Ibn 'UthayminAl‑Ahzab · 33:3–8

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:3–8, continued

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كفاية الله عز وجل فوق كل كفاية؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب ٣] ، زعم بعض أهل العلم أن مثل هذا التركيب يفيد التعجب، يعني: ما أعظم من كفاية الله! وتوكَّل على الله فما أعظم كفاية الله سبحانه وتعالى! وهذا ليس ببعيد؛ أنّ كَوْن هذه الصيغة تُحَوَّل من: وكفى الله وكيلًا إلى: ﴿وكفى بالله وكيلًا﴾ لا يبعد أن يكون المراد بذلك بيان المبالغة في كفايته سبحانه وتعالى، ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣].

ثم قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].

يستفاد من هذا السياق أن القرآن قد بلغ الغاية القصوى في الإقناع وإقامة البرهان.

وجه ذلك أنه قَدَّمَ الدليل على المدلول بصورة لا يَمْتَرِي فيها أحد، ما هي؟ ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾، فإن هذا أمر معلوم ولا يتنازع فيه اثنان؛ أنه ليس للإنسان إلا قلب واحد، ما فيه قلبان، لماذا؟ لأن هذين القلبين إن اتفقا على أمر واحد صار القلب الثاني لا فائدة منه، أو لا؟ وان اختلفَا تناقضَا في عين واحدة، فماذا يصنع الإنسان، هل يتبع القلب الأيمن ولَّا يتبع القلب الأيسر؟ يبقى محتارًا، لذلك ما جعل الله لرجل من قلبين، ما فيه إلا قلب واحد فقط؛ لأنه في جسم واحد.

وتأمل قوله: ﴿فِي جَوْفِهِ﴾ يستفاد منها فائدة غير أنها بيان للواقع، يستفاد أن الجوف الواحد لا يتناسب معه إلا قلب واحد، وإلا لكان القلبان في جوفين لا في جوف واحد، فصار فيها فائدة غير ما سبق، وهي أنها بيان للواقع، بأن الجوف الواحد لا يمكن أن يديره إلا قلب واحد.

في الآية الكريمة سياق الشيء بالبرهان، أو إثبات الشيء بالبرهان الذي يكون قاطعًا لا يَمْتَرِي فيه أحد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المرأة المظاهَر منها ليست أمًّا؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.

* يتفرع على هذه الآية: أن جَعْلَها أُمًّا في الظهار كذب وزور ومنكر، ولهذا قال الله تعالى في آية الظهار: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ [المجادلة ٢]، فهو منكر لمخالفة الشرع، وزُور لمخالفة الواقع والحقيقة.

* يستفاد من الآية الكريمة: الإشارة أو التنبيه على تحريم الظهار؛ لقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ﴾ ﴿أُمَّهَاتِكُمْ﴾، فإذا كان الله ما جعل ذلك فإنه لا يحل لنا أن نجعل شيئًا لم يجعله الله؛ لأن الأمر إلى الله وحده.

* ويستفاد من الآية ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾: أن الأبناء الأدعياء ليسوا بأبناء حقيقةً ولا شرعًا، فهم ليسوا أبناء قدرًا، وليسوا أبناء شرعًا، ولهذا قال: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾.

* ويستفاد منها: أنه إذا لم يكن الابن الدَّعِيّ ابنًا لا شرعًا ولا حقيقة فإنه لا يحتاج إلى قَيْد يُخْرِجُه من معنى البنوة، لماذا لا يحتاج؟ لأنه غير داخل فيها أصلًا حتى نحتاج إلى قيد نخرجه به.

* ويتفرع على هذه الفائدة: بيان ضعف قول مَن يقول: إن الاحتراز في قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] إن الاحتراز في قوله: ﴿الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ عن ابن التبني؛ لأننا نقول: إنه أصلًا لم يدخل حتى يحتاج إلى قيد يُخْرِجُه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يقول قولًا لا يعتقده، ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤].

* ويستفاد منها: أنه ليس من الرجولة، وليس من العقل أن يقول الإنسان قولًا بِفِيه وهو لا يعتقده بقلبه؛ لأن المراد من قوله تعالى: ﴿قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ المراد به التنديد بهم والتوبيخ لهم، كيف تقولون شيئًا بأفواهكم وأنتم تعترفون بقلوبكم أنه ليس موافقًا للواقع؟ ﴿ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن قول الله عز وجل كله حق ليس فيه باطل؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾ [الأحزاب ٤]، والحق سبق أنه في كلام الله هو الصدق والعدل؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥]، وهو باعتبار الخبر صدق وباعتبار الحكم عدل.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أن كلام الله عز وجل ليس فيه تناقض؛ لقوله: ﴿يَقُولُ الْحَقَّ﴾، والتناقض ما يكون إلا في الباطل، فالحق لا يمكن أن يتناقض، واضح؟

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن ما وصف الله به نفسه في كتابه فهو على حقيقته، وليس فيه تحريف أو تأويل؛ لأنه لو كان على خلاف ظاهره لكان ظاهره يدل على أيش؟ على باطل، إذا قلنا: إنه على خلاف الظاهر لزم أن يكون دالًّا على باطل، إذا كان المراد بآيات الصفات خلاف ظاهرها صار ظاهرها يدل على حق ولَّا على باطل؟

إذا قلنا: إن المراد بآيات الصفات خلاف الظاهر، صار الظاهر باطلًا؛ لأنه خلاف المراد، وهذا ينافي قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، فهو سبحانه وتعالى لا يقول إلا الحق.

* ويستفاد من الآية: أنه مع ظهور أن الله يقول الحق فإن الناس لا يتفقون عليه؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب ٤]، يعني حتى مع أن الله لا يقول إلا الحق فليس كل أحد يهتدي لذلك، بل الهداية بيد الله عز وجل.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى في سؤاله الهداية؛ لقوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، وتأمل تغيير الصيغة حيث قال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ﴾، ثم قال: ﴿وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾، ولم يقل: ويهدي السبيل، لأجل أن تكون الجملة الثانية مستقلة بركنيها بمبتدئها وخبرها؛ لأن قوله: ﴿وَهُوَ يَهْدِي﴾، ﴿هُوَ﴾ مبتدأ، وجملة ﴿يَهْدِي﴾ خبره، فكانت الجملة مستقلة عن الأولى؛ لأن ذلك أبلغ في بيان أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن طريق الحق واحد؛ لقوله: ﴿السَّبِيلَ﴾، وهو مفرد، وهكذا تجدون أن السبل تأتي جمعًا فيما يخالف الحق، كذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: مثل؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ﴿مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام ١٥٣]، فالصراط أَفْرَدَه، أما الصراط الآخر أو المخالف لصراط الله فهو جمع، ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾، وإذا جاء طريق الحق مجموعًا فالمراد تنوُّع شرائعه، وكذلك الوَلِيّ، الكفار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ [البقرة ٢٥٧]؛ لأن سبل غير الحق متنوعة كل نوع منها عليه طاغوت يدعو إليه.

* ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: وجوب دعوة الإنسان إلى أبيه ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، يعني: انسبوهم لآبائهم لفظًا وحقيقةً، أما لفظًا فتقول: يا فلان بن فلان، انسبه إلى أبيه، وأما حقيقة أن تعتقد أن البنوة الحق إنما هي لِمَن؟ للأب الحقيقي الذي وُلِدَ الإنسان من صلبه، لا للأب الذي ادُّعِيَ أنه أب.

* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه لا ينبغي أن يُدْعَى الإنسان لغير أبيه، وهذا نوعان:

أحدهما: أن يُدْعَى لغير أبيه لفظًا وحقيقة، فهذا لا يجوز، بل إن الرسول عليه الصلاة والسلام جعل ذلك من الكفر، إذا ادَّعَى الإنسان إلى غير أبيه وهو يعلمه فإن ذلك كفر، «فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ أَنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبَائِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٧٦٨)، ومسلم (٦٢ / ١١٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه، ولفظه: «لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر».]].

الثاني: أن يَدَّعِيَ إلى غير أبيه لفظًا، ولكن لا تثبت أحكام البنوة إطلاقًا إلى مَن ادعى إليه، فهذا نقول: إنه خلافُ ما أمر الله به.

ولكن أهل العلم يقولون: إن الإنسان إذا اشتهر به مع عدم الالتفات إلى أحكامه ومقتضياته فإنه جائز، وذكروا لذلك مثل المقداد بن الأسود، فإن المقداد بن الأسود ليس أبوه هو الأسود، ولكن الأسود كان قد تَبَنَّاه، واشتهر بهذه الكنية، واستمر عليه حتى أبطل الله التبني، ولكن بقي مشهورًا بذلك، قالوا: فهذا لا يضر؛ لأنه انتفت عنه أحكام التبني ولم يَبْقَ إلا اللفظ.

ومع هذا فإن الأفضل بلا شك هو أن يُدْعَى إلى أبيه، لكن المشكل أن الشيء إذا اشتهر فوصفته بغير ما اشتهر به حصل بذلك الالتباس، الآن لو قلنا: عن عبد الرحمن بن صخر، أن النبي ﷺ قال كذا وكذا، يمكن أن كثيرًا من الناس لا يدري من هو، لكن إذا قلت: عن أبي هريرة كلنا يعرفه.

وفي الآية الكريمة دليل على أن الأعمال تتفاضل عند الله؛ لقوله: ﴿هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، يعني: أبلغ في العدل، ووجه ذلك أن هذا الرجل الدَّعِيّ كوننا ننسبه إلى غير أبيه هو باعتبار أبيه ظلم ولَّا لا؟ ظلم، كيف تنسبه إلى شخص ما أتى من صلبه وتَحْرِم مَن أتى من صلبه من دعوته إليه؟ هذا لا شك أنه جور، ولهذا قلنا في الدرس الماضي: إن اسم التفضيل هنا ليس في الطرف الآخر منه شيء؛ لأنه ليس فيه أي عدل في أن تنسب الإنسان إلى غير أبيه، وقلنا: إن فائدة التفضيل هنا بيان أن هذا الشيء قد بلغ الغاية في العدل؛ لأن هذا جِيءَ به باسم التفضيل، ﴿أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾، هل أخذنا الجملة التي بعدها؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: له أب فإنه يُدْعَى بأُخُوَّة الدين، والولاية في الدين؛ لقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب ٥]، أما كونهم إخوانًا لنا في الدين فظاهر، وأما كونهم موالي فإن كان عتيقًا للمرء فهو مولى له بالعتق، وإن لم يكن عتيقًا فهو مولى له في الدين؛ لأن المؤمنين كما قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ﴾ [التوبة ٧١]، فهم إخوانكم ومواليكم، فتدعوه بـ: يا أخي، لو قلت: يا ابن أخي، يصح؟ يصح.

المؤلف يقول: (﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾: بنو عمكم)، فجعل الولاية هنا ولاية النسب وليست ولاية الدين، لكن في النفس من هذا من الشيء، فالولاية إما ولاية دين وإما ولاية عتق، فأما ولاية العتق فواضح أن العتيق مولًى لمن أعتقه، وأما ولاية الدين فظاهر أيضًا أن كل مؤمن وليٌّ لأخيه المؤمن، أما ولاية النسب كقوله: بنو عمكم، فهذه إن كانت اللغة العربية يأتي فيها مثل هذا التعبير فنحن نقبل ذلك؛ لأن القرآن عربي، ولا مانع من أن يكون للفظ الواحد عدة معانٍ إذا كانت لا تناقض بينها، الآن انتهى الوقت.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском