Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:54–60

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:54–60, continued

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٢].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.

* طالب: الفوائد، أخذنا ثبوت علو الله؛ لقوله: ﴿وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾.

* الشيخ: * من فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله نهاية وحكمًا؛ فإن الناس يعرضون يوم القيامة إلى ربهم حُكمًا يحكم بينهم.

* ومن فوائدها: إثبات الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، وهذا حكم جزائي.

* ومن فوائدها: أن الخصومة تقع بين المؤمنين والكافرين في يوم القيامة؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾، ويحتمل أن يقال: إن هذا حكم سبقت الخصومة فيه في الدنيا، حيث كان الكفار والمنافقون يختصمون، ولكن الأول أقرب، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣٠، ٣١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاختلاف بين المسلمين والكفار اختلاف جوهري يحكم الله به بين هؤلاء وهؤلاء يوم القيامة، وأما الاختلاف بين المسلمين فيما مصدره الاجتهاد فإنه لا يُحْكَم بينهم؛ لأن المجتهدين وإن اختلفوا في الحكم فإنهم لم يختلفوا في الحقيقة؛ لأن كل واحد منهم يعذر الآخر ولا يرى أنه مخالف له، وإن خالفه في القول والرأي لكنه لم يخالفه في المنهج والطريقة، كل واحد منهم يريد الحق، ولكن اختلفوا في كيفية الوصول إليه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾؛ إذ لا حكم إلا بعد علم، ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّمَا أَقْضِي بِنَحْوِ مَا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٩٦٧)، ومسلم (٤ / ١٧١٣) من حديث أم سلمة.]].

3:56–59Page 57

فَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمۡ عَذَابٗا شَدِيدٗا فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٥٦

And as for those who disbelieved, I will punish them with a severe punishment in this world and the Hereafter, and they will have no helpers."

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٧

But as for those who believed and did righteous deeds, He will give them in full their rewards, and Allāh does not like the wrongdoers.

ذَٰلِكَ نَتۡلُوهُ عَلَيۡكَ مِنَ ٱلۡأٓيَٰتِ وَٱلذِّكۡرِ ٱلۡحَكِيمِ ٥٨

This is what We recite to you, [O Muḥammad], of [Our] verses and the precise [and wise] message [i.e., the Qur’ān].

إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٩

Indeed, the example of Jesus to Allāh1 is like that of Adam. He created him from dust; then He said to him, "Be," and he was.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران ٥٦، ٥٧].

من فوائد هاتين الآيتين، أولًا: إثبات العذاب للكافرين؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

* ومن فوائدها: أن العذاب في الدنيا قد لا يكفي عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار، أو نقول: أن العذاب في الدنيا لا يغني عن العذاب في الآخرة بالنسبة للكفار؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، ولهذا يُعَذَّب الكفار في الدنيا ويُهزمون ويُؤسرون وتُسبى ذريتهم ونساؤهم وتُغنم أموالهم، وهذا عذاب عظيم، ومع ذلك لا ينجون من عذاب النار.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.

قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾.

يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد، منها: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ﴾.

ومنها: أن الجزاء من جنس العمل؛ فكلما كان العمل أسوأ كان الجزاء أشد، ولهذا قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾.

ومنها: أن العذاب عذاب الكافرين يكون في الدنيا ويكون في الآخرة؛ فأما عذاب الدنيا فبالأسر والقتل والزلازل والفيضانات، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة ١٤]، وهذا بماذا؟ بالقتل والأسر، وأما العذاب بالزلازل وشبهها فكقوله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الدخان ١٠، ١١]، هذا عذاب من الله عز وجل، والأول عذاب بأيدي المؤمنين.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الكفار لا ناصر لهم من عذاب الله، لا أحد يمنعهم؛ لقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾، أما في الآخرة فظاهر؛ لأن الشفاعة لا تنفع فيهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء ٢٨]، وأما في الدنيا فكذلك؛ لأن هؤلاء الكفار إذا عُذِّبُوا بأيدي المؤمنين فالمقاتلة منهم يُقتلون، والنساء والذرية يُسْبَون، والأموال والأراضي تُغْنَم، وهذا لا ناصر لهم فيه.

فإن قال قائل: أليس الإمام يخيَّر في الأسرى بين أمور أربعة: بين القتل، والفداء بمال أو بنفس مؤمنة، والاسترقاق، والمن؟ بين أمور أربعة: إما القتل، أو الفداء بمال أو بأسير مسلم، أو الاسترقاق يجعله رقيقًا يُباع ويشترى، أو المن مجانًا، لا إشكال في الأشياء الثلاثة الأولى، الإشكال في الأخير وهو المنّ، وهذا ليس بعذاب، فالجواب عن ذلك أن نقول: إنه لا يجوز للإمام أن يختار واحدة من هذه الأربع إلا حيث يرى للمسلمين فيها مصلحة، فالتخيير هنا تخيير مصلحة وليس تخيير تشهي واختيار، وإذا كان للمسلمين مصلحة فلا بد أن يكون هذا عذابًا على الكافرين؛ لأن كل شيء فيه مصلحة للمسلمين ففيه عذاب للكافرين، وعلى هذا فلا ناصر لهم لا في الدنيا ولا في الآخرة.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، يستفاد من هذه الآية: بلاغة القرآن وحكمة القرآن؛ بلاغته في الإتيان بالمعاني متقابلة؛ لأن الإتيان بالمعاني متقابلة توجب نشاط الإنسان، حيث ينتقل الذهن من معنى إلى ما يقابله فيزداد نشاطًا وشغفًا، وأما من جهة كمال البلاغة فلأن المعاني إذا تنوعت على وجوه التقابل ازداد اللفظ حسنًا، وهذا معروف عند علماء البلاغة باسم علم أيش؟ علم البديع، وفيه أيضًا تربية للنفس؛ لأن النفس إذا سمعت عقاب الكافرين خافت ووجلت وربما يستولي عليها اليأس، فإذا جاء ثواب المؤمنين طمعت ورجت فصار سيرها إلى الله تعالى بين الخوف والرجاء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن وفاء الأجر مرتبط بوصفين: الإيمان والعمل الصالح؛ فالإيمان وحده لا يكفي، بل لا بد من عمل صالح ينمي هذا الإيمان ويشهد بصحته، أما مجرد العقيدة فإنها لا تكفي، على أن العقيدة إذا كانت سليمة استلزمت العمل الصالح؛ لقول الرسول ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٠٧ / ١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحًا، والعمل الصالح ما جمع وصفين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله ﷺ، أي ما كان خالصًا صوابًا كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: منّة الله سبحانه وتعالى على عباده، حيث جعل هذا الجزاء كالأجور اللازم وفاؤها؛ لقوله: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، شوف، والفرق بين التعبيرين، هناك قال: ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾، وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾، فإن قال قائل: كيف تستدلون على إثبات المحبة بنفي المحبة؛ لأنه قال: ﴿لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾؟ فالجواب: أن نفي المحبة عن الظالمين دليل على ثبوتها لغيرهم؛ ولو كانت منتفية عن الجميع لم يكن لتخصيصها بالظالمين فائدة، ولهذا استدل الشافعي رحمه الله على ثبوت رؤية المؤمنين لله بقول الله تعالى عن الفجار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥]، وقال في وجه الاستدلال: ما حجب أعداءه عن رؤيته في الغضب إلا لثبوت رؤية أوليائه له في الرضا. وهذا واضح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: شؤم الظلم، شؤم الظلم على الإنسان، وأنه سبب لانتفاء محبة الله له، وإذا انتفت محبة الله للعبد فقد هلك.

* ومن فوائدها: أن الظلم من كبائر الذنوب؛ لأنه رُتِّب عليه وعيد وهو انتفاء محبة الله سبحانه وتعالى، ولكن الظاهر أن هذا ليس على سبيل الإطلاق، بل الظلم يكون كبيرة ويكون صغيرة؛ لأن جميع المعاصي ظلم، ومن المعاصي ما هو كبير ومنها ما هو صغير.

* ومن فوائد الآية مع التي قبلها: التنوع في الأسلوب، وهو الانتقال من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة ﴿فَأُعَذِّبُهُمْ﴾ وهنا قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ﴾، فهل هناك فرق من حيث المعنى؟ الجواب: نعم، فرق من حيث المعنى، أما اللفظ فظاهر ففيه التفات من ضمير التكلم إلى ضمير الغيبة، لكن نريد الفرق في المعنى، الفرق في المعنى أن العذاب عقوبة يستدعي سلطة وقهرًا وعزة، فكان الأنسب التعبير بماذا؟ بـ (أُعَذِّب) الدالة على قوة السلطان، أما هذه فكأن الله سبحانه وتعالى للتودد مع هؤلاء وبيان فضلهم قال: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾، ولم يسند الإيفاء إلى نفسه؛ ليعطيهم شيئًا من الشكر على عملهم؛ لأن الفرق بين أن تخاطب الإنسان بالتعبير عن فعلك به بضمير التكلم أو أن تعبر بضمير الغيبة؛ لأن المواجهة أشد من الغيبة، وتأمل قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ﴾ [عبس ١ - ٣]، فقال: ﴿عَبَسَ﴾ ولم يقل: عبست، وقال: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ﴾ ولم يقل: وما أدراه، أو وما

يدريه، فهذه والله أعلم الحكمة من أنه جاء التعبير بالعذاب بالفعل مسندًا إلى ضمير المتكلم بخلافه في الجزاء، ويدل لهذا الاعتبار قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، فجعل فعلهم إحسانًا يُشْكَرون عليه ويُحسن إليهم، مع أن الإحسان كله من الله، فإن التوفيق للعمل الصالح من إحسان الله إلى العبد، لكن هذا من كمال رحمة الله عز وجل وثوابه وجزائه، وقال تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، طيب سعيهم مشكورًا من الذي وفقهم للسعي؟ الله، ومع ذلك يقول: ﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾، فصار في تغيير الأسلوب في الآيتين صار فيه فائدتان: لفظية ومعنوية؛ اللفظية هو الالتفات الذي يوجب الانتباه، والثاني المعنوية هو إظهار السلطة والعظمة والعزة في باب التعذيب، وإظهار الفضل والإحسان للعاملين في باب المثوبة. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل تكلم بالقرآن، فقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، إذا كانت التلاوة لله حقيقة ونقلها جبريل إلى الرسول ﷺ، ويحتمل أن تكون التلاوة لجبريل لكن لما كان جبريل رسولًا لله نُسِبَ فعله إلى الله، فهو كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ [القيامة ١٦ - ١٨]، ومعلوم أن الذي يقرؤه جبريل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن الكريم آية، بل آيات، كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت ٤٩]، آيات عظيمة، فآياته كثيرة، كل آية فيها عدة آيات، ولكن لا يفهم هذه الآيات إلا من فتح الله قلبه للإيمان والعلم واعتقاد أن هذا القرآن كلام الله وأن فيه آيات بينات، أما الذي تمر عليه مثل هذه الجملة من الآيات مر الكرام ولا يتحرك بها قلبه ولا يتأمل هذه الآيات فإنه لن ينتفع بما في القرآن من الآيات، لا بد أن تؤمن بأن فيه آيات وأن تحاول استخراج هذه الآيات بالتدبر، والإنسان إذا تدبر القرآن وجد فيه آيات عظيمة لا يحصيها البشر.

* ومن فوائد هذه الآية: أن القرآن ذِكْر، لكن هل هو ذكر يُتقرب إلى الله به، أو هو ذكر يتذكر به الإنسان؟ ذكرنا أن المعنى شامل لهذا وهذا، فهو ذكر يقرب إلى الله؛ لأن مَن تلاه فله بكل حرف عشر حسنات، وهو ذكر يتذكر به الإنسان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، قيل: وهو ذكر رفع الله به شأن الذين تمسكوا به، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف ٤٤]، وكقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح ٤]، أي: شأنك أعلوناه، وعلى هذا فيكون للذكر كم؟ ثلاثة معاني: ذكر يُتقرب به إلى الله بتلاوته، وذكر يتذكر به الإنسان، وذكر يعني شرفًا لمن تمسك به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وصف القرآن الكريم بهذا الوصف العظيم وهي الحكمة ﴿وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران ٥٨]، والحكيم هنا بمعنى الحاكم والمحكِم؛ لأن القرآن حكم بين الناس، ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء ٥٩] أي: إلى كتابه، فهو حكم وهو أيضًا محكَم، محكم متقَن ليس فيه اختلاف ولا اضطراب ولا تناقض.

* ومن فوائد الآية: أنه لا يوجد حكم دل عليه القرآن إلا وهو في موضعه اللائق به، من أين يؤخذ؟ من ﴿الْحَكِيمِ﴾؛ لأن الحكيم هو الذي يضع الشيء في مواضعه، فكل حُكْم حَكَم به القرآن فإنه في موضعه، لا يقول العقل: ليته لم يحكم به، أبدًا، سواء كان ثبوتيًّا أم سلبيًّا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسول عليه الصلاة والسلام في قول: ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾، فخصه ﷺ بالتلاوة عليه؛ لأنه ﷺ أشرف من يتلقى القرآن وأَقْوَم الناس عملًا به، فكأنه هو المخصوص بالتلاوة عليه ﴿نَتْلُوهُ عَلَيْكَ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾، لقد مر علينا أن هذه الآيات نزلت حين قدم وفد نجران إلى رسول الله ﷺ وكانوا نصارى، وكان قدومهم في سنة تسع من الهجرة؛ لأن تلك السنة كثر فيها الوافدون إلى رسول الله ﷺ، ولهذا تسمى سنة الوفود، وهذا أحد الأسباب الذي منعت النبي ﷺ أن يحج في العام التاسع مع أن مكة قد فتحت، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني: شأنه، إن شأن عيسى عند الله كشأن آدم لا يختلف عنه، فكما أننا متفقون على أن آدم خلقه الله عز وجل من غير أب ولا أم حتى النصارى يؤمنون بهذا، فما بال النصارى يقولون: كيف خلق الله عيسى بلا أب؟ ما هو إلا ابنه - نعوذ بالله – فقالوا: إنه ابن الله جزء منه، ولم يقولوا: إن آدم ابن الله، مع أنه لو كان أحد يدعي البنوة في أحد من البشر لكان الأحق بها آدم، البنوة لله، لكان الأحق آدم؛ لأنه ما له أم ولا أب، أما عيسى فله أم، والأم أحد الوالدين، فإذا كنا نقول: لا يمكن أن يوجد أحد من أم بلا أب فلنقل: ولا أحد يوجد بدون أم ولا أب، فأنتم أيها النصارى أقررتم بأن آدم ليس ابنًا لله فيلزمكم أن تقروا بأن عيسى ليس ابنًا لله؛ لأن مثل عيسى كمثل آدم ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، خلقه يعني: ابتدأ خلقه من تراب، وضمير المفعول في (خلقه) يعود على آدم؛ لأنه هو المخلوق من التراب، ﴿خَلَقَهُ﴾ أي: خلق آدم من تراب، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، نحن قلنا: ابتدأ خلقه ثم قال: كن، والأمر هذا لتمام الخلق، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يقول قائل: كيف تكون كلمة (كن) بعد الخلق؛ لأن الترتيب العقلي يقتضي أن تكون كلمة (كن) قبل الخلق، كن، فكان، فنقول: إن معنى ﴿خَلَقَهُ﴾ يعني: ابتدأ خلقه من تراب ثم قال له: كن بشرًا، فكان بشرًا، ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وهذا القول: كن، قول قدري أو شرعي؟ قول قدري، والقول القدري لا يتخلف عنه المقول؛ لأنه أمر حتمي، بخلاف القول الشرعي فإن من الناس من يستكبر عنه، يقول الله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام ٧٢]، فيقول: لا، ما يقيم الصلاة، أما القول الكوني فإنه لا مرد له، ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولم يقل: فكان، على حكاية الحال، يعني: لما قال: ﴿كُنْ﴾ فعلًا شرع بالكينونة حتى تمت.

في هذه الآية: بيان إقامة الحجة بمثل ما يحتج الخصم به؛ لأنه أقام الحجة على النصارى بمثل ما احتجوا به، فقال: إذا قلتم: إن عيسى ابن لله؛ لأنه خُلِق بلا أب فقولوا: إن آدم ابن الله، وإلا فأنتم متناقضون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب، وهناك أيضًا صنفان؛ أن الله خلق من أب بلا أم، وخلق بين أب وأم، من الذي خُلِق من أب بلا أم؟ حواء، وسائر البشر من بين أم وأب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين يؤخذ؟ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ﴾، وكل مثل مضروب في القرآن فإنه دليل على ثبوت القياس؛ لأنه إلحاق المورِد بالمضرب، يعني أنك ألحقت الممثَّل بأيش؟ بالممثَّل به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القول للرب عز وجل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ﴾.

ومنها، من فوائدها: أن قول الله بصوت مسموع وبحروف مرتبة؛ لقوله: ﴿قَالَ لَهُ كُنْ﴾ فسيسمع هذا القول، وحرف مرتب ولاَّ لا؟ الكاف قبل النون.

ومنها، من فوائد الآية: إثبات صفة الخلق لله ﴿خَلَقَهُ﴾، والخلق صفة ذاتية أو فعلية؟

* الطلبة: فعلية.

* الشيخ: فعلية، من الصفات الفعلية، لكن قد مر علينا أن جنس الصفات الفعلية أيش؟ ذاتية؛ لأن الله لم يزل ولا يزال فعَّالًا.

3:60Page 57

ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡمُمۡتَرِينَ ٦٠

The truth is from your Lord, so do not be among the doubters.

ثم قال الله عز وجل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿الْحَقُّ﴾ خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك الحق، أي هذا الذي قُصّ عليك هو الحق، وعلى هذا فتكون شبه الجملة، وهي: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ تكون في موضع نصب على الحال من ﴿الْحَقُّ﴾، ويحتمل على بُعد أن يكون ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ خبره، وفائدة هذا التركيب على هذا الإعراب فائدته أنك لا تطلب الحق من غير الله، فكأنه يقول: مصدر الحق من الله فلا تطلبه من غيره، ﴿الْحَقُّ﴾ يوصف به الحُكم ويوصف به الخبر؛ فإن وُصف به الحكم صار معناه العدل، وإن وُصف به الخبر صار معناه الصدق، والصدق والعدل كلاهما ثابت، ولهذا وُصِفَا بالحق، وأصل الحق من حَقَّ الشيءُ إذا ثبت، كما قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ٣٣] ﴿حَقَّتْ﴾ يعني؟

* الطلبة: ثبتت.

* الشيخ: ثبتت، إذن في إعرابها وجهان، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ في إعرابها وجهان؟

* طالب: قيل أنه مبتدأ وجملة الجار والمجرور من ربك هي الخبر، وقيل: أنها خبر لمبتدأ محذوف تقديره: ذلك الحق؟

* الشيخ: خبر مبتدؤه محذوف.

* الطالب: مبتدأ وخبره محذوف.

* الشيخ: مبتدأ وخبره محذوف.

* طالب: خبر لمبتدأ محذوف.

* الشيخ: خبر لمبتدأ محذوف، صح.

* الطالب: ذلك الحق.

* الشيخ: نعم، طيب ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ هنا أضاف الربوبية إلى النبي عليه الصلاة والسلام لتكون ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية كما مرّ علينا كثيرًا عامة وخاصة، فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق من مؤمن وكافر، وبر وفاجر، وآدمي وبهيم، وحيوان وجماد؛ والخاصة هي التي تختص بالمؤمنين، وتستلزم تربية أخص من التربية العامة، ﴿مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (لا) هذه ناهية، ولهذا جُزِم الفعل بعدها، وهل مثلها الآية الأخرى ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة ١٤٧]؟ لكن فيه إشكال؛ لأن الآية الأخرى ما جُزِمَت ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

* طالب: جزمت الآية.

* الشيخ: وأين الجزم؟

* الطالب: الجزم (...) الجزم يكون بحذف النون ويكون بالسكون.

* الشيخ: وأين حذف النون؟

* الطالب: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾.

* الشيخ: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ هذه أيش؟

* الطالب: هذا سكون.

* الشيخ: هذا سكون، و﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾؟

* الطالب: النون محذوفة.

* الشيخ: النون محذوفة؟

* طالب: النون ثابتة وحُرِّكَت لأجل التقاء الساكنين.

* الشيخ: في ﴿لَا تَكُونَنَّ﴾؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: خطأ.

* طالب: الفعل هنا مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد.

* الشيخ: أحسنت، الفعل هنا ما هو معرب حتى يُجزم، مبني على الفتح؛ لاتصاله بأيش؟ بنون التوكيد ﴿فَلَا تَكُونَنَّ﴾، ولهذا بقي الفعل بجميع حروفه.

طيب، قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: فلا تكن من الشاكين، وقد أشكل هذا التعبير على كثير من الناس، وقال: أفَيَشُكّ الرسول عليه الصلاة والسلام؟ أفيشك؟ والجواب عن هذا أن نقول: هذه الآية أو هذا التعبير لا يدل على وقوع الشك من الرسول ﷺ، بل ولا على إمكانه، وإنما يراد به التعريض بالممترين، التعريض بالممترين وذمهم، فلو قلت لرجل صالح: لا تكن من الفاسقين، هل معنى ذلك أن الرجل فاسق؟ لا، ولكن معناه التعريض بالفاسقين وأنهم على خُلُق ينبغي أن يفر منهم كل عاقل، فكذلك ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ليس معناه أن الرسول يمكن أن يكون منهم أو أنه منهم، لكن المعنى التعريض بالممترين الشاكين، ومنهم في هذه المسألة منهم النصارى؛ لأن النصارى يعتقدون بأن عيسى ابن الله، فهم ممترون في خبر الله شاكّون فيه، وإلا فليس في التوراة ولا الإنجيل ولا القرآن ولا غيرها من الكتب المنزلة أن عيسى ابن الله، وليس فيها أيضًا ما يفيد ظاهرًا ولا احتمالًا أن عيسى ابن الله، ومع ذلك شكك هؤلاء النصارى وصاروا يبثون عقيدتهم الفاسدة بأن عيسى ابن الله، طيب إذن ﴿لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ ينهاه الله تعالى أن يكون من الممترين، لا لأنه منهم ولا لأنه يمكن أن يكون منهم، ولكن تعريضًا بهؤلاء الممترين، تعريضًا لهم بالذم، ونظير ذلك كما قلت لكم: أن تقول لشخص مستقيم تقول: لا تكن من الفاسقين، سيقول لك: أنا فاسق؟ الله يهديك، أقول: ما قلت إنك فاسق، لكنني أعرّض بذم هؤلاء الفاسقين.

وقال بعض أهل العلم حلًّا لهذا الإشكال المتوهم قال: إن الخطاب للرسول ﷺ والمراد أمته، الخطاب للرسول ﷺ والمراد أمته، ولكن هذا القول ضعيف جدًّا؛ لأن الخطاب صريح بأنه للرسول عليه الصلاة والسلام، وكذلك المحادثة مع الرسول ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة ١٤٧]، كيف نقول: المراد الحق من ربك فلا تكونوا يا أمة محمد من الممترين، هذا مؤدى هذا المعنى أو هذا القول، وهو بعيد من الأسلوب القرآني، ولكن المعنى الذي ذكرته هو الصواب؛ أن الرسول ﷺ لم يمترِ ولن يمتري، ولكن هذا من باب التعريض؛ كأنه يقول: استمر على ما أنت عليه من اليقين وما أقبح حال هؤلاء الممترين!

* طالب: شيخ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ يعني في كل رسالته؟

* الشيخ: لا، في الخلق بس، في الخلق؛ يعني النصارى اشتبه عليهم الأمر لما خُلِق بدون أب، اشتبه عليهم الأمر فقالوا: هو ابن الله.

* طالب: ﴿الْحَقُّ﴾ أليس نحن نعربها فاعل لفعل محذوف، أي: جاءك الحق من ربك؟

* الشيخ: إذا قلنا: إنه فعل محذوف، ترتب عليه حذف ثلاثة أشياء، أو لا؟

* الطالب: فاعل لفعل محذوف.

* الشيخ: إذا قلنا: فاعل لفعل محذوف، ترتب على هذا حذف ثلاثة أشياء، ما هي؟ الفعل، والفاعل والمفعول، أو الفاعل موجود؟

* الطلبة: موجود.

* الشيخ: ترتب حذف شيئين: الفعل والمفعول، وإذا قلنا: إنه خبر مبتدأ محذوف، ترتب على ذلك حذف واحد، وأيضًا واحد يُحذف كثيرًا وهو الاسم؛ لأن حذف الاسم أكثر من حذف الفعل في الغالب.

* طالب: جزاك الله خيرًا يا شيخ، ترى الناس يشبه عليها أمر فيقول، يعني حتى أحيانًا يتورع فيه: يعني النصارى من أهل النار، يعني لو سئل: لماذا؟ يقول: أولًا لماذا فُرضت عليهم الجزية، يعني ما هم مثل غيرهم من الكفار، ثانيًا: ويسمع من بعض الإذاعات تنشر يعني يقترفوا الزنا يعني (...) النصرانية يقول (...)؟

* الشيخ: هذا لا ينبغي الاشتباه فيه مع الآيات الكثيرة الصريحة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة ٦]، ويقول عز وجل في سورة الأعراف: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف ١٥٨]، وصح عن النبي ﷺ أنه قال: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي وَاحِدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يَتَّبِعُ مَا جِئْتُ بِهِ - أَوْ قَالَ: لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ - إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٢٤٠ / ١٥٣) من حديث أبي هريرة.]].

* طالب: الحكمة يا شيخ من ضرب الجزية؟

* الشيخ: إذلالًا لهم، ولعلهم إذا عاشوا بيننا يرجعون إلى الحق؛ لأن كتبهم تصرّح بأن محمدًا ﷺ على حق، مع أن القول الراجح أن الجزية تؤخذ منهم ومن غيرهم، تؤخذ من كل إنسان؛ لأن المقصود أن يكون الإسلام هو العالي.

* طالب: لماذا لا يقال إن الآية ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ تجرى مجرى حديث عائشة حين قالت: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.

* الشيخ: نعم، فيه فرق بين الدعاء وبين الخبر؛ لأن الدعاء كل إنسان عنده إيمان فهو خائف، من كان بالله أعرف كان منه أخوف، والإنسان يخشى، لكن خبر الله عن رسوله أنه جائز أن يكون من الممترين أو هو الآن من الممترين هذا بعيد.

* الطالب: للإشارة إلى (...).

* الشيخ: لا، بعيد هذا.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك قلنا في قوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ أي: ابتدأ خلقه من تراب ثم بعد ذلك قال: كن فيكون، في النشأة، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يكون نشأته وابتداؤه بكن فيكون، كذلك للابتداء والخلق، لماذا اختار النشأة بكن فيكون؟

* الشيخ: هو ما مر علينا مثل هذا؟ كل خلق الله، يقول: إن الله قادر أن يقول كن فيكون قبل أن يخلقه من التراب ثم يكونه، كل المخلوقات قادر أن الله يخلقها بكلمة (كن)، ومع ذلك ما فعل؛ لأن مخلوقات الله تحتاج إلى حكمة وتدرج، وأشياء يحتاج بعضها إلى بعض، ولهذا ما خلق السماوات والأرض بـ(كن)، خلقها في ستة أيام وهو قادر أن يخلقها بكلمة (كن).

* طالب: شيخ، استدلينا على قوله سبحانه وتعالى ﴿قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ على أن الله سبحانه وتعالى لفظه مسموع بحروف مرتبة، طيب هل اللغة كانت عربية علشان نستدل هذا الاستدلال؟

* الشيخ: يعني ما يتكلم الله به عند إرادة الخلق ما ندري هل هو باللغة العربية أو لا؟

* طالب: إذن كيف استدلينا بالحروف؟

* الشيخ: كلمة (كن) هذه حرفين اثنين واحد قبل الثاني، هذا هو الترتيب.

* طالب: شيخ؟ في قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يستفاد منها يعني الأمر إذا كان الأمر ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ يعني الشرط محذوف في هذا كله يعني إذا كان الحق من ربك فلا تكن من الممترين.

* الشيخ: الأخ يقول: إن الفاء رابطة لجواب شرط مقدَّر، كذا؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: نقول: لا حاجة إلى هذا؛ لأنه ينبغي أن نفهم قاعدة أننا لا نلجأ إلى التقدير إلا عند الضرورة إليه، أما متى استقام الكلام بدون تقدير فهذا هو الواجب؛ لأنك إذا قلت: إن الكلام لا يستقيم إلا بتقدير، إذا قلت: إن الكلام فيه شيء مقدر، معناه أن الكلام الآن ناقص، ولا يمكن أن نصف الكلام بالنقص إلا عند الضرورة؛ إذا رأينا أنه لا يستقيم المعنى إلا بالتقدير فنعم، أما هنا فيستقيم ونجعل الفاء هنا للتفريع، أي: فبسبب كونه من ربك لا تكن من الممترين.

* * *

* طالب: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران ٥٩ - ٦٣].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾. في هذه الآية من الفوائد: أن الله تعالى لا يصدر منه إلا الحق، ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.

* ومن فوائدها: فضيلة رسول الله ﷺ بإضافة الربوبية إليه، وذلك لأن الربوبية هذه خاصة، والربوبية الخاصة تفيد معنى أخص من الربوبية العامة.

* ومن فوائدها: النهي عن الشك فيما أخبر الله به؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.

* ومن فوائدها: أن الممترين كثيرون؛ لقوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾، وإن كان يحتمل أن يراد به الجنس فيصدق بواحد، لكن الظاهر الأول، ولا شك أن الممترين من بني آدم كثيرون؛ لأن ذرية بني آدم منهم تسع مئة وتسعة وتسعون كلهم من أهل النار.

* ومن فوائدها: جواز التعريض، أو جواز المخاطبة بالتعريض؛ لأن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ لا يعني أن الرسول يمكن أن يكون منهم، بل هو تعريض بهؤلاء وأنهم ذوو خلق سيئ فلا تكن منهم، وإن كان هو ليس منهم لا باعتبار الواقع ولا بالمستقبل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском