Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:81–83

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:81–83

3:81–83Page 60

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ لَمَآ ءَاتَيۡتُكُم مِّن كِتَٰبٖ وَحِكۡمَةٖ ثُمَّ جَآءَكُمۡ رَسُولٞ مُّصَدِّقٞ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِۦ وَلَتَنصُرُنَّهُۥۚ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَٰلِكُمۡ إِصۡرِيۖ قَالُوٓاْ أَقۡرَرۡنَاۚ قَالَ فَٱشۡهَدُواْ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨١

And [recall, O People of the Scripture], when Allāh took the covenant of the prophets, [saying], "Whatever I give you of the Scripture and wisdom and then there comes to you a messenger confirming what is with you, you [must] believe in him and support him." [Allāh] said, "Have you acknowledged and taken upon that My commitment?"1 They said, "We have acknowledged it." He said, "Then bear witness, and I am with you among the witnesses."

فَمَن تَوَلَّىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٨٢

And whoever turned away after that - they were the defiantly disobedient.

أَفَغَيۡرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبۡغُونَ وَلَهُۥٓ أَسۡلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُونَ ٨٣

So is it other than the religion of Allāh they desire, while to Him have submitted [all] those within the heavens and earth, willingly or by compulsion, and to Him they will be returned?

ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران ٨١] (إذْ) مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر). ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني اذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ والميثاق هو العهد، وسمي الميثاق عهدًا؛ لأن كلًّا من المتعاهِدين يتوثق به مع الآخر، كالوثاق الحبل الذي يشد به الإنسان.

وقوله: ﴿مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ يشمل الرسل؛ لأن كل رسول فهو نبيّ.

وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ [آل عمران ٨١] فيها ثلاث قراءات: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾، ﴿لِمَا آتَيْتُكُمْ﴾ ، ﴿لَمَا آتَيْنَاكُمْ﴾ ، وعلى كل القراءات ففيها التفات، منين؟

* طالب: من الغيبة.

* الشيخ: من الغيبة إلى الحضور.

وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ في اللام قراءتان: الكسر والثاني الفتح.

وقوله: ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ يعني: أعطيتكم، والإيتاء هنا يراد به ما آتاه الله النبيين من أمور الشريعة، ولهذا قال: ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾ الكتاب معروف كالتوراة والإنجيل، والحكمة: الحكم بين الناس وإصابة الصواب؛ لأن الحكم بين الناس وإصابة الصواب من تنزيل الأشياء منازلها، وهذا هو الحكمة.

﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه﴾ [آل عمران ٨١] يعني ما آتيتكم من الكتاب والحكمة إذا جاءكم رسول مصدق لما معكم فإنكم تؤمنون به وتنصرونه.

وقوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ له معنيان:

المعنى الأول: أنه يصدق ما سبقه من الكتب، فيقول مثلًا: إن التوراة حق، والإنجيل حق، وما أشبه ذلك.

المعنى الثاني: أنه يقع مصداقًا لما سبقه من الكتب؛ لأن الكتب أخبرت به، فإذا جاء مطابقًا لما أخبرت به صار أيش؟ صار مصدقًا لها، فيكون على هذا الوجه يكون شهادة لهذا الكتاب بأنه حق، ويكون على الوجه الأول شهادة لأن الكتب السابقة حق، الفرق إذن بين المعنيين واضح. ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ قلنا: له معنيان:

أحدهما: أن النبي ﷺ شهد بصدق ما سبقه من الكتب.

والثاني: أن رسالته كانت أيش؟ مصداقًا لما أخبرت به الكتب السابقة؛ لأن الله تعالى يقول في النبي ﷺ: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف ١٥٧] فإذا جاء على الوصف الذي جاءت به التوراة والإنجيل وقع مصداقًا لها؛ لأنها أخبرت بشيء فجاء هذا الشيء فيكون مصدّقًا، أرأيت لو أن أحدًا من الناس قال: إن فلانًا سيقدم اليوم بعد الظهر، فقدم، صار هذا الذي قدم مصدّقًا لما أخبر به، إذن لما قالت الرسل إن محمدًا رسول الله يُبعث على الوجه الذي ذكر الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فجاء مطابقًا لما أخبرت به صار مصدِّقًا لها.

﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ أي: للذي معكم، من أيش؟ من الكتب السابقة التي جاؤوا بها.

﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] هذا محل الميثاق، يعني إذا جاءكم هذا الرسول المصدِّق لما معكم فإن ميثاقي عليكم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران ٨١]، ﴿تُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي: تؤمنن بأنه حق، ﴿وَتَنْصُرُنَّهُ﴾ أي: تعينونه على نشر رسالته وعلى قتال أعدائه؛ لأن النصر هنا يشمل النصر بالعلم وبالسلاح.

﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ [آل عمران ٨١] لما أخبر أنه أخذ عليهم العهد والميثاق قرَّرهم في هذا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾.

وقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ﴾ أي: اعترفتم والتزمتم بذلك. وقوله: ﴿أَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ أي: أخذتم العهد الثقيل؛ لأن الإصْر الذي جمعه (آصار) بمعنى الأشياء الثقيلة، فإصري أي: عهدي الثقيل.

﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ فيها قراءة عندنا ﴿قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ فيها ﴿آأَقْرَرْتُمْ﴾ بمد الألف الأولى. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ [آل عمران ٨١]. ﴿قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ يعني اعترفنا والتزمنا بأن نؤمن به وننصره. ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾.

﴿اشْهَدُوا﴾ يعني ليشهد بعضكم على بعض، ولتشهدوا كلكم على الميثاق الذي بيني وبينكم. ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ وكفى بالله شهيدًا، فاستشهدهم على أنفسهم وشهد عليهم عز وجل بما حصل.

نرجع الآن إلى الإعراب، قلنا: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف تقديره: (اذكر إذ أخذ الله).

وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾ و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، وما اسم موصول أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة لتؤمنن به، فيكون التعليل سابقًا على المعلّل، والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِما آتيتكم من كتاب وحكمة، فاللام إذن للتعليل، وأما على قراءة الفتح؛ فتح اللام فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ١٨٧] للذي آتيتكم -يعني إياه- من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران ٨١] أي: بهذا الرسول، فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول.

الشيخ: ﴿أَخَذَ اللَّهُ﴾ مفعول لفعل محذوف؛ تقديره؟

* طالب: تذكر..

* الشيخ: اذكر إذ أخذ الله.

وقوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ فيها قراءتان: ﴿لَمَا﴾، و﴿لِمَا﴾ على قراءة ﴿لِمَا﴾ تكون اللام للتعليل، و(ما) اسم موصول؛ أي: للذي آتيتكم من كتاب وحكمة، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾؛ فيكون التعليل سابقًا على المعلَّل؛ والتقدير على هذا: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لتؤمنن بهذا الرسول لِمَا آتيتكم من كتاب وحكمة؛ فاللام إذن للتعليل.

وأما على قراءة الفتح، فتح اللام؛ فاللام هذه قيل: إنها لام الابتداء؛ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لَلَّذي آتيتكم؛ يعني إياه من الكتاب والحكمة ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ أي بهذا الرسول؛ فتكون (ما) اسمًا موصولًا كالأول، لكن اللام تكون للابتداء، وقيل: بل اللام جواب لميثاق؛ لأن ميثاق بمعنى عهد، والعهد يُعامَل معاملة القسم كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ إلى آخره [المائدة: ١٢]. فالميثاق يجاب بما يجاب به القسم وعلى هذا فيكون قوله: ﴿لَمَا﴾ اللام واقعة في جواب القسم؛ لأن الميثاق بمعناه، ثم ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تكون أيضًا موطِّئَةً لقَسَمٍ آخر محذوف، التقدير: والله لتؤمنن به؛ والجملة من قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ في محل رفع خبر (ما) في قوله: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ﴾؛ فيها أيضًا مبحث ثالث في الإعراب: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ تؤمن فعل أيش؟

* الطلبة: مضارع..

* الشيخ: مضارع، والعلماء يقولون: إن الفعل المضارع إذا اتصل بنون التوكيد وجب بناؤه على الفتح، كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة ٤] ولَّا لينبذُن؟

* الطلبة: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾.

* الشيخ: ﴿لَيُنْبَذَنَّ﴾، ﴿لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق ١٥]، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف ٣٢] آخرها نون، ﴿وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف ٣٢] هنا لم يكن الفعل مبنيًّا على الفتح ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ ولم يقل: لتؤمنَن فكيف الجواب على هذا الإشكال؟ يقولون: إن النون هنا ليست مباشرة للفعل والفعل يبنى إذا باشر نون التوكيد أما مع عدم المباشرة فلا يكون مبنيا؛ لأن أصلها: لتؤمنونن، لتؤمنونن كذا؟ كم عندنا من نون؟

* الطلبة: ثلاثة.

* الشيخ: ثلاثة نونات؛ قالوا: يحذف إحداها لتوالى الأمثال، ما يمكن تتوالى ثلاثة حروف على مثال واحد لا بد نحذف؛ طيب ويش تبغي تحذف؟ قال: أحذف نون الفعل، نون الفعل أيهم؟

* الطلبة: الأول.

* الشيخ: الأولى لتؤمنونن، نن أحذف نون الفعل؛ لأيش تحذف نون الفعل لماذا لم تحذف نون التوكيد؟ قال: لأن نون التوكيد جيء بها لإفادة معنى، ما هو إفادة المعنى؟

* الطلبة: التوكيد.

* الشيخ: التوكيد، ونون الرفع هذه جرى حذفها كثيرًا؛ تحذف متى؟

* طالب: في النصب.

* الشيخ: في حالتي النصب والجزم، مرَّ علينا في الأفعال الخمسة أنها تنصب بحذف النون تجزم بحذف النون، وربما تًحذف لغير ناصب ولا جازم ولكن تخفيفًا؛ مثل قوله ﷺ: «وَاللَّهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا»[[أخرجه مسلم (٥٤ / ٩٣)، وأحمد في المسند (١٠٦٥٠) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] قال: «لَا تَدْخُلُوا» والأصل أن يقال: لا تدخلون؛ إذن الذي حُذف من قوله: لتؤمنونن، ويش الّلي حُذف؟

* الطلبة: نون الفعل.

* الشيخ: نون الرفع، حَذَفَ نون الرفع، يبقى إنسان يسأل يقول: أين ذهبت الواو؟ أين ذهبت الواو لتؤمنونن؟ نقول: حُذفت، حُذفت لماذا؟ لأن ما بعدها ساكن، وإذا كان ما قبل الساكن حرف لين فإنه يُحذف على حدِّ قول ابن مالك:

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ

أعيد البيت؟

إِنْ سَاكِنَانِ الْتَقَيَا اكْسِرْ مَا سَبَقْ ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــــنْ لَيْنًــــا فَحَذْفَــــهُاسْتَحَــــقْ

حرف اللين معروف: الواو والياء والألف؛ يعني معناه يقول ابن مالك: إذا التقى ساكنان وكان الأول صحيحًا فاكسر الأول، وإن كان حرف لين فاحذف حرف اللين؛ إذن (لتؤمنُونَنَّ): الواو حرف لين احذفها، تأتي نون التوكيد فتباشر؟ تباشر نون الفعل ﴿لَتُؤْمِنُنَّ﴾ واضح؟ إذن هذا هو تخريج قوله تعالى: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ واقعة بجواب قسَم؛ إما قسم مقدَّر، وإما القسم السابق. انتهى الكلام على الإعراب.

* طالب: التقاء الساكنين على حدِّه جائز، وعلى غير حده غير جائز، إذن في مثل: ضالِّين..

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: ضالّين، خاصة مثلًا؛ هنا كذلك التقاء الساكنين على حدِّه لأن بعضه..

* الشيخ: بعضه أيش؟

* الطالب: بعضه حركة موافق مع الواو مثلا: لتؤمنونن؟

* الشيخ: إي، لكن بينهم فرق؛ (الضالِّين) في كلمة واحدة، لو حذفتَ الألف من (الضالّين) تغيّر المعنى واختلَّت الكلمة، لكن هذه الواو منفصلة عن الفعل منفصلة، واو ضمير، هذا الفرق.

* طالب: قلنا: لَمَّا حُذفت الواو إن النون الأخيرة باشرت نون الفعل مع أننا قررنا في الأول أن نون الفعل حُذفت..

* الشيخ: نون الرفع؟

* الطالب: نون الرفع نعم (...)؟

* الشيخ: ويش الإشكال؟

* الطالب: إذا قرَّرنا أنها حُذفت كيف باشرت؟

* الشيخ: لما حذفت صارت النون نون التوكيد المشدَّدة أولُها ساكن والواو؟

* الطالب: ساكنة.

* الشيخ: ساكنة ما الذي نعمل؟

* الطالب: نحذف الواو.

* الشيخ: نحذف الواو، فصارت الآن النون، نون الفعل، لم تباشر نون التوكيد من حيث التقدير ولَّا عاد اللفظ باشرت، لكن تقديرًا لم تباشر.

* * *

* طالب: ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣) قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٢ - ٨٤].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ..﴾ [آل عمران ٨١] إلى آخره.

المراد بالميثاق ما هو؟

* طالب: ما يكون بين المتعاقدين بالعهد.

* الشيخ: ما يكون بين اثنين من العقد.

* الطالب: من العهد.

* الشيخ: مأخوذ من أين؟

* الطالب: من وَثَقَ الشيء.

* الشيخ: من الوثاق وهو الحبل..

* الطالب: الرباط..

* الشيخ: يربط به الشيء.

قوله تعالى: ﴿لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ كيف إعراب هذه الآية على فتح اللام؟

* طالب: على فتح اللام فيها توجيهان، تخريجان؛ الأول: اللام تكون لام الابتداء و(ما) تكون اسم موصول مبتدأ وخبرها جملة ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾. وتوجيه آخر: أن اللام تكون بالكسر على القراءة الأخرى.

* الشيخ: لا لا خل، فتح.

* الطالب: تكون اللام واقعة في محل جواب قسم؛ لأن الميثاق بمعنى القسم.

* الشيخ: نعم، لأنها مضمنة معنى القسم فتكون اللام موطئة للقسم و(ما) اسم شرط جازم، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم. الحقيقة ما كملنا إعرابها في موضعها؛ على هذا تكون اللام موطئة للقسم و(ما) شرطية، و﴿آتَيْتُكُمْ﴾ فعل الشرط، وجواب الشرط محذوف، و﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ جواب القسم على حد قول ابن مالك رحمه الله:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــوَابَ مَـــا أَخَّـــرْتَ فَهْـــوَمُلْتَــــــزَمْ

وعلى هذا فيكون الجواب في قوله: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ الجواب للقسم، أما جواب الشرط وهو (ما) فإنه محذوف، والجملة من الشرط وجزائه لا محل لها من الإعراب جواب القسم الذي تضمنه الميثاق.

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾؟ من المراد بالرسول هنا؟

* الطالب: محمد ﷺ.

* الشيخ: محمد ﷺ.

قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾؟

* طالب: ﴿مُصَدِّقٌ﴾ له معنيان؛ مصدِّق لما قبله، هذا معنى، ومصدِّق لما أخبر..

* الشيخ: يعني أنه..

* الطالب: بما أخبر عن الرسل الذين سبقوه.

* الشيخ: يعني أنه وقع تصديقًا لما قالوه

* الطالب: كما قلت.

* الشيخ: هذا واحد، والثاني أنه؟

* الطالب: أنه يصدّق لهم.

* الشيخ: يصدّق الكتب السابقة؛ أي يُخبِر بأنها صِدْق.

قوله: ﴿إِصْرِي﴾ ما المراد بإصري؟ ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾؟

* الطالب: الإصر في اللغة الثقل الثقيل؛ أي الميثاق.

* الشيخ: الميثاق، وسُمي إصرًا؛ لأن الوفاء به ثقيل والإنسان يتحمله.

طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾ وقفنا على هذا أظن أو كملنا الآية؟

* طالب: كملنا الآية.

* الشيخ: ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾.. اشهدوا على من؟

* الطالب: اشهدوا تعود على أنفسهم.

* الشيخ: وكذلك بعضهم..

* طالب: على بعض، شهيدًا بعضهم على بعض، شاهدين شاهدًا عليهم..

* الشيخ: أمرهم اشهدوا على أنفسكم وبعضُكم على بعض.

قوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ المعية هنا؟

* طالب: توقفنا هنا.

* الشيخ: طيب، ﴿قَالَ فَاشْهَدُوا﴾؛ يعني يشهد بعضكم على بعض واشهدوا أيضًا على أنفسكم كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف ١٧٢] فكذلك النبيون أشهدهم الله على أنفسهم أنهم سيؤمنون بمحمد ﷺ؛ لأن هذا الوصف لا ينطبق إلا عليهم.

وقال بعض العلماء: إن المراد بالرسول: الرسول الذي يتلو من قبله؛ لأن كل رسول يصدِّق مَن قبله؛ فعيسى مصدِّقٌ لموسى، ومحمد مصدق لهما ولجميع الأنبياء.

لكن الصحيح: الأول؛ أن المراد به محمد ﷺ.

وقوله: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ هذه مصاحَبة خاصة، هذه المعيّة معية خاصة مصاحَبة، مصاحَبة في هذه الشهادة؛ لأنه قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ فإن معيّة الله عز وجل معية عامة شاملة لكل الخلق؛ ومعية خاصة مقيدة ببعض الخلق أو مخصصة ببعض الخلق؛ ففي قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة ٧] هذه معية؟

* الطلبة: عامة.

* الشيخ: عامة، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد ٤] هذه أيضًا؟

* الطلبة: عامة.

* الشيخ: معيّة عامة لجميع الخلق، وقوله تعالى: ﴿اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال ٤٦].

* الطلبة: خاصة.

* الشيخ: هذه خاصة، خاصة بالصابرين، وقوله لنبيه ﷺ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة ٤٠]. هذه أيضا خاصة، خاصة في الذات والمكان.

طيب، المعية العامة مقتضاها: العلمُ والإحاطة بالخلق قدرةً وسلطانًا وتدبيرًا وغير ذلك، هذه من مقتضياتها؛ لأن كل الخلق تحت قدرة الله وسلطانه وتدبيره. والمعية الخاصة مقتضاها: التسديدُ والنصر والتأييد والتقوية وما أشبه ذلك من مقتضياتها، والذي يحدد هذه المقتضيات هو السياق.

فإذا قال قائل: هل معية الله تنافي علوّ الله؟ فالجواب: لا، لا تنافيه هو مع الخلق وإن كان فوق العرش؛ لأن الله لا يشبهه شيء من مخلوقاته، أو لا يماثله شيء من مخلوقاته؛ ولهذا جَمَعَ الله بينهما في الآية التي تلوناها أخيرًا ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [الحديد ٤] فجمع بين علوِّه وأيش؟

* الطلبة: ومعيته.

* الشيخ: ومعيته، ولا تناقض بينهم، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) بلفظ «يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ومع ذلك نزولُه حقيقي وهو على عرشه؛ فنزوله لا ينافي عُلُوَّهُ؛ وإذا شئت أن نذكر مثلًا يقرِّب لك هذا، فانظر إلى القمر، انظر إلى القمر موضعه في السماء وهو مع الإنسان، إن كُنَّا في البلد فهو معنا، إن كنا مسافرين فهو معنا، مع أهل عُنيزة، وأهل الرياض، وأهل مكة، وأهل المدينة، وكل من على سطح الأرض من جهة القمر؛ العرب يقولون: ما زلنا نسير والقمر معنا؛ ومع ذلك فإن كل الخلق يعرفون أن القمر في السماء؛ فإذا كان لا منافاة بين العلو وبين المعية التي هي المصاحبة في المخلوقات، فما بالك بالخالق؟ ولهذا لا يجوز أن تظن أن كلام الله يناقض بعضه بعضًا أبدًا؛ كلام الله يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢] لكن مقتضيات هذه المعية كما عرفتم تختلف؛ فمقتضاها للعموم ليس كمقتضاها للخصوص.

طيب، قال: ﴿وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾؛ ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ هنا الشاهد وصف اشترك فيه الخالق والمخلوق فقال: ﴿مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، وجعل نفسه عز وجل أحدَ الشهود؛ لكن هل هذه المشاركة في الشهادة تقتضي المماثلة؟

* الطلبة: لا.

* الشيخ: لا، كما أن المشاركة في الحياة لا تقتضي المماثلة ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [الأنعام ٩٥] فأثبت للمخلوق الحي؛ ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة ٢٥٥] أثبت أن اسمه الحي؛ فاشتراك الخالق والمخلوق في الحياة لا يستلزم أيش؟

* الطلبة: المماثلة.

* الشيخ: المماثلة؛ إذن فكون الله من الشاهدين لا يستلزم أن يكون كشهادة الخلق، شهادة الله شهادة ثابتة حق، لا يسبقها خفاء ولا يلحقها نسيان؛ وشهادة المخلوق بالعكس، مسبوقةٌ بخفاء ملحوقةٌ بنسيان، فبينهما فرق.

﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد ما ذُكر من هذا البيان والإيضاح، وأن محمدًا ﷺ قد أُخذ على جميع الأنبياء أن يؤمنوا به، وأن ينصروه؛ وما أُخذ على المتبوع مأخوذ على التابع، يعني ما أخذ على الأنبياء مأخوذ على أتباعهم أيضًا. فإذا كان واجبًا على الأنبياء أن يؤمنوا به وينصروه، كان واجبًا على أتباعهم أن يؤمنوا به وينصروه؛ ولهذا لما رأى النبي ﷺ مع عمر بن الخطاب شيئًا من التوراة غضب، وقال: «أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؟ لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بلفظ «أَمُتَهَوِّكُونَ فِيهَا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً، لَا تَسْأَلُوهُمْ عَنْ شَيْءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أَوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي».]] كيف تأتي بالتوراة؟ القرآن فيه غِنًى عن كل كتاب، كلُّ ما في الدنيا من الكتب فالنافعُ منها موجود في القرآن لا حاجةَ إليها، لا حاجة إليها لا سيما وأنها الآن ليست الكتب المنزَّلة من السماء، بل فيها من التحريف والتبديل والإخفاء ما الله به عليم. إذن نقول ﴿فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد أيش؟ بعد هذا البيان والإيضاح الذي بيَّنه الله عز وجل، وأن الله أخذ على جميع الأنبياء ميثاق النبيين كلِّهم أنه إذا جاءهم رسول مصدق لما معهم ليؤمنن به ولينصرُنَّه؛ أفبعد ذلك يتولى المتولي؟ لا، ﴿مَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ﴿هُمُ﴾: ضمير فصل، ﴿الْفَاسِقُونَ﴾: الذين خرجوا عن مستوى العدل وعن مستوى الرجولة وعن مستوى الإيمان؛ خرجوا عن الطاعة، تَوَلَّوْا، أعرضوا؛ هؤلاء هم الفاسقون؛ والمراد بالفسق هنا فسقُ الكفر؛ لأن الفسق يطلق على فسق المعاصي وعلى فسق الكفر، فسق المعاصي وفسق الكفر. فمن الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذا فسق المعصية. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (١٨) أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة ١٨ - ٢٠]. فهنا المراد بالفسق أيش؟ فسق الكفر؛ لأنه جاء في مقابل الإيمان، جاء قسيمًا للإيمان وقسيمُ الشيء غيرُ الشيء؛ فأما قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة ٤٧] فهل هو فسق كفر أو فسق معصية؟

* الطلبة: فسق معصية.

* الشيخ: قيل: معصية، وقيل: كفر، وقيل: بالتفصيل.

طيب، من جهة الإعراب في هذه الآية فيها شرط وجواب، الشرط؟

* طالب: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾.

* الشيخ: ﴿مَنْ تَوَلَّى﴾، الجواب؟

* الطالب: فاسقون؟

* الشيخ: لا.

* الطلبة: أولئك؟

* الشيخ: ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ الجواب هنا جملة اسمية؛ ولهذا قُرِنَتْ بالفاء ﴿فَأُولَئِكَ﴾؛ لأن الجملة إذا كانت لا تصلح أن تباشر أداة الشرط وجب أن تقترن بها الفاء؛ قال ابن مالك:

وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ

هذه القاعدة:

وَاقْــرِنْ بِفَــا حَتْمًــا جَوَابًــا لَــوْجُعِــــلْ ∗∗∗ شَرْطًا لِـ(إِنْ) أَوْ غَيْرِهَا لَمْيَنْجَعِلْ

يعني لم يصر؛ هذا إجمال من ابن مالك فُصِّلَ بقول القائل:

اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ

كم هذه؟

* الطلبة: سبعة.

* الشيخ: سبعة، حفظتها؟

* طالب: شيء منها، ما هو كلها.

* الشيخ: طيب، اقرأ ما حفظت؟

* الطالب:

اسْمِيّــــــــــــَةٌطَلَبِيَّــــــــــــةٌ............ ∗∗∗ ............................

* الشيخ: ناظم؟

الطالب: (...) تعيد ثلاث مرات!

* الشيخ: طيب نعيد ثلاثة

اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ

اللي ما حفظها من قبل يسمَّعني إياهها، حفظتها قبل يا؟ كمِّل؟

* طالب:

اسْمِيّــــــــــــَةٌ طَلَبِيَّــــــــــــةٌوَبِجَامِــــــــــــــــــــــــــــــــدٍ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ

* الشيخ:

............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ...................

* الطالب:

............................ ∗∗∗ وَبِمَــــــــــا وَقَــــــــــــــــدْوَبِالتَّنْفِيــــــــــــــــــــــــــسِ

* الشيخ:

............................ ∗∗∗ وَبِمَــــا وَقَــــدْ وَبِـ(لَــــــــــــنْ)وَبِالتَّنْفِيــــــــسِ

هذه سبعة أشياء إذا وقعت جوابًا للشرط وجب اقتران الشرط بالفاء؛ التي معنا الآن أي الجمل؟

* الطلبة: اسمية.

* الشيخ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ جملة اسمية، كذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

ثم قال:﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ﴾ الدين يُطلق على الجزاء وعلى الشرع؛ يعني على العمل وجزائه، يعني يطلق أحيانًا على العمل الذي هو شريعة الله، وأحيانًا على الجزاء؛ فمن إطلاقه على الجزاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (١٥) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (١٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّه﴾ [الانفطار ١٣ - ١٩].

وقال تعالى في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] الدين هنا بمعنى؟

* الطلبة: الجزاء.

* الشيخ: الجزاء. ومن إتيان الدين بمعنى العمل والشريعة قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي شريعة. وهنا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ دين الله يعني شريعته التي شرعها لعباده، وأضافها الله لنفسه؛ بيانًا لأهميتها وأنها الشريعة العادلة النافعة التي لا يقوم الخلق إلا بها؛ لأنها شريعة الله؛ فهي أكمل الشرائع، وأضافها لنفسه أيضًا لأنه الذي شرعها؛ أحيانًا يُضاف الدين إلى العامل مثل قول الله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أصلها: ولي ديني؛ فيضاف إلى العامل يضاف إلى العامل باعتبار أنه أخذَ به وتمسَّكَ به؛ ويضاف إلى الله باعتبار أنه الذي شَرَعَهُ ووضعَه لعباده.

طيب، وقوله: ﴿يَبْغُونَ﴾؛ أي: يطلبون، وهذا الاستفهام للإنكار والتوبيخ، يُنكر على من يبغي غيرَ دين الله ويوبِّخُه؛ فيها قراءة: ﴿تَبْغُونَ﴾ ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ قراءة السبعية؛ وعلى هذا يحسن أن نقرأ أحيانا ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ تَبْغُونَ﴾ وأحيانا نقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾، إلَّا إذا كُنَّا بحضرة عوَام؛ فلا نقرأ القراءتين وإنما نقرأ عندهم ما يعرفون؛ لأنك لو قرأت عند العامة بقراءتين لَتسلطوا عليك، من جهة، ولَانْحَطَّ قدرُ القرآن في أعينهم من جهة أخرى، ولأجلبوا عليك بالخيل والرَّجْلِ وقالوا: ما بقي عليك إلَّا أن تُغَيِّرَ القرآن ولَتَحَسَّبُوا عليك ليلًا ونهارًا؛ فإذن لا تقرأ بغير ما يعرفون، أمَّا فيما بينك وبين الله؛ فاقرأ هذا أحيانًا وهذا أحيانًا بشرط أن تكون متيقنًا لهذه القراءة؛ لأن هذا كلام الله لا بد أن تتيقن.

قال: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الواو هذه للحال؛ يعني والحال أنه أسلم له من في السماوات والأرض طوعًا وكرهًا؛ أسلم إسلامًا شرعيًّا أو إسلامًا كونيًّا؟

* الطلبة: شرعيًّا.

* الشيخ: إسلامًا كونيًّا ما هو إسلام شرعيًّا؛ لأن الإسلام الشرعي ما فيه إكراه، ولأن الإسلام الشرعي لا يعم من في السماء والأرض، يعم من في السماء صحيح، لكن من في الأرض: لا. قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾؛ أي: انقاد انقيادًا كونيًّا. وإنما قال: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ﴾ بعد قوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾؛ لإقامة الحجة على من لم يُسْلِم لله شرعًا ولم يَتْبَع دينَه، كأنما يقال: لقد أسلمتَ لله كونًا فيجب أن تسلم له شرعًا؛ لأن الرب الذي يدبِّرُ الخلقَ كما يشاء، شاؤوا أم كرِهوا، هو الذي يجب أن نتمشى على شرعه، فيكون هذا كالدليل لِمَا سبق.

وقوله: ﴿أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ﴿مَنْ﴾ أتى بـ(مَنْ) الدالَّةِ على العاقل؛ تغليبًا لجانب العقلاء؛ لأننا لو قِسْنَا من في السماوات والأرض لكان الأكثر العقلاء؛ لأن السماوات «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر رضي الله عنه، ولفظه: «وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ».]]؛ والسماء واسعة جدًّا ما يعلم سعتها إلا الله ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات ٤٧]. السماء الدنيا أوسع بكثير من الأرض، والسماء الثانية أوسع بكثير من الدنيا، وهَلُمَّ جَرًّا، كل سماء أوسع مما تحتها.

وقوله: ﴿وَالْأَرْضِ﴾ الأرض مفرد لكن يُراد بها الجنس فيشمل الأرَضِين؛ والأرَضُون سبع بظاهر القرآن وصريح السنة؛ ظاهر القرآن لقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢] فإن المثلية هنا ليست بالكيفية، صح؟

* الطلبة: صح.

* الشيخ: وليست بالكَمِّية، يعني قصدي بالكمية: بالثقل؛ السماء أعظم من الدنيا لكنها بالعدد، مثلهن في العدد. قال ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾..

* الطلبة: صريح السنة يا شيخ؟

* الشيخ: طيب صريح السنة؛ قوله ﷺ: «مَنِ اقْتَطَعَ مِنَ الْأَرْضِ شِبْرًا -يعني ظلمًا- طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضَينَ»[[أخرجه مسلم (١٦١٠ / ١٣٧) من حديث سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه.]]. وفي هذا الحديث دليل على أن السبع متطابقة يعني بعضها داخل بعض؛ لأنه يقول: «طُوِّقَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» وهو إنما غَصَبَهُ من العُليا الظاهرة؛ فإذن تكون الثانية في جوفها والثالثة في جوف الثانية وهَلُمَّ جَرًّا، تكون متطابقة؛ وبه نعرف أن من قال: إن المراد بالسبع سبع القارّات فقد أخطأ؛ لأنها لو كانت سبع قارات فما هي صلة الأرض الثانية والثالثة وما بعدها بالأرض التي حصل فيها الغصب.

وقوله: ﴿طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ﴿طَوْعًا﴾ يَحتمل أن يكون مصدرًا منصوبًا على أنه صفة لمصدر محذوف، والتقدير: إسلامًا طوعًا، أسلم إسلامًا طوعًا؛ ويحتمل أنه مصدر منصوب على الحال مؤول باسم الفاعل؛ نعم، حال من أين؟ من قوله: ﴿مَنْ﴾ ﴿أَسْلَمَ مَنْ﴾ يعني التقدير: وله أسلم مَن في السماوات والأرض طائعين ومكرهين، طائعين ومكرهين؛ الطوع ما فُعل بالاختيار، والإكراهُ ما فُعل بغير الاختيار. قال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾ وفي قراءة: ﴿تُرْجَعُونَ﴾ بناءً على القراءة في ﴿تَبْغُونَ﴾؛ يعني هؤلاء الذين هم مسلمون لله سوف يرجعون إلى الله سبحانه وتعالى ويُنبئهم بما عملوا ويحاسبهم على ما أَرسل إليهم من الرسل.أما في الإعراب فنقول: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ فيها استفهام يليه حرف عطف؛ وقد ذكرنا في مثل هذا التركيب للعلماء قولين: القول الأول: أن الهمزة للاستفهام، وحرف العطف الذي بعدها عاطف لما بعده على مُقَدَّرٍ بينه وبين الهمزة يعيِّنُه السياق.

والقول الثاني: أن الهمزة للاستفهام، والفاء حرف عطف على ما سبق لكنها أُخِّرت؛ لتكون الصدارة للاستفهام، وتقديرُ الكلام على هذا الوجه: فأغير دين الله يبغون؟ وذكرنا فيما سبق أن هذا الوجه أحسن من الوجه الأول، لأيش؟

* الطلبة: لا يحتاج لتقدير.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском