Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:15–18, continued
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الإنسان لا يحمل آثام غيره؛ لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر ١٨].
وينبني على هذه الفائدة ثبوت كمال عدل الله عز وجل، حيث لا يُحَمِّل أحدًا وزر أحد.
* ومن فوائدها أيضًا: أنه لا يقبل التحميل إلا من كان أهلًا له؛ لقوله: ﴿وَازِرَةٌ﴾؛ لأن غير الوازرة لا تحمل إثم نفسها فضلًا عن إثم غيرها، لكن الوازرة تحمل إثم نفسها لا تحمل إثم غيرها.
* من فوائدها أيضًا: منع الاتكالية على الغير؛ لأن الإنسان قد يعمل ويقول: سيهيئ الله لي أحدًا يدعو لي، أو يستغفر لي، أو ما أشبه ذلك، فنقول: هذا لا تعتمد عليه.
فإن قال قائل: ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]؟
* طالب: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا﴾ [العنكبوت ١٣]؛ لأنهم هم قدوة في ذلك، في إضلال غيرهم، فباقتداء غيرهم بهم يحملون أثقالهم.
* الشيخ: لأن أثقال غيرهم الحقيقة ناشئة عن أثقالهم، فصار كأنهم الذين عملوها، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
* من فوائد الآية الكريمة: نشوف قياس العكس إذا كانت النفس لا تحمل إثم غيرها فهل تُلزم بالواجب على غيرها أو تقوم (...) غيرها؟
* طالب: لا.
* الشيخ: لا، يعني معناه كما أن الإنسان لا يحمل إثم غيره بالمعصية، لا يحمل إثم غيره بترك الواجب، فإذا ترك أبوك أو ابنك أو خالك أو عمك واجبًا فليس عليك إثمه، الإثم على نفس هذا الرجل (...).
لأنه يقول: (إن) التي للتوكيد، لكنها دخلت عليها (ما) الكافة. قوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ﴾ (...)
اقرأ علينا، أن الغير لا يحمل وِزْر الغير وإن دعاه إلى ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨] بخلافه في الدنيا فإنه في الدنيا إذا دعاك أحدٌ أن تعينه على ما حَمَل، أو أن تحمله عنه أجبته، لكن في الآخرة لا، ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر ١٨]، وحتى ولو كان أقرب الناس إليك؛ فلهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن رسول الله ﷺ نذير؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ﴾ [فاطر ١٨].
* وأنه -وهي فائدة جديدة-: لا ينتفع بإنذاره إلا من يخشى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره [فاطر: ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الخشية التي هي محل الثناء ما كانت خشية في الغيب؛ لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ [فاطر ١٨]؛ لأن الخشية في الظاهر قد يكون الحامل عليها مراعاة عباد الله، لكن إذا كانت بالغيب فإن هذا دليل واضح على أن صاحبها مخلص في خشيته لله عز وجل.
* ومن فوائدها أيضًا: فضيلة الصلاة، وأنها -أي الصلاة- سبب للانتفاع بإنذار النبي ﷺ كالخشية؛ لقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ [فاطر ١٨].
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرجل -وإن شئت فقل-: أن الإنسان إذا تزكى فإن نفع تزكيه لنفسه، ولا ينال الله سبحانه وتعالى من ذلك شيئًا؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨].
* ويتفرع عن هذه الفائدة: أن أوامر الله عز وجل ليس من أجل مصلحة ينالها في امتثالنا، ولكن من أجل رحمتنا ومصلحتنا نحن، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الزمر ٧].
* ومنها: الحث على تزكية النفس؛ لقوله: ﴿وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ١٨]، وكل إنسان عاقل إذا علِم أن مصلحة العمل تعود إليه فإنه سوف يهتم به ويقوم به، فإذا علمتَ أن تزكيك لنفسك حرصت عليه غاية الحرص.
والتزكِّي كما أشرنا إليه يشمل تزكية القلب بتطهيره من جميع الشرك والشك والضغائن والأحقاد والبغضاء وما أشبه ذلك، وتزكية الأقوال من كل قول منكر؛ يعني يكون الإنسان لا يقول إلا خيرًا؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٧٥)، ومسلم (٤٧ / ٧٤)، من حديث أبي هريرة.]].
وتزكية الأفعال أيضًا من فعل الفواحش والأخلاق السيئة، وما إلى ذلك مما يجب على الإنسان أن يتطهر منه.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: كمال هذا الدين الإسلامي، حيث حَثَّ على تزكية النفس ظاهرًا وباطنًا؛ ظاهرًا بالأقوال والأفعال، وباطنًا بالقلوب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مرجع الخلائق إلى الله في أحكامهم الكونية والشرعية والجزائية.
أما الأحكام الكونية: فظاهر أن المرجع إلى الله؛ لأنه لا أحد يستطيع أن يرد قضاء الله الكوني ولَّا لا؟
وأما الشرعية: فكذلك؛ فإن العباد مربوبون مُتَعَبَّدون لله عز وجل، فكان مقتضى ذلك أن يتمشوا على أحكامه الشرعية.
وأما الجزائية: فالأمر ظاهر، فإنه لا يجازِي العاملين على عملهم إلا الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مَنْع الرجوع إلى غير الله فيما هو مختص بالله؛ لقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر ١٨]، فلا يجوز أن نرجع إلى النظم الوضعية التي من وضع البشر، وعندنا كتاب الله وسُنَّة رسوله ﷺ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences