Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:31–39, continued
وإن لم يكن مفتقرًا جاز القطع ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا﴾ أي: أنزلنا ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] دار المـقامة، المقامة هنا بمعنى الإقامة، فهي إذن ظرف مكان، أو أنها مصدر ميمي دخلته التاء، ودار المقامة هي دار الجنة، ووُصفت بذلك لأن ساكنيها مقيمون فيها أبدًا، ولأنهم لا يريدون الإقامة بغيرها، كل واحد منهم لا يبغي حولًا عما هو فيه؛ لأنه يرى أنه أكمل أهل الجنة، نعم، بل إن الله أقنعهم بما هم عليه من النعيم حتى لا يتطلعوا إلى نعيم أكبر فيحتقروا ما هم فيه، بخلاف أهل النار؛ فإن أهل النار كل واحد منهم يرى أنه أشد أهل النار عذابًا؛ لأنه لو يرى أن غيره يماثله أو أن غيره أشد منه لهان عليه العذاب، ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (من) سببية هنا، أي: بسبب فضله، أي: تفضله علينا؛ لأنه لولا فضل الله عليهم ما وصلوا إلى هذا المقام العظيم، فكل ما في الإنسان من خير ونعمة فمن الله سبحانه وتعالى؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل ٥٣]، فإحلالهم دار المقامة هو من فضل الله تعالى، وهذا من تمام شكرهم لله، حيث اعترفوا له بالفضل، بخلاف الذي إذا أصابته النعماء قال: هذا لي أو هذا من عندي أو ما أشبه ذلك.
(﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ تعب ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] إعياء من التعب) لا يمسنا فيها نصب، أي: تعب، ومعنى يمسنا أي: يصيبنا؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ﴾ [التوبة ٥٠]، فالمس بمعنى الإصابة، وقوله: ﴿نَصَبٌ﴾ (تعب) ﴿لُغُوبٌ﴾ (إعياء)؛ لأن هناك تعبًا مباشرًا ينال الإنسان حين الفعل، وإعياءً يكون أثرًا للتعب، أليس كذلك؟ أنت إذا مارست عملًا شاقًّا فإنك حين ممارسته تتعب، ثم بعد انتهائه تعيى، يعني تضعف وتخلد إلى الراحة وإلى النوم، في الجنة ليس فيها نصب، يعني: تعب بدني حين مزاولة الأعمال، ولا لغوب أي: إعياء وهو الناتج عن التعب.
قال: (إعياء من التعب لعدم التكليف فيها) هذا تعليل عليل؛ لأن التكليف حتى في الدنيا غالبه ليس فيه تعب، بل إن بعضه يكون راحةً للبدن وراحة للقلب وتنشيطًا للبدن وصحةً له، وليس هذا هو المقصود الأول في العبادات، لكنه يحصل من ممارسة العبادة يحصل من ذلك النشاط والصحة، كما هو موجود مثلًا في الصلاة، موجود في الصيام، موجود في الحج، فليس هناك تعب في الأعمال الصالحة، بل نقول: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ هذا من باب الصفات السلبية المتضمنة لكمال ضدها، فلا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيه لغوب لكمال نعيمهم وراحتهم وأنسهم وفرحهم وما أشبه ذلك.
يقول: (لعدم التكليف فيها، وذكر الثاني التابع للأول للتصريح بنفيه) ذكر الثاني وهو اللغوب التابع للأول وهو التعب؛ لأن اللغوب -كما قلنا قبل قليل- نتيجة التعب، فكأن المؤلف أجاب عن سؤال؛ كأنه قيل: إذا انتفى التعب انتفى اللغوب الذي هو نتيجته، فلماذا لم يقتصر على نفي التعب؟ وقيل: لا يمسنا فيها نصب، وإذا انتفى النصب انتفى اللغوب؟ واضح؟
أجاب عن ذلك بأنه ذكر من أجل التصريح بنفيه، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ولا شك أنه وجه حسن، لكن ربما نقول: إن الإنسان أحيانًا يجد إعياءً وكسلًا وموتَ قوًى بدون عمل وبدون تعب، وهذا مشاهَد، وعليه فيكون نفي اللغوب أمرًا ليس تأكيدًا وإنما هو أمر أساسي، كيف أمر أساسي؟ لأن الإنسان قد يجد إعياءً أحيانا وهو ما اشتغل، ألم تجدوا ذلك؟
إذن نقول: إن ذكره أساسي وليس من باب التصريح بنفيه الذي لا يقصد منه إلا مجرد التوكيد، المهم أن أهل الجنة لكمال نعيمهم لا يمسهم فيها نصب ولا يمسهم فيها لغوب.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ﴾ [فاطر ٣٦] فثنَّى بذكر عقاب أهل النار؛ لأن القرآن مثانٍ، كلما ذكر فيه معنًى ذكر فيه ما يقابله.
ولا تكاد تجد آيات في القرآن يُذكر فيها معنًى إلا وذُكر ما يقابله؛ لأن القرآن مثانٍ؛ لئلا تتمادى النفس في الرجاء إذا ذُكر النعيم وحدَه؛ فإن النفس تتمادى في الرجاء وحينئذ تأمن مكر الله، ولو ذُكر الوعيد وحده لتمادت النفس في الخوف فقنطت من رحمة الله، ولكن الله سبحانه وتعالى يذكر هذا تارة وهذا تارة حتى يكون الإنسان سائرًا من غير ميل إلى الرجاء، ومن غير ميل إلى الغلو.
وهذه المسألة اختلف العباد فيها؛ هل الأولى أن يسير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء فيكون خائفًا راجيًا، أو الأولى أن يغلب الرجاء إحسانًا للظن بالله عز وجل، أو الأولى أن يغلب الخوف؟ نعم في هذا خلاف بين العلماء؛ الإمام أحمد رُوي عنه أنه قال: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلب الرجاء أمن الإنسان من مكر الله، وإن غلب الخوف قنط من رحمة الله، فيكون خوفه ورجاؤه واحدًا، قالوا: فالخوف والرجاء كالجناحين للطائر؛ إن هبط أحدهما مال الطائر إليه واختل توازنه، وإن تساويا استقام الطائر واعتدل توازنه.
وقال بعض أهل العلم: بل هذا يختلف باختلاف الأحوال، فإذا فعل الإنسان الطاعة فليغلب الرجاء وأن الذي وفقه لها سوف يقبلها منه ويثيبه عليها؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، إذا وُفقت للدعاء وُفقت للإجابة، إذا وُفقت للعمل وُفقت للقبول، وإذا عمل المعصية فليغلِّب جانب الخوف وليرجع إلى ربه؛ لأنه إن غلب جانب الرجاء بعد فعل المعصية فإنه لا يتوب منها، ويقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، ويقول: الله غفور رحيم، وما أشبه ذلك. فيكون تغليب الرجاء في حال وتغليب الخوف في حال أخرى.
وقال بعض العلماء: يغلِّب الخوف في حال، والرجاء في حال، لكن لا باعتبار العمل، بل باعتبار الحال، فإذا كان مريضًا فليغلب جانب الرجاء؛ لقول النبي ﷺ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٧ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري.]]، وإن كان صحيحًا فليغلب جانب الخوف، والمناسبة قالوا: لأن المريض تضعف نفسه وتنكسر وليس يميل إلى الدنيا ولكنه يهتم بما أمامه، فليغلب جانب الرجاء، ليس هناك نفس تتطلع إلى الدنيا وتنغمس في الترف، بل نفسه قد رقت وآوت إلى الآخرة، وأما إذا كان صحيحًا فإن النفس الآن فيها شره وتطلع للدنيا وإسرافها، فيغلب جانب الخوف.
على كل حال ممكن أن نقول: إذا وُجدت أسباب يخاف الإنسان على نفسه من تغليب جانب الرجاء فليقدم الخوف، وإن وجدت أسباب تقتضي أن يخاف الإنسان وييئس من رحمة الله فليغلب جانب الرجاء، يعني إذا فعل أسباب الرجاء فليغلب الرجاء، وإذا وُجدت أسباب الخوف فليغلب جانب الخوف.
وقبل أن ندخل فيما أعد الله تعالى لأهل النار فيها نرجع لنأخذ الفوائد لأننا لم نأخذ الفوائد فيما سبق، أليس كذلك؟ من ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* مِن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات أن القرآن كلام الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١]، فالوحي إعلام الله سبحانه وتعالى أحد أنبيائه بشريعة من شرائعه، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؛ أن القرآن كلام الله تعالى، تكلم به حقيقة بحروفه وبصوت مسموع، لكنه لا يشبه أصوات المخلوقين.
* ومن فوائدِها: فضيلة رسول الله صلى لله عليه وسلم، بماذا؟ بما أوحى الله إليه هذا القرآن العظيم ﴿وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [فاطر ٣١].
* ومن فوائدِها: اشتمال القرآن الكريم على الحق في أخباره وفي أحكامه، فأخباره كلها صدق، وأحكامه كلها عدل.
* ومن فوائدها: أن ما خالف القرآن فهو باطل؛ لقوله: ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ فحصر الحق فيه، والحصر: إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما سواه، وكل ما خالف القرآن فهو باطل بلا شك.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إنذار المخالفين لهذا القرآن وبشارة الموافقين له، واستفاد هذه الفائدة من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١].
* ومِن فوائدها: إثبات هذين الاسمين لله عز وجل وما تضمناه من صفة وحكم: خبير وبصير.
* ومن فوائدها: عموم علم الله وشموله حتى لما يقوم به العباد؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
* ومن فوائدها: علم الله تعالى بما تكنه الصدور، من أي الاسمين تؤخذ؟ من قوله: خبير، وربما نقول أيضًا: وبصير؛ لأن البصير بمعنى العليم والـمبصر.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أن جميع الخلق عابدون لله، كل الخلق، كلهم عباد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [فاطر ٣١]، فلا حق لأحد من المخلوقين في شيء من خصائص الرب، بل الكل عبد ذليل لله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كتاب، أي: مكتوب، وهو مكتوب في اللوح المحفوظ، ومكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة، ومكتوب في الصحف التي بأيدينا.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ﴾ [فاطر ٣٢]
* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا القرآن مصدق لما سبقه من الكتب؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١]. ويتفرع على هذه الفائدة أن الذي يؤمن بهذا القرآن مؤمن بالكتب السابقة؛ لأن هذا القرآن مصدق لها، فيكون الإيمان به إيمانًا بما سبق من الكتب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: الاستشهاد بالأمر الواقع، حتى وإن كان من عند الله، بمعنى أن الله تعالى يستشهد بالأمر الواقع ليزداد إيمان المؤمنين، وجه ذلك ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [فاطر ٣١] على أحد المعنيين، وهما أنه وقع مطابقًا لما أخبرت به، فإنه إذا أخبرت به ثم جاء فهذا دليل على صدقه؛ كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ١٩٧]، فاستشهد الله تعالى بعلم علماء بني إسرائيل زيادةً في التثبيت وإقامةً للحجة على المنكرين أهل الكتاب.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله تعالى بعباده، حيث لم يدعهم هملًا، بل أنزل إليهم الكتب التي يستنيرون بها في سيرهم إلى الله عز وجل؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: سعة التعبير في اللغة العربية، وأن المقصود المعنى دون مجرد اللفظ؛ لقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لأنه قد يقول قائل: وهل للقرآن يد؟ فالجواب أن هذا من باب التوسع في التعبير في اللغة العربية، عرفتم؟ وأن المقصود هو المعنى، والألفاظ قوالب تدل على المعنى، قوالب الشيء يعني معناه: أوانيه التي يجعل فيها، فأنت مثلًا إذا قدم إليك كرتون مزخرف مزين بالذهب تستدل بهذا على ما في باطنه وأنه شيء غال طيب، فالألفاظ في الواقع قوالب يستدل بها على ما تضمنته من المعاني، وليس لها -أي للألفاظ- معنى ذاتي حتى لا تتغير بأي تركيب كانت، بل هي تتغير بحسب التركيبات والسياق.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر ٣٢].
* يُستفاد مِن هذا الآية: فضل الله عز وجل على هذه الأمة، حيث أورثها هذا الكتاب العظيم الذي وصفه الله بأنه الحق وأنه مصدق لما بين يديه أورثه الله تعالى هذه الأمة، ففي ذلك بيان فضل الله علينا بهذا الإرث.
* ومن فوائدها: أن هذه الأمة أفضل الأمم؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وهم هذه الأمة، واستدللنا لذلك أيضًا بآية أخرى وهي ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران ١١٠].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى الفترة بين عيسى ومحمد ﷺ، من أين تؤخذ؟ من (ثم) الدالة على التراخي، وهو كذلك، ولا نعلم فترةً أطول منها بالنسبة لما بين الرسالات والكتب المنزلة، فقد قيل: إن أطول ما كان بين آدم ونوح، وهذا أمر قد يشك فيه الإنسان، لكن ما بين عيسى ومحمد عليه الصلاة والسلام حوالي ست مئة سنة، وإنما طالت الفترة لتشتد حال الناس إلى إرسال الرسل، فتأتي الرسالة المحمدية إلى قوم في غاية الضرورة إلى الرسالة والوحي، ويكون لرسالته مزية عظيمة، حيث جاءت كالمطر ينزل على أرض مجدبة، فتكون أشد قابلية له وأشد تأثرًا به (...).
خلقت له، بل معناها يختلف بحسب السياق، وعلى هذا فلا مجال، ما دام أن المعنى مفهوم فلا مجال، ولهذا تجد أن الكلمة في معناها المفهوم بالسياق لو أنك أردت أن تحولها إلى المعنى الأصلي ما صح (...).
في استخراج الفوائد من الآيات السابقة، من الآية (...).
الكريم أيضًا تقسيم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام: ظالم لنفسه ومقتصد وسابق بالخيرات.
* ومنها، أي من فوائدها: الرد على الخوارج والمعتزلة؛ لقوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ [فاطر ٣٢] وجعلهم من الذين اصطفاهم الله تعالى من عباده، ولو خرجوا من الإسلام لم يكونوا من المصطفين، قد يقول قائل: يمكن أن يعارض الخوارج والمعتزلة هذا الاستدلال بأن يقولوا: إن المراد بالظلم هنا ما دون الكبائر، فيقال: إن ما دون الكبائر يقع مغفورًا بفعل الطاعات؛ كالصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، وحينئذ ينتفي الظلم بمجرد فعل هذه الطاعات.
ثم نقول قولًا آخر بأن الآية مطلقة تشمل الظلم الأصغر والظلم الأكبر، ففيها رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون أو يخرجون الإنسان بالكبيرة من الإسلام، وحينئذ لا يكون من العباد الذين اصطفوا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل عمل يقوم به الإنسان فهو بإذن الله عز وجل وإرادته؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]، وفيها الرد على القدرية الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله؛ يقول ويفعل ويترك بغير إذن الله، بل هو مستقل بمشيئته وفعله.
* ومِن فوائدها أيضًا: كبح النفس عن الاستعلاء والفخر بالطاعة؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢] حتى لا يقول الإنسان: فعلت ذلك من نفسي وأنا الذي فعلت وفعلت، وهذا خلافًا لما يسير عليه بعض الناس، إذا فعل المعصية كان جبريًّا، وإذا فعل الطاعة كان قدريًّا، إذا فعل الطاعة قال: هذا مني وأنا الذي فعلت وأنا الذي فعلت، وإذا فعل المعصية قال: هذا من الله وأنا مجبر عليه، فبعض الناس يسلك هذا المسلك، وهذا مسلك بعيد من العدل.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات عموم مشيئة الله عز وجل حتى في أفعال العبد؛ لقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢].
* ومن فوائدها: تفاضل الناس في العمل، ويتفرع عليه تفاضلهم في الإيمان، أين الدليل على تفاضلهم في العمل؟ تقسيمهم إلى ثلاثة أقسام، ويلزم من تفاضلهم في العلم أن يتفاضلوا في الإيمان، فيكون في ذلك دليل لمذهب أهل السنة والجماعة القائلين بزيادة الإيمان ونقص الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكبر فضل يتفضل الله به على عبده أن يوفقه للقيام بطاعته؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر ٣٢]، وقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس ٥٨].
* ومِن فوائدها أيضًا: أن إفضال الله على عباده يتفاضل؛ فمنه الكبير ومنه الصغير، وهذا أمر مشاهد؛ ففضل الله على الرسل أعلى من فضله على الأنبياء، وعلى الأنبياء أعلى من فضله على الصديقين، وعلى الصديقين أعلى من فضله على الشهداء، وعلى الشهداء أعلى من الصالحين، وهذا لا شك فيه.
ثم قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [فاطر ٣٣] إلى آخره.
* مِن فوائد الآية الكريمة: أن جزاء أولئك القوم الذين أورثوا الكتاب على اختلاف طبقاتهم الثلاث أن جزاءهم جنات عدن؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، أو ﴿يُدْخَلُونها﴾، على قراءتين، ومنها الإشارة إلى كمال نعيم الجنة؛ لكونها جنات بهيجة، وكونها محل إقامة لا ظعن منها أبدًا؛ لقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾.
* ومن فوائدِها أيضًا: ما ينعم الله به على عباده في هذه الجنات من أنواع الفواكه والمطاعم؛ لدخوله في كلمة ﴿جَنَّاتُ﴾، وكذلك من الملابس؛ لقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [فاطر ٣٣].
* ومِن فوائدها: أن الجنة ليست دار تكليف، أي: دارًا يمنع منها العبد مما يتنعم به، بل يتنعم بكل ما شاء؛ لأننا نعلم جميعًا أن تحلي الرجال في الدنيا بالذهب ممنوع وحرام، لكنه في الجنة مباح وممنوح وليس بممنوع؛ لأن الجنة لهم فيها ما يشاءون، بل أكثر مما يشاءون ويريدون.
ومنها ما يحصل من الجمال لتنويع الحلي؛ لكونه من ذهب ولؤلؤ، وفي الآية الأخرى فضة، وهنا لم يذكر الله تعالى تحديد هذه الحلية، لكن جاءت بها السنة، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تَبْلُغُ الْحِلْيَةُ مِنَ الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوُضُوءَ»[[أخرجه مسلم (٢٥٠ / ٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، ومنها نعومة لباسهم وأنه أنعم ما يكون من اللباس؛ لقوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [فاطر ٣٣] حرير لا يخلق ولا يتدنس، بل هو دائمًا على جدته ونظافته.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر ٣٤].
* مِن فوائد الآية الكريمة: فضيلة أهل الجنة في ثنائهم على ربهم في قولهم: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن حمد الله تعالى يكون على إنعامه وإفضاله وعلى كمال صفاته، فهنا قالوا: ﴿الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾، فحمدوا الله على إنعامه عليهم وعلى كونه غفورًا شكورًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال الفرح والسرور لأهل الجنة؛ لقولهم: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾؛ فإن هذه الصفة السلبية تدل على كمال ضدها، فإذا كان الحزن منفيًّا عنهم كان ذلك دليلًا على كمال سرورهم وأنه سرور لا يشاب بحزن أبدًا، بخلاف سرور الدنيا؛ فإن سرور الدنيا مهما عظم مشوب بالكدر، ولهذا يقول الشاعر الحكيم:
لَا طِيبَ لِلْعَيْشِ مَا دَامَتْ مُنَغَّصَةً ∗∗∗ لَذَّاتُهُ بِادِّكَــــارِ الْمَــــــوْتِوَالْهَــــــــــرَمِ
نعم، الإنسان مهما كان في الدنيا من النعيم فإنه إذا تذكر أن أمامه شيئين لا بد منهما، لا بد من أحدهما قطعًا، فإن طالت به الحياة فلا بد من الأمرين جميعًا، وهو الهرم والموت، وحينئذ تتنغص عليه حياته. ثم هو أيضًا يعرف أنه كل يوم يمضي عليه فإنه يبعده من الدنيا ويقربه من الآخرة، وهذا تنغيص آخر، ولهذا قال الشاعر:
وَالْمَـــــرْءُ يَفْـــــرَحُ بِالْأَيَّامِيَقْــطَعُهَا ∗∗∗ وَكُلُّ يَوْمٍ مَضَى يُدْنِي مِنَالْأَجَلِ
نعم، على كل حال في الآخرة نعيم لا كدر فيه؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤].
* ومِن فوائدِها: أن نعيم الآخرة ينسي كل ما سبقه من حزن؛ لقوله: ﴿أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر ٣٤]، وذهاب الحزن هنا ذهاب لما قد وُجد ولما يُتوقع وجوده، فلا يمكن أن يمسه فيها حزن.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما الغفور والشكور، الغفور في جانب المعاصي والشكور في جانب الطاعات، أما في المعاصي فإنه عز وجل قال في الحديث القدسي: «يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَغَفَرْتُ لَكَ»[[أخرجه الترمذي (٣٥٤٠)، والطبراني في الأوسط (٤٣٠٥) من حديث أنس بن مالك.]].
أما في الطاعات فإن الله تعالى يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام ١٦٠]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ فَاعِلَ الْحَسَنَةِ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِ مِئَةِ ضِعْفٍ، إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٩١)، ومسلم (١٣١ / ٢٠٧) من حديث ابن عباس.]].
ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ [فاطر ٣٥] فيها فضيلة أهل الجنة بإضافتهم النعيم إلى المــنعم به، من أين؟ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥]، فنسبوا الأمر إلى الله وإلى فضله ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر ٣٥] وهذا غاية الثناء والحمد.
* ومن فوائدها: أن دار الجنة دار إقامة، كل إنسان لا يتمنى أن يزول عن مكانه منها، حتى من كان في الدرجات غير العالية يرون أنهم في أكمل النعيم؛ لقوله: ﴿دَارَ الْمُقَامَةِ﴾، ومنها تأبيد الجنة لإطلاق قوله: ﴿الْمُقَامَةِ﴾ ولم تقيد بزمن.
* ومِنها؛ من فوائد الآية: أن بلوغهم إلى هذه الدار ليس بحولهم وقوتهم، ولكن بفضل الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأسباب؛ لأن (من) هنا سببية، أي: بفضل الله، ففيها رد على من ينكرون الأسباب ويقولون: إن الأسباب لا تأثير لها، وإنما يحصل الشيء عندها، لا بها.
* ومِن فوائدها: أن الإنسان لا يدخل الجنة بعمله؛ لقوله: ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾، ولكن قد يشكل على هذا قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل ٣٢] وأشباههما من الآيات.
وقد جمع العلماء بينهما بأن الباء في قوله: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الباء للسببية، وأن الباء في قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٧٣)، ومسلم (٢٥٧٤) من حديث أبي هريرة.]] للعوض، يعني أن دخول الإنسان الجنة ليس بعمله؛ إذ لو أنه أريدت المعاوضة لهلك الإنسان، لو أن الإنسان نُوقش في عمله بالإضافة إلى نعمة الله عليه لكانت نعمة واحدة تقابل كل العمل، بل لكان العمل نفسه نعمة يحتاج إلى شكر، ولَّا لا؟ لأن توفيق الله عز وجل للعبد..
35:37Page 438
وَهُمۡ يَصۡطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَآ أَخۡرِجۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُۚ أَوَلَمۡ نُعَمِّرۡكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَآءَكُمُ ٱلنَّذِيرُۖ فَذُوقُواْ فَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِن نَّصِيرٍ ٣٧
And they will cry out therein, "Our Lord, remove us;1 we will do righteousness - other than what we were doing!" But did We not grant you life enough for whoever would remember therein to remember, and the warner had come to you? So taste [the punishment], for there is not for the wrongdoers any helper.
No commentary for this ayah
35:38Page 438
إِنَّ ٱللَّهَ عَٰلِمُ غَيۡبِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ٣٨
Indeed, Allāh is Knower of the unseen [aspects] of the heavens and earth. Indeed, He is Knowing of that within the breasts.
No commentary for this ayah
35:39Page 439
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمۡ خَلَٰٓئِفَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ فَمَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ إِلَّا مَقۡتٗاۖ وَلَا يَزِيدُ ٱلۡكَٰفِرِينَ كُفۡرُهُمۡ إِلَّا خَسَارٗا ٣٩
It is He who has made you successors upon the earth. And whoever disbelieves - upon him will be [the consequence of] his disbelief. And the disbelief of the disbelievers does not increase them in the sight of their Lord except in hatred; and the disbelief of the disbelievers does not increase them except in loss.
وأما قوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال ٢٥] فإن هذا من باب تعميم العقوبة التي لا يخلو أهل الإحسان من التقصير، أما لو قاموا بما يجب عليهم فإن العقوبة لا تعمهم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١]، ولأن الواقع شاهد بذلك، فنوح وهود وغيرهما من الرسل أنجاهم الله مع أنه أخذ أقوامهم بالعقوبة.
يقول عز وجل: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ (أي: وبال كفره) ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا﴾ [فاطر ٣٩]، نعم، كفر الكافرين عند الله لا يزيدهم إلا مقتًا، لا يزيدهم عند الله محاباة لهم أو رحمة بهم؛ لأن الحجة قامت عليهم، فكلما ازدادوا كفرًا ازدادوا بغضًا.
قال المؤلف في ﴿مَقْتًا﴾: (غضبًا) والمعروف أن المقت أشد البغض، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف ٢، ٣]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر ١٠] وهذا يدل على أن المقت هو البغض، لكنهم قالوا: إنه أشد البغض، فتفسير المؤلف له بالغضب فيه نظر، قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، فبين هنا أن الكفر سبب لشيئين: الشيء الأول: نزول مرتبة الكافر؛ فإن كفره لا يزيده عند الله إلا بغضًا، والثاني: العقوبة التي تحصل له، وذلك بالخسارة، فماذا يخسر؟
يخسر نفسه وأهله ودنياه وآخرته ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [الزمر ١٥]، فهو خسر نفسه لأنه لو آمن لربح ونال ثواب الآخرة بالجنة، وهذا ربح، أما الآن فقد أهلك نفسه ففاتت عليه، خسر أهله لأنه لو آمن واتبعه أهله بالإيمان صاروا في الجنة في منزلة واحدة، خسر دنياه لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا، بل استفاد الخسارة والعمل السيئ، خسر الآخرة أيضًا لأنه فاته النعيم المقيم في الآخرة وصار من أصحاب الجحيم، فلا أحد أعظم خسارة من الكافر والعياذ بالله، حتى وإن كان في الدنيا منعَّمًا نعمة جسد فهو في الحقيقة معذب عذاب قلب؛ لأنه ليس عند الكافر انشراح صدر كما عند المسلم، يقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الزمر ٢٢] يعني كمن لم يكن كذلك فهو على ظلمة.
نأخذ الفوائد:
يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [فاطر ٣٩] إلى آخره.
* يُستفاد منها: تمام قدرة الله عز وجل وسلطانه، حيث إنه هو الذي يدبر خلقه بجعلهم خلائف.
* ومنها: بشارة المؤمنين وإنذار الكافرين؛ لأن من جملة الخلافة أن يخلف المؤمنون الكافرين في أرضهم، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٦، ٢٧]، وقال موسى لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨]، وقال لهم: إن الله استخلفكم الأرض، ففي هذا بشارة للمؤمن، فلا ييئس من أن الله سبحانه وتعالى يجعل له الخلافة في الأرض، وإنذار لمن؟ للكافر، بأن تجتاح أرضه على أيدي المؤمنين.
* ومن فوائدها: أيضًا حكمة الله عز وجل في توارث الأمم بعضها بعضًا، فإنه لولا ذلك لضاقت الأرض بأهلها، لو كان كل من أوجده الله بقي نعم كم يكون عدد العالم؟ ما يُحصَون، وحينئذ تضيق بهم الأرض ويشق عليهم تحصيل الأرزاق، وإن كان الله عز وجل قد يجعل لهم من الرزق ما لا يخطر بالبال، لكن لا شك أن كون الناس يخلف بعضهم بعضًا هذا يموت وهذا يحيا هو الحكمة والرحمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان شؤم الكفر وعاقبته؛ لقوله: ﴿فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾.
* ومن فوائدها: أن كفر الكافر على نفسه لا على غيره، وهو كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام ١٦٤] وأوردنا على هذه الجملة إشكالًا وأجبنا عنه.
* ومن فوائدها: إثبات صفة البغض لله عز وجل، بل إثبات صفة المقت الذي هو أشد البغض؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾، والمقت من صفات الله الذاتية أو الفعلية؟ الفعلية؛ لأن كل صفة تقرن بسبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأنها حينئذ تتعلق بمشيئة الله؛ إذ إن السبب واقع بمشيئته، والسبب هو الذي علقت به الصفة، فتكون الصفة إذن واقعة بمشيئته، والقاعدة عند أهل السنة أن الصفات التي تكون بمشيئة الله تسمى صفة فعلية، وذكرنا أن الصفات ذاتية وفعلية وخبرية، فالذاتية هي الصفات التي لا ينفك الله عنها، لم يزل ولا يزال متصفًا بها، مثل الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والعزة والحكمة وغير ذلك كثير، والصفات الفعلية هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فعلها وإن شاء لم يفعلها، سواء كانت صفة ظاهرة أم غير ظاهرة، مثل المحبة والكراهة والرضا والبغض والضحك والاستواء والنزول وغير ذلك، والصفات الخبرية هي التي نظير مسماها أبعاض لنا، مثل الوجه واليدين والعين والساق والإصبع وما أشبهها، وهنا لا نقول: إنها أجزاء بالنسبة لله، هي لنا أجزاء ولكن نتحاشى أن نقول: إنها أجزاء، بل نقول: نظير مسماها أجزاء لنا، ولا يمكن أن نجعل هذه صفات معنوية؛ إذ لو قلنا بأنها صفات معنوية لساوينا أهل التعطيل؛ لأنهم يجعلون هذه الصفات صفات معنوية. طيب اللي معنا الآن ﴿إِلَّا مَقْتًا﴾ من الصفات الفعلية.
* ومِن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما ازداد الإنسان كفرًا ازداد عند الله مقتًا، وجه ذلك القاعدة التي ذكرناها ونكررها دائمًا، وهي أن الحكم المعلق على وصف يزداد بزيادته وينقص بنقصانه، وهنا الحكم معلق على الكفر، فإذن يزداد مقت الله عز وجل على الكافر بزيادة كفره وينقص بنقصان كفره.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكافر أيضًا خاسر في الدنيا والآخرة، ولهذا قال: ﴿وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا﴾ [فاطر ٣٩]، ولم يقيد، لم يقل: في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الله، بل أطلق، فأخسر الناس هم الكفار، خسروا-كما قلنا في التفسير- أنفسهم وأهليهم ودنياهم وآخرتهم، وشخص خسر كل هذه الجهات ليس له ربح، فأعظم الناس خسرانًا هم الكافرون.
إذا قال قائل: هل نستعمل هنا قياس العكس؟
فنقول: إذا كان الكافر أخسر الناس فأربح الناس المؤمن؟
الجواب: نعم، نستعمل هنا قياس العكس؛ لأن قياس العكس جاءت به السنة؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوتَه ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ، أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟» قالوا: نعم، قال: «كَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]، فكل عمل حلال تستغني به عن حرام يكون لك فيه أجر.
إذن المؤمن رابح في مقابل أن الكافر خاسر، وإن شئت تلونا آية صريحة في هذا، قال الله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني: فليسوا في خسر، بل في ربح ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر ١ - ٣]، وتجارة المؤمنين تجارة رابحة ﴿يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ﴾ [فاطر ٢٩] لن تهلك ولن تخسر شيئًا. وقال النبي ﷺ لأبي طلحة لما قال: يا رسول الله، إن الله أنزل قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ٩٢] وإن أحب مالي إلي بيرحاء، وإني أضعها -يعني عند الرسول عليه الصلاة والسلام- صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: «بَخٍ بَخٍ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَاكَ مَالٌ رَابِحٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨ / ٤٢) من حديث أنس بن مالك.]].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences