Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:13–16, continued
* ويستفاد من الآية الكريمة: بيان نفوذ حكم الله عز وجل الشرعي والقدري؛ أما القدري فلا إرادة لك فيه، وأما الشرعي فلك فيه إرادة، ولهذا نقول بالنسبة للشرعي: وجوب تنفيذ حكم الله الشرعي؛ لأن الله تعالى عاب هؤلاء الفارِّين لكون فرارهم يتضمن إسقاط حكم شرعي، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن البقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله: ﴿وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء ٧٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء الذين فَرُّوا للإبقاء على حياتهم، يؤخَذ من أمر الله نبيَّه أن يقول لهم: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شك أنه على سبيل التوبيخ لهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذًا﴾، يعني: لو فررتم ونجوتم من هذه الحادثة ما تنجون من الموت، ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، نعم من جبن المنافقين أنهم أهل جبن وذل وخوف ورعب.
وهذا أيضًا يترتب عليه مشكلة، وهي أن الخوف من الموت أمر طبيعي، قال الله تعالى عن موسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص ٣٣]، وهذه فيها إشكال.
* طالب: (...).
* الشيخ: كلمة (...) يقول: ويش الفرق بين إنه يقول: هذا غير هذا، ما يكفي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وجه المعارضة أنه خاف من القتل، وهؤلاء خافوا من القتل، القتل -كما أشرنا إليه قبل قليل- الخوف من القتل الذي يستلزم إبطال حكم شرعي هذا ما يجوز، أما هذا خافَ من القتل؛ لأنه تسبب له وهو ممكن أن يُقْتَل، ولَّا لا؟ موسى، إي نعم، ممكن أن يُقْتَل؛ لأنه فعل ما يستلزم القتل عند هؤلاء. (...)
فنقول: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ [الأحزاب ١٧].
قال المؤلف في معنى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: (يجيركم)، ولكن الصواب أن المراد بها: يمنعكم؛ لأن العصمة هي المنع، ومنه المعصوم، يعني: الممنوع من الخطأ، فالصواب أن ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾ أي: يمنعكم من الله.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾، هذا إعراب ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ مَن يعربها لنا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: هو مستتر وجوبًا، وإن ابتُدِئَ بالياء فمستتر جوازًا، وإن افتُتِح بالتاء فعلى حسب الحال؛ قد يكون وجوبًا مثل: تشكر أنت، وقد يكون جوازًا مثل: تشكر هي،
﴿ذَا﴾ الآن اختلف الرجلان في إعرابها؛ أحدهما قال: إنها اسم إشارة، والثاني قال: إنها ملغاة، أيهما الصواب؟ الصواب أنها ملغاة؛ لأنها إذا جاء بعدها اسم موصول فإنها تكون ملغاة، مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ومثل: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾.
وقوله: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستفهام هنا يراد به النفي، يعني: لا أحد يعصمكم، وإذا جاء النفي بصيغة الاستفهام فإنه أبلغ من النفي المجرد؛ لأنه يكون نفيًا مُشْرَبًا بالتحدي، كأنه يقول: أَخْبِرُونِي أيعصمكم أحد من الله إن أراد بكم سوءًا، عرفتم؟ هذه قاعدة في كل ما يكون فيه الاستفهام بمعنى النفي، أن نقول: عُدِلَ عن النفي المحض إلى الاستفهام؛ ليكون مُشْرَبًا معنى التحدي.
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يمنعكم منه، ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾، أيش الجواب؟ لا أحد، يقول: (﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾: هلاكًا أو هزيمة)؛ (هلاكًا) إذا لم يكن هناك قتال، أو كان قتال فقُتِلْتُم، (أو هزيمة) إذا غُلِبْتُم وبقيتم، وكل ذلك سوء، لكنه سوء بالنسبة للمكلَّف، أما بالنسبة لفعل الله عز وجل فإنه خير؛ لأنه لحكمة.
﴿أَوْ أَرَادَ﴾ قال المؤلف: (أو يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة)، المؤلف رحمه الله قَدَّر هذه الجملة؛ لأنه رحمه الله ذكي جدًّا، قال: (أو يصيبكم بسوء)، (يصيبكم) معطوفة على (يعصمكم)، يعني: أو مَن ذا الذي يصيبكم بسوء إن أراد الله بكم رحمة خيرًا، والجواب أيضًا كالسابق: لا أحد، وإنما قَدَّرَ المؤلف: أو يصيبكم بسوء، على خلاف ظاهر السياق؛ لأن الرحمة لا تُعَدّ مصيبة حتى تحتاج إلى العصمة، فإنه إذا أراد الله بالإنسان رحمة ما يقال: مَن ذا الذي يعصمه منها، ليش؟ لأن الرحمة مطلوبة، لا يتطلب الإنسان فيها أحدًا يعصمه منها، فلهذا قَدَّرَ قوله: (أو يصيبكم بسوء) يعني: لا يصيبكم أحد بسوء إن أراد الله بكم رحمة.
ولكن الصحيح أنه لا حاجة إلى هذا التقدير، إذا جعلنا العصمة بمعنى المنع، فالمعنى: مَن الذي يمنعكم من الله إن أراد بكم سوءًا، ومن الذي يمنعكم من رحمته إن أراد بكم رحمة، فالفرار لا يمنعكم من السوء الذي أراده الله بكم، والبقاء لا يجلب لكم الرحمة التي أراد الله بكم، فالكل بيد الله عز وجل، لا ينفعكم الفرار ولا البقاء.
وقوله: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المؤلف: (خيرًا)، وإذا كنا فَسَّرْنَا الأول بالهلاك والهزيمة فالمراد بالخير هنا النصر والبقاء.
قال الله تعالى: (﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره، ﴿وَلِيًّا﴾ ينفعهم، ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يدفع الضر عنهم).
﴿لَا يَجِدُونَ لَهُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين فَرُّوا من القتال لن يجدوا أحدًا ينفعهم أو يجلب لهم الخير، أو يدفع عنهم الضرر، ﴿لَا يَجِدُونَ﴾ ﴿وَلِيًّا﴾، والولي هو مَن يتولى أمرك ويعتني بك، فهؤلاء لا يجدون أحدًا سوى الله.
وقوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يعني: بالولاية العامة؛ لأن ولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى قسمين: ولاية عامة تشمل كل أحد، وولاية خاصة للمؤمنين فقط، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد ١١].
أما بمعنى العامّ فمثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام ٦٢]، فإن هذه الولاية العامة؛ لأن الله تعالى وَلِيّ على كل أحد في المعنى العامّ الذي هو التدبير والملك والسلطان.
وقوله: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾..
.. ﴿مِنْ نَصِيرٍ﴾ [الحج ٧١]: هو الذي ينصرك عند ملاقاة الأعداء فيمنعك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحد يتولاهم بِجَلْب الخير لهم، ولا ينصرهم بدفع الضرر عنهم؛ لأن الأمر كله لله.
ثم قال تعالى: (﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ [الأحزاب ١٨]: المثبطين ﴿مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ) [الأحزاب: ١٨]، ﴿قَدْ﴾ هنا للتحقيق، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون لأيش؟ للتحقيق ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾، والأصل أنها إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل، كما يقال: قد يجود البخيل، لكن هنا للتحقيق؛ لأن علم الله عز وجل مُحَقَّق، وليس للتقليل، وإنما جاءت ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دون (قد علم)؛ ليفيد أن علم الله عز وجل مستمر بهم من ذلك الوقت إلى يوم القيامة؛ فإن الله تعالى عالم بهم وبأحوالهم وتقلباتهم.
وقوله: ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المؤلف: (الْمُثَبِّطِين)؛ لأن الْمُثَبِّط يُعَوِّق الإنسان الْمُثَبَّط، أي: يَحُول دونه ودون مراده، وهو ما يسمى عند الفقهاء بأيش؟ بالْمُخَذِّل، الفقهاء يقولون في باب الجهاد: يجب على الإمام أن يَمْنَع الْمُخَذِّل والْمُرْجِف، فالمخذِّل الذي يُثَبِّط العزائم، يقول: ما له داعٍ الجهاد، وليس عندنا استعداد، وما أشبه ذلك، والْمُرْجِف هو الذي يُرْهِب من الأعداء ويُخَوِّف منهم، يقول: أعداؤكم كثيرون، وأسلحتهم قوية، وما أشبه ذلك.
* طالب: (...).
* الشيخ: الْمُعَوِّق يعني؟ ما فيه مانع، هذا التعبير بالمعنى.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ماه في شك أنه أحسن، لكن لأجل التفصيل؛ لأن الْمُعَوِّق قد لا يفهمه كل أحد.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هنا المعوّق يختص بالمثبِّط، ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لعلك تريد أن (هل) تأتي للتحقيق، هذا صحيح.
يقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾، الخطاب لمن؟ للنبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، فهذا موجود في الصحابة مَن يُعَوِّق.
(﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾: تعالوا ﴿إِلَيْنَا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رياءً وسمعة).
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، ﴿الْقَائِلِينَ﴾ معطوف على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾، يعني: ويعلم القائلين لإخوانهم: هَلُمَّ إلينا، وهذا غير التعويق؛ لأن المعوِّق هو الذي يعرف الشيء الذي يُعَوِّق الإنسان، لكن لا يدعوه، ولكن هؤلاء يقولون لإخوانهم، فهو أبلغ من التعويق.
وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غير المعوِّقين، فليس عطف صفة، ولكنه عطف ذات، والأصل في التعاطف أن يكون لتغير الذوات، وقد يكون لتغير الصفات، وقد يكون لتغير؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ، ما أسرع ما تنسون، العطف للتغاير؛ إما في الذات أو في الصفات.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أو اللفظ يا إخواني، كل يوم يَقْرَع أسماعكم:
................... ∗∗∗ أَلْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنَا
هذا ما هو تغيُّر معنى، المعنى واحد، لكن تغير لفظ.
وقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾، هذا في المنافقين، وسُمُّوا إخوانهم في النسب، وليسوا إخوانهم في الدين، اللهم إلا أن يُرَادَ الأخوة الظاهرة، فإن هؤلاء يتظاهرون بأنهم مؤمنون.
﴿هَلُمَّ﴾: تعالوا إلينا، ﴿هَلُمَّ﴾ هل هي فعل أمر، أو اسم فعل أمر؟ اسم فعل أمر، نعم؛ لأنه ليس كل ما دَلَّ على الطلب فهو فعل أمر، المصدر قد يدل على الطلب كما لو قلت: ضربًا زيدًا، لكن ما دلَّ على الطلب بذاته، يعني بغير أداة خارجية فإما أن يَقْبَل علامة فعل الأمر أو لا، فإن قَبِلَها فهو فعل أمر، وإن لم يَقْبَل فهو اسم فعل أمر، أو قد يكون مصدرًا نائبًا عن الأمر، عرفتم؟
وقولنا: بغير أداة خارجية، احترازًا من المضارع المقرون بلام الأمر، المضارع المقرون بلام الأمر يدل على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداة أخرى خارجية، وهي اللام؛ لام الأمر.
﴿هَلُمَّ﴾ هنا اسم فعل أمر؛ لأن عيسى نقول له: هلم إلينا، هلم إلى الدرس، وأحمد وعيسى جميعًا نقول لهما: هلم إلينا، جميعًا، ونضم إليهما الأخ، ونقول: هلم إلى الدرس، ما تَغَيَّر، مفرد مثنى وجمع، ولم يتغير، ولَّا لا؟
أمّا لو كنا نخاطب واحدًا فنقول: هلم إلينا، ونخاطب اثنين فنقول: هَلُمَّا إلينا، ونخاطب ثلاثة فنقول: هَلُمُّوا إلينا، لكان فعل أمر، ولهذا نقول: قم، وقومَا، وقوموا، فهي إذن اسم فعل أمر تخاطب بها الواحد والاثنين والجماعة ولا تتغير، هذا على لغة أهل الحجاز.
أما بنو تميم فإنها عندهم فعل أمر، ولهذا يقولون للواحد: هلم إلينا، وللاثنين: هَلُمَّا إلينا، وللجماعة: هَلُمُّوا إلينا، فهي فعل أمر.
هنا يدلنا على أنها اسم فعل أمر؛ لأنها لو كانت فعل أمر لقال: هَلُمُّوا إلينا، يعني: تعالوا، هذا بالنسبة لغيرهم، يَدْعُون غيرهم إلى ترك القتال: تعالوا، هم.. قال: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ﴿لَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ يعني: القتال، ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾، والقليل هنا قد يكون المراد به العدم، وقد يكون المراد به الشيء اليسير، القِلَّة، ويمكن أن يراد به العدم بالنسبة لقوم، والقلة بالنسبة لآخرين من المنافقين؛ لأن من المنافقين مَن لا يحضر القتال أصلًا، ومنهم مَن يحضر قليلًا للرياء والسمعة.
ومعلوم أن مَن يلاحظ الرياء والسمعة فإنه إذا كان في محل يجد الرياء والسمعة حضر، وإذا كان في محل لا يجد رياء ولا سمعة لم يحضر.
ما الفرق بين الرياء والسمعة؟ الرياء يعود إلى الأفعال، والسمعة يعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى، والأقوال تُسْمَع، ولهذا جاء في الحديث: «مَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٦ / ٤٧) من حديث عن ابن عباس رضي الله عنهما، ولفظه: «من سَمَّع سَمَّع الله به، ومن راءى راءى الله به».]]، فإذا تكلم شخص بِذِكْر ورفع صوته ليُسْمَع فيُثْنَى عليه به، فبماذا نصف فعله؟ سمعة، وإذا قام يصلي ليراه الناس فهو رياء.
وقد يطلق الرياء عليهما جميعًا، لكن عندما يجتمعان يكون الرياء يتعلق بالأفعال والسمعة بالأقوال، يقول: (رياءً وسمعة).
(﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب ١٩] بالمعاونة، جمع شحيح، وهو حال من ضميرِ ﴿يَأْتُونَ﴾ )، ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، أشحة هذه جمع شحيح، والشحيح هو المانع مع الحرص، والبخيل هو المانع بدون حرص، فإذا كان الإنسان مَنُوعًا جَمُوعًا، يعني مع الحرص، يسمى ذلك شحيحًا، وإذا كان بخيلًا لكنه ليس ذلك الرجل الذي يكون حريصًا على جمع المال –مثلًا- فإنه يسمى بخيلًا، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام مُحَذِّرًا من الشح: «اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٨ / ٥٦) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، ولفظه: «...واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم». ]].
يقول: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾، ما الذي نصبها؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟ نُصِبَت على الحال من فاعل ﴿يَأْتُونَ﴾، يعني: لا يأتون إلا قليلًا، ومع ذلك يأتون أشحةً عليكم، يعني: وهم أَشِحَّاء عليكم لا يريدون أن تَصِلُوا إلى خير، بل يحبون أن يمنعوا كل خير عنكم.
﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأحزاب ١٩]، ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخوف ليست ذاتًا تأتي، لكنه معنى يأتي، والمجيء يكون للمعاني ويكون للذوات، فتقول: جاءه المرض، وتقول: جاء زيد، المجيء هنا أُسْنِدَ إلى معنى، جاء الخوف ممن؟ هو عامّ، إذا جاء الخوف، سواء كان من الأعداء الذين حضروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول عليه الصلاة والسلام فيما يَطَّلِع على أحوالهم، يخافون من أن يفضحهم الله تعالى بأفعالهم، أو يسلِّط عليهم رسوله.
يقول: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، الخطاب هنا هل هو للرسول ﷺ، أو لكل مَن يتوجه إليه الخطاب؟ يحتمل أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون لكل مَن يوجه إليه الخطاب.
وقوله: ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾، الرؤية هنا بصرية، وعلى هذا فلا تنصب إلا مفعولًا واحدًا وهو الهاء، ويكون جملة ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء، رأيتهم حال كونهم ينظرون إليك، ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائف غالبًا يركز على مَن؟ على جهة الخوف، سواء كان شخصًا أو أشخاصًا، ينظر إلى الجهة التي هي مصدر الخوف، وتدور عينه على غير نظر سليم، يعني كأنها تدور بغير اختيارها من شدة الخوف، ثم شَبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارهم، قال: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، قال المؤلف: ( كنظر أو كدوران).
فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قَدَّرْنا: نظر، وإن كانت عائدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قَدَّرْنَا: كدوران، ولكن الذي يناسب القرآن الأول؛ نظر، كما قال تعالى في سورة القتال: ﴿يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد ٢٠]، وربما نقول: ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ ليس عائدًا على النظر، وإنما هو عائد على حالهم، يعني: كالإنسان الْمَغْشِيّ عليه من الموت لا يستطيعون أن يتكلموا؛ لأن أرياقهم يبست، ودماءهم غارت بسبب الخوف، إذا جاء الخوف فإنها تتغير أبصارهم، وتتغير أحوالهم أيضًا، كالذي يُغْشَى عليه من الموت، والذي يُغْشَى عليه من الموت لا شك أنه يصفر وجهه، وأنه لا يدري ما يفعل، ولا يستطيع أن ينطق في الغالب، ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المؤلف: من سكراته، (أي: سكراته)، ﴿يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، ﴿مِنَ﴾ هنا للسببية، وهل تأتي (مِن) للسببية؟
الجواب: نعم، تأتي في مواضع كثيرة، والأصل فيها أنها للابتداء، حتى زعم بعض النحويين أنها في كل مكان تكون للابتداء، حتى فيما إذا كانت سببية قال: لأنها لابتداء السبب، لكن الصحيح ما ذهب إليه ابن مالك وغيره من النحويين أنها تأتي لمعانٍ كثيرة، قال:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ∗∗∗ فِي (مِنْ) وَقَدْ تَأْتِي لِبَدْءِ الْأَزْمِنَه؎وَزِيدَ فِي نَفْــيٍ وَشِبْهِهِفَجَـــــــــــــــــــــرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَــــا لِبَاغٍ مِـــــــــــــنْمَــــــــــــــفَرّ
قال: (﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزَت الغنائم، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾: آذَوْكُم أو ضربوكم، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغنيمة يطلبونها، ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقةً، ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ ).
﴿إِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ صار هؤلاء الذين كانوا حين الخوف كالمغشيّ عليه من الموت صاروا ينطقون بطلاقة، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يعني: أصابوكم بشدة، ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شديدة قوية، والمراد بالألسنة هنا الكلام؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المعنى أنهم يجادِلُون ويناظرون، ويقولون: نحن معكم، نحن نساعد، نحن خرجنا، وما أشبه ذلك، كما قال الله تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء ١٤١]، وأَبْدَوْا وأعادوا في غَلَبَتِهم للمسلمين؛ لأنه لا شك أن الإنسان قد يغلب خصمه بالكلام، كما قال الله تعالى في قصة داود: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣]: غلبني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بيان وعنده فصاحة قد يغلب ولو كان على باطل، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِيَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٨٠)، ومسلم (١٧١٣ / ٤) من حديث أم سلمة رضي الله عنها. ]]، وإن كان على باطل، فالإنسان قد يغلب ببيانه الحقَّ، ولهذا كما تعلمون جاء في الحديث الصحيح: «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»[[أخرجه البخاري (٥٧٦٧) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما. ]].
هؤلاء المنافقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صَوَّرَها الله عز وجل، ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، لكن إذا ذهب الخوف واطمأنوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، يعني: أصابوكم بشدة بهذه الألسنة الحِدَاد، ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، هذه حال من الواو في قوله: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾.
﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾، ما المراد بالخير هنا؟ يقول المؤلف: الغنائم التي أصابها المسلمون بانتصارهم، قال: ﴿أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ حقيقة، ولو آمنوا ما فعلوا هذا الفعل، ما كانوا يخافون من البعث، ولا كانوا يَدَّعُون ما لا يستحقون فيما إذا انتهت المعركة.
﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أيش معنى أحبطها؟ يعني: أبطلها حتى لا ينتفعوا بها.
(﴿وَكَانَ ذَلِكَ﴾ الإحباطُ ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ بإرادته)، نعم هو يسير على الله عز وجل؛ لأنه سبحانه وتعالى لا يخشى من أحد، كما قال تعالى في قوم صالح: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس ١٤، ١٥]، ما يخاف سبحانه وتعالى من عاقبتها، بخلاف غيره، بخلاف المخلوق، المخلوق قد يُنَكِّل بشخص ويعاقبه، لكنه يخشى من عاقبته، يخشى من قبيلته، يخشى من الغدر به، وما أشبه ذلك، أما الرب عز وجل فإنّ كل أمر يسير عليه، ولا يخاف من أحد حين ينتقم منه. (...)
لها معنيان، تارة تكون بمعنى احْضُر، وتارة تكون بمعنى أَحْضِرْ، في هذه الآية بمعنى (...).
هذا مبتدأ الفوائد؟ متأكدون؟
قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ﴾ [الأحزاب ١٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: نفاذ حكم الله، أن حكم الله نافذ في الخلق، لا يمنعه أحد.
وجه ذلك: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾، والاستفهام هنا -كما سبق- بمعنى النفي.
* ومن فوائدها: إثبات الإرادة لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
* ومن فوائدها: الرد على بعض طوائف القَدَرِيَّة الذين يقولون: إن الله لا يريد السوء، يريد الخير، لكن لا يريد السوء؛ لقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
وفي الآية إشكال، وهو أن ظاهرها أن الله يريد السوء، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ» »[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ]]، فما هو الجواب؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: هذا سوء بالنسبة للمخلوق، أما بالنسبة للخالق (...).
* الشيخ: نعم، نقول: السوء بالنسبة للمفعولات، أما بالنسبة لفعل الله نفسه الذي هو فِعْلُه فليس بسوءٍ، المرض –مثلًا- سوء بالنسبة للعبد، يسوؤه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنسبة لتقدير الله له خير وحكمة، كما أشرنا إلى هذا كثيرًا.
إذن فنقول في الجواب على هذا الإشكال: إن السوء عائدٌ إلى المفعول لا إلى الفعل الذي هو تقدير الله، ونظير ذلك لو أن أبًا شفيقًا رحيمًا أُصِيبَ ولده بداء، فكواه بالحديدة الْمُحْمَاة على النار لكان هذا لا شك يسوء الولد؛ لأنه يؤلمه ويوجعه، لكنه إساءة إليه ولَّا لا؟ لا، هو بالنسبة لفعل الأب ليس إساءة، بل هو خير، وإن كان يؤلم الولد.
* طالب: شيخ، هل يؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]؟
* الشيخ: لا، بل من قبيل أن هذا.. هذا منفصل عن هذا.
* الطالب: (...) يكون الخطاب بالنسبة لحال المخاطب.
* الشيخ: لا، بل ما هو (...) حقيقة الأمر، فإن السوء ليس إلى الله، يعني معناه أن أفعال الله ليست هي نفسها السوء، السوء يكون في المفعولات فقط .
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لا مانع لما أعطى ولما مُعْطِيَ لما منع؛ لقوله: ﴿ِإنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحد يمنع ما أعطاه الله، ولا أحد يعطي ما منعه الله، وعلى هذا قوله عليه الصلاة والسلام: «اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٤٤)، ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه. ]].
* ومن فوائدها: أن فيها حثًّا على تعلق الإنسان بالله سبحانه وتعالى دون غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأمر كله بيد الله فإن الإنسان يتعلق بربه دون غيره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أولئك الكفار لن يجدوا أحدًا ينصرهم أو يتولاهم دون الله؛ لقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾، فيترتب على ذلك قَطْع كل عُلْقَة تكون بين المشركين وبين أصنامهم، وأن أصنامهم لا تنفعهم مهما كان الأمر.
ولكنه يَرِدُ على هذا إشكال، وهو أن هؤلاء الذين يدعون الأصنام قد يحصل لهم ما دَعَوْا به هذه الأصنام، فكيف نقول: إنها لا تنفعهم؟
فالجواب أن هذا قد يقع ابتلاءً وامتحانًا من الله عز وجل، ونحن نعلم أن هذا لم يحصل بهذه الأصنام، أو بدعاء هذه الأصنام، وإنما حصل عنده، وما حصل عند الشيء ليس كالذي حصل بالشيء، واضح؟
فإن قلت: نحن لا نقبل منك هذا؛ أنه حصل لا بدعائهم، ما دام الرجل دَعَا ثم حصل مراده، كيف تقول: إنه من أمر خارج ليس من دعائهم؟ فما هو الجواب؟
* طالب: مُقَدَّر.
* الشيخ: ما يخالف، ما.. نعلم يكون مُقَدَّرًا، هذا رجل دعا هذا القبر وحصل ما أراد.
* طالب: ما يعرف أن هذا الدعاء عند القبر مُحَرَّم شرعًا؟
* الشيخ: لا، دعا القبر لا عند القبر، دعا صاحب القبر.
* الطالب: محرَّم شرعًا ولا يحصل منه هذا.
* الشيخ: هو يقول لك: حصل، قال: يا سيدي يا مولاي يا فلان يا فلان أنا فقير أرجو أن تعطيني مالًا، في اليوم نفسه مات قريبُه الذي خلَّف ملايين، ولا يعصبه إلا هو، حصل.
* الطالب: من تقدير الله.
* الشيخ: أنت تقول: من تقدير الله، وهو يقول: هذا من الولي.
* الطالب: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [القلم ٤٤].
* الشيخ: يقول: مين قال لكم: إنه استدراج.
* الطالب: من باب البلوى.
* الشيخ: إي نعم، هو ابتلاء يا إخواني، ولكن (...).
* طالب: (...) يعتبر فتنة لهؤلاء.
* الشيخ: هو فتنة وامتحان، وإحنا قلنا له: هذه فتنة، ودعاؤك لم تُحَصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصل عند دعائك لا بدعائك، فقال: تبًّا لكم، ما تعرفون قَدْر الأولياء، وأنا دعوت وحصل لي مرادي.
* الطالب: تجيئه مرة واحدة ما تيجيئه ..
* الشيخ: يقول: ما لي حاجة، وربما نتحداه ونقول: ادع مرة أخرى، فيأتي القدر موافقًا (...).
* الطالب: كل هذا ليس بيده لا حول ولا قوة، لو كان لَمَنَعَ الموت عن نفسه.
* الشيخ: كل هذه عللٌ عليلة، يا إخواني، إحنا قلنا لكم: الله عز وجل قَطَعَ كل تعلق بغيره، ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، إحنا نعلم بالآية الكريمة أن هذا ما يستجيب لك إلى يوم القيامة، وقال: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ٢٢ ٢٣]، هذه آيات واضحة جدًّا أنه ما يمكن يستجيب، إذا لم يمكن أن يستجيب له فنعلم علم اليقين أن هذا الذي حصل ليس بدعاء هذا الولي؛ لأن الله نفى أن يستجيب له.
* طالب: هو بعينه.
* الشيخ: عنده في وقت الدعاء فقط، وليس بالدعاء، فعند الشيء يعني أنه قريب منه، وهذا مَرَّ علينا أظن مذهب مَن؟
* طالب: الأشاعرة.
* الشيخ: الأشاعرة، يقولون: إن الأسباب لا تُؤَثِّر بنفسها، وإنما يحصل التأثير عندها لا بها، إي نعم، فلما ضربت الزجاجة بالحجر وانكسرت قالوا: ما انكسر هذا من ارتطام الزجاجة بالحجر، حصل عنده، عند ارتطامها به ولكن ليس به، على كل حال ما هذا ..
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [الأحزاب ١٨] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إحاطة علم الله سبحانه وتعالى بكل شيء؛ لأن هذه مسألة جزئية من العالم، قول هؤلاء: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتعويقهم فَرْد من أفراد العالم، جزء بسيط لا يُنْسَب إلى العالم، ومع ذلك يعلمه الله، والعالِم بالدقيق عالِم بالجليل من باب أولى، نعم، ففيها اثبات إحاطة علم الله بكل شيء جملة وتفصيلًا.
* ومن فوائدها: ثبوت علم الله في المستقبل؛ لأنها جاءت بصيغة المضارع.
* ومنها: التهديد والتحذير من التعويق عن القتال. وجهه؟
* طالب: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾.
* الشيخ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ﴾، وهذا من أجل تهديدهم حتى لا يفعلوا ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تعاون المنافقين بعضهم مع بعض؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن ﴿الْقَائِلِينَ﴾ تكون عطفًا على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ من باب عطف الصفات، وذكرنا في التفسير أنها محتملة أن تكون عطف الصفات أو عطف الذوات، فإن كانت عطف الصفات صار الْمُعَوِّقُون هم القائلين، وإن كان عطف ذوات صاروا قسمين؛ مُعَوِّق وقائل، فالْمُعَوِّق قد يدعو ويقول: ارْمِ، اترك، وقد لا يدعو، ولكن على كل حال هي في المنافقين؛ لأن آخر الآية يُبْطِل الاحتمال الذي ذكرناه أمس بأن تكون في أحد من المؤمنين.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن أولئك المعوِّقين لغيرهم هم بأنفسهم جبناء؛ لقوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فهم جبناء ومُخَذِّلُون مُرْجِفُون.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كل إنسان يصاحب غيرَه ويمتزج به؛ لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أخوة في الشر والنفاق، وليست في الإيمان.
ثم قال تعالى: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ [الأحزاب ١٩] إلى آخره.
* في هذه الآية: دليل على بُخْل المنافقين بما ينفع المؤمنين، وأنهم لا يأتونهم إلا عن كراهية كالشحيح في بذل المال؛ لقوله: ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾.
* ومنها: جبن المنافقين، وأنهم في غاية الجبن؛ لقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾، إلى آخره.
وبهذا نعرف أنهم أحق الناس بما وصفوا به النبي ﷺ وأصحابه، حيث قالوا: ما رأينا مثل قُرَّائِنَا هؤلاء أرغب بطونًا ولا أكذب أَلْسُنًا ولا أجبن عند اللقاء. فنقول: إن هذه الأوصاف أنتم أحق الناس بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة فزع المنافقين عند الخوف؛ لأن تصويرهم بهذه الصورة يدل على الفزع العظيم الذي ينالهم عند الخوف.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: شدة محبة المنافقين للحياة؛ لأنهم إنما بلغوا هذا المبلغ بالخوف حرصًا على الحياة وخوفًا من الموت بالقتال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: قوة تصوير القرآن للأحوال الواقعة؛ لأن هذه الصورة التي ذكر الله صورة مدهشة، تجعل الإنسان يتخيل شدة فزعهم كأنها رأي عين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن للموت سكرات؛ لقوله: ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾، وهذا بالنسبة للموت العادي، أما الموت المباغِت قد لا يكون فيه سكرات، قد يموت الإنسان بغتة، كالذي يحصل بالحوادث وسكتات القلوب وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الجبناء المنافقين إذا ذهب الخوف على أنهم حين الخوف كالأموات، أو كالذي يغشى عليه من الموت، إذا ذهب صاروا أبطال الكلام، وأمراء الفصاحة والتسلط؛ لقوله: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ﴾، تو ما يجيء كلامهمن إذا راح الخوف بدؤوا يتكلمون.
* ومن فوائدها: شدة المنافقين على المؤمنين، وأنهم عليهم أشداء غلاظ؛ لقوله: ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾.
* ومن فوائدها: أن المنافقين كما قال الشاعر:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ ∗∗∗ ........................
على المؤمنين أسود، بالباطل طبعًا ما هو بالحق، وعند الكفار نعام، تعرفون النعامة مِن جُبْنِها إذا رأت الصيَّاد قالت: هذا بيقتلني، ولكن أدخل رأسي بالتراب علشان ما أشوفه، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عِلْم الله سبحانه وتعالى بما في القلوب، ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾؛ لأن الظاهر لنا أنهم مؤمنون، لكنهم في الواقع غير مؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير من هذه الصفات التي يتصف بها المنافق حتى وإن كان الإنسان مؤمنًا، لماذا؟ لأنها صفات غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾، والمؤمن مَنْهِيٌّ عن الاتصاف بصفات غير المؤمنين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكُفْر مُحْبِط للعمل، سواء كان ظاهرًا أم باطنًا؛ لقوله: ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾.
وفي الجملة من هذه الآية إشكال؛ لأن الإحباط فَرْع عن قيام الشيء، وهم منافقون أعمالهم باطلة من الأصل، فكيف نجيب عن هذا؟
الجواب أن يقال: إن الإحباط نوعان: إحباط ما تم، وإحباط ما لم يتم، فإحباط ما تَمّ ظاهر، إذا تَمّ الشيء فأُلْغِي، وإحباط ما لم يتم أن يكون من الأصل حابطًا، ومنه قول بعض الفقهاء: إذا لم يُكَبِّر تكبيرة الإحرام بطلت صلاته، فنحن نقول هنا: ما صَلَّى حتى تبطل، لكن هذا بطلان ما لم يَتِمّ ولم يكن.
أو جواب ثانٍ؛ أن نقول: أحبط الله أعمالهم، إن أعمالهم ظاهرها الصحة، أو لا؟ لأنها من قوم يَدَّعُون الإسلام، ويفعلونها على ظاهر الشرع، لكنها في الواقع باطلة لعدم الأساس.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أهمية الإخلاص لله عز وجل؛ لقوله: ﴿أُوْلَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ﴾، فجعل الإحباط فرعًا عن عدم الإيمان، وهذا يدل على أن الركيزة الأصلية للأعمال هي الإيمان.
هل يؤخذ من الآية الكريمة أن الأعمال تزداد قوة بقوة الإيمان وفضلًا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: كيف ذلك؟ لأنه لما حَبِط العمل لعدم الإيمان دَلَّ هذا على أنه يقوى بقوة الإيمان، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصحابة: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه. ]]، ما هو العمل واحد الآن، لكن العامل مختلف، فرقٌ بين مَن يعمل بإيمان راسخ قوي كأنما يشاهد الثواب له بعينه، وبين شخص ليس على هذه الحال.
فإذن تفاضُل الأعمال يكون مبنيًّا على تفاضل ما في القلوب، «ويُذْكَر عن الحسن البصري رحمه الله أنه قال: والله ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكنه سبقهم بما وَقَرَ في قلبه رضي الله عنه»[[أخرجه الحكيم الترمذي (٣ / ٥٥) عن أبي بكر بن عبد الله المزني.]] من الإيمان العظيم الراسخ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences