Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:98–99
3:98Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا تَعۡمَلُونَ ٩٨
Say, "O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh while Allāh is Witness over what you do?"
ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٩٨]، هنا أمر الله رسوله ﷺ أن يوبخ هؤلاء الذين من أهل الكتاب، وفي آية سبقت كان الخطاب من الله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران ٧٠]، فهنا أمر من الله للرسول ﷺ أن يقول لهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، (لِمَ) الاستفهام هنا للتوبيخ، واللام حرف جر، و(ما) استفهامية لكن حُذفت ألفها؛ لأن (ما) الاستفهامية إذا دخل عليها حرف الجر حُذفت ألفها، مثل: (لِمَ، عَمَّ، فِيمَ، عَلَامَ)، وما أشبه ذلك، يعني لو قلت: على ما تضربني، لا يجوز أن تقول: على ما تضربني، بل تقول: عَلَامَ تضربني، لِمَا تضربني يجوز؟ لا، تقول: لِمَ تضربني، وهكذا.
يقول الله عز وجل: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ (تكفرون) أي: تجحدونها وتتغافلون عنها وتتعامون عنها، والمراد بالآيات اللي هنا الكونية والشرعية، الكفر بالآيات الكونية يتضمن ثلاثة أمور، أولًا: أن ينكر أن الله خلقها، ثانيًا: أن يعتقد أن لله تعالى شريكًا في إيجادها، ثالثًا: أن يعتقد أن لله معينًا فيها، هذه ثلاثة أمور، كم يتضمن الكفر بآيات الله الكونية؟
* طالب: ثلاثة أمور.. وكدت ثلاثة أمور وغفلت.
* الشيخ: هذه هي المشكلة.
* طالب: أن يعتقد أن الله لم يخلقها، أن يعتقد أن لله معينًا في خلقها، وأن يعتقد أن مع الله شريكًا في خلقها.
* الشيخ: نعم، أن ينكر خلق الله لها، يعني ينكر أن الله خلق هذه الكائنات، الثاني: أن يعتقد أن لله تعالى فيها شريكًا، يعني مثلًا الله خلق السماء وواحد آخر خلق الأرض مثلًا، الثالث: أن يعتقد أن لله تعالى معينًا فيها، يقول: هي لله، لكن فيه مَن عاونه، هذا كفر بالآيات الكونية، الكفر بالآيات الشرعية تكذيبُها بأن يكذب بأنها من عند الله أو يكذب بأخبارها أو مخالفتها، فإن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت مخالفة ناقصة فهو كفر أصغر، وهو ما يطلق عليه اسم الفسق، فصار الكفر بالآيات الكونية كم؟ ثلاثة أشياء، والشرعية شيئان: التكذيب والمخالفة؛ التكذيب إما أن يكون في أصلها بأن يقولك هذه ما نزلت من عند الله، أو يكذب أخبارها، أي خبر فيها إذا كذَّبه فهو تكذيب بالجميع، لأنه لا يمكن أن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، الثاني أيش؟ مخالفتها، ثم إن كانت مخالفة تامة فهو كفر أكبر، وإن كانت غير تامة فهو كفر أصغر، وهو ما يعبَّر عنه بكفر دون كفر أو بالفسوق.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك يا شيخ ورد في الحديث: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ مَاتَ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة.]]، هل تؤيد هذا الحديث أم لا، أنه كفر أكبر؟
* الشيخ: إي، هذا لو صح عن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يؤيدها، كان يدل دلالة واضحة.
* طالب: شيخ، عفا الله عنك، الذي يعتقد أن الآيات الكونية أوجدها الله سبحانه وتعالى عبثًا فيكون كفرًا هذا؟
* الشيخ: هذا يكون منكرًا لحكمة، هذا يكون منكرًا لحكمة الله عز وجل.
* طالب: فيكفر في هذه الحالة؟
* الشيخ: الظاهر أنه يكفر؛ لأن هذا تضمن الاستهزاء بالله، تضمن الاستهزاء وتكذيب الله، ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ [المؤمنون ١١٥]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨].
* طالب: شيخ أحسن الله إليك، قلنا: القتل في الحرم لا يجوز؟
* الشيخ: أيش؟
* طالب: القتل في الحرم لا يجوز؟
* الشيخ: نعم.
* طالب: القتل في الحق، الحدود وهذا؟
* الشيخ: القتل بحق هذا إذا كان العاصي المستحق للقتل عصى في الحرم فإنه يُقتل؛ لأنه انتهك حرمة الحرم فلم يكن له حرمة كما في قوله: ﴿إِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة ١٩١]، وإن كان فعل حدًّا خارج الحرم ثم لجأ إلى الحرم فالصحيح أنه لا يُقام عليه الحد ولا يُقتل، ولكنه يضيق عليه فلا يؤاكل ولا يشارب ولا يبايع، حتى إذا لم يجد أحدًا يبايعه ويؤاكله ويشاربه، فإن كان معه طعام وشراب فسوف ينفد ثم يضطر إلى الخروج، هذا هو الصحيح.
* طالب: شيخ، ما رأيك في سؤال الناس الحاجات مثل السيارات والكتب وغير ذلك؟
* الشيخ: سؤالهم الحاجات؟
* طالب: هل يدخل فيه مبايعة الصحابة للنبي ﷺ أنهم لا يسألون الناس شيئًا؟
* الشيخ: هو دا داخل في قراءتنا؟
* طالب: حضرتك ذكرت أنه لا بد للعبد أن يسأل الله في كل الأمور حتى في شِسع نعله؟
* الشيخ: نعم، يعني مسألة الاستغناء عن الله، أنه لا يستغني عن الله، سؤال الناس لا شك أنه إما محرم أو مكروه، إما محرم أو مكروه، هذا هو الأصل، قد يخرج عن هذا الأصل إذا دعت الضرورة أو الحاجة فله أن يسأل، وأما سؤال الانتفاع بالمال مثل العرية والقرض وما أشبه ذلك فلا بأس به، لكن سؤال أعيان المال هذا هو الذي إما محرم وإما مكروه.
* طالب: شيخ، إذا وُجِد من يقوم بمخالفات شرعية في الحرم فهل يوبَّخ توبيخًا شديدًا، فاسق أو مبتدع؟
* الشيخ: مثل؟
* طالب: يعني مثلًا إن كان فاسق مثلًا يأتي في الطواف مثلًا يمس النساء مثلًا؟
* الشيخ: إي نعم، تضاعف عليه العقوبة.
* طالب: بالنسة لي أنا مثلًا هل هو (...) شديد.
* الشيخ: نعم نعم، المعصية في الحرم أشد من المعصية في غير الحرم، ولهذا يجب أن يكون تعزيره أشد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن مكة كانت قبلة جميع الناس، فلما حصل تحريف تغيروا عنها، شيخ، إقرار الله للنبي ﷺ في (...)؟
* الشيخ: إي نعم، هذا الإقرار من أجل موافقة اليهود؛ لأن اليهود في اعتقادهم أنهم على حق، فلو أنهم مثلًا قيل لهم أنتم على باطل لنفروا، إي نعم.
* * *
* طالب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران ٩٩- ١٠١]
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، سبق الكلام على أول هذه الآية وأن الله تعالى يوبخ أهل الكتاب، بل يأمر النبي ﷺ بأن يوبّخهم لِمَ يكفرون بآيات الله.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾،﴾ ﴿شَهِيدٌ﴾، أي: شاهد، وأتى بصيغة المبالغة أو بالصفة المشبهة؛ لأن الله سبحانه وتعالى شهيد على أعمالهم، وأعمالهم كثيرة، وإذا كثر المشهود عليه كثرت الشهادة، وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يحتمل أنه داخل في ضمن التوبيخ في قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾، فيكون المعنى: لِمَ تكفرون بآيات الله مع علمكم بأن الله شهيد على ما تعملون، ويحتمل أن تكون الواو للاستئناف، وأن يكون التوبيخ انتهى عند قوله: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، ثم استأنف فقال: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، فيكون في ذلك تهديد لهؤلاء الذين يكفرون بآيات الله، تهديد بماذا؟ بكون الله شهيدًا على ما يعملون، وإذا كان شهيدًا على ما يعملون فسوف يجازيهم عليه في الدنيا وفي الآخرة بما يستحقون.
في هذه الآية من الفوائد: أَمْر النبي ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله، ويتعدى هذا الحكم إلى غيرهم، فيتفرع من هذه الفائدة أن كل من كفر بآيات الله فهو مستحق للتوبيخ، وقد سبق لنا أن الكفر بآيات الله يشمل الكونية والشرعية وبيّنّا أنواع الكفر فيهما.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات شهادة الله سبحانه وتعالى على كل ما يعمل بنو آدم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، و(ما) اسم موصول يفيد العموم.
* ومن فوائدها: تهديد من يكفر بآيات الله؛ لأن مثل هذه الصيغة ﴿وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ يراد بها توبيخ مَن فعل ما لا يرضي الله عز وجل بأن الله شهيد عليه وسوف يحصي عمله ثم يجازيه على ذلك.
* ومن فوائد الآية: إحاطة الله تعالى بكل شيء، وأنه وسع كل شيء؛ لقوله: ﴿عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾، فمن يحصي بني آدم من أهل الكتاب وغيرهم ومن يحصي أعمالهم، لكن الله عز وجل واسع عليم يحصي كل شيء ولا يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم.
وربما * يستفاد من هذه الآية من قوله: ﴿شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ أنه لا يحاسَب العبدُ على ما حدّث به نفسه كما صح ذلك عن رسول الله ﷺ في قوله: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١) من حديث أبي هريرة.]]، فحديث النفس عن الوساوس التي تكون في الصدر لا يؤاخَذ عليه الإنسان إلا إذا عمل وركن إليها واعتقدها وجعلها من أعمال القلب فحينئذ يحاسَب عليها، أو نطق بها بلسانه، أو عمل بمقتضاها بجوارحه فحينئذ يحاسب عليها.
3:99Page 62
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ تَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَأَنتُمۡ شُهَدَآءُۗ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٩٩
Say, "O People of the Scripture, why do you avert from the way of Allāh those who believe, seeking to make it [seem] deviant, while you are witnesses [to the truth]? And Allāh is not unaware of what you do."
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، هذا أمر آخر للنبي ﷺ من ربه أن يوبِّخ أهل الكتاب على عدوانهم على غيرهم؛ لأن التوبيخ الأول ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عملهم القاصر عليهم، الثاني: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ توبيخ على عدوانهم على الغير حيث يصدون عن سبيل الله، قال: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، يعني: لأي شيء وبأي حجة ﴿تَصُدُّونَ﴾ أي: تصرفون ﴿عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، أي: عن دينه وشريعته. وسمي الدين سبيلًا لله؛ لأنه موصِل إليه، وأضيف إلى الله لوجهين؛ الوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلًا للخلق يمشون عليه، والوجه الثاني: أنه أيش؟ موصِل إلى الله، فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلى الله عز وجل. إذن سبيل الله ما المراد به؟ المراد به دينه؛ لأنه الطريق الموصل إليه، وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ (مَن) هذه مفعول ﴿تَصُدُّونَ﴾، يعني: تصرفون الذي آمن عن سبيل الله، وهذا شأن بني إسرائيل من اليهود والنصارى يصدون عن سبيل الله من آمن، وإنما ذكر مَن آمن مع أنهم يصدون من آمن حتى يرتد عن إيمانه، ويصدون من لم يؤمن حتى لا يدخل في الإيمان؛ لأن صد من آمن أشد عدوانًا من صد من لم يؤمن؛ لأن من آمن يصدونه ليكون مرتدًّا، ومن لم يؤمن يصدونه عن سبيل الله من أجل أن يبقى على كفرهم، والبقاء على الكفر أهون من الردة كما هو ظاهر. وقوله: ﴿مَنْ آمَنَ﴾ يشمل الرجال والنساء، ولكن خطابات القرآن غالبها للرجال؛ لأن الرجل هو الأصل وهو الأمير على المرأة، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء ٣٤].
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾، ﴿تَبْغُونَهَا﴾ الجملة حال من الواو في قوله: ﴿تَصُدُّونَ﴾، يعني: حال كونكم تبغون سبيلَ الله أي: تطلبونها، ﴿عِوَجًا﴾ أي: لأجل العوج، فتكون مفعولًا من أجله، ويجوز أن تكون مفعولًا به أي: تطلبونها عوجًا، أي: تصيِّرونها عوجًا، والعوج ضد المستقيم، ويقال: عِوَج في المعاني، وعَوَج في الأعيان، فتقول مثلًا: هذا العصا عَوَج؛ لأنه عين، وتقول: هذا القول عِوَج؛ لأنه معنى، ففي المعاني بكسر العين، وفي المحسوسات بفتحها. وأصل العِوَج الميل، وضده الاستقامة، والعِوَج عن شريعة الله يشمل معنيين؛ المعنى الأول في الأوامر، أو موضوعه أمران؛ الأول في الأوامر، والثاني في النواهي، أما في الأوامر فاعوجاجها إما بالتهاون بها والتفريط، وإما بالإفراط فيها والغلو. فالناس بالنسبة لأوامر الله ثلاثة أقسام: قسم وسط، وقسم مُفَرِّط، وقسم مُفْرِط، يعني غالي متجاوز للحد، فالوسط هو المستقيم، والْمُفَرِّط عَوَج، والزائد عَوَج أيضًا، هذا في الأوامر، في النواهي، العَوَج في النواهي هو انتهاكها وارتكابها، هذا عوج؛ لأن الصراط المستقيم في النواهي أن تدعها وأن تتجاوزها، فإذا أنت فعلتها وانتهكتها فهذا هو العوج فيها، فهؤلاء اليهود والنصارى أهل الكتاب يريدون من الناس العوج في الأوامر وفي النواهي؛ في الأوامر بأيش؟ بالتفريط والتهاون أو بالغلو والإفراط، وفي النواهي بانتهاكها والتهاون بها.
﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾، الواو هذه للحال، يعني: والحال أنكم شهداء على ما تفعلون، فأنتم تعلمون أنكم بفعلكم هذا تصدون عن سبيل الله، تعلمون هذا وتشهدون به، ووجه ذلك أنه يوجد في كتبهم أن محمد بن عبد الله ﷺ سوف يُبعث، وأنه رسول الله، وأنه الذي بشّر به عيسى، لكنهم يحرّفون الكلم عن مواضعه من أجل صد الناس عن الإيمان بمحمد ﷺ، فصاروا يصدون عن سبيل الله وهم شهداء يشهدون بالحق، لكن - والعياذ بالله - استكبروا عنه. ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ شهداء على أيش؟ على أنكم تصدون عن سبيل الله؛ لأنكم تعلمون أن ما جاء به محمد ﷺ فهو سبيل الله، ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، يعني نفى الله أن يكون غافلًا عن عملهم القليل والكثير. وهنا نجد أن هذه الصفة من الصفات السلبية؛ لأن صفات الله كما مر علينا قسمان: ثبوتية، وسلبية، يعني شيء ثابت لله وشيء منفي عنه، فهنا الصفة سلبية، ما الذي نُفِيَ عن الله؟ الغفلة. والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات السلبية تتضمن شيئين، الأول: انتفاء هذه الصفة التي نفاها الله عن نفسه، والثاني ثبوت الكمال في ضدها؛ لأنها ما نُفِيَت عنه إلا لأنه كامل، فيكون قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ متضمنًا لنفي الغفلة عن الله، والثاني ثبوت كمال المراقبة؛ لأن من كان كامل المراقبة فإنه ليس عنده غفلة، فيكون هذه الآية مثبتة لله تعالى كمال المراقبة كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب ٥٢]، وانتفاء الغفلة عنه، والجملة تفيد التهديد لهؤلاء الذي يصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجًا.
* في هذه الآية من الفوائد: أمر رسول الله ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على عدوانهم على الغير، وذلك بالصد عن سبيل الله.
* ومن فوائدها: أن من صد عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبَه من أهل الكتاب اليهود والنصارى، فإذا وُجِد أحد يثبطك عن فعل الخير أو يرغِّبك في فعل الشر ففيه شبه من اليهود والنصارى؛ لأن هذه سبيلهم.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات أن الشياطين ليست شياطين الجن فقط، فكما أن للجن شياطين يصدون عن سبيل الله ففي الإنس أيضًا شياطين يصدون عن سبيل الله، وإلى هذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢].
* ومن فوائد هذه الآية: الحث على لزوم الشرع؛ لأنه سبيل الله، وكل إنسان عاقل فإنه يسعى إلى الوصول إلى الله عز وجل؛ لأنه غاية المطالب، ولا وصول إلى الله إلا بسلوك شرعه؛ سبيله الذي يوصل إليه.
* ومن فوائد هذه الآية: أن مَن صد عن سبيل الله من آمن به فإنه في غاية ما يكون من العدوان، وهو أعظم ممن صد عن سبيل الله من لم يؤمن؛ لأن هذا رفْع والأول منْع، والرفع أشد، رفع الخير أشد عقوبة من منعه وأشد جناية.
* ومن فوائد هذه الآية: سوء القصد في أهل الكتاب، حيث يبغون أن تكون سبيل الله عِوجًا، وهذا الوصف لأهل الكتاب لا يزال منطبقًا عليهم إلى اليوم، فللنصارى دعاة ينصِّرون الناس ويسعون بكل جهدهم إلى أن يصدوا عن سبيل الله من آمن؛ لأنهم يريدون أن يسلك الناس السبيل العَوَج، لا يريدون أن يسلكوا السبيل السويّ، وما زالوا إلى اليوم ولهم إذاعات خاصة تدعو الناس إلى النصرانية - والعياذ بالله - النصرانية الباطلة التي يحاربها عيسى عليه الصلاة والسلام، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧]. فهم الآن يدَّعون أن دين عيسى عليه الصلاة والسلام القول بالتثليث، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، ثم يضحكون على أنفسهم وعلى الناس يقولون: إنها ثلاثة في واحد، ثلاثة في واحد، هذا معقول هذا؟ لكن هذا من ضلال النصارى؛ لأن النصارى ضالّون حتى الأمور العقلية لا يهتدون إليها، وكيف يكون ثلاثة في واحد؟ هذا لا يمكن. على كل حال هم يريدون أن يضلوا الناس منذ عهد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، ومن ثم يجب على المسلمين الحذر منهم، الحذر منهم والتشهير بهم حتى ينفّروا الناس منهم، وأن يقابلوا دعوتهم الإلحادية الكفرية بدعوة التوحيد والإخلاص، والإخلاص والتوحيد موافقان للفطرة السليمة لو وَجَدَا من يعرضهما عرضًا حقيقيًّا شيقًا، لكن مع الأسف أن المسلمين في غفلة، فالمسلمون الذين هم على الحق لا تجد منهم الدعاة الذين يدعون إلى الحق إلا قليلًا، وأيضًا إلا قليلًا في بلادهم، أما أولئك النصارى المنصِّرون فإنهم يجوبون مشارق الأرض ومغاربها، ويُغْرُون الناس بالمال وبحسن الخلق حتى ينخدع الناس بهم.
* ومن فوائد هذه الآية: أن أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيل الله يعلمون أنهم على باطل وأن الحق في خلافهم؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾، لكن الذي يمنعهم هو الاستكبار.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات إحاطة الله سبحانه وتعالى بكل شيء علمًا ورقابة؛ لقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن من صفات الله ما هو سلبي أي منفي، وهذا كثير في القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences