Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:7–8

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:7–8, continued

* الشيخ: نعم، نقول: هذا غير صحيح؛ لأننا نعلم أن هذه الحروف ليس لها معنى في ذاتها، علمنا هذا من القرآن، قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء ١٩٣ - ١٩٥] واللسان العربي المبين لا يجعل لهذه الحروف معنى؛ إذن فلا معنى لها فهي واضحة.

* طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، في قوله ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قلنا: يعني الصد عن سبيل الله، ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ما المراد؟

* الشيخ: قال العلماء: معنى ﴿تَأْوِيلِهِ﴾ أي تفسيره على غير مراد الله؛ يعني يريدون أن يفسروه على غير مراد الله، سواء افتتن به الناس أو لم يفتتنوا، فيؤدي إلى الشكوك في أنفسهم، هم أنفسهم أيضًا يتشككون في هذا.

* طالب: ما يكون هنا مراده حسب أيضًا القولين يعني إما أن يكون ابتغاء تأويله يعني الغاية أو التفسير بينهم على الخلاف من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾.

* الشيخ: إيه، هو معلوم لا بد، هو ما يمكن يفسر إلا على هذا المعنى؛ يعني قصدي أنه ابتغاء تأويله الذي لا يعلمه إلا الله، هم يقولون: فيما لا يعلمه إلا الله: لا نقول فيه شيئًا، يُمسكون عنه، ولا نعم لو فسروه بغير ما أراد الله، كلّا، إنما هم يتبعون المتشابه لأجل أن يقولوا للناس: تفضل، شوف القرآن متناقض! أو يجيبون آيات مثلًا غير واضحة المعنى، ثم يفسرونها بما يريدون هم.

* طالب: يا شيخ أحسن الله إليك، إذا قلنا: إن ابتغاء تأويله يعني يحرفونه على غير مراد الله عز وجل، ألا يكون نأخذ من هذه الآية أن التأويل يأتي مع التحريف؟

* الشيخ: دي بيجينا إن شاء الله تعالى بالفوائد.

* طالب: يقول الله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل ٦٥] هنا الاستثناء متصل؟

* الشيخ: الاستثناء؟ ما فيه شك، هذا استثناء مفرَّغ؛ لأن ﴿اللَّهُ﴾ هو الفاعل.

* الطالب: استثناء ممن؟

* الشيخ: قال: لا يعلم إلا الله، مثل: لا إله إلا الله، هذا استثناء مفرغ؛ يعني لا أحد يعلم إلا الله عز وجل.

* طالب: (...) هل نقول: إنه استثناء (...) لا يعلم من إلا الله.

* الشيخ: الاستثناء المفرغ يكون المقصود به الحصر.

* الطالب: التأويل هنا يا شيخ.

* الشيخ: أنت كأنك يعني أشكل عليك: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ حتى لو قلنا: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ فالله تعالى في السماء كما قال عن نفسه، فيكون الله تعالى فوق كل شيء، هو مفرغ ما هو باستثناء متصل، يعني ليس استثناء من المستثنى منه متصل، لا يعلم الغيب إلا الله، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النمل ٦٥] لا ما هو استثناء، أنا قلت مفرغ خطأ، هذا استثناء صحيح، استثناء من كلام تامّ منفي، فيكون المعنى: لا يعلم من في السماوات ومن في الأرض الغيب إلا الله، هذه بدل مِن (مَنْ)، والبدل كما قال النحويون: هو التابع المقصود بالحكم، فإذا كان هو التابع المقصود بالحكم صار معنى الآية: لا يعلم إلا اللهُ الغيبَ.

* طالب: يعني (الله) مستثنى من (مَنْ)؟

* الشيخ: من (مَنْ)، لكن لما كان بدلًا حيث رُفع الآن صار بدلًا، لما كان بدلًا صار هو المقصود بالحكم، فكأنه لا يعلم الغيب إلا الله، هذا يكون تحليل هذا.

* طالب: التأويل يا شيخ والتفسير هل يساوي علم الله بعلم ﴿الرَّاسِخُون فِي الْعِلْمِ﴾ في التفسير؟

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: التأويل والتفسير؟

* الشيخ: لا لا، لا يساوي لكنهم يعلمون من التفسير ما لا بد لهم منه.

* الطالب: فإذن لا يعلمه إلا الله.

* الشيخ: وإلا قد لا يعلمون تفسير كل شيء، يعني حتى العلماء الآن تجد بعضهم يستخرج من الآية فائدتين، وبعضهم ثلاثة، وبعضهم أكثر، لكن الشيء الذي لا بد لهم منه من هذا المتشابه يعلمونه.

* الطالب: يعني جاء في القرآن ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ العلم الذي يعلمه الله.

* الشيخ: الشيء الذي لا بد لهم منه لا بد أن يعلموه، لكن الحقائق ما يعلمونها.

* طالب: شيخ، الاستواء في اللغة العربية يعني معروف، لكن الإنسان لو أراد أن يترجمه بأي لغة أخرى لناس ما يعرفون اللغة العربية هل يقع يعني التشبيه؟

* الشيخ: لا، يعني للإيضاح، ما فيه مانع، يعني إذا كنا لا نعرف، إذا كنا نريد أن نُبين أن الاستواء معناه العلو، ونشير إلى واحد نقول: مثل شيء فوق شيء، مثل استواء الإنسان على البعير بالمعنى فقط لا بالكيفية ما فيه شيء.

الله عز وجل، وأن القرآن كلام الله، وأوردنا على ذلك إشكالًا وهو: أن الله تعالى قال: ﴿أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ [الحديد ٢٥] وقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] وأجبنا عن ذلك، أليس كذلك؟

* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ [آل عمران ٧] ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. وذكرنا أنه يُشكل على هذا التقسيم أن الله ذكر في آية أخرى أن القرآن كله متشابه، وفي آية ثانية أنه كله محكم، وذكرنا الجمع، كذا؟

* من فوائد الآية الكريمة: وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني: مرجعه، وهذا -أعني الرجوع إلى المحكم عند وجود المتشابه- لا يختص بالقرآن بل حتى في السنة، إذا وجد أحاديث متشابهة وأحاديث محكمة فالواجب رد المتشابه إلى المحكم ليكون الجميع محكمًا، سواء كان التشابه في مدلولات الألفاظ أو كان التشابه في ثبوت الخبر، وهذا الأخير يختص بالسنة؛ لأن القرآن ليس فيه اشتباه بالنسبة إلى ثبوته، أو كان الاشتباه بأقوال أهل العلم، بمعنى أن العلماء يكون أكثرهم على قول وهو مشتبه عليك بالنسبة للأدلة، فإن الغالب أن الحق يكون مع من هو أوثق وأقرب إلى الكتاب والسنة؛ إما بالعلم أو بالأمانة أو بالكثرة.

* من فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل في جعله القرآن ينقسم إلى قسمين، وجه الحكمة: أن بهذا يحصل الابتلاء والامتحان؛ فالمؤمن لا يضل بهذا الانقسام، والذي في قلبه زيغ يضل، وهذا كما يمتحن الله العباد بالأوامر والنواهي يمتحنهم أيضًا بالأدلة فيجعل هذا محكمًا وهذا متشابهًا ليتبين المؤمن من غير المؤمن، لو كان القرآن كله محكمًا لم يحصل الابتلاء، ولو كان كله متشابهًا لم يحصل البيان والله سبحانه وتعالى جعل القرآن بيانًا، وجعله محكمًا متشابهًا للاختبار والامتحان، أفهمتم الآن؟

* من فوائد الآية الكريمة: أن من علامة الزيغ أن يتبع الإنسان المتشابه من القرآن سواء تبعه بالنسبة لتصوره فيما بينه وبين نفسه وصار يُورد على نفسه آيات متشابهات، أو كان يتبع ذلك بالنسبة لعرض القرآن على غيره، فيقول للناس مثلًا: ما تقولون في كذا وكذا؟ ويأتي بالآيات المتشابهات بدون أن يحلها، ولهذا من الخطر العظيم أن تُورد سواء للطلبة أو للعامة آيات متشابهة دون أن تبين حل إشكالها؛ لأنك إذا فعلت هذا أوقعتهم في الحيرة والشك، وصرت كمن ألقى الإنسان في بحر لا يستطيع الخلاص منه ولم تخلصه، وهذا يقع من بعض المتحذلقين من طلبة العلم أنه يورد الآيات المتشابهات ثم يقف، يقف ولا يبيِّن للناس وجه هذا التشابه فيوقع الناس في حيرة وهو لا يشعر.

* من فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وصد الناس عن دينهم ونزع الثقة من قلوبهم بالنسبة للقرآن لقوله: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، وتارة يريدون بذلك -أي بعرض هذا المتشابه- أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون، وذلك لأنهم لو أرادوا أن يحرفوا المحكم ما قُبِلوا، أليس هكذا؟ ولكن يأتون بالمتشابه ليتمكنوا من تحريفه، من تحريفه على ما يريدون؛ لأنه إذا كان متشابهًا فإن المخاطَب الذي يخاطبونه يكون قد اشتبه عليه أمر فيقبل ما جاؤوا به من التحريف، وبهذا يزول الإشكال الذي قد يعرض الإنسان في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران ٧]؛ لأن ابتغاء التأويل على الوجه المراد أمر مطلوب، وليس من شأن ذوي الزيغ بل هو من شأن أهل الإيمان، لكن ذوي الزيغ يأتون بهذا المتشابه من أجل أن يحرفوه على ما يريدون؛ لأنه ليس محكمًا واضحًا حتى يعارضهم الناس، لكنه متشابه فيحصل بذلك ما يريدون من التحريف.

وهنا سؤال وهو: أن كثيرًا من المتكلمين قالوا: إن آيات الصفات من المتشابه، وقالوا: إن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فصارت النتيجة أن آيات الصفات لا يُعرف معناها، ولهذا قالوا: إن القول الحق في آيات الصفات هو التفويض، انتبه للمعنى، فقولهم: إن الحق هو التفويض، وأن لا تتكلم فيها بشيء ناتج عن هذين الأمرين: أولًا: أن آيات الصفات من المتشابه، والثاني: أن المتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، فتكون النتيجة أن لا نخوض في معاني آيات الصفات؛ لأنها من المتشابه ولا يعلم تأويله إلا الله، وما لا يمكن الوصول إلى علمه لا يجوز الخوض فيه، ولكن نقول: إن هذا القول قول باطل؛ أولًا: أن نقول: ماذا تعنون بالمتشابه؟ أو ماذا تعنون بالتشابه في آيات الصفات؟ إن قالوا: نريد اشتباه المعنى -وهو الذي يريدونه- قلنا: هذا خطأ، لماذا؟ لأن معاني آيات الصفات واضح ومعلوم ولا فيه اشتباه، ليس فيه اشتباه إطلاقًا، كما قال الإمام مالك رحمه الله: الاستواء غير مجهول، ما هو مجهول لأحد، بل هو معلوم، معلوم لكل أحد، استوى على العرش يعني علا عليه، ما فيه إشكال، وإن أرادوا بالتشابه اشتباه الحقيقة والكيفية فهم صادقون ولكنهم لا يريدون هذا؛ لأنهم لو قالوا: نحن نعلم المعنى ونجهل الحقيقة والكيفية قلنا: هذا مذهب صحيح، لكن يقولون: نحن نجهل المعنى والكيفية والحقيقة، ولهذا سُموا (أهل التفويض)، و(أهل التجهيل)؛ لأنهم يقولون: كل آيات الصفات وأحاديثها غير معلومة لأحد، وأن قراءتنا لها بمنزلة قراءة الأعجمي للخطاب العربي، أو بمنزلة قراءة العربي للخطاب العجمي، أو بمنزلة قراءة الحروف الهجائية: (ألف، باء، تاء، ثاء) إلى آخرها، هذا نظرهم بالنسبة لأيش؟ لآيات الصفات، وهو نظر -بلا شك- خاطئ، كيف نعلم معنى آيات الوضوء، والصلاة والبيع وما أشبهها مما لا يعد شيئًا بالنسبة لصفات الله ونجهل معاني آيات الصفات وهي أوْلى بالعلم من غيرها ولا تمكن العبادة حقًّا إلا بمعرفة صفات الله عز وجل؟

فنقول: أنتم لو أردتم أنها لا تُعرف الحقيقة التي هي عليها، قلنا: صدقتم، أما أن تقولوا: لا يُعرف معناها، وأنها مجهولة، فهذا خطأ، فصار الآن إذا قال قائل: هل آيات الصفات من المتشابه؟ نقول: لا يصح القول بالإطلاق لا نفيًا ولا إثباتًا، مع أنه يمر بكم في كتب أصول الفقه إذا أرادوا أن يمثلوا بالمتشابه قالوا: مثل آيات الصفات، وهذا خطأ؛ لأنه لا بد من التفصيل، إذا أرادوا التشابه المعنوي فهذا خطأ، بل هي من الآيات الواضحة المحكمة، وإن أرادوا اشتباه الحقيقة بأنا لا نعلم كيفية هذه الصفات ولا نحيط بها فهذا حق، لكنهم لا يريدون هذا، إنما يريدون الأول.

* من فوائد الآية الكريمة: فضيلة الرسوخ في العلم، وأيش معنى الرسوخ في العلم؟

* الطلبة: الثبات.

* الشيخ: الثبات فيه والتعمق فيه حتى نصل إلى جذوره لقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران ٧]. ضد الرسوخ في العلم السطحية في العلم، وما أكثر السطحية اليوم فينا، أكثر الناس اليوم علومهم سطحية، ولهذا تجدهم إذا ألَّفوا أو كتبوا يكثرون من النقول؛ لأن ما عندهم حصيلة، قال فلان، وقال فلان، وقال فلان، لسبب أنه ليس عندهم حصيلة علمية، لا يستطيع الإنسان أن يعبر؛ لأنه ما عنده علم فيجعل نفسه في حِل من الكلام، ويأتي بقال فلان، ويستدل لك وجهًا كاملًا أو أكثر من ذلك، وإذا رجعت إلى أهل العلم، أهل العلم حقًّا وجدت أنهم يتكلمون بالعلم من صدورهم بدون نقل، ولهذا تجد أحيانًا عباراتهم تخالف عبارات العلماء الآخرين، ومن أجلى ما يكون وأوضح كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، تجد أنهم يتكلمون عن علم راسخ وأمثالهم كثير، لكن القصد أن هذا من أوضح ما مر بي، إن الرسوخ في العلم يجعل الإنسان كأن العلم ينبع من قلبه، أما السطحي هذا الذي يكون ظلًّا على الرأس فقط فهذا فائدة مُتعلِّمه قليلة.

من * فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنه ينبغي للإنسان أن يحرص على أن يكون راسخًا في العلم لا جامعًا كثيرًا منه؛ لأن العبرة الرسوخ في العلم، فإن الإنسان إذا كان عنده رسوخ في العلم صار عنده ملكة يستطيع أن يقرب العلم بعضه من بعض ويقيس ما لم يُنص عليه على ما نص عليه، ويكون العلم لديه كالطبيعة الراسخة.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي من عند الله لا يكون فيه تناقض لقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران ٧].

* من فوائد الآية الكريمة: أن مقتضى الربوبية أن الله تعالى ينزل على عباده كتابًا لا يكون فيه اختلاف يوقعهم في الشك والاشتباه لقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وما كان من عند الرب المعتني بعباده بربوبيته فلن يكون فيه شيء يتناقض ويختلف.

* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا يتذكر بهذا القرآن ولا بغيره إلا أصحاب العقول لقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٧].

* من فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان عقلًا ازداد تذكرًا بكلام الله عز وجل، وكلما نقص تذكره بالقرآن دل على نقص -أيش- عقله؛ لأنه إذا كان الله حصر التذكر بأولي الألباب فإنه يقتضي انتفاء هذا التذكر عمن ليس عنده لبّ.

* من فوائد الآية الكريمة: أن العقول غير الذكاء، أي: أن العقل غير الذكاء؛ لأننا نجد كثيرًا من الناس أذكياء، ولكن لا يتذكرون بالقرآن، إذن هؤلاء لا نسميهم عقلاء، لكن الذي انتفى عنهم من العقل هو عقل الإدراك أو التصرف؟

* الطلبة: التصرف.

* الشيخ: عقل التصرف والرشد، أما الإدراك فهم يدركون، ولهذا تقوم عليهم الحُجة.

* من فوائد الآية الكريمة: أن من القرآن ما لا يعلم تأويله إلا الله على قراءة الوقف ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران ٧]. فإن قال قائل: ما الفائدة في تنزيل شيء لا يُعلم تأويله؟ قلنا: الفائدة امتحان العباد بتأدبهم مع الله عز وجل، هل يحاولون أن يصلوا إلى شيء لا تدركه عقولهم أو يقفون على حدود ما تدركه عقولهم؛ لأن من الناس من يذهب ويتجرأ على محاولة إدراك ما لا يصل إليه العقل، ومن الناس من يتأدب، فإذا وصل إلى ما لا يبلغه العقل وقف.

* من فوائد الآية الكريمة: سعة علم الله عز وجل لقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ على قراءة الوقف.

* ومن فوائدها أيضًا: أن كلام الله عز وجل يختلف: منه محكم، ومنه متشابِه، ومنه أمر، ومنه نهي، ومنه خبر، ومنه استخبار، إلى أنواع لا يحصيها إلا الله، خلافًا لمن قال: إن كلام الله نوع واحد، وأن اختلاف السور أو الصيغ لا يدل على تنوعه واختلافه مثل: الأشاعرة؛ لأن الأشاعرة يرون أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، وأنه شيء واحد إن عُبِّر عنه بالعربية صار قرآنًا، وإن عبر عنه بالعبرية صار توراة، وإن عبر عنه بالسريانية صار إنجيلًا، وإن أتى بصيغة النهي صار نهيًا وهكذا، أو إن عبر عنه بصيغة النهي صار نهيًا، وإن عبر عنه بصيغة الأمر صار أمرًا، وإلا فهو شيء واحد، ولا شك أن هذا قول يبطله العقل والسمع.

3:8Page 50

رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةًۚ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨

[Who say], "Our Lord, let not our hearts deviate after You have guided us and grant us from Yourself mercy. Indeed, You are the Bestower.1

ثم قال الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨] الظاهر أن هذا من جملة قول الراسخين في العلم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ويقولون أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ والدعاء يصدر غالبًا بالرب؛ لأن الدعاء يستلزم يعني يتطلب الإجابة، والإجابة من الأفعال، والأفعال علاقتها بالربوبية أكثر من علاقتها بالألوهية، ولهذا غالب الأدعية يأتي مصدرًا بالرب، ربنا. وقوله: ﴿رَبَّنَا﴾ هذه منصوبة بياء النداء المحذوفة، وأصل الكلام: يا ربَّنا، لكن حُذفت الياء تخفيفًا وتيمنًا بالبداءة باسم الله عز وجل.

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ﴿لَا تُزِغْ﴾ هذه جملة دعائية وإن كانت بصيغة النهي؛ لأن النهي لا يمكن أن يرد من المخلوق للخالق؛ إذ إن النهي طلب الكف على وجه الاستعلاء، ولا يمكن للمخلوق أن يطلب من ربه أن يكف على وجه الاستعلاء أبدًا، ومر علينا فيما سبق أنه إذا وُجِّه الطلب من أدنى إلى أعلى سُمّي (دعاء)، فلهذا نقول: (لا) دعائية ولا نقول: (لا) ناهية؛ لأنه لا نهي من مخلوق للخالق.

﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ تُزغ بمعنى: تُمِل، ومنه: زاغت الشمس أي: مالت عن كبد السماء، وتُزغ: تُمِل، تملها عن أي شيء؟ يُبين ذلك ما بعده: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي: لا تزغها عن الهداية، بل اهدها هداية دلالة وهداية توفيق.

وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ سُلط الفعل على القلب؛ لأن القلب عليه مدار العمل لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]]. والقلب هو هذا الجزء المستقر في الصدر لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، وبهذا القلب يكون العقل لقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج ٤٦]، وبناءً على هذه الأدلة يتبين أن العقل في القلب، وليس في الدماغ، والعلماء اختلفوا قديمًا وحديثًا هل العقل في الدماغ أو العقل في القلب؟

والذي دل عليه القرآن أنه في القلب، والقرآن كلام الخالق، والخالِق عز وجل أعلم بما خلق، فالعقل بالقلب، لكن عقل القلب هو عقل التصرف والتدبير ليس عقل الإدراك والتصور، فإن عقل الإدراك والتصور يكون في المخ، فالمخ يتصور ويعقِل، وهو بمنزلة السكرتير للقلب يشرح ما يريد رفعه إلى القلب، ثم يرفعه إلى القلب، ثم يصدر القلب الأوامر، والذي يُبلغ الأوامر إلى الرعية مَنْ؟ الدماغ هو الذي يبلغ الأوامر، ولهذا تنشط العضلات كلها بنشاط الدماغ، فصارت المسألة سلسلة يتصور الذي يتصور ويدرك وفيه عقل الإدراك هو الدماغ.

وأما عقل التصرف والتدبير والرشاد والفساد فهو عقل القلب، فالدماغ يتصور، ويدرك الأشياء، وينظر فيها، ثم يرفعها مكتوبة ليوقِّع عليها القلب، ترد على القلب والقلب يأمر وينهى، لكن القلب لا يباشر، هو بنفسه أعلى من أن يباشر مخاطبة هؤلاء الجنود، يرسل القضية إلى مَنْ؟ إلى الدماغ مرة ثانية، الدماغ يوجه الأوامر ويقول: الملك يأمركم بكذا وكذا فتمتثل للأوامر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ؛ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه.]] وحينئذٍ يزول الإشكال وتجتمع الأدلة الحسية والشرعية، فالعقل الإدراكي، أين محله؟

* الطلبة: الدماغ.

* الشيخ: والعقل التصرف الإرشادي الذي به الإرشاد والفساد هو القلب.

يقول عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وإذا استقامت القلوب ولم تمِل استقامت الجوارح عقيدة وقولًا وعملًا.

وقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذه الجملة لا يُراد بها الافتخار، وإنما يُراد بها التوسل بالنعم السابقة إلى النعم اللاحقة، فكأنهم يقولون: ربنا إنك مَنَنْت علينا بالهداية أولًا فنسألك أن تمن علينا بثبوت هذه الهداية فلا تزغها، فيكون في هذا الدعاء ثناء على الله عز وجل بماذا؟ بالهداية السابقة، هم لو قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ كفى، لكن قالوا: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ليتوسلوا بنِعم الله السابقة إلى نعمه اللاحقة، وليثنوا على الله عز وجل بنعمه السابقة، وأنه عز وجل أهل للفضل والإنعام. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هداية دلالة ولَّا توفيق؟

* الطلبة: دلالة، توفيق.

* الشيخ: أو الاثنين؟

* الطلبة: الاثنين.

* الشيخ: نعم، الاثنين، فالمؤمنون هداهم الله هداية توفيق وهداية دلالة؛ هداية الدلالة أن بيَّن لهم الحق، وهداية التوفيق أن وفقهم لسلوك الحق، فمن الناس من يُحرم الهدايتين، ومن الناس من يحرم الهداية الثانية، ولا أظن أن أحدًا يُحرم الهداية الثانية فقط، يعني لا أظن أن أحدًا يُعطى الهداية الأولى والهداية الثالثة؛ لأنه لا يمكن أن يَتوفق إلا بعد العلم.

من الناس من يُحرم الهدايتين فلا يكون عنده هداية دلالة ولا هداية توفيق مثل: النصارى، ضالون لم يعرفوا الحق ولم يعملوا به، ومن الناس من يُحرم هداية التوفيق مثل: اليهود؛ فاليهود علموا لكن لم يعملوا، ومن الناس من يرزق الهدايتين كالمؤمنين الذين أنعم الله عليهم، فهنا ﴿هَدَيْتَنَا﴾ يعني هداية الدلالة وهداية -أيش- التوفيق، فهم هُدوا إلى الحق للدلالة عليه، وهدوا إلى الحق بالتوفيق، هل تستطيعون أن تأتوا بدليل على هداية الدلالة فقط؟

* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧].

* الشيخ: نعم، ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ كذا؟ هداية التوفيق؟

* طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص ٥٦].

* الشيخ: نعم، يعني لا توفق للهداية ولكن الله يهدي من يشاء، أما هداية الدلالة فلا شك أن رسول الله ﷺ قد هدى الناس ودلهم ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]. بعد إذ هديتنا.

﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ [آل عمران ٨] (هبْ) بمعنى: أعطِ، والهبة هي العطاء بلا عِوض وكمالها بلا مِنَّة، الإعطاء بلا عوض هبة، وكمالها أن لا يصحبها مِنة، والله سبحانه وتعالى له المنة علينا كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١٧]. والأمر هنا الصيغة هنا لأيش؟ للأمر ولَّا للدعاء؟

* الطلبة: للدعاء.

* الشيخ: للدعاء نعم، ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ يعني: أعطنا ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: من عندك، وأضافوا هذه الهبة إلى الله لئلا يكون لأحد عليهم مِنة سواه، هذا من وجه؛ ولأنها إذا كانت من عند الله -وهو أكرم الأكرمين- صارت هبة عظيمة؛ لأن العطاء على قدْر مَنْ؟

* الطلبة: المعطي.

* الشيخ: على قدر المعطي، ولهذا قالوا: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي: هبة لا يمن بها علينا أحد سواك، وهبة عظيمة؛ لأنها تأتي من عندك، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر حين سأله أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته قال: «قُلِ اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيًرا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٧٣٨٧)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]]. قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ رحمة. الرحمة سبق لنا أيضًا مرارًا وتكرارًا أن الرحمة صفة من صفات الله عز وجل، وتطلق على نِعمه؛ لأنها من آثار رحمته كما قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشورى ٢٨]. وقال الله تعالى للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[ حديث متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [آل عمران ١٠٧]، فتطلق الرحمة على هذا وهذا، ومن أي النوعين في هذه الآية: ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾؟

* الطلبة: الرحمة الثانية.

* الشيخ: الثانية التي هي النعم، وهي من آثار رحمته، ﴿هَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ والرحمة يحصل بها المطلوب وينجو بها الإنسان من المرهوب، فإن جُمعت مع المغفرة صار بالرحمة حصول المطلوب، وبالمغفرة النجاة من المرهوب.

﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران ٨] الجملة هنا استئنافية للتعليل والتوسل، يعني أننا إنما طلبنا منك الهبة هبة رحمة؛ لأنك أنت الوهاب، وهي مكونة من (إن) واسمها وخبرها، واسمها (الكاف)، وخبرها (الوهاب)، والضمير (أنت) يسمى ضمير فصل، وضمير الفصل له ثلاث فوائد من يعرفها؟

* طالب: (...) توكيد المعنى.

* الشيخ: التوكيد.

* الطالب: الفصل بين الخبر والصفة.

* الشيخ: الفصل بين الخبر والصفة يعني عدلت عن الأول؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: طيب، والتوكيد.

* الطالب: والحصر.

* الشيخ: والحصر، طيب هذه ثلاثة أشياء، يعني له ثلاث فوائد:

أولًا: الفصل بين الصفة والخبر.

والثاني: أيش؟ التوكيد.

والثالث: الحصر، ونضرب مثلًا لهذا يتبين به الأمر، إذا قلت: زيد الفاضل، فإن كلمة الفاضل يحتمل أن تكون خبرًا ويحتمل أن تكون صفة والخبر محذوف، والتقدير: زيدٌ الفاضلُ حاضر، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل، تَعيَّن –أيش- أن تكون خبرًا، كذلك إذا قلت: زيد الفاضل يحتمل أن يكون غيره فاضلًا أيضًا، فإذا قلت: زيدٌ هو الفاضل.

* طالب: حصر.

* الشيخ: هذا حصر، حصر نصه بالحصر؛ يعني ليس غيره فاضل كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات ١٧٣]. الثالث: التوكيد فإنك إذا قلت: زيد الفاضل حكمت له بالفضل، لكن إذا قلت: هو الفاضل زدته توكيدًا، هنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ تنطبق عليه هذا، فنقول: (أنت) ضمير فصل للتوكيد والحصر وتَعَيُّن ما أن ما بعده خبر أيش؟

* الطلبة: لا صفة.

* الشيخ: لا صفة. وقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ الوهَّاب: يعني كثير الهبة، ولا يصح أن تكون نسبة؟

* طالب: يصح أن تكون.

* الشيخ: يصح، يصح أن تكون للنسبة، ويصح أن تكون للمبالغة، ويمكن أن نقول: إنها للأمرين جميعًا، فهو الوهَّاب يعني الكثير العطاء، وهذه صفة لازمة له، وهو كذلك كثير من يعطي؛ يعني الذين يعطيهم الله كثيرون لا يحصون. قال النبي ﷺ: «يَدُ اللَّهِ مَلْأَى سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣ / ٣٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] شوف كيف؟

* طالب: لم ينقص.

* الشيخ: إي نعم، لم ينقُص. وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِيَ، لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]]. وهل هذا ينقص البحر شيئًا؟ لا؛ فالله عز وجل لا يحصي أحد هباته أبدًا، حتى بالنسبة لك أنت بنفسك لا تحصي هبات الله لك ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨]. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾. في هذه الآية عدة فوائد:

أولًا: مشروعية الدعاء بهذه الصيغة؛ لأنه دعاء الراسخين في العلم وأُولي الألباب.

* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب ﴿رَبَّنَا﴾.

* ومن فوائدها: أن الإنسان لا يملك قلبه، ولهذا تسأل الله أن لا يزيغ قلبك، فلا تغتر بنفسك أنك مؤمن، فكم من إنسان مؤمن زل -والعياذ بالله- ولكن اسأل الله دائمًا أن يثبتك، وأن لا يزيغ قلبك، وقد أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، إِنْ شَاءَ أَزَاغَهَا وَإِنْ شَاءَ هَدَاهَا، يُصَرِّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ»[[أخرجه مسلم (٢٦٥٤ / ١٧) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]].

* من فوائد الآية الكريمة: الدلالة على أن بصلاح القلب صلاح جميع الجسد؛ لأنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران ٨].

* من فوائد الآية الكريمة: أن للقلب حالين: حال استقامة، وحال زيغ، والإنسان مضطر إلى أن يسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يزيغ قلبه حتى يكون مستقيمًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بنعمه لقولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران ٨].

ومنها: الثناء على هؤلاء السادة حيث اعترفوا لله تعالى بالنعمة في قولهم أيش؟

* الطلبة: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾.

* الشيخ: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾. وهذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى ١١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التخلية تكون قبل التحلية.

* الشيخ: الكلام هذا معروف؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: التخلية تكون قبل التحلية؛ يعني يُفرغ المكان من الشوائب والأذى ثم يُطهر، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ثم قال: ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران ٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان مضطر إلى ربه في الدفع والرفع، وإن شئت فقل: في الجلب والدفع، لأنهم سألوا أيش؟ أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وسألوا أن يهب لهم منه رحمة، فدعاؤهم أن لا يزيغ قلوبهم هذا دعاء بالدفع ولَّا بالرفع؟

* طالب: بالدفع.

* الشيخ: انتبه، لا تزغ بعد إذ هديت، إذن بالرفع ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ هذا بالدفع؛ يعني: هب لنا من لدنك رحمة ندفع بها السوء و ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ ترفع عنا الهداية بعد أن اهتدينا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العطاء يكون على قدر المعطي لقوله: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾. هل يمكن أن نجعل هذا من باب التوسل بحال المدعو، أو نقول: إن هذا من باب التوسل بصفات الله عز وجل؟

هذا الثاني أظهر؛ لأنه مر علينا أن التوسل ينقسم إلى ستة أقسام.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التوسل بأسماء الله لقوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فإن من مقتضى كونه وهابًا أن يهب لنا من لدنه رحمة.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الإنسان مفتقِر إلى رحمة الله عز وجل، ولهذا سأل الله أن يهَب له من لدنه رحمة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском