Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Fatir 35:5–8, continued
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأجور تختلف؛ لقوله: ﴿وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ باختلاف أي شيء؟ تختلف باختلاف العمل، وتختلف باختلاف العامل، وإذا كانت متعدية فإنها تختلف باختلاف من انتفع بها، فمثل أن تختلف باختلاف العمل: «أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥ / ١٣٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
الواجب أفضل من المستحب، باختلاف العامل: مر علينا: «أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»[[أخرجه البخاري (١٤٢٦) من حديث أبي هريرة.]]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد.]] هذا باختلاف أيش؟
* طالب: العامل.
* الشيخ: باختلاف العامل، تختلف أيضًا باختلاف المحل إذا كانت متعدية فالصدقة على القريب صدقة وصلة، والصدقة على من هو أشد حاجة أفضل من الصدقة عمن دونه وهكذا، فاختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الأجور أيضًا، تختلف أيضًا (...) باختلاف الإخلاص.
* طالب: (...).
* الشيخ: باختلاف الإخلاص؛ يعني أنه كلما كان الإنسان في عمله أخلص كان عمله أفضل، ولّا لا؟ ويمكن أن نقول أيضًا: تختلف باختلاف الاتباع، وكلما كان اتباعه أكثر لله (...) كانت أكمل، وعلى كل حال فالاختلافات هذه في وجودها يختلف بها الأجور.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر ٨].
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فتجد أن هذه الآية ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ أن هذه المشيئة تابعة لحكمة، فمن اقتضت حكمة الله أن يضله أضله، وهو الذي لا يريد الخير؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، وقوله: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [فاطر ٨] المراد به هداية التوفيق، وربما نقول: هداية التوفيق والدلالة، ولكن الأهم هداية التوفيق، ولعل هذا هو المراد هنا؛ لأن الذين أضلهم الله قد هداهم الله هداية الدلالة، ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس ٢٥] وهذا عام، ولكن الهداية قال: ﴿وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس ٢٥] فما كل مدعوٍّ يهتدي.
وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر ٨] هذا نَهْيٌ عما كان ولّا عما لم يكن؟ الظاهر أنه نهي عما كان، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على هؤلاء المكذبين الذين كانوا يكذبونه، والنهي عن الشيء قد يكون نهيًا عما كان وقد يكون نهيًا عما لم يكن، فقوله للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣، ٢١٤] هذا نهي عما؟
* طالب: لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن؟ ولّا عما كان؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.
* الطلبة: عما لم يكن.
* الشيخ: عما لم يكن صح؛ لأن الرسول ما فعل، كذا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء ٢٩]؟
* طالب: عما لم يكن.
* الشيخ: ولّا عما كان؟
* طالب: عما كان.
* طالب آخر: عما لم يكن.
* الشيخ: هل (...) في نفسه (...)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني (...).
* طالب: بالنسبة (...).
* الشيخ: (...) لا تقتلوا أنفسكم، هل المعنى: لا يقتل بعضكم بعضًا فهذا صحيح، نَهْيٌ عمَّا لم يكن وعما كان، لكن إذا كان نهيًا أن يقتل الإنسان نفسه فهذا طبعًا لم يكن؛ إذ لا يمكن أن يقتل نفسه إلا وهو موجود.
* طالب: إذا انتحر ما يقتل نفسه يا شيخ؟
* الشيخ: إي، لكن ما تقول: ولا تقتل نفسك.
* الطالب: في حياته؟
* الشيخ: إي، قبل أن يموت، أما بعد أن (...) فلا يمكن، إذن فلا (...) نقول هذه نهي عما لم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: سبحان الله، (...) ما كان.
* طالب: (...).
* الشيخ: الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتحسر على فوات (...) والأدلة (...) ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود ١٢]، ويقول عز وجل: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: مهلك نفسك ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣].
فالرسول عليه الصلاة والسلام تحسر لهؤلاء لعدم إيمانهم؛ يقول هنا: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ يعني لا تذهب نفسك من أجلهم، نعم، كما يقال: بكيت عليك الدهر. أي: من أجلك، فالمعنى: لا تذهب نفسك من أجلهم حسرات.
قوله: ﴿حَسَرَاتٍ﴾ قيل: إنها حال على أنها مصدر أُريد به اسم الفاعل؛ أي: حاسرةً، والحسرة هي الهم الشديد والغم على ما فات، فكل من فاته شيء يحبه ويطلبه فاهتم لذلك واغتم يُقال: تحسر، وقيل: إن ﴿حَسَرَاتٍ﴾ مصدر (...)، وأنه مفعول من أجله، المعنى: فلا تذهب نفسك؛ أي: تهلك من أجل الحسرات عليهم.
قال المؤلف: (﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ﴾ على المزين لهم ﴿حَسَرَاتٍ﴾ باغتمامك ألا يؤمنوا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨] فيجازيهم عليه).
في هذه الجملة تهديد وتسلية؛ تهديد لهؤلاء المخالفين، وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام؛ يعني لا (...) فإن حسابهم على الله وسوف يجازيهم.
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ أو من أولها أظن، من أول الآية.
قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن من الناس من يعمى قلبه حتى يرى السيئة حسنة، وفي مقابل ذلك يرى الحسن سيئًا؛ لقوله: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾.
* ومن فوائدها: إبهام الفاعل ليشمل كل ما يمكن أن يقع منه هذا الفعل؛ لقوله: ﴿زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ﴾، وقد مر علينا أن المزين هو الله عز وجل في الأصل، والشياطين في المباشرة.
* ومن فوائدها: انقسام الأعمال إلى سيء وصالح؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾.
* ومن فوائدها: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿سُوءُ عَمَلِهِ﴾ فأضاف العمل إليه، وهم يقولون: إن الأعمال لا تضاف للإنسان؛ لأنه مجبر عليها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من هذه حاله لا يستوي مع من ليس كذلك بحيث يرى السيئ سيئًا، والحسن حسنًا، ونأخذها من أن المحذوف يكون مقابلًا للمذكور؛ لأن الهمزة هنا للتسوية؛ يعني: أيستوي هذا وهذا؟ والجواب: لا يستويان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الهداية والإضلال بيد الله؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها -وهي تتفرع على هذه الفائدة-: أننا إذا علمنا ذلك فإننا نسأل الهداية من الله، ونستعيذ من الضلال بالله، نستعيذ من الضلال بالله عز وجل؛ لقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾، ولكنه مر علينا أن كل فعل علقه الله بمشيئته فإنه مقرون بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* ومن فوائدها: الرد على القدرية؛ لقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ فإن القدرية يقولون: إن أفعال العبد من ضلالة أو هداية لا تتعلق بها مشيئة الله؛ لأن مذهبهم -القدرية- مذهبهم: أن الإنسان مستقل بعمله، ليس لله تعالى فيه تعلق إطلاقًا، حتى إن غلاتهم يزعمون أن الله لا يعلم عمل العبد حتى يقع، ويقولون: إن الأمر أُنُف، أي: مُسْتَأْنف؛ أي: إن علم الله عز وجل يحدث بعد أن لم يكن.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن رسول الله ﷺ -وعز من أرسله- كان يحزن حزنًا عظيمًا تكاد تذهب نفسه من شدته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وجه ذلك أن الأصل في النهي أن يكون عما وقع، وقد يكون عما لم يقع، وهو كثير أيضًا، ويدل على أن هذا أمر واقع قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣].
* ومن فوائدها: شفقة النبي ﷺ على أمته.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يحزن لعدم إيمانهم أو طاعتهم لمصلحته هو، ولكن لمصلحتهم؛ لقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾.
* ومنها: أن النبي ﷺ بشر، يتأثر بما يتأثر به البشر من أسباب الفرح وأسباب الحزن، وهذا أمر واقع، «وقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة ذات يوم مستبشرًا تبرق أسارير وجهه، فسألته عن ذلك فقال: «أَلَمْ تَرَيْ إِلَى مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجِيِّ دَخَلَ عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُمَا مُتَغَطِّيَانِ بِرِدَاءٍ قَدْ ظَهَرَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧٣١)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٩) من حديث عائشة.]]، ففرح عليه الصلاة والسلام حتى ظهر ذلك على وجهه، فالأعراض البشرية تطرأ على النبي ﷺ كغيره من البشر من الفرح والحزن والغم والاستبشار والنسيان وعدم العلم وغير ذلك؛ لأنه لا يتميز عن البشر إلا بشيء واحد وهو الوحي، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف ١١٠] شوف ﴿بَشَرٌ﴾ تغني عن ﴿مِثْلُكُمْ﴾ لكن هذا من باب التأكيد؛ لئلا يذهب ذاهب إلى أنه بشر قد خُصص بشيء فقال: ﴿بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، ثم ذكر الميزة فقال: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف ١١٠]، وفي هذا رد واضح على أولئك القوم الذين يدعون أن للنبي ﷺ تأثيرًا في الخلق كتأثير ربوبية الله عز وجل؛ لأنه لو كان كذلك ما ذهبت نفسه عليهم حسرات لهداهم، وسَلِم من هذه الحسرات التي تكون على نفسه.
* ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل بكل ما نعمل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر ٨].
* ومن فوائدها: عناية الله برسوله ﷺ في مثل هذه الجملة التي تفيد تسليته وتهوين الأمر عليه، وأنه ما من حساب هؤلاء عليه من شيء، كما أنه ليس من حسابه هو عليهم من شيء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences