Ibn 'UthayminSaba · 34:4–6

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Saba 34:4–6, continued

ونقول لهم: إنَّ هذا مصادَمة للنصوص، ولو تأمَّلنا القرآنَ لوجدنا فيه آلاف الآيات تدلُّ على إثبات الحكمة لله عز وجل، ثم الغرض إنْ كان لمصلحة الغير فهو أيش؟ مدحٌ وثناءٌ، وإنْ كان لحاجة (...) ليس فيها نقصٌ بوجهٍ من الوجوه.

وقد سَبَقَت لكم القاعدةُ الخبيثةُ؛ الذين يقولون: إن الله مُنَزَّهٌ عن الأعراض والأغراض والأبعاض.

والكلام هذا إذا سمعتَه قلت: هذا كلام طيِّب. مُنَزَّه عن الأعراض والأغراض والأبعاض.

(مُنَزَّه عن الأعراض) يعنون بذلك نَفْي أفعاله الاختياريَّة؛ يعني أنَّه لا ينزل، ولا يأتي، ولا يتكلَّم، وما إلى ذلك؛ لأنَّ هذه أعراضٌ تَحْدث وتزول.

(عن الأبعاض) يعنون بذلك نَفْي الوجه واليدين والعينين وما أشبهَ ذلك؛ لأن هذه أبعاضٌ بالنسبة لنا.

(والأغراض) يعنون بذلك نَفْي الحِكمة. والقرآن يَرُدُّ قولَهم هذا.

* من فوائد الآية الكريمة: فَضْل الإيمانِ والعملِ الصالح، وجْهه مِن ترتُّب الثوابِ عليه؛ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وما ترتَّبَ عليه الثوابُ فهو فاضلٌ ومحمودٌ ومطلوبٌ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الفرق بين الإيمان والعمل الصالح عند الجمْع بينهما؛ لأن هُنا ما قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فقط ولا ﴿عَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقط، بلْ جَمَعَ بينهما، وقد سبق لنا أنَّه إذا جُمِعَ بينهما صار الإيمانُ في القلب، والعملُ الصالِحُ في الجوارح.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّ الإيمانَ فقط -يعني: الذي في القلب فقط- لا يكفي عن العمل الصالح؛ لأنَّه رتَّبَ الجزاءَ على قيام الوصفين بالفاعل، وهما الإيمانُ والعملُ الصالح، لكني أقول: إنَّ الإيمانَ إذا كان صادقًا فلا بدَّ أنْ يكون العملُ الصالِحُ؛ لقول النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧)، من حديث النعمان بن بشير.]] .

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العمل ليس مقبولًا ولا محمودًا ولا مُثَابًا عليه حتى يكون صالحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.

ومتى يكون صالحًا؟ إذا جَمَعَ شرطين: الإخلاص لله، والثاني: المتابعة لرسول الله ﷺ؛ فإنْ فُقِدَ الإخلاصُ فليس بصالحٍ وهو مردودٌ على فاعله؛ قال الله تعالى: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]] ، وإن فَقَدَ المتابعةَ فهو أيضًا مردودٌ غير مقبول؛ لقول النبي ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨/ ١٨) واللفظ له، من حديث عائشة.]] ، ولا تتحقَّق المتابعةُ إلا بشروطٍ ستة:

أنْ تكون العبادةُ أو أنْ يكون العملُ موافقًا للشرع في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، لا تتحقَّق المتابعةُ حتى يكون العملُ موافقًا للشرع في الأمور الستة، ما هي؟ في سببه وجنسه وقَدْره وكيفيَّته وزمانه ومكانه، تمام.

فلو أحدثَ الإنسانُ عبادةً لسببٍ غير شرعيٍّ فهي مردودة؛ لو قال: كلَّما سمعتُ نباح الكلاب صلَّيتُ ركعتين. تُجزئ ولا ما تُجزئ؟

طلبة: لا تجزئ.

* الشيخ: تُقبل منه ولَّا لا؟

* طلبة: لا تُقبل.

* الشيخ: لماذا؟ لأنه علَّقها بسببٍ لم تكن مشروعةً من أجْله فلا تُقبل.

لو أنَّ أحدًا من الناس ضحَّى بفرسٍ -أُنثى الخيل- قال: أنا عندي شاةٌ تساوى مئتَيْ ريال، وعندي فرسٌ تساوي عشرين ألف ريال، أبغي أضحِّي بالفرس. تُقبَل؟

* طالب: لا تُقبل.

* الشيخ: ليش؟

* الطالب: جنس (...).

* الشيخ: لأنه مخالفٌ للشرع في الجنس؛ الأضحية ما تكون إلا من بهيمة الأنعام.

لو أنَّ أحدًا تعبَّد لله عز وجل بعبادةٍ محدَّدة بقَدْرٍ معيَّن فزادَ في قَدْرها؛ كما لو صلَّى ستَّ صلواتٍ، قال: إن المدة بين العشاء والفجر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، والمدةُ بين الفجر والظُّهر طويلةٌ تحتاج إلى زيادةِ صلاةٍ، أبغي أصلِّي سبع مرَّات، ما تقولون؟

* طلبة: مردودة.

* الشيخ: ليش؟

* طالب: للكيفيَّة.

* طالب آخر: القَدْر.

* الشيخ: قَدْرها، أو لو صلَّى خمسًا في الرباعية أو ثلاثًا في الثنائية فإنها لا تُقبل.

لو قال قائل: إذا سبَّحَ الرجلُ دُبُرَ الصلاةِ مئتي مرَّة، فهلْ ترفضون هذا التسبيح كلَّه أو تقولون: ما وافقَ الشرعَ فهو مقبولٌ وما زاد عليه فهو مردود؟

* طلبة: الأخير.

* الشيخ: نقول: إذا كانت العبادةُ التي حَصَلَ فيها الزيادةُ تتجزَّأ؛ بمعنى أنَّه يصح أوَّلُها دون آخِرها، فإنَّنا لا نُبطل أوَّلَها بما طرأَ عليها، أمَّا إذا كانت لا تتجزَّأ فإنها إذا بَطَلَ آخِرُها بَطَلَ أوَّلُها؛ فلو صلَّى الظُّهر خمسًا بطلتْ صلاتُه لأنها لا يمكن أن يصح أوَّلُها مع فساد آخِرها، لكنْ في زيادة العدد لا نُبطل العددَ الأول، لكنَّنا نقول لهذا الرجل: إنْ كنتَ تعتقد أن المئتين هي المشروعة فأنت ضالٌّ لأنك مبتدعٌ، وإنْ كنتَ تريد أن تقول: أنا أعترفُ أن المشروع مئة، ولكن زدتُ على أنه تطوُّعٌ، فهذا يُكتَب لك أجْر التسبيح المطلق لا المقيَّد.

في كيفيتها؛ لو أنَّ أحدًا صلَّى وصار يسجد ثم يركع ثم يسجد، ما تقولون؟

* طلبة: ما تُجزئ.

* الشيخ: ليش؟

* طلبة: الكيفيَّة.

* الشيخ: لاختلاف الكيفيَّة.

في الزمن؛ لو أنَّ أحدًا قال: أنا سوف أحجُّ في ذي القعدة، أخرج إلى مِنى في ليلة التاسع من ذي القعدة وأبِيتُ فيها، وفي التاسع أذهب إلى عرفة وأقف.. إلى آخِره، كمَّل أفعال الحج في ذي القعدة، لماذا؟ قال: لأنَّه ما عندي أحدٌ يُضايقني، أيش تقولون في هذا؟

* طلبة: لا يصح.

* الشيخ: ليش؟

* طالب: لاختلاف الزمن.

* الشيخ: لأنها لم تُوافق الشرعَ في الزمن. يُقال: إن رجلًا بدويًّا كان يبيع في المواشي؛ في الأضاحي، يأتي بها يجلبها إلى السوق، وهو ما أدَّى الفريضة، فقيل له: لماذا لم تؤدِّ الفريضة؟ قال: الفريضة تأتي في وقت الموسم، وأنا ما أحب، ولكنني سأذهبُ إلى الشيخ أسأله: هل يجوز أني أحجُّ في عيد رمضان؟ فذهب إلى الشيخ يستأذنه يقول: أستأذنك يا شيخ أنك تسمح لي أن أحجَّ في عيد رمضان بدل عيد الضحية؛ لأن عيد الضحية فيه موسم لنا. فقال له الشيخ: إن أذنتُ لك أن تحجَّ فإني آذنُ لك أن تضحِّي. وحينئذٍ يكون الموسم تابعًا لأيش؟ للحجِّ، ما يتخلَّص منه.

فأقول: إن هذا الذي حجَّ في ذي القعدة حتى لو وافقَ التاسع والعاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر فإنها لا تُقبل، لماذا؟ لمخالفتها للزمن.

رجلٌ في العَشْر الأواخر من رمضان قال: سأعتكفُ في بيتي، ما أنا برائح المسجد، أتعب في تحصيل الطعام والشراب، ويمكن يجي أحد يُلهيني عن ذِكْر الله فبأقعد في البيت، هل يُقبل اعتكافه؟

* طلبة: لا يُقبل.

* الشيخ: ليش؟

* طلبة: المكان.

* الشيخ: نعم؛ لأنَّه مخالفٌ للشرع في المكان.

فتبيَّن الآن أن تحقيق المتابعة لا يكون إلا إذا وافقَ العملُ الشريعةَ في الأمور الستَّة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عُلُوُّ مرتبةِ المؤمنين العاملين الصالحات؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾؛ لأن الإشارة هُنا للبعيد، وذلك لعُلُوِّ مرتبتهم، مثل قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة ١، ٢] مع أن الكتاب بين أيدينا، لكن أشار إليه إشارةَ البعيدِ لعُلُوِّ مرتبته.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ في الإيمانِ والعملِ الصالح حصولَ المطلوبِ وزوالَ المكروهِ؛ لقوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ هذا زوالُ المكروه، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ هذا حصولُ المطلوب.

واعلمْ أنَّ الله تعالى إذا غَفَرَ لك فَتَحَ لك أبوابَ المعرفة وانشرحَ صدرُك بالإيمان؛ لأن الذي يُوجب ضيقَ الصَّدْر وتَشَتُّتَ الفِكْر هو المعاصي؛ ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين ١٣] شوف، ما يعرف قَدْر القرآن، إذا يُتلى عليه القرآن يقول: أساطير الأولين، فلا يعرف قَدْره، لماذا؟ ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين ١٤]، لَمَّا رانَ على قَلْبه عملُه صارَ -والعياذ بالله- لا يرى هذا القرآنَ العظيمَ إلا أيش؟ إلا أساطير الأولين.

ولهذا قال بعض العلماء: ينبغي لِمَن نزلتْ به نازلةٌ وطلب حُكْمَها سواءٌ كانت هذه النازلةُ خاصَّةً به أمْ كان مسؤولًا عنها، ينبغي له أنْ يستغفر الله. واستدلَّ لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء ١٠٥] أيش بعده؟ ﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء ١٠٦] وهذا ليس ببعيد.

إذَنْ من فوائد الإيمانِ والعملِ الصالح حصولُ المطلوب والنجاةُ من المكروه.

* من فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ رِزْق الجنَّة رِزْقٌ كريمٌ؛ أي: واسعٌ كثيرٌ دائمٌ حَسَنٌ، ويدلُّ لذلك قولُه تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقولُه تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ [الواقعة ٣٢، ٣٣].

ثم قال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.

* يُستفاد من هذه الآية: تحقُّق ما وَصَفَ الله به القرآنَ من أنَّه أيش؟

* طالب: حقٌّ.

* الشيخ: لا، من أنَّه مَثَانٍ، إذا ذُكِر فيه المعنى ذُكِر ما يقابله، وإذا ذُكِر فيه العاملُ ذُكِر مَن يقابله.

* ويُستفاد منها أيضًا: الحكمةُ في الخِطاب وأنَّه ينبغي في الخِطاب أن يكون جامعًا بين أسباب الخوف وأسباب الرجاء، لماذا؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يكون جامعًا، ولأنَّه إذا ذُكِر الخوفُ فقط فقد يستولي على القلب القُنوط من رحمة الله، أو الرجاءُ فقط فقد يستولي عليه الأمنُ من مَكْر الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الكفَّار يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾، والسَّعْي كما نعلم نحن أنَّه هو الجرْيُ بشِدَّة، فهؤلاء يَسْعَون جادِّين لإبطال آيات الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الكفَّار كأنما يُعاجزون اللَّهَ ويُغالبونه؛ لقوله: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ هؤلاء الذين سَعَوْا في آيات الله مُعاجزين يُعاقَبون بهذا العقاب الأليم؛ ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾، وقوله: ﴿مِنْ رِجْزٍ﴾ أي: من عذابٍ سَيِّءٍ مؤلِمٍ كما مَرَّ علينا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذيرُ من سَعْي الإنسانِ في إبطال آيات الله؛ فإذا قُلنا على القاعدة التي مَرَّت علينا في قواعد التفسير قبل البارحة: إنَّه إذا نُهِيَ عن شيءٍ فهو أَمْرٌ بضِدِّه، فتكون هذه الآية متضمِّنةً للحثِّ على السعي في آيات الله عز وجل لتقريرها وتَثْبيتها، وهو كذلك، فإنَّنا مأمورون بأنْ نسعى قَدْر استطاعتنا في تثبيت آيات الله عز وجل ونَشْرِها بين الأُمَّة حتى تقوم المِلَّة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثباتُ الجزاءِ والحكمةِ فيه؛ لأنَّ المؤمنين اللي عملوا الصالحات ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، وهؤلاء ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ إلى آخِره.

* في هذه الآية: فضيلةُ العلم، من أين تؤخذ؟

* طلبة: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

* الشيخ: إي، لكن فضيلة العلم.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لكن ما وجْهُ كون هذا يدلُّ على فضيلة العلم؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: أنَّهم يَرَوْن أنَّه الحق، لما آتاهم الله سبحانه وتعالى من العلم.

* الشيخ: صحيح، أنَّ العالِمَ يعرف الحقائق على ما هي عليه، فيرى أنَّ الذي أُنْزِل على الرسول هو الحق، وهذا لا شكَّ أنَّه من فضائل العلم، عكْس الذي يتردَّد في كونه حقًّا أو يُنكر أن يكون حقًّا والعياذُ بالله، فالذين مَنَّ اللَّهُ عليهم بالعلم يَرَوْن أنَّه الحق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارةُ إلى أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بعِلْمه، من أين تؤخذ؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ﴾؛ أي: هو يعلم..

* الشيخ: لا.

* طالب: أنَّ هذا العلم أُنْزِل من عند الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: لا.

* طالب: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾.

* الشيخ: لا يا إخواني، فيه دليل على أنَّه ما ينبغي للإنسان أنْ يُعْجَب بعِلْمه؛ لقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ يعني ما أدركوه بأنفسهم، ولكنَّ الله تعالى مَنَّ عليهم به، واضح؟ لا تَقُل: هذا من عندي. مثل المال أيضًا؛ بعضُ الناسِ يُعْجَب إذا حَصَّل مالًا، وهو الذي أعطاه المالَ هو الله عز وجل، وماذا صَنَعَ اللَّهُ بالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]؟ خَسَفَ به الأرض، فالآن ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ فيها دليلٌ على أنَّه لا ينبغي للإنسان أن يُعْجَب بنفسه ويقول: العلم حصَّلتُه أنا بفَهْمي وحِرصي ومُثابرتي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّه ينبغي للإنسان أن يَلْجأ إلى الله تعالى في تحصيل العلم، من أين نأخذها؟

* طالب: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾.

* الشيخ: من قوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ فإذا كُنَّا نُؤتَى العلمَ فلنسأل هذا العلمَ مِمَّن يؤتينا إيَّاه، أليس كذلك؟

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ كلامُ الله؛ ﴿أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾، ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، كيف كان في ذلك دليلٌ على أنَّه كلامُ الله؟ لأنَّه ليس كلُّ نازلٍ كلامًا، قد يَذْكر الله الإنزال للشيء وليس بكلام.

* طالب: لأن ما نَزَلَ من الله إمَّا أنْ يكون قائمًا بذاته أو قائمًا بغيره، فالقائمُ بذاته مخلوقٌ كالمطر ونحوه، أمَّا القرآنُ فهو قائمٌ بغيره.

* الشيخ: لأنَّه كلامٌ، فلا يمكن إلَّا مِن متكلِّم، فيكون كلامُ الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ وإلَّا هناك أشياء يُنزلها الله ويقول: أنزلناها، وهي مخلوقة؛ ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الأنعام ٩٩]، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [المؤمنون ١٨]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥]، وكلُّ هذه الأشياء مخلوقة ولَّا لا؟ لأنها أعيانٌ قائمةٌ بذاتها، بخلاف القول، فإنَّ القول لا يكون إلَّا بقائلٍ؛ فإذا قال الله: ﴿أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران ٧] وهو قولٌ، صار هذا القول من كلام الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلةُ النبيِّ ﷺ، من أين تؤخذ؟

* طلبة: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾.

* الشيخ: من إضافة الربوبيَّة إليه، وهذه الربوبيَّة خاصَّةٌ كما مَرَّ علينا أيضًا في قواعد التفسير، فحينئذٍ نقول: في هذا فضيلةُ النبيِّ ﷺ.

* وفيها من فوائدها: عنايةُ الله بالرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾، وفيه بيانُ فضلِ الله عليه حيثُ أنزلَ عليه الحقَّ.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أنَّ هذا القرآن حقٌّ في أخباره وفي أحكامه، والحقِّيَّة في الأخبار هي الصدق، وفي الأحكامِ العدلُ، وقد جَمَعَ اللَّهُ ذلك في قوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام ١١٥].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ القرآنَ منارٌ وهُدًى ..

ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن منار وهدى يهتدي به الناس ويستضيؤون به؛ لقوله: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ ٦].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من ابتغى الهدى من غيره ضلَّ؛ لأنه إذا كان هو الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد فإذا ابتغيت الهدى من غيره المخالف له فإنك لا تُهْدى إلى صراط العزيز الحميد؛ ولهذا لما طلب أهل البدع الوصول إلى الخالق عن طريق غير القرآن ماذا حصل لهم؟ ضلوا وتاهوا وبقوا متحيرين مضطربين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من تمسَّك بهذا القرآن نال العزة والحمد أي: صار عزيزًا محمودًا؛ لقوله: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾، ولم يقل: إلى صراط الله، بل قال: ﴿إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ إشارة إلى من تمسَّك بهذا القرآن فله العزة وله الحمد يُحْمَد على فعله وقوله وتركه.

* ومن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وهما العزيز الحميد، وقلنا: إن العزة التي اتصف الله بها سبحانه وتعالى لها ثلاثة أنواع..

* طالب: عزة القهر، وعزة القدر، وعزة الامتناع.

* الشيخ: عزة الامتناع، صح؟ عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، كذا؟ طيب، شرحها؟

* طالب: عزة القدر أن تكون إنسانًا.. هذا إنسان عزيز (...)، وأما عزة القهر يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص ٢٣] أي: غلبني، وأما الامتناع أن تقول: هذه أرض عَزاز أي: قوية صلبة ممتنعة.

* الشيخ: طيب، أحسنت.

الحميد من أسماء الله أيضًا وهو مشتق من الحمد، فهل هو بمعنى اسم الفاعل أو بمعنى اسم المفعول؟

(...) العزة وإثبات الحمد لله، فيه عبارة عند الناس يقول: الحمد لله الذي لا يُحْمَد على مكروه سواه، ويش تقولون في العبارة هذه؟

* طلبة: غير صحيحة.

* الشيخ: ما هي بمناسبة؛ لأنك تُعْلِن إعلانًا تامًا بأنك تكره ما قضى الله، «الرسول عليه الصلاة والسلام إذا أصابه أَمْرٌ يُسَرُّ به قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ»، وإذا أصابه ما يكره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] ولا يذكر شيئًا مكروهًا؛ ولهذا ينبغي لنا أن نُنَبِّه من تكلم بهذه العبارة نقول: يا أخي، لا تقل هكذا، هذا يشعر بأنك لم ترض بقضاء الله، قل: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

الآن نحن نعلم أن الله رب كل شيء ويدخل في ضمن ذلك الكلاب والخنازير والحشرات وما أشبه ذلك أو لا؟ لكن هل من اللائق أن تقول: إن الله رب الكلاب ورب الخنازير ورب الحشرات، هذا ليس من الأدب أن تُخَصِّص كما نصَّ على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، فهنا فرق بين التعميم وبين التخصيص؛ ولهذا قال الرسول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском