Ibn 'UthayminAr‑Rum · 30:8–9

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:8–9, continued

* ومن فوائدها: أن الإنسان مهما قَوِيَ فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله؛ لقوله: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾، ومع ذلك هل تحصنوا بهذا من عذاب الله؟ الجواب؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لا، بل إن الله تعالى بحكمته أهلك أعتى أهل الأرض بأهون الأسباب وألطفها، وهم عاد أُهلِكوا بالريح. وأهلك مَن كان يفتخر بالأنهار تجري من تحته أهلكه بأي شيء؟

* طالب: غرق.

* الشيخ: بالماء، بالماء الذي كان يفتخر به بالأمس، وهذا مما يدل على كمال سلطان الله سبحانه وتعالى وعظمته، وأنه مهما قوي الإنسان فهو ضعيف بالنسبة لقوة الله عز وجل.

أظن في عام أربع مئة أو قبلها حصل هزة أرضية في إيران دمرت -بلمح البصر- خمسة وعشرين ألف نسمة من بني آدم، فضلًا عن الحيوانات والمواشي وما إلى ذلك، ودمرت مائتين وثلاثين قرية ومدينتين كبيرتين، والهزة ما هي تهز مثل الأرجوحة، الهزة لمحة بصر، مثل ما حكاها إنسان كتب للشيخ عبد العزيز بن باز في الهزة التي أصابت اليمن، يعني صوَّرها تصويرًا عجيبًا في سرعتها وأصوات صَحِبَتها، وحالة الناس والرعب اللي أصابهم حتى إنه تذهل كل امرأة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، فهذه القدرة العظيمة هل يمكن لأحد أن ينجوَ منها إذا شاءها الله عز وجل؟

* طالب: لا.

* الشيخ: لا يمكن أبدًا، ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام ٦٥].

* ومن فوائد الآية: أن التأمل في حال الكفار للاعتبار مطلوب، التأمل في حال الكفار للاعتبار يعتبر بها الإنسان أمر مطلوب، لو جاء إنسان وأراد أن يدرس تاريخ أمة كافرة ويش اللي حصل عليها ويش اللي جاها؟ ننهاه عن ذلك؟ إذا كان يريد أن ينتفع بهذا ويعرف ماذا كان عاقبة المجرمين فإنه مأمور به، أما إذا كان يريد أن يتعجب من قوتهم وصنعتهم وما إلى ذلك فإنه يُنهى عنه، مثل ما قلنا في الذين يذهبون إلى ديار ثمود، قصدهم التفرج والنزهة هذا حرام، واللي قصدهم الاعتبار هذا جائز بالشرط الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام، ما هو؟ ألا يدخلوها إلا وهم باكون.

* ومن فوائد الآية: أن إثارة الأرض من أسباب الدنيا، يعني الاشتغال بالزراعة من أسباب القوة بلا شك؛ لأنها يحصل بها الاكتفاء الذاتي عن الغير، إذا كانت بلادنا مثلًا تتنج الثمار والزروع استغنينا بذلك عن غيرنا، وربما يكون لدينا فائض نُصَدِّره لغيرنا فنكسب، فإثارة الأرض من أسباب القوة.

وكذلك عمران الأرض، عمران الأرض بغير الإثارة، بالبناء والتجارة وما أشبه هذا من أسباب القوة.

* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى ما ترك أحدًا بدون رسل؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن كل رسول معه بينة تؤيده؛ لقوله: ﴿وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.

* ومن فوائدها -من فوائد الرسل وكونهم بالبينات- * يستفاد منها فائدتان -غير ما ذكرنا-: وهي رحمة الله، وحكمة الله، أما الرحمة فلأن العقول لا يمكن أن تهتدي لِما يريده الله منها إلا بالوحي، توافقونني على هذا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: نعم، هل يمكن للإنسان بعقله أن يعرف كيف يتوضأ وكيف يصلي وكيف يصوم وكيف يحج ولَّا ما يمكن؟ لا يمكن، إذن لا بد من أن يكون هناك رسول يأتيه الوحي من الله عز وجل ليبين لنا ما يرضاه الله وما لا يرضاه.

ثانيًا: كون هؤلاء الرسول يأتون بالبينات من الرحمة، لو أرسل الله الرسل بدون بينات وألزم العباد أن يخضعوا لهم بدون أن يكون هناك بينة يطمئنون إليها يكون في هذا من العنت والمشقة ما لا يعلمه إلا الله، ولكن من رحمة الله أن جعل مع كل نبي بينة، ولاحظوا أن الأنبياء الذين تُقَيَّد نبوتهم ورسالتهم بزمن أو مكان -وهم جميع الأنبياء ما عدا محمدًا ﷺ- تجدون آياتهم غالبًا آيات حسية تنتهي بانتهائهم، وتكون بعد موتهم خبرًا يُنْقَل ويُؤْثَر.

أما آية النبي عليه الصلاة والسلام فهي اشتملت آياته على الأمرين على أمور حسية نُقِلَت بعده وأُثِرَت، وعلى أمور معنوية بقيت بعده مثل القرآن العظيم، ومثل إخباره ببعض الأمور الغيبية التي وقعت كما أخبر؛ لأن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام دائمة ومستمرة وثابتة، فلا بد أن تكون الآيات المؤيدة للرسول عليه الصلاة والسلام باقية حتى تقوم بها الحجة على مَن؟ على الباقين من الناس؛ لأن الباقين من الناس إذا لم يشهدوا الشيء بأيديهم وإنما هي أخبار تُؤْثَر، فإنه كما جاء في الحديث: «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ»[[أخرجه أحمد (١٨٤١) وابن حبان -الإحسان- (٦٢١٣) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]]. إذن نستفيد من إرسال الرسل وإيتائهم البينات فائدتين: وهما: رحمة الله عز وجل، وحكمته.

* ويستفاد من هذه الآية: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله؛ لقوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، نقول: انتفاء الظلم عن الله لكمال عدله.

لو قال قائل: انتفاء الظلم عن الله نوافقكم عليه؛ لأن الله نفاه عن نفسه: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، لكن لكمال عدله من أين لكم هذا؟

الجواب: لأننا نقول: النفي يدل على انتفاء المنفي، والانتفاء يساوي عدمًا، انتفاء أي عدم، والعدم نفسه ليس بشيء، ما هو بشيء، العدم عدم على اسمه، فإذا كان ليس بشيء فهل يكون صفة كمال يُثنِي الله بها على نفسه وهو ليس بشيء؟

* طالب: لا.

* الشيخ: الجواب لا، إذن لا بد من أن يكون متضمنًا لشيء وهو الإثبات، هذا الإثبات إما أن يكون للعجز، وإما أن يكون لعدم القابلية، وإما أن يكون لكمال العدل، واختر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل، أو انظر أي الاحتمالات يليق بالله عز وجل؟ كمال العدل، وبهذا عرفنا أن التزام نفي الظلم لكمال العدل لازم عقلي بالنسبة لله عز وجل، ما هو بالنسبة لكل مَن يُنفَى عنه الظلم، بالنسة لله عز وجل التزام ذلك لكمال العدل لازم عقلي لا بد منه، وحينئذ* يستفاد منها: انتفاء الظلم لكمال عدل الله عز وجل.

* ومن فوائد الآية: أن نفس الإنسان عنده أمانة، تؤخذ: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. فأثبت الله تعالى ظلمَ الإنسانِ نفسَه، ولو كانت غير أمانة لكان غير ظالم لأنه يتصرف ويتحكم، لكنها أمانة عنده يجب عليه أن يرعاها حق رعايتها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:« «إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا»[[أخرجه البخاري (١٩٦٨) عن أبي جحيفة رضي الله عنه، ولفظه: «إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا».]]. وهذا كما يشمل إعطاء النفس راحتها يشمل إعطاء النفس حقها من العبادة، لا تُهملها.

* طالب: قوله: (...).

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: كيف يعني؟

* الشيخ: يقابَل بقوله: ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ [الفجر ٢٧]؛ لأن الإنسان فيه ثلاث أنفس: أمارة، ومطمئنة، ولوامة.

أما المطمئنة: فهي التي تأمره برضا الله، وأما الأمارة بالسوء: فهي التي تأمره بمعصية الله، وأما اللوامة: فهي التي تلومه، ويش تلومه عليه؟ صالحة للوجهين: إن لامته على ترك الشر فهذه من النفس الأمارة، اللي قالت له: يا ليتك رحت مع هؤلاء تشرب الخمر وتزني وتقامر.. إلى آخره، تلومه، شوف البنات رُحْن (...) ومكيفة وأنت ما رحت. هذه لوامة لكنها أي النفسين؟

* طالب: الأمارة.

* الشيخ: الأمارة بالسوء.

وفيه نفس لوامة تلومه على فعل الشر وترك الخير، وهذه هي النفس المطمئنة. ففي الإنسان ثلاث أنفس كما ذكر الله في القرآن.

* طالب: مدار النفس فيه ثلاثة، فيه أمارة بالسوء، كيف هو: ﴿كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ والنفس هي الإنسان؟

* الشيخ: إي نعم؛ لأن عنده نفسًا أخرى مقابِلة.

* الطالب: يعني كل إنسان عنده ثلاث أنفس؟

* الشيخ: إي نعم كل إنسان لا بد أن يكون لديه هذه الأنفس.

* طالب: هي أوصاف؟

* الشيخ: إي، هي أوصاف، هي في الحقيقة أوصاف ولَّا النفس العاقلة أو التفكير واحدة.

* طالب: موجودة الجميع؟

* الشيخ: إي نعم موجودة الجميع، الإنسان يوجد فيه الجميع، يحس من نفسه أحيانًا بما يأمره بمعصية، ويحس أحيانًا بما يأمره بالخير، ويحس أحيانًا بما يلومه.

* طالب: يعني هي موجودة فيه ابتداءً (...)؟

* الشيخ: لا عاد، ينبغي أيهما اللي تطالب، من الناس من تطالبه النفس الأمارة، ومن الناس من تأمره المطمئنة تطالبه المطمئنة، تختلف.

* طالب: ابتداءً الله خلقها؟

* الشيخ: ابتداءً الله خلق فيه هذه القوى، هذه القوى النفسية مخلوقة في الإنسان.

قال: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾:

* من فوائد الآية: أن الإنسان بمعصيته لا يضر إلا نفسه، أو لا؟

* طالب: بلى.

* الشيخ: نعم، ويدل على هذا قوله سبحانه وتعالى في الحديث القدسي:« «يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا» »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧) عن أبي ذر رضي الله عنه.]]. يعني ما يضرني، حتى لو خرجتم عن عبادتي والتعبد لي فإن ذلك لا يضرني، ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.

* طالب: يؤخذ من الآية إثبات الأفعال الاختيارية للعبد؟

* الشيخ: للعبد؟ إيه، إي نعم،* يؤخذ منها: أن العبد فعله مختار؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، فأثبت الظلم منهم لأنفسهم.

ومن وجه آخر * يؤخذ منه أيضًا من نفس الآية: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾؛ لأنه لو كان يُجبِرهم على ذلك لكان عقوبتهم ظلمًا ولَّا لا؟ لو اعتقد الإنسان أنه يُجبر الإنسان على فعل المعصية ثم يعاقبه عليها، أيكون ذلك ظلمًا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: إي نعم ظلمًا، ففيها دليل على الأفعال الاخيتارية من جهتين؛ من قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾، ومن قوله: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾.

هل* يستفاد من ذلك أن الظلم في حق الله من حيث هو ممكن، من حيث القدرة عليه يعني، ممكن ولَّا لا؟

* طالب: ممكن.

* الشيخ: نعم ممكن؛ ولهذا أثنى الله على نفسه بانتفاء الظلم عنه، أو بنفي ظلمِه عبادَه -أحسن- أثنى على نفسه بنفي ظلمه للعباد، ولو كان هذا من الأمور المستحيلة ما صار هناك محل اختلاف، فهو قادر عز وجل على أن يظلم لو شاء، لكنه لا يشاء ذلك لكمال عدله، إذن فالظلم ممتنع على الله، ليش؟

* طالب: لكمال عدله.

* الشيخ: لكمال عدله، خلافًا للجهمية الذين يقولون: إن الظلم ممتنع لاستحالته بذاته على الله، قالوا: هذا شيء مستحيل. فجعلوا محل الثناء أمرًا مستحيلًا عقلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском