Ibn 'UthayminSaba · 34:20–28

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Saba 34:20–28, continued

فالحلولية يقولون: إنه يجب عليك أن تؤمن بأن الله في كل مكان بذاته، وتُنْكِر علوه، في كل مكان بذاته؛ إن كنت في المسجد أو كنت في السوق أو كنت في البر أو كنت في البحر، فالله سبحانه وتعالى بذاته في ذلك المكان، وإن كنت في الحُش فهو في الحش، الحش ما هو؟ مكان التخلي يعني -والعياذ بالله- ما نزهوا الله عن الأنتان والأقذار، نسأل الله العافية ولا شك أن هذا كفر محض، ولا يشك أحد في كفر مَنِ اعتقد هذه العقيدة.

الطائفة الثانية المنكرة للعلو يقولون: إنه لا يجوز لنا أن نقول: إن الله فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا متصل ولا منفصل، وهذا أيش؟ هذا تعطيل محض؛ يعني: لو قيل لك: صف لنا المعدوم ما وجدت أشد إحاطة بالمعدوم من هذا الوصف؛ الذي ليس فوق العالم ولا تحته، ولا يمين ولا شمال، ولا خلف ولا أمام، ولا متصل ولا منفصل، هذا ليس بموجود قطعًا، أمَّا الرسل وأتباعهم فيؤمنون بأن الله عز وجل بذاته فوق كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العقل والفطرة والإجماع والكتاب والسنة، ولنستعرض لهذا الأمر، وإن كان -الحمد لله- الأمر ظاهرًا، لكن.. الكتاب دلَّ على أن الله بذاته فوق عرشه من وجوه متنوعة؛ فتارة بذكر العلو مثل: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وتارة بذكر الفوقية ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام ١٨]، وتارة بذكر صعود الأشياء إليه؛ مثل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠]، وتارة بذكر نزول الأشياء منه ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة ٥]، فقد تنوعت الأدلة من كتاب الله على علو الله سبحانه وتعالى.

وأما السنة فكذلك دلت السنة على علو الله بذاته من قول الرسول ﷺ وفعله وإقراره؛ فقال عليه الصلاة والسلام: «رَبُّنَا اللَّهُ الَّذِي فِي السَّمَاءِ»[[أخرج أبو داود (٣٨٩٢) عن أبي الدرداء، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَنِ اشتكى منكم شيئًا، أو اشتكاه أخٌ له فليقلْ ربنا الله الذي في السماء..» الحديث.]] وقال: «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٥١)، ومسلم (١٠٦٤ / ١٤٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]].

وأما فعله فإنه في يوم عرفة وهو يخطب الناس عندما خطب تلك الخطبة العظيمة «قال لهم: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟» قالوا: نعم. قال: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»، يرفع أصبعه إلى السماء وينكتها إلى السماء. «اللَّهُمَّ اشْهَدْ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]] هذا أيش؟ سنة فعلية، لإشارته عليه الصلاة والسلام حين ذكر الله، وأما الإقرارية فإنه« أُتِيَ إليه بجارية فسألها فقال: «أَيْنَ اللَّهُ؟» قالت: في السماء. قال: «أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه.]]. هكذا قال، ويعتبر هذا أيش؟ إقرارًا، فقد تنوعت السنة بالدلالة أو في الدلالة على علو الله تعالى بذاته.

وأما الإجماع فقد أجمع السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الأمة على أن الله تعالى في السماء بذاته ولم يقل أحد منهم بحرف واحد إن الله ليس في السماء أو إن الله في كل مكان بذاته أبدًا.

وأما العقل فاسأل عقلك هل الكمال في علو الذات أو في نفي العلو عنها؟ الأول بلا شك، علو الذات تدل على الكمال، بل هي الكمال، فإذا كان العلو هو الكمال فإن من المعلوم عقلًا أن الرب متصف بماذا؟ بالكمال، وحينئذ يَثْبُت له العلو عقلًا، أما الفطرة فاسأل فطرتك عندما تسأل الله شيئًا، افرض إنك ما درست ولا حضرت في المساجد ولا شيء، إذا سألت الله عز وجل شيئًا أين يَنْصَرِفُ قلبُك؟ إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المعالي الجويني كان يقرر فيقول: كان الله ولم يكن شيءٌ قبله، وكان عرشه على الماء. يريد بذلك أن ينكر استواء الله على العرش الذي مِنْ لازمه الإقرار بالعلو فقال له أبو العلاء الهمداني رحمه الله: دعْنَا من ذكر العرش، وأخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في نفوسنا، ما قال عارف قط: يا الله، إلا وجد مِنْ قلبه ضرورة بطلب العلو، صح، فلطم الجويني لطم على رأسه وصرخ، وقال: حيرني الهمداني. ليش؟ لأن الدليل الفطري لا يمكن النزاع فيه، الدليل الفطري لو نازعك منازع قلت: هذا مجنون.

* الطالب: هل في الحديث الذي سرد (...)؟

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، لما قال: وكان عرشه على الماء، وكان الله لم يكن شيء قبله. يعني ما ذكر استوى على العرش، لم يذكر استواءه على العرش، هذا يريد أن يُقَرِّر أن الله تعالى لم يستوِ على العرش فينتفي علوه.

* الطالب: حذف شيئًا من الحديث يعني؟

* الشيخ: لا، أبدًا هو نفس الحديث، لكن هو أراد أن يقرر أن الله كان ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء؛ يعني: ولا فيه استواء وعلو.

فالآن نقول: إن الأمر الفطري لا يمكن أبدًا لأحدٍ أن يُنْكِرَه، لو أن أحدًا أنكر طلبَ الطعام للجائع يُصَدَّق؟ لو قال: الجائع ما هو بيطلب الطعام؟ ما يُصَدَّق؛ ولهذا تحيَّر أبو المعالي الجويني وعجز عن الإجابة؛ لأن هذا دليل فطري لا ينازع فيه أحد.

إذن فقد تطابقت الأدلة على علو الله تعالى بذاته، أما علوه بصفاته؛ سواء كانت صفات قدر أو قهر، فهذا يقرُّ به جميع المنتسبين إلى الإسلام حتى الجهمية والأشاعرة وغيرهم يُقِرُّون بأن الله سبحانه وتعالى عالٍ علوًّا معنويًّا؛ وهو علو الصفات.

قال المؤلف رحمه الله: (﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فوق خلقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) (﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم) لا شك أن هذا ليس تفسيرًا مطابقًا، ولكنه كأن المؤلف أخذه من قَرْنِ العظيم بالعليِّ في آية الكرسي؛ حيث قال: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة ٢٥٥] وهنا قال: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، ففسَّر ﴿الْكَبِيرُ﴾ بأيش؟ بالعظيم، ولكن الصحيح أن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس معناه العظيم، بل معناه ذو الكبرياء، ومعناه أن الله تعالى لا يماثله شيء في ذاته، فالسماوات السبع والأرضين السبع في كفه سبحانه وتعالى كخردلة في كفِّ أحدنا؛ يعني: السماوات السبع على عظمها، والأرضين السبع مثل ما لو وضع الإنسان في يده خردلة. حب الخردل تعرفونه، حب الخردل صغير. كبر أيش؟

* طالب: السمسم.

* طالب آخر: حبات العدس.

* الشيخ: كبر السمسم، هذا الخردلة لو حطتها في كفك ليست بشيء، وهذا أيضًا تمثيل على سبيل التقريب، وإلَّا فالله تعالى أعظم وأجل، فكل المخلوقات بالنسبة له سبحانه وتعالى ليست بشيء، فينبغي أن نقول: إن ﴿الْكَبِيرُ﴾ ليس هو العظيم، بل يفيد معنىً آخر، وهو الذي له الكبرياء، وهو الذي لا يُنْسَب إلى شيء من خلقه، فالسماوات السبع والأراضين السبع في كفه كخردلة في كف أحدنا.

(...) في هذه الآية دليل على إثبات الشفاعة؛ لقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ﴾، فإن قلت: ما وجه الدلالة على إثبات الشفاعة مع أنها نفي ﴿لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾؟

(...) ولم يقل: ولا تكون الشفاعة، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾، دلَّ على إثباتها، لكن لا تنفع إلا بإذنه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تعالى وقوة سلطانه، من أين يؤخذ؟

* طالب: (...).

* الشيخ: وجه ذلك أنها تدل على عظمة الله وقوة سلطانه، وجه الدلالة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: هذا ما فيها.. ما قال: إن الله قوي ذو سلطان أو عظيم ذو سلطان، لكن هي تدل على ذلك باللازم، فما وجه الدلالة؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ما (...).

* طالب: (...).

* الشيخ: بخلاف المخلوقين مهما عَظُم ملكهم فإنه يدخل الشافع على الملك والسلطان ويشفع بدون إذن، فكلما عظم السلطان ازدادت الهيبة، وصار لا يتكلم أحد إلا بإذن الله؛ كما قال تعالى في سورة (عم يتساءلون): ﴿وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ ٣٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: قطع كل سبب يتعلق به المشركون في آلهتهم، ما وجهه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، قطع كل الأسباب التي يستدلون بها على أنها تنفعهم، وهي:

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، وأنه لا تنفع الشفاعة، هذا آخر سبب يمكن ومع ذلك نفاها الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيانُ كرم الله عز وجل على كلٍّ من الشافع والمشفوع له، منين تأخذ كرم الله على الشافع والمشفوع له؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أحسنت.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى يتكلم بكلام مسموع، ونحن الآن نأخذ الفوائد بناء على القول الراجح في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.

* طالب: (...).

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: والله ممكن ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولكن أنا أردت في الآية: ﴿إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.

* الطالب: (...).

* الشيخ: أيش بين؟

* الطالب: (...) صعق الملائكة.

* الشيخ: صعق الملائكة، ولولا أنهم يسمعون كلامه لم يصعقوا.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن كلام الله عز وجل ليس ككلام المخلوقين، بل هو أعظم؛ لأن السامع له يَصْعَق إلا أن يُثَبِّتَه الله عز وجل؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن قول الله عز وجل كله حق؛ لقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات الربوبية؛ لقوله: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات علوه سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو ينقسم إلى: علو الذات، وعلو الصفات، وكلاهما ثابت لله عز وجل.

* ومن فوائدها: إثبات الكبرياء لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن للملائكة عقولًا وفَهْمًا وإدراكًا وقلوبًا؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قلوبهم كقلوب الآدميين؟ الله أعلم، لا نعلم كيفيتها، والملائكة صمت لا يشربون ولا يتكلمون وليس لهم أجواف ولا أمعاء؛ لأنه لا يحتاج إلى الجوف والأمعاء إلا مَنْ يأكل ويشرب.

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: لا. يتكلمون، أنا قلت: لا يتكلمون؟! يتكلمون، لا أنا أقول: إنهم لا يأكلون ولا يشربون.

* ومن فوائد الآية: أن الملائكة يتكلمون؛ ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.

34:24–26Page 431

۞ قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٢٤

Say, "Who provides for you from the heavens and the earth?" Say, "Allāh. And indeed, we or you are either upon guidance or in clear error."

قُل لَّا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّآ أَجۡرَمۡنَا وَلَا نُسۡـَٔلُ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٢٥

Say, "You will not be asked about what we committed, and we will not be asked about what you do."

قُلۡ يَجۡمَعُ بَيۡنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفۡتَحُ بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَهُوَ ٱلۡفَتَّاحُ ٱلۡعَلِيمُ ٢٦

Say, "Our Lord will bring us together; then He will judge between us in truth. And He is the Knowing Judge."1

ثم قال الله عز وجل: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سبأ ٢٤] ﴿مَنْ﴾ اسم استفهام، والمراد به التحدي؛ تحدي هؤلاء المشركين الذين يعبدون مع الله غيره، هل هذه الأصنام ترزقهم مِنَ السماوات والأرض؟ لا، ولكن الذي يَرزق هو الله فيتحداهم بالسؤال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؟

وقوله: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾ ﴿مِنَ﴾ لابتداء الغاية؛ أي: أن الرزق يأتي من السماوات، والرزق بمعنى العطاء، فما هو الرزق من السماوات؟ قال المؤلف: (بالمطر)، فإن المطر رِزْق ينزل للأرض فتنبُت، وأما الرزق من الأرض فأمره ظاهر ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩]، ثم إننا قد نقول: بأن الرزق من السماوات أشمل من المطر فإن السماوات ينزل منها المطر وينزل منها المن والسلوى، وربما نقول: إن الطيور في جوِّ السماء إنها من رزق السماء؛ لأنها تأتي من فوق، فكل ما يأتي من فوق فإنه يصدُق عليه من رزق من السماوات.

﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخطاب في قوله : ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ، والمخاطب في قوله: ﴿يَرْزُقُكُمْ﴾؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، المخاطب الله! كيف؟! ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ المشركون والكفار، فبماذا يجيبون؟ أحيانًا يجيبون بالصواب كما في قوله في سورة يونس: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١]، هذا جواب صحيح، أحيانًا لا يجيبون يتلعثمون، أو يَأْبَوْن أن يتكلموا عِنادًا وخوفًا من الإلزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. ألزموا بألا يعبدوا إلا الله، كيف تعبدون مَنْ لا يرزق؟ فهم أحيانًا يجيبون بالصواب، ويقولون: الله. ثم يكابرون ويعاندون، ويقولون: إنَّ ما نعبدهم شفعاء لنا عند الله ليقربونا إلى الله زلفى، ما نعبدهم لذواتهم، وأحيانًا يَأْبَوْن الجواب، يتلعثمون؛ لأن الحق ثقيل عليهم، إذا لم يقولوا شيئًا، فقل: الله؛ ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يرزقكم من السماوات والأرض، فإن أَبَوْا قالوا: لا، هو غيره، ولكن لا يمكن أن يقولوا: هو غيره، فقل مَنْ؟ أعد عليهم السؤال مرة ثانية.

قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، قال المؤلف: (إن لم يقولون)؛ يعني إن لم يقولوا الله (...).

* * *

* من فوائد الآية الكريمة: قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ وجوب مناظرة المشركين ومحاجتهم، ويؤخذ الوجوب من قوله: ﴿قُلْ﴾ لأن الأصل في الأمر الوجوب.

* ومن فوائدها أيضًا: أنه ينبغي أن يُستدل بالأوضح والأبين؛ فإن الرزق من الله عز وجل أمر معلوم (...)، لا يستطيع أحد أن يقول: إنه ينزل المطر أو أنه ينبت النبات، ففي باب المناظرة ينبغي للإنسان أن يستدل بما هو أَبْيَن وأوضح، وهذه طريقة القرآن كما مرَّ علينا في قواعد التفسير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إجابة السائل فيما هو واضح، جواز إجابة السائل عما سأل فيما هو واضح؛ لقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾، ومثاله في الأمور العادية أنا أسألك مثلًا، مَنِ الذي جاء بكذا وكذا؟ توقف، عنده تلعثم إما جهلًا أو مكابرة، فأقول: أليس فلان هو الذي جاء به؟ فأقرِّرُك. وهذا -أعني إجابة السائل- إنما هي في الأمور الواضحة، أما في الأمور غير الواضحة فقد يُعارَض ولا يكون جوابه مقنعًا، لكن في الأمور الواضحة للسائل أن يجيب نفسه أيش؟ إذا تلعثم الخصم ولم يجب، أما إذا أجاب فالأمر واقع، وهذا الاستفهام الموجود في الآية الكريمة هذه هل أجاب عنه المشركون عنه بالحق في موضع آخر؟ نعم، في سورة يونس ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس ٣١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز محاجة الخصم بما يعرف في باب المناظرة بالسَّبْرِ والتَّقْسِيم، السبر يعني تتبع الشيء، والتقسيم يعني الترديد بَيْنَ هذا أو هذا؛ فمثله هنا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ تتبعنا الحال، وجدنا أن حالَ كُلٍّ مِنَّا لا تخرج عن حالَيْن إما هدى وإما الضلال، وهي إما لنا وإما لكم وليس هناك شيء ثالث، هذا يعرف بالسَّبْرِ والتقسيم، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم ٧٧] هذه دعواه؛ ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾، قال الله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ يعني: هل يعلم الغيب أنه سيؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٨] يعني: أم أن الله أعلمه بذلك وعهد به إليه؟ فيه قسم ثالث؟ القسم الثالث الكذب؛ ولهذا قال: ﴿كَلَّا﴾ أي أنه لم يَطَّلِع الغيب ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، قل لي يا أخ: ما الذي قلتُ؟ وما المثال الذي مَثَّلْتُ به؟ (...) بين هذا أو هذا، حتى يتبين أنه لا بد أن يكون أحد أمرين؟

* الطالب: المثال؟

* الشيخ: هات الآية مثالًا، نحن أو أنتم، الآن أمامنا طريقان هدى وضلال، إما نحن على الهدى وأنتم على الضلال، أو نحن على الضلال وأنتم على الهدى، كذلك الآية التي في سورة مريم واضحة أيضًا جدًّا: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم ٧٧، ٧٨]، وجه ذلك أن الله قال: هل هذا اطلع الغيب وعلم أنه سيُؤتى مالًا وولدًا؟ ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أي: أن الله أخبره وعهد به له بأنه سيؤتيه مالًا وولدًا؟ لأن دعواه هذه إما أن تكون كذبًا أو عنده علم من الغيب أو عَهْدٌ من الله، ويش قال الله تعالى في هذا؟ ﴿كَلَّا﴾ يعني: لا هذا ولا هذا، إذا انتفى هذا وهذا ويش يبقى الأمر؟ يبقى الكذب، أنها دعوى كاذبة لا حقيقة لها، ولهذا قال: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم ٧٩، ٨٠].

ومنه أيضًا قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة ٨٠] ويش الجواب؟ ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ إن كان عنده عهد من الله فإن الله لا يخلف العهد ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجواب أنهم قالوا على الله ما لا يعلمون.

طيب هنا أي قلت: يستفاد من الآية الاستدلال بما يُعْرَف عند علماء المناظرة أو علماء المناظرة والجدل بماذا؟ بالسَّبْر والتقسيم؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾.

* ومن فوائدها: التلطف مع الخصم والتَّنَزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحق؛ من قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ لأن هذا في غاية التنزل مع الخصم والتلطف معه ليقرَّ بالحق، وانظر إلى نحوٍ من ذلك في قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل ٥٩]، معلوم أن الله خير، أليس كذلك؟ لكن من باب التنزل معهم قيل لهم: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ﴾ أم أصنامكم وآلهتكم؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: المبالغة في التَّنَزُّل مع الخصم وتحمل الغضاضة للوصول إلى الغاية المقصودة؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥]، ونظير هذا التنزل مع الخصم وتحمل الغضاضة الشروط التي وقعت بَيْنَ مَن؟ بين النبي ﷺ وقريش في صلح الحديبية، وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.

وكانت النتيجة والعاقبة لمن؟ للرسول ﷺ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان لا يُسأل عن عمل غيره، ولا يُسأل غيرُه عن عمله؛ لقوله: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٢٥].

ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨] كل إنسان وعمله.

ويُستثنى من ذلك ما إذا كان عمل الغير ناشئًا عن عملك بأن تكون أنت الدال عليه، أو المعين عليه فإن لك من وِزْره بقدر عملك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً؛ فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]. فهل هذا يخالف الآية الكريمة اللي معنا؟ لا؛ لأن حقيقة الأمر أن وزر الغير مبني على وزرك فيكون من فعلِك، فيدخل في إجرامك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات السؤال عن العمل؛ لأن قوله: ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ يعني من الذي يُسأل؟ الإنسان، كُلٌّ مسؤول عن عمله، ولو كان السؤال منتفيًا مطلقًا ما صح أن يقال: ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ وكل إنسان مسؤول عن عمله ولا بد، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص ٦٥] ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف ٦، ٧] وما دام الإنسان يؤمن بذلك بأنه سيُسأل عن عمله فسوف يحرص غاية الحرص على أن يكون عمله موافقًا لشرع الله.

ثم قال تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦].

* في هذه الآية: إثبات البعث والجمع؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ وهذا الجمع ثابت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن ٩]. ويدخل فيه أيضًا الجمع في الدنيا في القتال؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال ٤١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومعلوم أن اجتماعنا من فعلنا فأضافه الله إلى نفسه؛ لأنه هو المدبِّر له سبحانه وتعالى المقدِّر له، أو لا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: على الرأي الثاني أنه في الدنيا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حكم الله عز وجل كله حق وعدل؛ لقوله: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعدل الذي ليس فيه ظلم ولا جور.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ما قرره أهل السنة والجماعة من أن اسم الله إذا كان متعديًا لم يتم الإيمان به إلا بالإيمان بكونه اسمًا، وبما تضمنه من صفة، وبما تضمنه من أثر وحكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدل هذا على أن أسماء الله عز وجل المتعدية تضمن الأحكام والآثار المترتبة على ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما ﴿الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ ٢٦]. وكما سبق في الشرح أن الفتاح تشمل معاني كثيرة؛ الفتح بالنصر، وبالعلم، وبالفهم، وبالقصد الحسن، وبغير ذلك؛ يعني أنها اسم واسع.

* ومن فوائدها: إثبات العلم لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنه صفة من صفاته الثابتة اللازمة؛ لأنه موصوف به أزلًا وأبدًا في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تهديد الْمُناظِر بالجزاء المجزوم به؛ لقوله: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ [سبأ ٢٦]؛ لأن هذا يتضمن التهديد؛ لأننا نعلم أن الله إذا فتح بينهم فسيكون الحق مع مَنْ؟ مع المسلمين.

بهذا عرفنا الترديد في قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ [سبأ ٢٤] أن الذين على الهدى مَنْ؟ هم المسلمون، وأن أولئك على الضلال؛ لأنه لو قال قائل: الآية فيها ترديد ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ طيب ما عرفنا ما الذي على الهدى، نقول: الذين على الهدى هم الذين يفتح الله عليهم، وينصرهم على أعدائهم بالحق.

34:27Page 431

قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧

Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧] في هذا ما سبق من أنه من آداب المناظرة سلوك التحدي فيما يُعلم امتناعه من الخصم؛ لأنك إذا تحديته بأمر لا يمكن وظهر عجزه تبين بطلان دعواه، أو لا؟ بخلاف ما إذا تحديته بأمر يمكنه أن يفعله فإن هذا ضرر عليك، لا تتحدى الخصم إلا بأمر يعجزه ولا يتمكن منه، هنا يقول: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يعني أعلموني ماذا خلقوا؟ ماذا نفعوا؟ لم يخلقوا شيئًا، ولم ينفعوا، ولم يدفعوا ضررًا كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل ٢٠، ٢١] وقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم ٤٢].

وقوله: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾.

* يستفاد منها: أن الشِّرْك يكون في العبادة كما يكون في الخَلْق والتدبير؛ بمعنى أن الشرك يكون في الألوهية كما يكون في الربوبية، وجه ذلك أن هؤلاء المشركين لم يكونوا يُشرِكون في الربوبية، ولكنهم يشركون في الألوهية والعبادة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يمكن أن يُرِي أحد من الناس أن لهذه الأصنام شيئًا من الخلق أو الرزق أو التدبير، يؤخذ من قوله: ﴿كَلَّا﴾ [سبأ ٢٧] يعني لا يمكن أن تروني شيئًا من هذه الأصنام.

* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات اسمين من أسماء الله؛ وهما العزيز والحكمة، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكمة، الاسمان العزيز، الحكيم، وما تضمناه من صفة وهي العزة والحِكْمة والْحُكْم، العزة يعني الحكيم، قلنا: بم؟ ذو الحُكم والحِكمة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أفعال الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن تقع سفهًا؛ لقوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧]، والحكيم هو الذي لا يقع في فعله سفه، وهذا شيء معلوم بالضرورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان ٣٨]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون ١١٥].

* ومن فوائدها أيضًا: أن الله عز وجل لا يُغلب؛ لقوله: ﴿الْعَزِيزُ﴾ [سبأ ٢٧]، وإذا آمنت بذلك، واستنصرت به تبارك وتعالى علمت أنك لا تُغْلَب.

34:28Page 431

وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨

And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.

قال الله عز وجل بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا﴾ [سبأ ٢٨]..

ذكرنا أن المؤلف رحمه الله فسَّر في تفسيره العزيز بـ(الغالب)، وفي قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ [سبأ ٢٧] (في تدبيره لخلقه)، وأخطأ أيضًا في قوله: (فلا شريك له في ملكه)؛ لأنه ليس المقام مقام نفي الشريك في الملك، إنما المقام مقام نفي الشريك في العبادة؛ إذ إن هؤلاء المشركين يعترفون بأن الله لا شريك له في ملكه.

قال الله تعالى: (﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ حال من الناس قُدِّم للاهتمام ﴿لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨]).

قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ هذا الاستثناء يسمونه استثناء مفرغًا من أعم الأحوال؛ يعني ما أرسلناك لأي حال من الأحوال إلا بهذه الحال يعني إلا للناس كافة ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى جميعًا.

وقوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإرسال معناه الأمر بتبليغ الشيء فأنت إذا أرسلت شخصًا من الناس إلى شخص آخر معناه أنك أمرتَه أن يبلغ شيئًا ما إلى الموصل إليه؛ ولهذا قال العلماء في تفسير الرسول: هو الذي أوحي إليه بالشرع وأُمِر بتبليغه.

وقوله: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨] الناس معناهم هم البشر، وسموا ناسًا من قولهم: أنِس إذا تحرك وعمل، وعلى هذا فيكون الناس اسمًا مشتقًا، وليس اسمًا جامدًا، قالوا: وأصله الأُناس، أصله الأناس، لكنها حُذِفت الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، قالوا: ومثل ذلك قولهم: شر وخير، بأن تقول: هذا خير من هذا؛ بمعنى أَخْيَر من هذا، فحُذِفت الهمزة للتخفيف لكثرة الاستعمال، قالوا: ومِنْ ذلك الله، فأصله الإله، حُذِفت الهمزة للتخفيف؛ لكثرة الاستعمال، على أن هذه المسألة الثانية الأخيرة فيها شيء من النظر؛ لأن الإله تأتي إلى جانب الله فتقول: هو الله الإله العظيم، إلى آخره.

يقول: (﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أي: كفار مكة) وهذا قصور من المؤلف رحمه الله؛ لأننا إذا قلنا: إنك أُرسلت إلى كفار مكة فغيرهم لم يرسل إليهم، وهذا قصور عظيم جدًّا، كيف تأتي كلمة الناس في مقام الرسالة ونقول: المراد بها كفار مكة، الصواب أن المراد بها كل البشر، كفار مكة، وكفار واشنطن، وكفار موسكو، وكفار الصين، وكل الكفار ولَّا لا؟ إلى يوم القيامة ولَّا في حياته فقط؟ إلى يوم القيامة للناس عمومًا.

﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨].

(﴿بَشِيرًا﴾ مُبشِّرًا للمؤمنين بالجنة و﴿وَنَذِيرًا﴾ منذرًا للكافرين بالعذاب) ﴿بَشِيرًا﴾ حال أيضًا من الكاف في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ ﴿بَشِيرًا﴾ فعيل بمعنى (مُفْعِل)، أو بشير بمعنى لبشارة، وفعيل تأتي بمعنى (مُفْعِل) كما أسلفنا ذلك كثيرًا.

وقوله: (بشيرًا للمؤمنين بالجنة ونذيرًا للكافرين بالنار)، ينبغي أن يقال: (بشيرًا للمؤمنين بالجنة) كما قال المؤلف: ونذيرًا للعاصين بالعقوبة؛ ليشمل الإنذار عن الكفر والإنذار عن المعاصي، يعني حتى المعاصي رُتِّبت عليها عقوبات من أجل أن تردع الإنسان عن فعلها، والله أعلم.

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] (...).

ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [سبأ ٢٨]. وفيها دليل على أن محمدًا ﷺ عبد مأمور لا رب آمِر؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ كذا، ما الذي قلت؟ (...).

* وفيها أيضًا: عموم رسالة النبي ﷺ.

على رأي المؤلف: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾، فهو كقوله ﷺ: «وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[أخرجه البخاري (٣٣٥) من حديث جابر بن عبد الله.]]. أو نقول: لقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ فإن الناس هذه من صيغ العموم؛ لأن فيها رأيًا آخر يقول: ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى كاف، يعني إلا تكف الناس عن الشرك والعصيان، أو ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ ٢٨]؛ أي: جامعًا لهم على التوحيد والإخلاص، وعلى هذا فتكون حالًا من الكاف في قوله: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ والتاء فيها على هذا المعنى، التاء فيها للمبالغة كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل١٢٠] أي: إمامًا، وكما يقال: هذا علَّامة؛ أي (علَّام)، لكن تكون التاء للمبالغة.

فصار عندنا في ﴿كَافَّةً﴾ قولان: وأن ما ذكرته في الشرح للقصور لا للتقصير ﴿كَافَّةً﴾ أيش؟ فيها وجهان: أن تكون حالًا من الناس مقدمة عليها، وأن تكون حالًا من الكاف في ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ وعلى هذا المعنى على هذا الوجه تكون ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى: كافّ؛ أي جامع أو كاف؛ أي: مانع تكف الناس. وهذا الرأي واضح معناه، والعموم منين تستفيد على هذا الرأي؟ من قوله: (الناس)؛ لأنها لفظ عام.

* من فوائد الآية أيضًا: أن رسالة النبي ﷺ تضمن شيئين هما البشارة والإنذار، البشارة للطائع بالثواب والإنذار للعاصي بالعقوبة.

* ومن فوائدها: الإشارة إلى الحكمة من إرسال الرسل، وهي التبشير والتنذير، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣] إلى قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥].

* ومن فوائدها: أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يعلمون أنه رسول، كذا؟ أكثر الناس، أما الأول فواضح أن أكثر الناس لا يعلمون الحكمة من إرسال الرسل؛ وأما الثاني ففيه نظر؛ لأن الرسالة بلغت أكثر الناس، وستبلغ الناس جميعًا حتى تقوم عليهم الحجة.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الأكثرية لا يلزم أن يكون الصواب معها؛ لأن أكثر الناس لا يعلمون فهم في جهل؛ إذ إن المتمسك بالأديان قليل، والمتمسك بالأديان هو صاحب العلم، وهو صاحب اليقين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب مِنْ أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ على المعنى الأخير الثاني اللي هو ﴿كَافَّةً﴾ بمعنى مانع، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام سبب، وليس بموجب، فهو سبب للهداية ولكن إنك لا تهدي من أحببت، وهل يُستفاد منها إثبات أفعال الله الاختيارية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: منين؟ من قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، فإن هذا فعل من الأفعال المتعلقة بمشيئته سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية أيضًا: إقامة الحجة على الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] فلم يبقَ لأحد حُجَّة على الله بعد الرسل، وهل يؤخذ منها عُذْر مَنْ لم تبلُغه الرسالة؟

* طالب: (...).

* الشيخ: من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ ٢٨] فإن مَنْ لم تبلغه الرسالة لم يحصل له بشارة ولا نذارة.

فما حكم مَنْ لم تبلغه الرسالة؟ نقول: لا يخلو من أمرين: إما أن يكون مُقصِّرًا في طلب الحق، فهذا لا عُذْر له؛ لأنه مُقصِّر، وإما ألا يكون مُقصِّرًا بحيث لم يبلغه أي شيء عن الرسالات، ولم يطرأ في قلبه أي شيء من ذِكْر الرسالات فهذا نقول: إنه يُحكَم له في الدنيا بما هو عليه من دِين، وأما في الآخرة فأمره إلى الله، ما نشهد عليه بشيء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском