Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:42–51

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:42–51, continued

* الشيخ: إي نعم، هذا هو المشهور أن قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٣٥] أن (مِن) للتبعيض، وأن أولو العزم هم الخمسة المذكورون في آيتين من القرآن، وبعضهم جعل (مِن) بيانية، فعلى هذا يكون جميع الرسل من أولي العزم، لكن المشهور الأول. ذُكرت في آيتين من القرآن ما هما؟

* الطالب: إحداهما.

* الشيخ: ما هي؟

* الطالب: في الشوري: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى ١٣].

* الشيخ: نعم، هذه واحدة، وفي الأحزاب؟

* الطالب: في الأحزاب قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ [الأحزاب ٧].

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: قلنا يا شيخ: إن هذه للبداءة والمعاينة؟

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: البداءة والمعاينة؟

* الشيخ: المعاينة، بيانية.

* الطالب: بيانية، طيب يا شيخ فيه آية: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يعني كيف المخرج من مفهوم الآية؟

* الشيخ: أيهم الثانية ولَّا الأولى؟

* الطالب: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾.

* الشيخ: إيه يعنى جبريل.

* الطالب: يا عم الشيخ، يرد علينا أسئلة وإحنا لا نستطيع..، نريد حجة يا شيخ دامغة لهؤلاء.

* الشيخ: نسأل الله، الله يعينك، أيش عندك؟

* الطالب: إرسال ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم ١٧] يقولون هذا.

* الشيخ: طيب صحيح، نحن نقول هذا، إن جبريل عليه الصلاة والسلام تمثل لها بشرًا سويًّا ليمتحنها.

* الطالب: رجل؟

* الشيخ: رجل، رجل، فهمت؟ ولهذا قالت: ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم ١٨] وأيش قال لها؟ ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم ١٩] الآيات متواصلة، ما هو بس جاء بشر وحملت، بيَّن أنه رسول الله.

* طالب: الإشكال يقولون: إن هذا بشر؛ يعني رجل (...) يعني قد يقولون: إنها حملت منه أو كذا.

* طالب آخر: هذا القول يا شيخ (...).

* الشيخ: هم قالوا هذا، ولهذا هم قالوا من أول ما جاءتهم ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم ٢٨] وأيش معنى هذا؟ هذا تعريض بأنها زانية، يقولون: كيف جئت بالزنا وأبوك ما كان امرأ سوء وما كانت أمك بغيًّا، لو كان هذه وراثة ما استغربنا، لو كان أبوك امرأ سوء أو كانت أمك بغيًّا زانية -والعياذ بالله- قلنا: هذه مثل آبائها، هذا تعريض، لكن وأيش اللي حصل؟ أشارت إليه، انظر الآية، فدافع عن نفسه.

* طالب: شيخ، فيه إرسال يا شيخ، فيه إشكال؟

* الشيخ: ما فيه إشكال يا أخي، ما فيه إشكال، هذا الرجل، هذا جبريل عليه الصلاة والسلام أرسله الله تعالى ليمتحنها، ولهذا لجأت إلى الله ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ ما فيه إشكال.

* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، أنت قلت: قدمت ثلاثة أقوال في اسم المسيح فإنه إذا مسح المريض بالعمى يبرأ؟

* الشيخ: ذا عاهة.

* الطالب: ذا عاهة يبرأ، وأنه يمسح الأرض (...).

* * *

* طالب: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٤٥ - ٤٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ وهذا قرأناه.

قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ (الواو) حرف عطف، والجملة معطوفة على ما سبق.

﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في حال الصغر، وأصل المهد أو الْمِهاد الفراش يوضع للإنسان فيطؤه ويستريح عليه.

وقوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾ أي: في الفراش وهو صغير، وهذا من آيات الله عز وجل؛ لأن العادة التي أجرى الله سبحانه وتعالى البشر عليها أن لا يتكلم أحد إلا في سن معين، وفي المهد لم يتكلم إلا ثلاثة؛ منهم المسيح عيسى ابن مريم، وتكلم بكلام من أبلغ الكلام لما جاءت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨) فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم ٢٧ - ٢٩] فقالوا: كيف نكلم من كان في المهد صبيًّا؟ ﴿قَالَ﴾ يعني حين سمعهم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم ٣٠ - ٣٣] كلام من أفصح الكلام وأعظمه وهو في المهد، وهذا من آيات الله عز وجل الدالة على قدرته، ولهذا كان آيات عيسى كلها تدور حول هذا الأمر، حول خوارق العادات في الأمور الكونية، فهو نفسه آية خُلق بلا أب، وكلم الناس في المهد، وهذا من الآيات، يصنع من الطين كهيئة الطير فينفخه فيكون طيرًا، يبرئ الأكمه والأبرص، ولا أحد يبرئهما من الأطباء، يحيي الموتى ويخرجهم من القبور.

قال أهل العلم: لأنه بُعث في زمن ترقى فيه الطب ترقيًا عظيمًا فجاء بآيات من جنس الأعمال التي يعملونها ليكون ذلك أبلغ في الإعجاز كما جاء موسى عليه الصلاة والسلام بالعصا واليد التي تُبطل سحر السحرة، وكان السحر في وقته قد زاد وانتشر، وكما أتى محمد ﷺ بكلام أبلغ الكلام وأفصحه لانتشار الفصاحة في زمنه وعهده حتى يعجز هؤلاء البلغاء، ويتبين أنه ليس من كلام البشر.

قال: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ يعني ويكلمهم وهو كهل من الحادية والثلاثين إلى الأربعين، يكلمهم في هذه الحال، في هذه الحال ليس غريبًا أن يكلم الناس، ولكنه أتى بها لفائدة وهي أن كلامه في المهد ككلامه وهو كهل؛ يعني ليس ككلام الصبي الذي يتكلم في المهد (يا بابا، يا ماما) وما أشبه ذلك، بل كلام فصيح من أبلغ الكلام كما يتكلم به وهو أيش؟

* طالب: كهل.

* الشيخ: وهو كهل. ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ من الصالحين أيضًا، يعني وهو من الصالحين، وسبق لنا أن الصالح من صلحت سريرته وعلانيته يعني ظاهره وباطنه، ظاهره بالإخلاص لله والطهارة من كل شرك ونفاق وشك وأحقاد وبغضاء للمؤمنين وما أشبه ذلك، ظاهره بأيش؟ بالمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام وعدم الابتداء، فهو عليه الصلاة والسلام من الصالحين الذين صلحت ظواهرهم وبواطنهم، وإن شئت فقل: سرائرهم وعلانيتهم.

﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ﴾ هي الآن تخاطب الله، والذي كان يخاطبها الملائكة أو جبريل، لكنها لما قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران ٤٥] وعلمت أن الأمر من الله وجهت الخطاب إليه سبحانه وتعالى، فقالت: ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ وتأمل هذا الاستعطاف منها حيث قالت: ﴿رَبِّ﴾. ومعلوم أن كلمة ﴿رَبِّ﴾ هنا مضافة إلى ياء المتكلم التي حذفت للتخفيف، وأصلها: ربي أنى يكون لي ولد؟

وقولها: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ هذا استفهام يعني من أين يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ وهذا الاستفهام ليس على سبيل الشك، وليس على سبيل الاستبعاد، ولكنه على سبيل الاستثبات وزيادة الطمأنينة كقول إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة ٢٦٠] وإلا ما عندها شك.

وقوله: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الجملة حالية؛ يعني: والحال أنه لم يمسسني بشر، أي: لم يجامعني؛ لأن المس يطلق على الجماع؛ يعني يكنى به عن الجماع، كما قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٦] أي: تجامعوهن. ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يعني لا بنكاح ولا بغير نكاح، فمن أين يكون الولد؟

﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ قال من؟ الله عز وجل؛ لأنها نادت الله ﴿رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ﴾ ﴿قَالَ كَذَلِكِ﴾ يعني: الأمر كذلك، فالجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر، وعلى هذا فيحسن الوقوف هنا، أي يحسن أن تقف، فتقول: ﴿كَذَلِكِ﴾، ثم تبتدئ فتقول: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾.

وهذا التركيب له نظائر في القرآن مثل قوله: ﴿كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾ [الدخان ٥٤] وإنما تأتي هذه الصيغة للتقرير والتثبيت؛ يعني الأمر مثل ما وقع تمامًا.

وقوله: ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ سبحانه وتعالى، ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ، و﴿يَخْلُقُ﴾ الجملة خبر، يعني أن الله سبحانه وتعالى يخلق ما يشاء سواء كان على وفق العادة أو على خلاف العادة، فعيسى عليه الصلاة والسلام جاء على خلاف العادة، لكن مَثله عند الله ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران ٥٩] أي خلق آدم من تراب ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] والله على كل شيء قدير.

وقد ذكر أهل العلم أن البشر منهم من خُلق بلا أم ولا أب، ومنهم من خلق من أم بلا أب، ومنهم من خلق من أب بلا أم، وأكثر الخلق من أم وأب، فالذي خُلق من غير أم ولا أب: آدم، ومن أب بلا أم: حواء؛ امرأة آدم، ومن أم بلا أب: عيسى، وسائر الناس من أم وأب.

﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: الذي يشاء كمًّا وكيفًا، وعلى سبب معلوم، وعلى سبب غير معلوم؛ فالله سبحانه وتعالى لا معقب لحكمه يخلق ما يشاء، قلنا: بالكمية والكيفية، والسبب المعلوم والسبب غير المعلوم، والنوعية أيضًا، ما أكثر أنواع الخلق لا يحصيها الإنسان فضلًا عن أفرادها! وما أكثر الخلق لو أردت أن تحصى الخلائق ما استطعت، والله تعالى قد أحصاهم ورزقهم وأمدهم، وأعد كل مخلوق لما خُلق له، قال فرعون: ﴿مَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى (٤٩) قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه ٤٩، ٥٠] كل شيء أعطاه خلقه المناسب له ثم هداه، هداه لما خُلق له، انظر أحيانًا تفتش الكتاب، تفتش الكتاب مراجعة تجد فيه حيوانًا لا يدركه البصر إلا بكلفة، حيوان داخل هذا الكتاب لا يدركه البصر إلا بكلفة، من خلقه؟ الله. ومن أعده للرزق؟ الله. ومن أمده برزقه المناسب له؟ هو الله عز وجل، فما بالك بالخلق الكثير الذي أكبر من هذا بكثير، فالمهم أن الله تعالى يخلق ما يشاء كمًّا وكيفًا ونوعًا، وبسبب معتاد، وبسبب غير معتاد، لا حرج على الله عز وجل يخلق ما يشاء ويفعل ما يشاء، قال: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٧]. ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ﴿إِذَا قَضَى﴾ قضى أي: قضاء كونيًّا؛ لأن القضاء له معنيان: كوني وشرعي، فمن أمثلة الشرعي قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]. هذا قضاء شرعي، ومن أمثلة الكوني هذه الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء ٤] قضينا شرعًا ولَّا كونًا؟

* الطلبة: كونًا.

* الشيخ: ما يصح شرعًا؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لأن الله لا يقضي شرعًا بالفساد أبدًا، فهو لا يحب الفساد، لكنه قضاء كوني، ما الفرق بين القضاءين الكوني والشرعي؟

الفرق بينهما أن القضاء الشرعي متعلق بما يحبه الله من فعل المأمور أو ترك المحظور.

ثانيا: القضاء الشرعي قد يقع وقد لا يقع، قد يقع من المقضي عليه وقد لا يقع، القضاء الكوني يتعلق فيما أحبه الله وما لا يحبه الله، القضاء الكوني لا بد أن يقع من المقضي عليه، فصار الفرق؟

* الطلبة: وجهين.

* الشيخ: أربعة أوجه أو وجهين؟

* الطلبة: وجهين.

* الشيخ: وجهين، وعند ما نذكر الشيء وضده تكون أربعة.

قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ ١٤]؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: هذا كوني ولَّا شرعي؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: كوني، قوله تعالى: ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود ٤٤]؟

* الطلبة: كوني.

* الشيخ: كوني. ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ [غافر ٢٠]؟

* الطلبة: شرعي..

* طالب: شامل.

* الشيخ: شرعي، أو شامل؟

* الطلبة: شامل.

* الشيخ: شامل، يعني حتى الكوني الذي يقضيه الله وإن كان شرًّا، لكن في المفعولات، أما في نفس القضاء فهو حق.

يقول الله عز وجل: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ (أمرًا) مفرد جمعه أمور ولَّا أوامر؟

* الطلبة: أمور.

* الشيخ: أمور، والمراد بالأمر هنا الشأن، يعني إذا قضى شأنًا أي شأن من الشؤون ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ما يحتاج إلى عمل، ولا إلى آلات، ولا إلى أي سبب، كل الخلائق مُسلِمة لله عز وجل ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران ٨٣] تنتظر الأوامر إذا صدر الأمر من الله عز وجل كان المأمور؛ الأمر الكوني يقول: ﴿كُنْ﴾ فقط ﴿فَيَكُونُ﴾.

قال الله تعالى عن البعث؛ بعث الخلائق كلها: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، وبين الله تعالى في سورة القمر كيف هذا الأمر هل يكرر؟ هل يتأخر المأمور؟ فقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر ٥٠] ما فيه التكرار واحدة، يتأخر المأمور؟ أيش؟

* الطلبة: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾.

* الشيخ: ﴿كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ يعني لو شاء ربنا عز وجل لأمر هذه الأرض أن تزول ومن فيها بلحظة ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، هذه القدرة التامة العظمية التي لا تُنسب قُدر الخلق إليها.

﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (الفاء) هذه تفيد الترتيب، وإن شئت فقل: تفيد السببية، فإن قلت: إنها تفيد السببية فاقرأها بالنصب، وإن قلت: إنها تفيد الترتيب فاقرأها بالرفع، وكلتا القراءتين سبعية صحيحة، أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ﴾ أن ﴿يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، فعلى قراءة الرفع تكون استئنافيه، والفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب كن فهو يكون في الحال، وعلى قراءة النصب تكون الفاء للسببية، فكأن الكون مسبب عن القول، ومعلوم أن المسبب يأتي مقارنًا للسبب، على قراءة النصب ﴿كُنْ﴾ سبب ﴿فَيَكُونَ﴾ مسبب، ومن المعلوم أن المسبب يأتي عقب السبب فورًا؛ لأنه سببه، والسبب مقارن للمسبب، وعلى هذا فتكون كل من القراءتين مفيدة لمعنى غير المعنى الثاني لكنهما متلازمان، المعنيان متلازمان.

﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ طيب ﴿كُنْ﴾ ما ذكر الله سبحانه وتعالى أي شيء يكون عليه، بس يقول: ﴿كُنْ﴾ فيقع الشيء على مراد الله أو لا بد أن يقول: ﴿كُنْ﴾ ويبين ماذا يكون؟

* الطلبة: الأول.

* الشيخ: طيب الأول.

* طالب: الثاني.

* الشيخ: الأول، الثاني، الأول، الثاني، لما خلق الله القلم قال له: اكتب، كتب ولَّا ما كتب؟

* الطلبة: كتب.

* الشيخ: لا، ما كتب، «قَالَ: رَبِّ، وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.[[أخرجه الطبراني في مسند الشاميين (١٥٧٢) من حديث عبد الله بن عمر.]] » فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيمة. الله أكبر!

فالظاهر -والله أعلم- أن الشيء إذا قال الله له: كن، فلا بد أن يعين ماذا يكون بدليل حديث القلم، ولكنه إذا عين ما يكون فلا بد أن يكون الشيء على ما عين، فالقلم ما يعلم الغيب، لكن لما قال له الرب عز وجل: اكتب إلى ما هو كائن إلى يوم القيمة كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة؛ لأن الله أعلمه، أعلمه فكتب.

إذن كن كذا، وهذه لا بد منها بيان مجمل الأمر، لا بد منها، فهذا هو الظاهر، وإذا كان الله عز وجل إذا أمره فقال: كن كان على مراد الله فليس هذا بغريب على قدرة الله أيضًا، أن الله تعالى يجعل هذا الشيء يخضع لأمر الله الذي أراده عز وجل، وإن كان لم يُطلعه عليه، لكن الذي يترجح عندي بناء على حديث القلم أن الله عز وجل يأمره أن يكون، ويبين ماذا يكون عليه. ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾.

﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ﴿يُعَلِّمُهُ﴾ الضمير يعود على عيسى، والفاعل الله عز وجل.

﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ﴾ لأن عيسى كغيره من البشر؛ يعني لا يعلم إلا ما علمه الله، قال الله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن ٢٦، ٢٧].

﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ الكتاب بمعنى المكتوب، وهل المراد أنه يُعلمه الكتابة؛ يعني يحسن الخط؟ أو المراد يعلمه الكتب السابقة؟

* الطلبة: الثاني.

* الشيخ: الثاني، كلاهما لا يتنافيان، فعلَّمه الكتابة فكتب، وعلَّمه الكتب السابقة، وعلمه التوراة والإنجيل. ﴿وَالتَّوْرَاةَ﴾ من باب عطف الخاص على العام لشرفها، وأما ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ فهو لم ينزل على أحد قبل عيسى.

وقوله: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ الشريعة؛ لأن الشريعة من الله، وكل ما كان من الله فهو متضمن للحكمة، قال الله تعالى لمحمد ﷺ: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء ١١٣].

فالحكمة هي الشرع، وهو موافق لمن فسر ذلك بالسنة؛ لأن سنة النبي ﷺ هي شرعه، هي شرعه الذي جاء به من الله، فعلمه الله عز وجل الحكمة، و(أل) في ﴿الْحِكْمَةَ﴾ هنا للعهد الذهني؛ يعني الشرع الذي شرعه الله لعيسى، ليس كل الحكمة، لكن للحكمة التي شرعت له.

﴿وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ التوراة: الكتاب الذي أنزله الله على موسى، والإنجيل: الكتاب الذي أنزله الله على عيسى، التوراة كتبها الله تعالى كتابة ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] ولهذا قال أهل العلم من علماء السلف: إن الله تعالى غرس جنة عدن بيده، وخلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده سبحانه وتعالى، فالتوراة مكتوبة من الله، كتبها بيده سبحانه وتعالى، ونزلت ألواحًا على موسى، وفيها ما تقتضيه المصلحة والحاجة والضرورة في ذلك الوقت، وأما الإنجيل فهو الكتاب الله الذي أنزله الله تعالى على عيسى، وهو بالنسبة للتوراة كالمكل لها كما قال تعالى فيما يأتي بالآيات: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠] فهو كالمتمم للتوراة؛ لأنه بالحقيقة نزل على بني إسرائيل الذين أنزلت عليهم التوراة، ومن المعلوم أن حال بني إسرائيل تغيرت من وقت موسى إلى عيسى، فكان في الإنجيل أشياء فيها تعديل أو زيادة، المهم أنه متمم للتوراة.

ثم قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿وَرَسُولًا﴾ (الواو) حرف عطف، ﴿وَرَسُولًا﴾ معطوف بجملتها على ما سبق أي: ويرسله رسولًا إلى بني إسرائيل.

والرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمر بتبليغه، فإن لم يؤمر بتبليغه فهو نبي، هذا هو المشهور عند عامة العلماء رحمهم الله.

وقيل: إن النبي لم يُوحَ إليه بشرع، وإنما كان مؤيدًا لشريعة قبله، يعني يُوحى إليه بتأييد الشريعة التي قبله، فكانت الأنبياء فيما سبق كالعلماء في هذه الأمة، وهذا وإن كان له وجه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة ٤٤]. فقال: ﴿يَحْكُمُ بِهَا﴾ أي: بهذه التوراة ﴿النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾، لكن هذا القول يعكر عليه قضية آدم، فإن آدم نبي ومع ذلك لم يكن مجددًا لشريعة سابقة؛ إذ لم تنزل شريعة على البشر قبل آدم عليه الصلاة السلام، فلهذا يترجح تعريف الجمهور في النبي والرسول، وإذا قلنا: النبي من أوحي إليه بالشرع، فلا يمنع أن يكون هذا الشرع الذي أوحي إلى النبي هو شرع من قبله يوحى إليه تأكيدًا وتثبيتًا.

قال: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ بني إسرائيل هذه بني اسم قبيلة، ولَّا اسم أشخاص معينين؟

* الطلبة: اسم قبيلة.

* الشيخ: اسم قبيلة كما يُقال: بنو تميم، والعلماء رحمهم الله تعالى يفرقون بين ابن وبني إذا كان اسمًا لقبيلة واسمًا لشخص معين، فإذا قالوا، وذكروا ذلك في باب الوقف وفرعوا عليه مسائل، إذا قلت: هذا وقف على بني فلان -وهم قبيلة- كبني تميم مثلًا، فهل يعم الجميع؟ وهل يشمل الذكور والإناث؟

قالوا: نعم، يعم الجميع، ويشمل الذكور والإناث، ولكن لا يجب التعميم، التعميم لا يجب، فلي أن أوزع هذا الوقف على ثلاثة من بني تميم فقط، ولي أن أعطي ثلاث نساء فقط؛ لأنه لا يختص بالرجال، بل يشمل الذكور والإناث؛ ولأنه لا يستلزم التعميم، أما لو قلت: هذا وقف على بني فلان، واحد من الناس، فإنه يجب تعميمهم دون الإناث، تعميم من؟ الذكور دون الإناث؛ لأن الابن غير البنت؛ ولأن بني فلان المعيّن محصورون يمكن حصرهم، فيجب تعميمهم والتساوي بينهم وإخراج النساء منهم، فبنو إسرائيل من أي الصنفين؟ من الأول من القبيلة، وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وهم بني عم لبني إسماعيل، ولهذا لما بُعث النبي ﷺ في بني عمهم بني إسماعيل غارت اليهود من ذلك وأنكروه، وكانوا بالأول يستفتحون على الذين كفروا، يقولون: سيبعث نبي ونتبعه ونكتسحكم ونغلبكم ظنًّا منهم أنه سيكون من بني إسرائيل، وليس ظنًّا حقيقيًّا بل هو وهم؛ لأنهم يعرفون النبي ﷺ كما يعرفون أبناءهم، ويعلمون أنه سيُبعث في مكة، لكن توهموا ذلك، أوهمتهم أنفسهم الكاذبة، فلما بُعث ببني إسماعيل أنكروه وكذبوه.

إسرائيل وأيش معناها؟ في السريانية قالوا: إن معناها، أو في العبرية: عبد الله، معناها عبد الله، الآن تُسمى الدولة اليهودية إسرائيل (...).

* * *

* طالب: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران 49 - ٥١].

* الشيخ: (...) ﴿اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ عبر هنا بالخلق، وفي قصة زكريا بالفعل ﴿يَفْعَلُ﴾ [آل عمران ٤٠] وهنا قال: ﴿يَخْلُقُ﴾ فهل هناك يعني نكتة، أو أنه اختلاف تعبير وهو من باب التفنن في التعبير كما يقولون؟

* طالب: اختلاف تعبير.

* الشيخ: اختلاف تعبير طيب.

* طالب: هنا فيه نكتة لطيفة.

* الشيخ: وهي؟

* الطالب: وهو عندما أخبر الملك كليم الله كلامًا كان هذا من الغريب الذي ليس (...) بينما في مريم فهو غريب تمامًا خارج عن العادة، ولم يكن لها زوج.

* طالب: يا شيخ، الحال هو وجود الإثبات (...) إنما هنا (...).

* الشيخ: إيه، هذا قريب منه، الظاهر اختلاف لفظ.

* طالب: شيخ، قد يكون يا شيخ في قصة زكريا أن الله عز وجل عندما أخبره بالفعل، أخبر بالفعل، لأن الخلق فاعل في الأصل.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: أن الخلق سيكون من أصله، أما هنا قد لا يتوقع الخلق؛ لأن.

* الشيخ: اختلاف تعبير.

* الطالب: يعني يا شيخ ولدت هذه المرأة وهي لم يمسسها بشر، شابة، ولم يمسسها بشر أعجب من أن تلد عجوز عاقر.

* الشيخ: اختلاف تعبير.

* طالب: كما يقال: حتى (...).

* الشيخ: لا، هو على كل حال يقولون: إن ما ذكرتم هو قريب مما قاله العلماء، وهو صحيح؛ أن عيسى عليه الصلاة والسلام خُلق من غير ما جرت العادة به، خُلق على وجه لم تجرِ العادة بمثله إطلاقًا، فناسب التعبير بالخلق الدال على الإبداع، ولهذا يُقال: خلَق الله السماوات، ولا يقال: فعل الله السماوات، مع أن الخلق فِعله، لكن الخلق فيه نوع من الإبداع، ولذلك قال: خلق.

الوجه الثاني: الرد على شُبه النصارى الذين يقولون: إن عيسى هو الله، والله ثالث ثلاثة، فيكون فيه التصريح بأنه مخلوق، ويكون هذا قطعًا لدابر قولهم، ففيه إذن: نكتة كونية، ونكتة شرعية، يعني حكمة: شرعية وكونية، وأظن أنني لم أذكرها (...).

قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ رسولًا: ما الذي نصبها؟

* الطالب: حال.

* الشيخ: حال، رسول حال، من غير مشتق؟!

* الطالب: إي نعم، معطوف.

* الشيخ: إي، معطوف على أيش؟

* الطالب: مصدقًا ورسولًا.

* الشيخ: ما يصلح، ولا فيها، هو فيها مصدقا؟ ﴿يُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَرَسُولًا﴾.

* طالب: نعم على ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ ﴿وَمُصَدِّقًا﴾ على ما قبل الإنجيل.

* الشيخ: يعني ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ويعلمه رسولًا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا اصبر خليني أناقشة، ما أود الواحد يقول تخرصًا هكذا، أجب، يستقيم المعنى؟

* الطالب: لا يستقيم.

* الشيخ: إذن.

* الطالب: معطوفة على والإنجيل.

* الشيخ: والله المستعان! ما يصلح.

* طالب: شيخ، منصوب بفعل محذوف تقديره يرسله رسولًا.

* الشيخ: صح، ويرسله رسولًا. بنو إسرائيل من هم؟

* الطالب: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب الاثنا عشر.

* الشيخ: أبناء يعقوب الاثنا عشر، إذن إسرائيل هو؟

* الطالب: يعقوب عليه السلام.

* الشيخ: هو يعقوب ابن؟

* الطالب: ابن إسحاق.

* الشيخ: بن إبراهيم كذا؟ ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾. ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ فيها قراءتان، أخبرناكم بهما ولَّا لا؟

* الطلبة: لا (...).

* الشيخ: فيها قراءة بكسر الهمزة وفتحها، وبفتح الياء مع فتح الهمزة؛ ثلاث قراءات، ﴿أَنِّيَ﴾ ، ﴿أَنِّي﴾، ﴿إِنِّي﴾ .

قوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فيكون طيرًا بإذن الله، يكون هذا الشيء طيرًا.

وقوله: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ أي: كمثله وصورته، فينفخ فيه فيكون طيرًا، وفي قراءة السبعية: ﴿فَيَكُونُ طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، والقراءتان لكل واحدة منهما معنى يكمل الأخرى، فقوله: ﴿يَكُونُ طَيْرًا﴾ أي: طيرا حيًّا بعد أن كان على صورة الطير وليس فيه روح، ﴿يَكُونُ طَائرًا﴾ أي يطير؛ تشاهدونه يطير بالفعل، فعندنا ثلاث مراتب؛ تصوير على هيئة الطير، الثاني: طير فيه روح، على قراءة: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا﴾، الثالث: طير يطير بالفعل على قراءة: ﴿طَائرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وعلى هذا فيكون يخلق شيئًا على هيئة الطير، فينفخ فيه فيكون فيه الروح، ثم يطير.

وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإذنه الكوني والشرعي؛ لأن كونه يصور مضاهيًا لخلق الله يحتاج إلى إذن شرعي؛ لأن الأصل أنه لا يجوز لأحد أن يُصور على تصوير الله عز وجل، قال الله تعالى: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٩٥٣)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١) من حديث أبي هريرة.]] لكن الله تعالى أذن لعيسى عليه الصلاة والسلام لحكمة، هذا على تفسير بإذن الله، الإذن أيش؟

* الطلبة: الشرعي.

* الشيخ: الشرعي، كذلك الإذن الكوني، يعني بإذن الله الإذن الكوني؛ لأن خلق هذا الطير حتى يطير يكون بإذن الله الكوني ولَّا الشرعي؟

* الطلبة: الكوني.

* الشيخ: الكوني، أي: فيطير بإذن الله إذنًا كونيًّا، فعيسى عليه الصلاة والسلام يخلق كهيئة الطير بإذن الله الشرعي، فيكون طيرًا إذا نفخ فيه ويطير بإذن الله الكوني.

وقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ هذا من أجل تحقيق التوحيد، حتى لا يظن ظانّ أنه يخلق استقلالًا؛ لأنه لولا هذا التقييد بإذن الله لتوهم النصراني وغير النصراني أن عيسى عليه الصلاة والسلام يخلق، كما خلق الله آدم من طين على صورته، ثم نفخ فيه الروح، فصار بشرًا، فيظن الظان أن عيسى يخلق كخلق الله، فلهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾ أبرئ: بمعنى أشفي، والبُرء في الأصل من البراءة، والبراءة من الشيء السلامة منه، ومنه بَرِئَ من دَيْنِهِ: أي سلم من غائلته؛ غائلة الدين وضيق الدين، فالبُرء من المرض يعني السلامة والشفا منه.

وقوله: ﴿الْأَكْمَهَ﴾ الأكمه: قيل: إنه الذي لا يبصر ليلًا ويبصر نهارًا، وقيل: هو الذي يبصر ليلًا ولا يبصر نهارًا، وقيل: هو الذي لا يبصر إلا بمشقة، وقيل: الذي وُلد بلا عين، فإن كان الأكمه في اللغة العربية يحتمل هذه المعاني كلها، فهو للمعاني كلها، وإن كان لا يحتمل إلا معنى واحدًا، فأقرب الأقوال في ذلك أن الأكمه من وُلد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة؛ لأنه كلما كان أبلغ في القدرة كان أعظم في الآية، فنحن نقول: إن كانت اللغة العربية تُطلِق الأكمه على كل ما قيل فلتكن الآية شاملة، وإن لم تحتمل إلا معنى واحدًا فأقربها أن الأكمه من ولد بلا عين؛ لأن هذا أبلغ في القدرة، والأبرص من به برص، والبرص عيب يخرج في الإنسان من العيوب الجلدية، وهو قد يؤثر على الصحة العامة في البدن، وقد لا يؤثر، لكن البرص ليس له دواء، ليس له دواء فلهذا قال: أُبرئ الأبرص بإذن الله.

وقوله: ﴿أُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أحيي الموتى الذين ماتوا أحييهم بإذن الله، وليس المراد بالموتى هنا موتى معينين، بل هو للجنس، فأي واحد من الأموات يمكن أن يقع عليه هذا الأمر، أما قول من قال: إنه أحيا سام بن نوح، أو أحيا فلانًا أو أحيا فلانًا، فهذا من الإسرائيليات، لكن الآية أنه يحيي الموتى أي ميت يقف عليه وهو ميت يأمره فيحيا بإذن الله.

﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أنبئكم: أخبركم بما تأكلونه اليوم وما تدخرونه للغد في بيوتكم، من غير أن يأتي أحد يخبره بذلك، وهذا فيه شيء من علم الغيب، فيه شيء من علم الغيب، فأخبرهم أن من جملة آياته أنه يخبر الإنسان، يقول: أكلت اليوم كذا وكذا وكذا، وادخرت لغد أو بعد غد كذا وكذا، مع أنه لم يبعث أحدًا يطلع على ما في البيت، وهذا لا يكون إلا بوحي من الله، إذا لم يكن هناك بشر يُطلعه على ما في البيوت، فإنه يكون من وحي الله، وقد يكون بواسطة الجن، فإن الجن ربما تخدم الإنس، فتذهب إلى الأمكنة البعيدة، أو تتسوَّر الجدران وتخبر بما في البيوت، لكن الجن على هذا الوصف لا يجوز الاستمتاع به، أو الاتصال به، لماذا؟

لأن اطلاعه على أحوال الناس ظلم وعدوان، ولا يجوز للإنسان أن يستعين بظالم على ظلمه، ولهذا يمتنع هذا التقدير في حق مَنْ؟ في حق عيسى عليه الصلاة والسلام.

يعني لو قال قائل: إن الذين يستعينون بالجن ربما يطلعون على ما يؤكل ويُدخر في البيوت. قلنا: لكن هذا لا يرد بالنسبة إلى عيسى؛ لأن الاستمتاع بالجن -على هذا الوجه- محرم، لما فيه من العدوان والظلم، لكن هو عيسى لا يمكن أن يفعل هذا، فتبين أنه يأتيه عن طريق الوحي.

والحكمة من إخبارهم بهذا هو إطلاعهم على أنه هو عليه الصلاة والسلام يأتيه الوحي من الله في أمور خاصة، في الأمور الخاصة، في البيوت، والثاني -والله أعلم- تحذيرهم من أن يأكلوا شيئًا محرمًا عليهم، ولهذا سيأتي أنه قال لهم: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [آل عمران ٥٠]؛ لأنهم إذا كانوا يعلمون أنه يعلم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم فسوف يتوقفون عن الشيء المحرم، وهم إذا توقفوا عن الشيء المحرم ربما يسر الله لهم فيحله لهم.

* * *

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском