Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:19–27, continued
فإن قلت: كيف تكون زائدة زائدة؟
قلنا: لأن (زاد) يستعمل لازمًا ومتعديًا فيُقال: زاد الطين بلة هذا متعدٍّ. ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة ١٢٤] هذا متعدٍّ أيضًا.
وتقول: زاد المال. هذه لازمة.
فمعنى زائدة زائدة؛ يعني زائدة هذا من الناقص الذي هو الزيادة أي..، من الناقص الذي لا يتعدى، وزائدة الثانية من المتعدي.
و﴿أُمَّةٍ﴾ مبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، قال المؤلف رحمه الله: (﴿خَلَا﴾ بمعنى سلف، ﴿فِيهَا نَذِيرٌ﴾ أي: نبي ينذرها).
والأمة هنا بمعنى الطائفة، وتأتي في القرآن على أربعة أوجه:
تكون بمعنى الطائفة كما هنا، وتكون بمعنى الزمن، مثالها: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]، وتكون بمعنى الدِّين والْمِلَّة ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المؤمنون ٥٢]، وتكون بمعنى الإمام في ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا﴾ [النحل ١٢٠].
ما من أمة ﴿إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤] أي سلف ومضى نذير ينذرها، وذلك لتقوم الحجة على العباد؛ لأن العقول مهما بلغت لا يمكن أن تعرف ما يجب لله عز وجل من الحقوق كما لا يمكن أن تعرف ما يجب له من الأسماء والصفات على سبيل التفصيل، وإن كان العقل يدرك أن الإنسان لا بد أن يعبد خالقه، ويدرك أن الخالق لا بد أن يكون متصفًا بصفات الكمال، لكن على سبيل الإجمال لا على سبيل التفصيل، فمن أجل ذلك أرسل الله الرسل لتقوم الحجة على العباد، فما من أمة إلا خلا فيها نذير.
قد تكون الأنبياء في وقتٍ واحد في أمكنة متعددة، وقد يكون الأنبياء في وقت واحد في مكان واحد، أما أن يُوجَد مكان واحد لم يكن فيه نبي فهذا لا يمكن، لا بد أن تكون جميع الأمم قد بعث إليها الرسل، ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل ٣٦] بعثنا في كل أمة.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة عدة فوائد:
* منها: ثبوت رسالة النبي ﷺ على وجه مؤكد لا مِرية فيه من قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [فاطر ٢٤].
* ومنها: فضيلة النبي ﷺ لكونه رسول رب العالمين فإن الرسالة مقام عظيم لا ينالها إلا من هو أهل لها، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، ويقول الله عز وجل: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة ٢٥٣]، وهم -أي الرسل- مفضلون على من سواهم من الخلق، ففي الآية فضيلة ومنقبة لرسول الله ﷺ.
* ومنها: بيان ما يشتمل عليه دين الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق الذي ضده الباطل، والباطل إن كان في الأخبار فهو الكذب، وإن كان في الأحكام فهو الجور والظلم، وعليه فرسالة النبي ﷺ متضمنة للحق في الأخبار وبالأحكام.
ففيه بيان أيضًا فضيلة هذه الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبي ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كان حقًّا فإن الشريعة جاءت به، سواء نصَّت عليه بمعناه الخاص أو بالمعنى العام، ومن ثم أثبت بعض الفقهاء، أو بعض الأصوليين ما يُسمَّى بالمصالح المرسَلة، وجعلوها دليلًا مستقلًّا، والصواب أنها ليست دليلًا مستقلًّا؛ لأن هذه المصالح إن شهد الشرع لها فهي من الشرع، ولا حاجة إلى أن نجعلها دليلًا مستقلًّا، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، وصاحبها الذي زعمها مصلحة يعتبر واهمًا.
فكوننا نثبت دليلًا خامسًا نسميه المصالح المرسلة؛ هذا خطأ، لماذا؟ لما قلت لكم الآن؛ وهو أن هذه المصلحة إن شهد لها الشرع فهي من الشرع دَلَّ عليها الكتاب والسنة، وإن لم يشهد لها فليست بمصلحة، فلا تُعتبر.
ولذلك أيضًا زعم بعضهم إحداث دليل سادس وهو استصحاب الحال بمعنى أن الأمر يبقى على ما كان عليه حتى يتبين ارتفاعه وانتفاؤه، هذا أيضًا ليس بصواب؛ يعني لا يصح أن نجعله دليلًا مستقلًّا، لماذا؟ لأنه قد دلَّت عليه السُّنَّة فقد شُكِي إلى الرسول عليه الصلاة والسلام الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال: «لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٧)، ومسلم (٣٦١ / ٩٨) من حديث عبد الله بن زيد.]].
إذن نبني على بقاء الأصل، واستصحاب الحال، وحينئذٍ لا يحتاج أن نجعل هذا دليلًا مستقلًّا، وإنما جعل بعض العلماء هذين الدليلين مستقلين؛ لأن الإنسان ينقدح في ذهنه أن هذا شيء منفصل عن دلالة الكتاب والسنة فيذهب ويجعله دليلًا مُستقلًّا، وإلا فلو تأمل لوجد أن ذلك موجود في الكتاب والسُّنَّة، وأنه لا حاجة إلى أن نثبته دليلًا مستقلًّا.
ولقد تجرأ بعض المتأخرين على الدليل الأول وهو المصالح المرسَلة حتى أدخل فيه ما شهد الشرع ببطلانه.
ومن ذلك: قولهم بإجازة الربا البنكي، وأنه يجوز بِناءً على ما توهموه من المصالح المرسَلة.
وقالوا: إن اقتصاديات العالم في العصر الحاضر لا تتم إلا باستعمال هذه الطريقة، فالألفاظ والأساليب إذا جاءت على غير ما جاء في الكتاب والسُّنة يحصل بها مفسدة فهنا أدخلوا شيئًا شهد الشرع ببطلانه، وإذا شهد الشرع ببطلانه فإننا نشهد أنه ليس فيه مصلحة، وأن المصلحة الموهومة منه يخلفها مفاسد كثيرة.
فلهذا نحن نرى ألا..
فلنجعل دليلًا مستقلًّا وإلا فليس من الشرع، وليس فيه مصلحة، والمصالح الموهومة فيه إذا كانت مخالفة للشرع لا بد أن يخلفها مفاسد كثيرة.
* من فوائد الآية الكريمة: أن رسالة النبي عليه الصلاة والسلام تتضمن من حيث الجزاء أمرين: هما البشارة والإنذار، البشارة لمن أطاع، والإنذار لمن خالف سواء كانت تلك الطاعة عامة أو في بعض الأشياء، وكذلك نقول في المخالفة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مآل الناس إما إلى جنة، وإما إلى نار وليس ثمة دار ثالثة؛ لأن البشارة بالجنة، والإنذار بالنار، وليس هناك دار ثالثة يصل الناس إليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الترغيب في طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤]، والتخويف من مخالفته؛ لقوله: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: لطف الله تعالى بعباده بإرسال الرسل إلى جميع الخلق ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٤]، وقد بَيَّن الله سبحانه وتعالى ذلك في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧]؛ يعني إلا لنرحم بك العالمين، وليس الرسول نفسه هو الرحمة، ولكنه أرسل لرحمة الخلق؛ ليرحم الله الخلق برسالته.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بطلان الاحتجاج بالقدَر على معصية الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ولو كان الاحتجاج بالقدَر على المعاصي والمخالفات، لو كان ثابتًا لم يرتفع بإرسال الرسل؛ لأن القدَر لا يرتفع بإرسال الرسل، فالرسل أرسلهم الله تعالى إقامةً للحجة على الخلق ورحمةً بهم أيضًا، لهذا ولهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان أن النبي ﷺ ليس ببِدْع من الرسل حتى تُنكَر رسالته، ويقال: كيف جاء هذا الرجل برسالة من عند الله؟ ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف ٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: قصور العقول عن معرفة ما يجب لله تعالى؛ لأنها لو استقلت بذلك ما احتاجت إلى إرسال الرسل.
* ومنها أيضًا: بطلان ما ذهب إليه المتكلمون من أهل البدع الذين بنوا عقيدتهم على ما يقتضيه العقل وقالوا: ما اقتضى العقل إثباته لله أثبتناه سواء كان مذكورًا في الكتاب والسنة أم لم يُذكر، وما نفاه العقل وجب علينا نفيه، وإن ذُكِر في الكتاب والسنة، وما لم يدل العقل على نفيه وإثباته فإننا نتوقف فيه، وأكثرهم قالوا: ننفيه؛ لأنه لا بد من دلالة العقل على إثباته، فإذا لم يدل على إثباته وجب نفيه؛ لعدم وجود الدليل، ويش تقول في هذه الفائدة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: وإثباته، وما لا يقتضي إثباته ولا نفيه؟
* الطالب: يتوقفون وأكثرهم (...).
* الشيخ: تؤخذ من قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. ووجه ذلك أنه لو كانت العقول هي المرجع ما احتيج إلى إرسال الرسل.
35:25–26Page 437
وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدۡ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلزُّبُرِ وَبِٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ٢٥
And if they deny you - then already have those before them denied. Their messengers came to them with clear proofs and written ordinances and with the enlightening Scripture.
ثُمَّ أَخَذۡتُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۖ فَكَيۡفَ كَانَ نَكِيرِ ٢٦
Then I seized the ones who disbelieved, and how [terrible] was My reproach.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي: أهل مكة، هذا تفسير للواو في قوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [فاطر ٢٥]؛ يعني فليس ببدع أن يكذبك قومك؛ لأن الذين من قبلهم كذبوا الرسل كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا﴾ [الأنعام ٣٤]؛ يعني ليس الأمر مقتصرًا على أنه التكذيب فقط بل تكذيب وأذية بالقول وأذية بالفعل، بل أعظم من ذلك القتل، فإن كثيرًا ممن أرسل الله إليهم الرسل قتلوهم.
يقول: (﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ أي أهل مكة)، لماذا نخصهم بأهل مكة؟ الصحيح أنه ليس خاصًّا بأهل مكة، بل أهل مكة وغيرهم، الرسول كذبه أهل مكة، وكذبه أهل الطائف، وغيرهم من المشركين، فالصواب العموم ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ﴿الَّذِينَ﴾ ويش تعربونه؟
* طلبة: فاعل.
* الشيخ: فاعل، وأين المفعول؟ محذوف؛ أي: فقد كذب الذين من قبلهم رسلهم، قال: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ [فاطر ٢٥] ومع ذلك كفروا.
﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ (الباء) هذه للمصاحبة، ويحتمل أنها للتعدية يعني: أتوا بالبينة التي تبين صدقهم، وقول المؤلف: (المعجزات)، هذا هو تعبير كثير من المتأخرين، ولكن الصواب أن يقال: بالآيات، وأن (البينات) هذه صفة لموصوف محذوف تقديره: بالآيات البينات؛ أي الظاهرة.
والآيات التي جاءت بها الرسل حسية ومعنوية، فمن الآيات الحسية ما جاء به موسى عليه الصلاة والسلام من العصا واليد وغير ذلك، ومن الآيات المعنوية ما جاء به من التوراة، وكذلك عيسى وغيرهما من الرسل، كل رسول لم يأتِ إلا ببينة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه «مَا مِنْ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَّا آتَاهُ مِنَ الْآيَاتِ مَا يُؤْمِنُ عَلَى مِثْلِهِ الْبَشَرُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٩٨١)، ومسلم (١٥٢ / ٢٣٩) من حديث أبي هريرة.]]، وإنما كان كذلك؛ لأنه ليس من الحكمة، ولا من الحجة، ولا من الرحمة أن يُرسل رسول إلى الخلق يستبيح دماء المخالفين له وأموالهم ونساءهم بدون بينة، حتى لو فُرِض أن أحدًا كذبه وهو لم يأتِ ببينة لكان المكذِّب معذورًا؛ لأن البينة على المدَّعِي فكان من حكمة الله ورحمته وإقامة حُجَّته أن يجعل مع الرسل آيات تشهد بصدق ما جاؤوا به.
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أن الآيات التي جاءت بها الرسل ولا سيما الآيات الحسية تكون مناسبةً لما كان في عصرهم، أو لأبرز الأمور في عصرهم، وضربوا لذلك مثلًا بأن موسى عليه الصلاة والسلام جاء بالعصا واليد؛ لأنه اشتهر في عصره وبرز في عصره صناعة السحر، فجاء بأمر فوق ما تجيء به السحرة، السحرة إنما يموهِّون ويخيلون وهو جاء بالحقيقة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا هو يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى، يخيل إليه ولكنه ليس بحقيقة، هو ألقى عصاه فصارت حقيقةً فعلية تلقف ما يأفكون.
قالوا: وعيسى عليه الصلاة والسلام أتى في وقت ترقَّت فيه صناعة الطب، فجاء بأمر يعجز عنه الأطباء ولا يستطيعونه، جاء بإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وخلق صورة من الطين ينفخ فيها فتطير، تكون طيرًا حقيقيًّا، وهذا يعجز عنه الطب، لا يمكن لأي طبيب يكون أمامه رجل ميت فيقول: قم فيقوم أبدًا، لا يمكن لأي طبيب يأتي إلى المقابر ويقف على القبر ويقول: اخرج؛ فيخرج، وعيسى يفعل ذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾ [المائدة ١١٠] تخرجهم من مدافنهم، ولا يمكن لأي إنسان من الأطباء أو غيرهم أن يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، أبدًا، الأكمه والأبرص لا يمكن لأحد أن يبرئه من المرض الذي أصابه بمثل ما يبرئه عيسى عليه الصلاة والسلام، يُؤتَى إليه بذوي العاهات ويمسح بيده عليه ويبرأ يزول؛ يعني هذا البرص الذي قد ملأ الجلد أو أكثره يُمِر يده عليه فلا تتعدى يده مكانًا إلا عاد على طبيعته، هذا لا يستطيع أحد من الأطباء مهما بلغ في الطب أن يصل إلى هذا الحال.
قالوا: ومحمد ﷺ أتى إلى قوم قد بلغوا في البلاغة ذروتها، فجاء بكلام لا يستطيعون مباراته أبدًا وهو كلام الله، وتحداهم الله تعالى في عدة آيات أن يأتوا بسورة مثله، أو بعشر سور مثله، أو بحديث مثله فلم يستطيعوا، المهم أن جميع ما جاءت به الرسل آيات بينات.
يقول: ﴿﴿وَبِالزُّبُرِ﴾ ﴾ قال: (كصحف إبراهيم) (الزُّبُر) جمع (زَبُور) وهو ما يُزْبَر ويُؤْثَر؛ يعني الكتاب، ولو أن المؤلف قال: كزبور داود لكان أنسب للآية؛ لأن صحف إبراهيم ما ذكر الله أنها زبر، ولكن ذكر ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء ١٦٣].
(﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ هو التوراة والإنجيل) الكتاب المنير الصواب أنه ليس التوراة والإنجيل بل كل كتاب بعث الله به الرسول ينير الطريق لأمته، فيشمل التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم، وغير ذلك، ما من رسول أرسله الله إلا معه كتاب ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد ٢٥]، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ [البقرة ٢١٣]، فلا يمكن أن نقول: إن نوحًا عليه الصلاة والسلام أُرسل بدون كتاب أبدًا، لا بد أنه أُرسل بكتاب لكن لا يلزم من كونه أُرسل به أن يُذكر لنا هذا الكتاب.
قال: ﴿وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ يقول المؤلف: (فاصبر كما صبروا) هذه الواو حرف عطف، و(الزُّبُر) معطوفة على البينات بإعادة حرف الجر.
* طالب: الباء.
* الشيخ: مثلما قلنا إما أنها للمصاحبة؛ يعني: جاؤوا مصطحبين هذه الأشياء، أو أنها للتعدية كما تقول: أتيته بدرهم، أتيته بطعامه، أتيته بشرابه وما أشبه ذلك. يقول: (فاصبر كما صبروا) وهل صبر الرسول؟ نعم، صبر صبرًا لا يصبره إلا أولو العزم.
قال الله تعالى: (﴿ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بتكذيبهم) الباء للسببية في كلام المؤلف ﴿أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لماذا أخذهم؟ للعقاب، فقوم نوح أغرقهم، وقوم هود أتلفهم بالريح، كذا؟ وقوم صالح بالرجفة والصيحة، وقوم لوط جعل عالي قُراهم سافلها، كل المكذبين أخذهم الله عز وجل؛ ولهذا قال: (﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِير﴾ أي إنكاري عليهم بالعقوبة والإهلاك؛ أي: هو واقع موقعه)؛ يعني أن الاستفهام هنا للتقرير؛ يعني فكان نكيري؛ أي: إنكاري عليهم بالعقوبة كان واقعًا موقعه؛ ولهذا لو سئلت: كيف كان إنكار الله لهم؟ الجواب أن نقول: كان شديدًا، وكان واقعًا موقعه، فهو مطابق للحكمة تمامًا، وهو عقاب شديد لم يُبقِ منهم أحدًا.
* في الآية الكريمة هذه فوائِد، منها: أن تكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام ليس ببدع من البشر، فقد كذبت الأمم قبله ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.
* ومنها: عناية الله تعالى بالرسول ﷺ بذِكْر ما يسليه ويُهَوِّن عليه الأمر ولَّا لا؟ وذكر المصيبة المماثلة تقتضي تسلية الإنسان وتهوين الأمر عليه؛ ولهذا لو جئت إلى مريض وقلت: والله أنت اليوم طَيِّب، ومرضك أهون من مرض فلان، فلان أُصيب بمرض فيه كذا وكذا. يتسلَّى ولَّا لا؟ يتسلى بلا شك، وكذلك لو أُصِيب بحادث وقلت: إن فلانًا أصيب بحادث أعظم يتسلَّى، إذن ففيه عناية الله تعالى برسوله ﷺ، حيث يذكر له ما يُهَوِّن عليه المصائب ويُسَلِّيه.
* ومن فوائد الآية: إنذار المكذبين لرسول الله ﷺ؛ لأن الله ذكر كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، وكان عاقبتهم الدمار والهلاك، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠]؛ يعني: لا تظنوا أن الدمار الذي لحق المكذبين السابقين، لا تظنوا أنه خاص بهم بل إذا كذبتم أصابكم ما أصابهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل لم يترك الرسل هملًا بل آتاهم من البينات ما يؤمن على مثله البشر؛ لقوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾.
* ومنها أيضًا: تمام حكمة الله عز وجل ورحمته وإقامة حجته، لماذا؟ تؤخذ من قوله: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ لأنه إنما أعطى هؤلاء الرسل البينات لتمام إقامة الحجة والرحمة والحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من أعظم البينات ما جاءت به الرسل من الشرائع التي تضمنتها الكتب، وجه ذلك التنصيص عليها مع أنها من البينات، انتبه، أيضًا هو تنصيص أُعِيد معه العامل ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ﴾ فكأنها مستقلة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب السماوية متضمنة للنور، وأن كل من أخذ بها فقد أخذ بنور يمشي به في الظلمات؛ لقوله: ﴿وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾.
* ومنها: أن المفرد إذا أُريد به الجنس صار عامًّا؛ لأن قوله: ﴿بِالْكِتَابِ﴾ هذا مفرد، ولكن هل الكتب التي جاءت الرسل كتاب واحد؟ لا، بل هي كتب كثيرة بحسب الرسل.
35:27Page 437
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧
Do you not see that Allāh sends down rain from the sky, and We produce thereby fruits of varying colors? And in the mountains are tracts, white and red of varying shades and [some] extremely black.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [فاطر: ٢٧] إلى آخره، فيما سبق: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ إلى آخره، الاستفهام هنا للتقرير، وهذا هو الغالب فيما إذا أتى حرف النفي، أو إذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام أن يكون للتقرير مثل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح ١] ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة ٤٠]، ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر ٣٦] وأمثال ذلك، فإذا أتت أداة النفي بعد همزة الاستفهام فالغالب أن يكون الاستفهام للتقرير.
وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ حُذفت الألف للجازم؛ لأن اللام تجزم، والفعل المعتل يُجزم بحذف حرف العلة.
وقوله: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ [فاطر ٢٧] مبتدأ وخبر، والخبر فيها مُقدَّم، وهو قوله ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ﴾.
وقوله: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ صفة لـ﴿جُدَدٌ﴾.
وقوله: ﴿سُودٌ﴾ قيل: إنه على التقديم والتأخير؛ أي: وسود غرابيب، وقيل: إنه على الأصل، وأن ﴿سُودٌ﴾ تقع موقع التوكيد مما قبلها؛ لأن الغِرْبيب هو الشديد السواد.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ قال المؤلف: (تعلم) فالرؤية هنا عِلْمية، وعُلِّقت عن العمل بـ(أن) وما دخلت عليه، فإن (أنَّ) وما دخلت عليه تُعَلِّق أفعال القلوب عن العمل، ويحتمل أن تكون الرؤية هنا بصرية؛ يعني: ألم تنظر وتُبصر؛ لأن ما ذُكِر يُرَى بالعين، وما كان يُرَى بالعين فإنه يجوز أن يُراد به الرؤية بالعين، لكن إذا جعلناها علمية كان ذلك أعم؛ لأن هذا الأمر قد لا تراه بعينك، ولكن تسمعه في بلاد أخرى غير بلادك.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ المراد بالسماء هنا العلو، والمراد بالماء المطر، وليس المراد بالسماء الأجرام السماوية المعروفة؛ لأن الماء إنما ينزل من السحاب، والسحاب عالٍ، ولكنه بين السماء والأرض.
وقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾. قال: (فيه التفات عن الغيبة) ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ لو كان الكلام على نسق واحد لقال: فأخرج به؛ بضمير الغيبة، لكنه صار فيه التفات عن الغيبة إلى التكلم ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾، والالتفات فيه فائدة بل فوائد؛ فيه فائدة مشتركة في جميع موارده ومواضعه، وهي تنبيه المخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على نسق واحد استمر الإنسان معه، ولم يكن هناك شيء يُوجِب أن ينتبه ويتفطن، فإذا اختلف السياق من غيبة إلى تكلم أو إلى خطاب أو ما أشبه ذلك فإن الإنسان ينتبه؛ يعني كأنه يكون علمًا على تغير الأسلوب لينتبه المخاطَب.
الفائدة الثانية هنا قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ فإن (نا) هذه تفيد التعظيم؛ لأن الإخراج أعظم من الإنزال بالنسبة للنعمة علينا، فإنه لو نزل المطر ولم يخرج النبات؛ لم نستفد من المطر كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم[[(٢٩٠٤ / ٤٤) من حديث أبي هريرة.]] : «لَيْسَتِ السَّنَةُ أَلَّا تُمْطَرُوا، إِنَّمَا السَّنَةُ أَنْ تُمْطَرُوا فَلَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ شَيْئًا». فلما كان إنعام الله تعالى بإخراج النبات أعظم صار الالتفات إلى التكلم أولى؛ لِعِظَم المنة فيه، قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾، وهنا قال: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾، ولم يقل: أخرجنا به نبات، وقد قاله في آية أخرى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ [الأنعام ٩٩] لكن هنا قال: ﴿ثَمَرَاتٍ﴾؛ لأن المقصود من هذا الخارج هو الثمرة، فبين الله سبحانه وتعالى الغاية المقصودة وهي الثمرات.
قال: (﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ كأخضر وأحمر وأصفر وغيرها)، وهذا يدل على قُدْرة الله، هذه الثمرات مختلفًا ألوانها، وكلمة ألوان يحتمل أن يكون المراد ما ذكره المؤلف، وهو اللون المختلف بالْحُمرة والصفرة والخضرة وما أشبه ذلك، ويحتمل أن المراد بالألوان الأصناف، فإن الألوان تُطلق على الأصناف كما قال الإمام أحمد رحمه الله في صلاة الليل، في قيام رمضان، قال: رُوِي في ذلك ألوان؛ أي: أنواع وأصناف، وإذا نظرت إلى الخارج من الأرض وجدتَ أنه ذو ألوان في شكله، وذو ألوان في أنواعه وأصنافه ما بين حلو ومُرٍّ ومتوسط وحامض، غير ذلك مما هو معلوم، وهذا الأخير إذا قلنا: إن المراد بالألوان ما يعم الأنواع أشمل مما إذا قلنا: إن المراد بالألوان اختلاف الشكل.
وقد مر علينا قاعدة بأنه كلما كان المعنى أشمل في باب التفسير كان أولى؛ لأن الأشمل يعم الأخص وغيره بخلاف الأخص. قال: ﴿مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ هذه جملة استئنافية يبين الله عز وجل فيها كمال قدرته أيضًا بالنسبة للأرض وطبقاتها.
قال: (﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ﴾ جمع (جُدَّة) طريق في الجبل وغيره) من الجبال جُدَد يعني الطرق؛ يعني شيء يُشبه الطرق لاختلافه عن بقية الجبل وهو مختلِف في اللون، ومختلِف في الماهية أيضًا، نحن نرى بعض الجبال الآن ولا سيما إذا فُتِح الجبل نرى في أثنائه خطوطًا قد تكون سوداء، وقد تكون حمراء، وقد تكون بنية، وقد تكون بيضاء، المهم أننا نجد فيه خطوطًا تُخالِف بقية الجبل، هذه الجدد التي ذكرها الله عز وجل هنا، فالجبال تختلف أيضًا ألوانها، وهذا الاختلاف في اللون يعني الاختلاف في الماهية والحقيقة، ليست الحصاة السوداء كالحصاة البيضاء أو الحمراء، أو ما أشبهها مما يخالفها في اللون، بل لا بد أن يكون هناك اختلاف في طبيعة هذه الحصاة، كما كان اختلاف الثمرات في ألوانها يدل على اختلافها في طعومها وفي ماهيتها.
قال: ﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ ذكر الله عز وجل ﴿بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ وكان المتوقع أن يقول: بِيض وسُود؛ لأن هذا هو المعروف في مقابلة البياض أن يُقابَل بالسواد، لكنه قال: وحمر؛ لأن الحمر أقرب إلى البياض من السود، وستذكر في قوله: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ هذه الْجُدَد بيض وحُمر، قال المؤلف: (وصفر) ونحن ربما نقول أيضًا: وزُرْق، وغير ذلك من الألوان، والله عز وجل لم يذكر هذين اللونين للحصر، وإنما هو على سبيل التمثيل.
قال: ﴿جُدَدٌ﴾، (﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا﴾ بالشدة والضعف)، هنا فسَّر المؤلف الألوان بماذا؟ بالماهية ولَّا بالأشكال؟ بالماهية؛ لأنه قال: بالشدة والضعف، ولم يقل: باللون اللي هو أحمر وأبيض، على كل حال، الألوان كما قلنا آنفًا تُطلق على الأنواع أحيانًا. هذا الاختلاف في ألوان أحجار الجبال كالاختلاف في ألوان الثمار.
(﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ عطف على ﴿جُدَدٌ﴾ أي صخور شديدة السواد يُقال كثيرًا: أسود غربيب، ويقال قليلًا: غربيب أسود) أولًا: الغرابيب جمع (غِرْبِيب)، والغِرْبيب شديد السواد، وكان مقتضى الترتيب أن يقال: وسُود غرابيب، ولكن الله تعالى قدَّم، قال: غرابيب سود، فعلى هذا زعم بعضهم أن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا. وقال بعضهم: بل هو على ترتيبه ليس فيه تقديم وتأخير، ولكن الله سبحانه وتعالى بيَّن الأسود الشديد السواد قبل بيان مطلق السواد، هذا أيضًا مشاهَد ولَّا غير مشاهد؟ نجد في الجبال طُرُقًا يعني كالطريق أو كالخط أسود خالص، وإلى جانبه طريق أبيض أو أحمر أو ما أشبه ذلك، كل هذا دليل على قدرة الله عز وجل.
﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ فنجد نحن أن هذا الاختلاف في الجبال هو كالاختلاف في الثمرات.
* في هذه الآية من الفوائد: التنبيه على أنه ينبغي للإنسان أن يتفكر في خلق الله عز وجل؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ﴾، فإن هذا تقرير، والتقرير لا يكون إلا بعد أن ينظر المقرَّر فيما قُرِّر به حتى يُقِرَّ به ويعترف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل وحِكمته ورحمته؛ وذلك بإنزال الماء من السماء، ففيه قدرة عظيمة أن يَنزل هذا الماء الذي يكون بحارًا أحيانًا يُدَمِّر ما مر عليه من البناء، ويجترف الأراضي مع أنه ينزل من هذا السحاب الرقيق الذي تخترقه الطائرة كما نشاهِد، ويتمزق عندما يمر بالجبال وبالبناء، وما أشبه ذلك، تنزل منه هذه المياه العظيمة، هذا تمام القدرة، تمام الرحمة، ما يحصل من هذا المطر من الآثار النافعة للعباد، تمام الحكمة؛ لأن هذا المطر ينزل من أعلى حتى يشمل المرتفع والمنخفض من الأرض، ولو كان يمشي مشيًا كالأنهار لكان الأسفل من الأرض يروى بالماء بل يغرق، وأما الأعلى فلا يصيبه شيء، وهذا من تمام حِكْمة الله عز وجل أنه ينزل من فوق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب؛ لقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ﴾ فإن الباء هنا للسببية، ففي الآية إثبات الأسباب، وأن الله سبحانه وتعالى قد قرن الأشياء بأسبابها، وهذا من تمام حِكمته أن تكون الأسباب والمسببات متلازمات، من المعلوم أن الله قادر على أن يُخرِج هذه الثمرات بدون ماء ولكن قد جعل لكل شيء سببًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإخراج هذه الثمرات المختلفة الألوان مع أنها في أرض واحدة وتُسقى بماء واحد، ويظهر لك ذلك جليًّا إذا نظرت إلى الزهور، كيف تجد هذا الاختلاف العجيب بينها مع أنها تُسقى بماء واحد.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحكمة في اختلاف هذه الثمرات؛ لأنه لو كانت هذه الثمرات طبيعتها واحدة لملَّ الناس منها، ولم يحصل لهم كمال اللذة، فإذا اختلفت حصل كمال اللذة وعدم الملل والسآمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل ورحمته وحكمته فيما نرى في الجبال من الجدد المختلفة؛ لأن هذا دليل على القُدرة، حيث جعل هذا بين هذا، ودليل على الحكمة؛ لأن الغالب أن ما في بطون هذه الجبال يكون معادن مفيدة للإنسان، كذلك بيان الرحمة بالخلْق لإيداع هذه الأشياء في بطون هذه الجبال.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: بيان قدرة الله عز وجل، حيث إنه يجعل بعض الجبال فيها السواد الخالص، وقد يكون الجبل كله أسود، وأحيانًا نرى جبلًا أسود وإلى جانبه جبلًا أبيض، فهذا كله من تمام قدرة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: ما يترتب على النظر في هذه المخلوقات من الاعتبار والاستدلال بها على ما تتضمنه من صفات الله سبحانه وتعالى.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences