئًا، ولهذا قال الله تعالى منبِّهًا على هذا الأمر: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة ٧] ومعلوم أن العداوة بين المؤمنين والكافرين أمر ثابت، وأن الإنسان قد يستبعد أن يجعل الله في قلبه مودة لهذا الكافر بإيمانه، فقال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿قَدِيرٌ﴾ بالنسبة لتقليب القلوب عز وجل. ﴿غَفُورٌ﴾ بأن ييسّر هؤلاء الكفار إلى الإسلام فيغفر لهم، وقع هذا ولَّا ما وقع؟ وقع، وقع فإنه أسلم عام الفتح وقبل عام الفتح أُمة من الكفار وصارت العداوة في قلوب المؤمنين لهم صارت مودة.

المهم أنك متى علمت قدرة الله عز وجل فإن ذلك يوجب لك التعلق بربك سبحانه وتعالى، وأن لا تستبعد شيئًا تسأله إياه.

3:30Page 54

يَوۡمَ تَجِدُ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ مِنۡ خَيۡرٖ مُّحۡضَرٗا وَمَا عَمِلَتۡ مِن سُوٓءٖ تَوَدُّ لَوۡ أَنَّ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَهُۥٓ أَمَدَۢا بَعِيدٗاۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٣٠

The Day every soul will find what it has done of good present [before it] and what it has done of evil, it will wish that between itself and that [evil] was a great distance. And Allāh warns you of Himself, and Allāh is Kind to [His] servants."

ثم قال عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ قوله: ﴿يَوْمَ﴾ ظرف زمان، والقاعدة المعروفة عند أهل النحو أن الظرف والجار والمجرور لا بد له من متعلق؛ لأن الظرف والجار والمجرور شبه مفعول به، أو شبه خبر إذا وقع خبرًا، أو شبه صلة إذا وقع صلة، المهم أنه لا يستقل بنفسه لا بد له من عامل، كما قال ناظم الجمل:

لَا بُـــــدَّ لِلْجَــــارِ مِـــــنَالتَّـعَـلُّـــــــــــــقِ ∗∗∗ بِـفِعْـــــلٍ اوْ مَعْـنَـــــاهُ نَحْــــوِمُرْتَقِــــــــــي؎وَاسْتَثْــــنِ كُــــلَّ زَائِــــدٍ لَــــهُعَمَــــلْ ∗∗∗ كَالْبَا وَمِنْ وَالْكَافِ أَيْضًاوَلَعَلْ

فكل حرف أصلي من حروف الجر لا بد له من متعلق.

قوله: ﴿يَوْمَ تَجِد﴾ إذن هي ظرف زمان ولا بد لها من متعلّق، فأين متعلقها؟ المتعلق محذوف، تقديره: اذكر يوم تجد، اذكر بالناس وذكّرهم بهذا اليوم العظيم. ﴿تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ والمراد بالكلية هنا كلية النفوس المكلفة وهم الإنس والجن، فإن هؤلاء مكلفون بعبادة الله لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات ٥٦] أما البهائم فإنها لا تجد ما عملت، لكن يُوفى لها الظلم إن ظُلمت كما أخبر النبي ﷺ: بأنه «يُقْتَصُّ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٨٢ / ٦٠) من حديث أبي هريرة.]] وأما هي فهي غير مكلفة عملها يذهب، ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ إذن ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ مقيدة بماذا؟ مكلَّفة، كل نفس مكلفة تُؤمر وتُنهى. ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ ﴿مَا﴾ هنا اسم موصول مفعول أول، ﴿مُحْضَرًا﴾ مفعول ثاني، و﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ جار ومجرور بيان لـ(ما) في قوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾. وجملة ﴿عَمِلَتْ﴾ صلة الموصول، وعائد الموصول محذوف، والتقدير: ما عملته من خير محضرًا. وقوله: ﴿مَا عَمِلَتْ﴾ يشمل كل ما عملت قل أو كثر قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] كل ما عملت.

وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ من الذي يحضره؟ الذي يحضره الله عز وجل؛ إما بقوله وإما بملائكته تحضره الملائكة أو هو عز وجل يأمر فيحضر، وقوله: ﴿مُحْضَرًا﴾ قد يتبادر للذهن أن هذا العمل يكون جسمًا فيُحضر كما تحضر الدراهم لمن يستوفيها، وإذا كان هذا مراد الله عز وجل فليس بغريب أن تُجعل الأعمال وهي أمر معنوي تجعل أجسامًا، وهو ظاهر في القرآن الكريم بأن الأعمال تُوزن، والوزن لا يكون إلا لجسم كثيف، فتوزن الأعمال توضع في كفة الحسنات والسيئات، وليس هذا بغريب على قدرة الله سبحانه وتعالى، فها هو الموت وصف وهو زوال الحياة «يُمثّل يوم القيامة بكبْشٍ ويُوقف بين الجنة والنار ويقال: يا أهل النار، يا أهل الجنة، فيطَّلعون فيُقال لهم: تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت فيُذبح ويقال: يا أهل الجنة، خُلود ولا موت، ويا أهل النار، خلود ولا موت، وحينئذٍ يزداد أهل الجنة سرورًا إلى سرورهم وأهل النار حزنًا إلى حزنهم[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٣٠)، ومسلم (٣٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]] » والعياذ بالله.

وقوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ﴾ الواو هذه يحتمل أن تكون استئنافية، فتكون (ما) مبتدأ، ويحتمل أن تكون عاطفة، فتكون (ما) معطوفة على (ما) الأولى يعني ما عملت من خير محضرًا وتجد ما عملت من سوء محضرًا كذلك، فعلى الأول تكون (ما) مبتدأ، وتود ﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ الجملة خبره، وعلى الثاني تكون (ما) معطوفة على ما عملت الأولى، ويكون في الكلام حذف وتقديره: وما عملت من سوء محضرًا تود لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، ولكن المعنى الأول أظهر؛ لأن الأصل عدم الحذف، والاستئناف كثير وارد في اللغة العربية، وهو أيضًا أبلغ؛ لأن ما عملت من سوء قد يحضر، وقد يُقرّر به الإنسان ولا يُحضر، والكلام هنا عام، الكلام عام يشمل المؤمنين والكافرين، والمؤمن في حسابه لا يُحضر له عمله السيئ، وإنما يقرر بذنوبه يخلو به الله عز وجل فيقرّر ويقول: «عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ عَمِلْتَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب.]].

أما الكفار فيُحضر عملهم يُحضر؛ قال الله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ [الكهف ٤٩] لأن سيئات الكفار ما تمحى، تُحضر ويحاسبون عليها، وبهذا يتبين أن إعراب الواو استئنافية و(ما) مبتدأ أظهر من أن تكون عاطفة و(ما) معطوفة على ما سبق، إذن ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ لا تفرح به ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ يعني زمنًا طويلًا أو مكانًا بعيدًا، تود أنها لم تعمله ولم تُذكَّر به، ولم يُحضر لها إن كانت ممن يحضر لها العمل السيئ، والود خالص المحبة، إذن تحب محبة شديدة من كل قلبها لو أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.

﴿لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ ﴿لَوْ﴾ هذه كيف نعربها؟ هل نقول إنها مصدر؟

* طالب: حرف امتناع لامتناع.

* الشيخ: لا، ليست حرف امتناع لامتناع، هل نقول إنها مصدر أو نقول إنها زائدة؛ لأن (لو) إذا وقعت بعد (ود) تكون مصدرية كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩]، يعني ودوا أن تدهنوا، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ [البقرة ١٠٩] أي: أن يردوكم، لكن هنا فيه إشكال وهي (أن) اللي بعدها مصدرية، ولكن يمكن الانفكاك عن هذا الإيراد بأن يقال ﴿لَوْ﴾ داخلة على فعل محذوف، تقديره: لو ثبت أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، أو لو حصل، تود لو حصل أن بينه وبينها أمدًا بعيدًا، وحينئذٍ تكون مصدرية، ويكون الفعل محذوفًا، الفعل الذي يتصل به محذوفًا والتقدير: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا، وإلا نقول: زائدة، والتقدير: تود أن بينها وبينه أمدًا بعيدا، وأنت لو حذفت لو في غير القرآن وقلت: (تود أن بينها) استقام الكلام، إذن لنا في إعرابها توجيهان؛ التوجيه الأول: أن تكون زائدة للتأكيد أو للتوكيد، والثاني: أن تكون مصدرية والفعل محذوف تقديره: لو حصل أن بينها وبينه أمدًا بعيدًا.

وقوله: ﴿أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ أمدًا بالنصب على أنه اسم (أن) مؤخر.

قال الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ كرر ذلك؛ لأن المقام يقتضيه، يقتضي التحذير، فاحذر الله عز وجل، احذر الله أن يصيبك بعقابه إذا عصيته وخالفت أمره، والأول ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ في العمل، والثاني في الجزاء، الأول في العمل في موالاة الكفار، والثاني في الجزاء؛ لأنه ذكره بعد أن ذكر الجزاء الذي يكون يوم القيامة. ثم قال: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ فيها قراءتان، القراءة الأولى: ﴿رَءُوفٌ﴾ والقراءة الثانية: ﴿رَءُفٌ﴾ بدون واو ﴿رَءُفٌ رَحِيمٌ﴾ و(الرؤوف) فعول من الرأفة، وهي أشد الرحمة، وأرق الرحمة؛ لأن الرأفة فيها شيء من الرق واللين أكثر من ما في الرحمة. وقوله: ﴿بِالْعِبَاد﴾ جمع (عَبْد)، والمراد بهم الخلق، فهو من العبودية العامة.

استشكل بعض العلماء إتيان قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ بعد قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقال: كان مقتضى الحال أن يقال: ويحذركم الله نفسه والله شديد العقاب؛ لأن مقام التحذير يقتضي الوعيد، فأُجيب عن ذلك بأن من رأفته عز وجل بالعباد أن حذّرهم نفسه، وأخبرهم بأن الأمر عظيم؛ لأن إخبار الإنسان بحقيقة الحال لا شك أنه من الرأفة به، وإلا فليس من المناسب أن يهدد الإنسان بالتحذير ثم يقال: ولك رأفة ورحمة، ولكن قالوا: إن الرأفة بالعباد عائدة إلى أيش؟ إخبار العباد بحقيقة الأمر وتحذيرهم من مغبته، وهذا لا شك أنه وجه حسن وطيِّب.

* طالب: قوله: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد﴾ (...) أنها خاصة بالمؤمنين؛ لأن هذا السياق يوم القيامة فيكون الله سبحانه وتعالى رؤوف بالعباد المؤمنين يخرج من كان في قلبه ذرة.

* الشيخ: لا؛ لأن إحنا قلنا: ما هو المراد الرأفة من التحذير، الرأفة بالإخبار؛ لأن الناس لو وكلوا إلى ما عندهم ضلّوا.

* الطالب: جزاكم الله خيرًا بالنسبة لـ(أمدًا) ما تكون منصوبة على الظرفية ظرف زمان؟

* الشيخ: لا.

* الطالب: زمنًا بعيدًا.

* الشيخ: لا؛ لأنها تتأثر بالعوامل، فيقال: إلى أمد بعيد، إلى أمد قريب، ويقال: أمده أمد طويل.

* طالب: بالنسبة يوم تجد يعني ما عملت من سوء محضرًا، ألا يمكن أن يكون يعني يحتمل أن تحضر السجلات فيكون هذا من إحضار الأعمال؟ عندما تحضر لها سجلات وتراها أمامها يكون هذا من إحضار الأعمال.

* الشيخ: يمكن، يمكن، ولهذا قلنا: فيها وجهان، ولكن الأقرب أن تكون استئنافية.

* طالب: شيخ، قوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ مُحْضَرًا﴾ يشمل الكبائر والصغائر؟

* الشيخ: إي نعم، كل شيء لم يُعف عنه.

قال ربنا عز وجل: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾.

* من فوائد هذه الآية: التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد الإنسان فيه ما عمل من خير أو سوء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب -أو على الأقل- استحباب تذكّر الإنسان لهذا اليوم؛ لأن قوله: (اذْكُر) يشمل الذكر الخبري والذكر الفكري؛ يعني التدبر في القلب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت الجزاء لكل نفس، وهل هذا على عمومه؟ أو يُستثنى منه من لا يكلَّف؟ يحتمل، إن نظرنا إلى عموم اللفظ قلنا: إنه شامل وغير المكلف يُكتب له ولا يُكتب عليه، فيكون ما عمل من خير محضرًا وما عمل من سوء فهو مرفوع عنه، ويحتمل أن يراد بها النفوس التي يلحقها الجزاء عقوبة وكرامة، وهي الأنفس المكلَّفة، ولا شك أنه ليس على عمومه فيما يتعلق بالبهائم؛ فإن البهائم لا تجد هذا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال قدرة الله عز وجل بإحضار ما عمله الإنسان من قليل وكثير، ومن أين يؤخذ أنه من قليل وكثير؟ من (ما) الموصولة التي تفيد العموم.

* ومن فوائدها: كمال رقابته عز وجل؛ وأنه لا يفوته شيء، كل ما عمل الإنسان سوف يجده، فأنت ونفسك! انظر ماذا تقدّم لهذا اليوم من خير أو من ضده.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اليوم الآخر الذي هو يوم الجزاء، وهو معلوم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشر يسوء صاحبه، من أين يؤخذ؟ لأن قوله: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾ عديل لقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ وكان مقتضى المعادلة أن يقول: وما عملت من شر؛ لأنه قال: ﴿مِنْ خَيْرٍ﴾ ضده الشر، لكنه عبر عن الشر بعاقبة السوء؛ لأن الشر يسوء فاعله ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت ٤٦].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الشعور في ذلك اليوم لقوله: ﴿تَوَدُّ﴾ لأن المودّة خالص المحبة، وهي فرع عن الشعور بالشيء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: كراهة المسيء لما عمله في ذلك اليوم، وأنه يحب أن يكون بينه وبينها ما بين المشرق والمغرب لقوله: ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ وهكذا يود الإنسان أن يكون بينه وبين عمله السيئ الأمد البعيد، وبينه وبين قرين السوء الأمد البعيد، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ [الزخرف ٣٦ - ٣٨] في الدنيا هم أصدقاء لكن في الآخرة أعداء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله بعباده بتحذيرهم نفسه لئلّا يقعوا في عقوبته ونقمته لقوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي استعمال الأسلوب المناسب للحال، فالله عز وجل قال في هذه الآية: ﴿يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وفي آيات كثيرة يتحبب إلى عباده عز وجل ويتودد إليهم؛ لأن هذا المقام الذي نحن فيه مقام أيش؟ تحذير وتهديد، ومقام التحذير والتهديد ينبغي أن يؤتى فيه بالأساليب المناسبة، ولهذا يقال: إن غاية البلاغة صيغة الكلام مطابقًا لمقتضى الحال، هذه غاية البلاغة أن يُصاغ الكلام مطابقًا لمقتضى الحال؛ لأنه لو صيغها غير مطابق لعُدّ عِيًّا، لو جاء صدوق لك وقال: إن فلانًا قدم، والله إنه قدم، والله إنه قدم، والله الذي لا إله إلا هو إنه قدم، وأيش يكون هذا بلاغة ولَّا غير بلاغة؟ غير بلاغة، لأنك تقول له: اوقف يا أخي، أنا ما حلفتك، إلى الآن ما قلت لك إنك كاذب حتى تحلف! فالإتيان بالكلام مطابقًا لمقتضى الحال لا شك أنه غاية البلاغة كما في هذه الآية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرأفة لله عز وجل، بل إثبات الاسم والصفة في قوله: ﴿رَءُوفٌ﴾ والرأفة أشد الرحمة وأرقها، وتأمل قوله تعالى عن نفسه: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ وقوله عن نبيه: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة ١٢٨] فإن رأفة الله عامة، أما رأفة النبي ﷺ فهي خاصة بالمؤمنين، الكفار والمنافقون لا يرأف بهم ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة ٧٣] هذه وصية الله لنبيه في الكفار والمنافقين، وفي جلد الزاني قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّه﴾ [النور ٢] لكن الرب عز وجل رؤوف بالعباد يسعهم حلمه ورحمته وعافيته ورزقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يعرف قدر نفسه بالنسبة إلى ربه، فما نسبته إلى ربه؟ أنه عبد، وأن الرب رب، والعبد يجب أن يكون منقادًا لأمر أيش؟ لأمر ربه، وأن يكون ذليلًا له سبحانه وتعالى، شرعًا كما أنه ذليل له قدرًا، كل الناس أذلة لله قدرًا ما يستطيعون أن يخالفوا قدره، أكبر واحد في الدنيا وأشدهم عتوًّا يمرض ويموت، وهذا خضوع لأيش؟ للربوبية القدريّة، لكن من ليس بمؤمن ليس بخاضع للربوبية الشرعية ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском