Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ya-Sin 36:41–46
36:41–42Page 443
وَءَايَةٞ لَّهُمۡ أَنَّا حَمَلۡنَا ذُرِّيَّتَهُمۡ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ٤١
And a sign for them is that We carried their forefathers1 in a laden ship.
وَخَلَقۡنَا لَهُم مِّن مِّثۡلِهِۦ مَا يَرۡكَبُونَ ٤٢
And We created for them from the likes of it that which they ride.
ثم قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (وفي قراءة ﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ أي: آباءَهم الأُصُول ﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ [يس ٤١] المملوء، ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: مثْل فُلْك نوحٍ، وهو ما عملوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار بتعليم الله عز وجل ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢]).
﴿آيَةٌ لَهُمْ﴾ أي: للناس جميعًا. على أيِّ شيء؟ يقول المؤلف: (على قدرتنا)، ونحن نُسَلِّم بذلك، لكن فيه أيضًا آيةٌ على شيءٍ آخَر وهو رحمة الله عز وجل بالخلْق ونِعَمه عليهم، فآيةٌ لنا دالَّةٌ على قدرة الله ورحمته وفَضْله علينا، هذا الفُلْك الذي سخَّره الله عز وجل يجري في البحر، يحمل الأرزاق من جهة إلى جهة، ويحمل الناس، ويحمل المواشي، ويحمل كل ما فيه مصلحتُنا، فهذا من الآيات الدالَّة على قدرة الربِّ عز وجل وعلى رحمته.
وقوله: ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ هذه الجملة في تأويل مصدر، هي المبتدأ؛ يعني: وآيةٌ لهم حَمْلُنا ذُرِّيَّتهم.
﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ و﴿ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾ قال المؤلف: (أي: آباءَهم الأُصُول)، فجعل المراد بالذرية هنا الأصول؛ يعني الآباء، مع أن المعروف في اللغة العربية أن الذرية هم الفروع وليسوا الآباء؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [الحديد ٢٦]، والمؤلف ومَن ذهب مذهبه في تفسير الآية يقول: إنَّ الذرية لفظٌ مشترك بين الأصول والفروع؛ لأنها مأخوذةٌ من (ذَرَأَ)، والذَّرْء كائنٌ للأصول والفروع، ثم يقولون أيضًا: إن سياق الآية يدلُّ على ذلك؛ ﴿آيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الصغار الموجودون معهم إذا حُمِلوا فسيُحمَلون معهم هم، وإن كان المراد بالذرية مَن يأتي فيما بعدُ فكيف يكون ذلك آيةً وهي غير مشهودةٍ لهم؟! إذَن يتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الأصول؛ لأن الصغار المشهودين حَمْلُهم حَمْلٌ لآبائهم؛ لأن الغالب أنهم لا يُحمَلون إلا مع آبائهم، والصغار غير المشهودين الذين يأتون فيما بعدُ لا يكونون آيةً لِمَن أيش؟ لِمَن لم يشاهدها، فتعيَّن أن يكون المراد بالذرية الآباء.
وهذا الذي ذهب إليه المؤلف يوافق ظاهر الآية، لكنه يخالف ما كان معهودًا في اللغة العربية من أن الذرية هم الفروع، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أنَّ المراد بالضمير هنا الجنس لا العين، والمعنى: ﴿ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم كنوحٍ مثلًا؛ نوح عليه الصلاة والسلام من جنسنا، آدَمِيٌّ، بَشَرٌ، فحمل الله ذريته في الفُلك المشحون، قالوا: وهذا لا يمتنع في اللغة العربية؛ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: جنس الإنسان وليس عينه؛ لأن الذي جُعِل نطفةً هل هو آدم الذي خُلِقَ من السلالة أو غيره؟ غيره بلا شك، إذَنْ فالضمير عاد إلى آدم باعتبار الجنس فليَعُد الضمير في قوله: ﴿ذُرِّيَّتهمْ﴾ إلى الموجودين باعتبار أيش؟ باعتبار الجنس.
فمَن هو الجنس؟ قالوا: هو نوح؛ لأنه بَشَر آدمي، وذُرِّيته هي المحمولة، فيكون معنى ﴿أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ أي: ذرية جنسهم وهو نوح عليه الصلاة والسلام، حُمِلت ذريته في الفُلك المشحون، وخُلِق لهم من مثله ما يركبون، وهذا قريبٌ جدًّا ولا يخالف ظاهر الآية، ويشير إلى أن هذه السفينة جُعِلت آيةً لِمَن بعد نوحٍ يعتبرون بها ويصنعون منها؛ قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥].
فيه رأي ثالث إن شاء الله نتكلم عليه غدًا نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا ما هو بصحيح، إي نعم، هذا ليس بصحيح، الذين قالوا: إن الكسوف والخسوف يقع في كل وقتٍ والله على كل شيء قدير، نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنَّ الله تعالى أجرَى العادةَ ألَّا كسوف للشمس إلا في ليالي الاستسرار في آخِر الشهر، وألَّا خسوف للقمر إلا في ليالي الإبدار، ويكون قول مَن قال من الأئمة: إذا وقع الكسوفُ في عرفة بعد أن غربت الشمس، إذا وقع فإنه يصلي ثم يدفع، يقال: هذا أمرٌ فرضي وليس بواقع، ولا يمكن أن يقع هذا.
* طالب: يحتجُّون بأن الشمس كسفت في يوم موت الحسين وقد مات في العاشر من المحرم.
* الشيخ: الحسين؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: هذا ما هو بصحيح، إمَّا أن الكسوف غير صحيح أو التاريخ غير صحيح، ويحتجُّون أيضًا بأنها كسفت يوم مات إبراهيم، هذا صحيح، كسفت يوم مات إبراهيم، هم يقولون إن إبراهيم مات في عاشر ربيع الأول. وهذا غير صحيح أيضًا، والصحيح أنها كسفت الشمس في تسع وعشرين شوال، وعلى هذا فلا إشكال في الموضوع، إي نعم، هذا غير ممكن؛ لأن هذا سُنَّة مطَّردة ما يمكن تختلف إلا أن تكون آية، إذا كانت آية لا بأس؛ مثل انشقاق القمر، ولهذا نحن نُقِرُّ بأن القمر قد انشقَّ حقيقةً خلافًا لبعض المعاصرين أيضًا الذين أنكروا انشقاق القمر وقالوا: إن القمر من الأفلاك السماوية ولا يمكن أن تتغير أبدًا، وإن المراد بانشقاق القمر ظهور رسالة النبي ﷺ؛ بمعنى اتِّضاح القمر؛ أي: نور الرسالة، ويستدلُّون أيضًا بأن هذه الحادثة لو كانت حقيقةً لكانت مشهورةً عالميًّا في التاريخ، يعني ما هي بالأمر الهيِّن أن ينشق القمر ولا يعلم الناسُ به إلا أهل مكة أو مَن حولهم، وكل هذا تعليلات عليلة باطلة؛ لأن انشقاق القمر مما هو مشهور بل متواتر عن النبي عليه الصلاة والسلام والقرآن دلَّ عليه: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر ١، ٢]، وكونه لم يشتهر عالميًّا في التاريخ ليس هذا بمانع من وجوده حقيقة؛ لأنه قد يكون صادف في النهار -هذا على مَن حولهم- ثم قد يكون هناك غيوم وموانع تمنع، ثم قد يكون بالليل وهم نائمون، المهم أن هناك موانع، ثم انشقاقه أيضًا ليس هو انشقَّ كلَّ الليل، انشقَّ حتى أراهم النبي عليه الصلاة والسلام هذه الآية ثم التأم، وهذا قد لا يكون إلا خلال خمس دقائق أو نحوها.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾. قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا﴾ أين المبتدأ في هذه الآية؟
* طالب: المصدر المؤول.
* الشيخ: المصدر المؤول، ما التقدير؟
* طالب: حَمْلُهم.
* الشيخ: (...) للفروع فإنا نقول: المراد بالذرية هنا ذرية نوح، وأُضيفت إلى هؤلاء باعتبار الجنس؛ يعني: حمَلنا الذريةَ من جنسهم في الفُلك المشحون، وذكرنا لهذا نظيرًا وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣]، ما هو جعلْنا الإنسان اللي خُلِق من السلالة؛ لأن الإنسان الذي خُلِق من السلالة هو آدم، ولا يمكن يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ، وإنما الذي يكون نطفةً في قرارٍ مكينٍ ما كان من جنسه، هذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يأباه السياق.
قوله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ هذا مبتدأ الدرس الآن، (﴿فِي الْفُلْكِ﴾ أي: سفينة نوح) فـ(أل) هنا للعهد الذهني؛ لأنه لم يسبق لها ذكر، وليست للاستغراق؛ لأن المراد بها فُلْكٌ واحدٌ، فتكون (أل) هنا للعهد أيش؟ الذهني؛ يعني في الفُلك المعهود في أذهانكم، وهو الذي قال الله تعالى لنوح: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [المؤمنون ٢٧]، والفُلك كما مرَّ علينا يُطلق على الجمع ويُطلق على المفرد؛ فمِن إطلاقه على المفرد كهذه الآية، وعلى الجمع مثل قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، ﴿جَرَيْنَ﴾ أي: الفُلك، وهذا الضمير ضمير جَمْع ولا يعود على المفرد، ولهذا قال بعض الفقهاء رحمهم الله: إن الأحدب الذي حدبته كالركوع ينوي الركوع، قال: وهذا كـ(فُلْك) في العربية لا يُدرى هل هو جمعٌ ولَّا مفرد إلا بالنية، فالأحدب المقوَّس الظَّهر، كيف يركع بالنيَّة؟ ينوي الركوع؛ لأنه ما زال راكعًا أحدب.
﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ﴾ (أي: سفينة نوح ﴿الْمَشْحُونِ﴾ أي: المملوء)، مملوء بمن؟ مملوء بأُناسٍ من البشر الذين آمنوا مع نوح، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، مملوء ببقية الحيوانات؛ لأن الله قال: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠].
وقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (أي: مِثْل فُلْك نوح، وهو ما عَمِلوه على شكله من السُّفُن الصغار والكبار)، يذكِّرهم الله عز وجل، أولًا: بحمل آبائهم السابقين اللي هم ذرية نوح، وثانيًا: بأن الله تعالى خَلَق لهم من مثل هذه الفُلك ما يركبون؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر ١٥]، فالناس تعلَّموا كيف يصنعون السفن وصاروا يصنعون مثل هذه السفينة، ولعل قوله تعالى في سورة القمر: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] فيها الإشارة إلى مواد هذه السفينة أو هذا الفُلك لأجل أن يتعلم الناسُ؛ لأنه لم يقُل: حملناه على فُلك، بل قال: ﴿عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾، كأنه يقول: إن هذا الفُلك مصنوعٌ من الألواح والمسامير حتى يتعلم الناسُ موادَّ هذا الفُلك.
ثم قال عز وجل: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢] ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ المراد بالمثل هنا الجنس، وليس المراد المماثلة من كل وجْه؛ وذلك لأن المماثلة من كل وجه قد تكون متعذِّرة، لكن يكفي الجنس، أمَّا النوع فيختلف باختلاف الأعصار، فلكُلِّ عصرٍ نوع سُفُنه، وما زالت تترقَّى السفن في البحار إلى أن وصلتْ إلى ما وصلتْ إليه في عهدنا الحاضر.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: (بتعليم الله تعالى). إشارة إلى سؤالٍ مقدَّر؛ كأنه قال: كيف قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾، وهذه السفن مصنوعةٌ بأيدي البشر، وليستْ بخلق الله كخلق البعيرِ التي تُركب والفرسِ وشبهها؟ فأجاب المؤلف بأن الله تعالى أضاف خَلْقَها إليه لأنها كانت بتعليمه.
* في هذه الآية من الفوائد:
* أولًا: بيان ما في إنقاذ البشرية من الغرق في زمان نوح؛ فإنه لولا أن الله أبقى هؤلاء لزالتْ البشرية من الأرض، لكن الله تعالى أبقى نوحًا ومَن معه، ومع هذا فلمْ يَبْقَ من نَسْل الذين معه أحد، وإنما الذين بقوا هم نَسْل نوح فقط كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات ٧٧]، أمَّا غيرهم فلم يَبْقَ منهم أحد، ولهذا يسمَّى نوحٌ أبا البشر الثاني.
* ثانيًا من فوائد هذه الآية: بيان نعمة الله عز وجل بما أنعم على هؤلاء بتعليم السفن التي يركبونها في البحر، ولولا هذه السفن ما استطاع أحدٌ أن يعبر من يابسةٍ إلى أخرى بينهما ماء، ولكن الله أعلمهم بصناعة هذه حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السفينة التي كان فيها نوح كانت مملوءةً من البشر وغيره؛ لقوله: ﴿الْمَشْحُونِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المماثَلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجه؛ لقوله: ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، وليست هذه السفن الموجودة والتي كانت في عهد نزول القرآن ليست كمثل سفينة نوح من كل وجه، ويدلُّ على أن المماثلة قد لا تقتضي المساواة من كل وجهٍ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ [الطلاق ١٢]؛ فإنَّ المراد بالمماثلة هنا المماثلة في العدد فقط، وإلا فإن بين الأرض والسماء من الفروق العظيمة ما هو ظاهر.
* وفي قوله: ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾ إشارةٌ إلى الراحة الحاصلة بهذه السفن، وأنَّ محلَّ الركوب للاستقرار،* ففيها أيضًا: بيان نعمةٍ من الله سبحانه وتعالى باستقرار الراكبين على هذه السفن.
36:43–44Page 443
وَإِن نَّشَأۡ نُغۡرِقۡهُمۡ فَلَا صَرِيخَ لَهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنقَذُونَ ٤٣
And if We should will, We could drown them; then no one responding to a cry would there be for them, nor would they be saved
إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّنَّا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ ٤٤
Except as a mercy from Us and provision for a time.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [يس ٤٣، ٤٤].
في الآية جملة شرطية، فِعْل الشرط فيها ﴿نَشَأْ﴾، وجوابه ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾، وفيها أيضًا استثناء مُفرغ من أعمِّ الأحوال، وهو قوله: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾، وهي مفعول من أجْله؛ أي: إلا لأجْل الرحمة التي من الله عز وجل.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ يعني إذا ركبوا في السفن، والأمر كذلك، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢) إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٣٣) أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى ٣٢ - ٣٤]، فحذَّر الله عز وجل من أمرينِ في هذه السفن: إمَّا إسكان الريح فتبقى راكدةً على ظهرها، وإمَّا إغراقها.
وهنا يقول: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ وهم في سفنهم ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾ الصريخ بمعنى المغيث، وسُمِّي المغيثُ صريخًا لأن العادة أن الإنسان إذا هاجمه أحدٌ صرخ يستغيث، ومنه حديث غزوة بدر أنَّ أبا سفيان بعث صارخًا إلى أهل مكة يستغيثهم[[أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٩٧٢٧) من حديث عكرمة مولى ابن عباس.]].
قال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾ (ينجون) أي: لا أحد يُغيثهم ولا أحد يُنقذهم إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يُغرقهم.
﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي: لا ينجيهم أحدٌ إلا رحمة الله عز وجل، والاستثناء هنا قيل: إنه منقطع؛ لأن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا﴾ بمعنى: لكنْ رحمةً منَّا ينجون ويُنقذون.
وقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ أي إنهم يُمَتَّعون إلى حين أجَلِهم؛ لأن الله تعالى قد جعل لكل شيءٍ قدرًا، (أي: لا يُنجيهم إلا رحمتُنا لهم وتمتيعُنا إيَّاهم بلذَّاتهم إلى انقضاء آجالهم).
في الآية الكريمة فوائد:
* منها: إثبات مشيئة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾.
* ومنها: أن الله إذا أراد بقومٍ سوءًا فلا مردَّ له؛ لقوله: ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ﴾.
* ومنها: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى بإنجائهم من الغرق، وأنَّ نجاتهم من الغرق ليست بكسبهم وعَمَلِهم، ولكنها من رحمة الله عز وجل.
* ومنها: أن الله تعالى قد يُنقذ الإنسانَ من الهلاك إلى أن يأتي أجَلُه؛ لقوله: ﴿وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾.
* ومنها: أن الخلود في هذه الدنيا متعذِّر ومستحيل؛ لقوله: ﴿إِلَى حِينٍ﴾، وما كان له غايةٌ فلا بدَّ أن ينقضي.
* ومنها: أنه يجب على الإنسان أن ينظر إلى نِعَم الله تعالى بالإنقاذ من الشدائد أو بحصول المحبوب، أن ينظر إلى النِّعَم على أنها فضلٌ من الله عز وجل ليست بكسبه، ولكنها من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾.
36:45Page 443
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱتَّقُواْ مَا بَيۡنَ أَيۡدِيكُمۡ وَمَا خَلۡفَكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٤٥
But when it is said to them, "Beware of what is before you and what is behind you;1 perhaps you will receive mercy..."2
ثم قال تعالى: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ [يس ٤٥] من عذاب همِّ الدنيا) عندي، ما فيه (هَمِّ) عندكم؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا) لأن الهمَّ ما هو العذاب فقط (من عذاب الدنيا كغيرهم ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الآخرة ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [يس ٤٥] أعرَضوا).
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ الجملة هذه شرطية، فِعْل الشرط فيها ﴿قِيلَ﴾، وجوابه محذوفٌ قدَّره المؤلف بقوله: (أعرَضوا)، وهذا التقدير لا شكَّ أنه التماسٌ من المؤلف، وإلا فقد يكون الأمر أوسع مما قال المؤلف، وحذفُ مِثْل هذا فيه من البلاغة أنَّ الذهن يقدِّر كلَّ ما يمكن أن يقدِّره مما يترتب على هذا القول، هذا من جهة، من جهةٍ أخرى أنَّ الناس إذا قيل لهم: اتقوا ما بين أيديكم وما خَلْفكم، تختلف إجاباتُهم؛ منهم مَن يُعرِض ويسكت، ومنهم مَن يستكبر ويسبُّ، ومنهم مَن يقاتل ... إلى غير ذلك من الأمور التي لا تخفى، فكان في حذف هذا من البلاغة ما هو ظاهرٌ ليذهب الذهنُ كلَّ مذهبٍ في تقدير هذا المحذوف.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ مَن القائل؟ القائل هنا مُبهَم؛ لأن الفعل مبني للمجهول ليشمل أيَّ واحدٍ يقول لهم هذا القول؛ سواءٌ كان من قول الله عز وجل في كتابه، أو كان من قول الرسول عليه الصلاة والسلام في سُنَّته، أو كان من قول الدُّعاة بعد ذلك، فهؤلاء الكفار ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾، (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا)، فإنَّ الله سبحانه وتعالى قد يعذِّب الكافر في الدنيا كما عذَّبَ الأُمَمَ السابقةَ وكما عذَّب هذه الأُمَّة أيضًا، لكن عذاب هذه الأُمَّة يكون بابتلاء بعضهم ببعض؛ ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد ٤]، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان ١٦] كانت هذه في غزوة بدر حين قُتِل صناديدُ قريش فسمَّاها الله تعالى بطشةً كبرى، أمَّا الأُمَم السابقة فعقوباتهم معروفة، فهنا ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الدنيا، العذاب المتنوِّع، سواءٌ كان بأيدي المؤمنين، أو كان من فِعْل الله عز وجل كالقحط والزلازل والغرق وغير ذلك، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من أمْر الآخرة، وعذابُ الآخرة أشقُّ وأشدُّ وأبقى.
وهُنا قال: ﴿مَا خَلْفَكُمْ﴾ قد يقول قائل: لو كان الأمر بالعكس لكان أقربَ إلى الصواب؛ يقول: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ﴾ من عذاب الآخرة؛ لأنه مستقبل، ﴿وَمَا خَلْفَكُمْ﴾ من عذاب الدنيا؛ لأن الدنيا هي التي يُخَلِّفها الإنسانُ وراءه.
ولكن يُجاب عن هذا بأنَّ الذي بين أيديهم حقيقةً هو الدنيا، وأمَّا ما خلفهم فإن الخلف والوراء قد يُطلق بمعنى الأمام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف ٧٩]، قال العلماء معناه: أمامهم، وكقوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم ١٧] أي: أمامه.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (لعلَّ) هنا للتعليل؛ أي: لأجْل أن يرحمكم الله عز وجل، إذا قيل لهم هذا الشيء، فجمع لهم بين الترغيب والترهيب؛ الترغيب في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، والترهيب في قوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾، هؤلاء جمع لهم بين الترغيب والترهيب، ومع ذلك لا يستجيبون، بل يُعرِضون ويستكبرون ويسخرون ويقولون: هذا أساطير الأولين، وما أشبه ذلك مما هو معروفٌ عن هؤلاء إذا دُعُوا إلى الله.
في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار قد أُقيمت عليهم الحجة وبَلَغتهم الدعوةُ ووُعِظوا، ولكن لم ينفعهم ذلك؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإنسان إذا أعرضَ عن دين الله واستكبر كان عُرضةً للعذاب؛ إمَّا في الدنيا، أو في الآخرة، أو في الدنيا والآخرة؛ لقوله: ﴿اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن الإقبالَ إلى الله عز وجل واجتنابَ معصيته سببٌ للرحمة؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات العلل والأسباب؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾؛ فإن (لعلَّ) هذه للتعليل، ولا أحد يُنكر أن للأسباب تأثيرًا إلا مَن صُرِف عن مقتضى الفطرة، والناسُ اختلفوا في الأسباب والعلل على ثلاثة أقوال:
فمنهم من قال: إن الأسباب والعلل مؤثِّرة بذاتها، وإنه لا بد لكل سببٍ من تأثيره في مسبَّبه، ولا بد في كلِّ علَّة من تأثيرها في معلولها.
ومنهم من قال بالعكس وقال: إنه لا تأثير للعلل والأسباب، وإنما هي علاماتٌ وأماراتٌ فقط، فإذا وُجِد المسبَّب أو المعلول لم يقولوا: إنَّ ذلك من أجْل السبب أو العِلَّة، ولكن يقولون: إنَّ ذلك حصل عنده لا به. ولا ريب أن هؤلاء خالفوا المنقول والمعقول، ولا أحد يوافقهم على ما ذهبوا إليه.
والقول الثالث الوسط: يقولون: إن للأسباب والعلل تأثيرًا في معلولاتها ومسبَّباتها لكنْ بجعل الله ذلك فيها، فهي ليست مؤثِّرة بنفسها، بل بما أَوْدعه الله تعالى فيها من الأمر الموجِب للمسبَّب أو للمعلول، وهذا القول هو المتعين وهو الصواب؛ بدليل أن الله تعالى قد يسلب هذه العلَّة أو هذا السبب قد يسلبه التأثيرَ ولا يبقى له تأثير إطلاقًا، وما قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام بغريبةٍ حيث أُلقِيَ في نارٍ تتأجَّج، فقال الله لهذه النار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] فكانت بردًا وسلامًا، مع أنها هي سببٌ للإحراق، ولكنَّها صارت بردًا وسلامًا على إبراهيم، وهذا يدلُّ على أن الأسباب والعلل إنما تؤثِّر بماذا؟ بإرادة الله عز وجل، وجعل هذه العلَّة أو السبب مؤثِّرًا.
* ومن فوائد الآية هذه والتي قبلها أيضًا: إثبات الرحمة لله عز وجل، وهي من صفاته الذاتية الفعلية؛ الذاتية لأن الله لم يَزَل رحيمًا بعباده ولا يزال، الفعلية باعتبار تعلُّقها بالمرحوم، فإنها تتجدَّد باعتبار المرحوم لا باعتبار أنها صفةٌ من صفات الله، فهذا الذي رحمه الله من البَشَر حادثٌ بعد أن لم يكن فتعلَّقت به الرحمة، ولا يخفى عليكم ما ذهب إليه الأشاعرة من إنكارهم الرحمةَ على وجه الحقيقة وادِّعائهم أنه يُراد بها الإحسانُ أو إرادةُ الإحسان، ففسَّروها بالإرادة لأنهم يُثبتون لله الإرادة، أو بالإحسان لأنه مخلوقٌ منفصلٌ ليس من صفات الله، وهذا بلا شك قولٌ باطلٌ وضعيفٌ، وقد مرَّ علينا بيانُ تعليلهم لإنكاره والرد عليهم، قالوا: إن الرحمة تقتضي أيش؟ رِقَّةً ولينًا وضعفًا، وهذا لا يليق بالله عز وجل، وقالوا أيضًا: إن الرحمة لا يدلُّ عليها العقل، ونحن لا نُثبت من الصفات إلا ما دلَّ عليه العقل، وقد بيَّنَّا أن هذا القول ليس بصواب:
أولًا: أن الرحمة قد تقع من إنسانٍ قويٍّ وذي سلطان ويوصَف بالرحمة، حتى من البَشَر.
وثانيًا: ادِّعاؤهم أن العقل لا يدلُّ عليها باطلٌ؛ فإن العقل يدلُّ عليها أكثر دلالةً وأوضح دلالةً من دلالة التخصيص على الإرادة، وقد مرَّ علينا هذا كثيرًا.
قال الله تعالى (...) رأيٌ ثالثٌ نذكره، وهو أن المراد بما بين أيديهم: المعاصي التي في مستقبلهم ويُخشى أن يفعلوها، وما خلفهم: المعاصي الماضية، فيجعل المراد بما بين أيديهم وما خلفهم من الأعمال لا من عذاب الله، وسبق أنا قُلنا: إن الآية إذا كانت تحتمل المعاني المقولة فيها بدون تعارضٍ فإنها تُحمَل على الجميع.
36:46Page 443
وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦
And no sign comes to them from the signs of their Lord except that they are from it turning away.
قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ [يس ٤٦] أيضًا سبق لنا الكلام على الآية هذه؟
طيب، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ الضمير هنا يعود على المكذِّبين للرسل، يقول الله عز وجل: ﴿مَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، و﴿مِنْ﴾ هنا زائدةٌ لفظًا لكنَّها تزيد في المعنى، فهي زائدةٌ في اللفظ وزائدةٌ للمعنى؛ أي: تعطيه معنًى جديدًا، ما هو المعنى الجديد؟ المعنى الجديد تأكيدُ النفي والتنصيصُ على عمومه؛ أي: أيُّ آيةٍ تأتيهم فإنهم لا يقبلونها، بل يُعرضون عنها ويستكبرون.
والآيات التي تأتي من الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: آيات كونيَّة، وآيات شرعيَّة.
فالآيات الشرعية ما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام، والإعراضُ عنها يكون بالتكذيب والاستكبار؛ التكذيب بالأخبار، والاستكبار عن الأحكام.
وأمَّا الآيات الكونية فالإعراضُ عنها ألَّا يهتمَّ الإنسانُ بها، وألَّا تُحرِّك منه ساكنًا، وألَّا يَوْجَل منها قلبُه، وأن يقول كالذين رأوا العذابَ ينزل من السماء ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ﴾ [الطور ٤٤]، أو كالذين يقولون: إن الكسوف ليس أمرًا مخيفًا لأنَّه شيءٌ طبيعيٌّ ولا ينبغي أن يُخيف -نسأل الله العافية- أو كالذين يرون الزلازلَ والغرقَ والدمارَ من الرياح العاتية وغيرها ثم يقولون: هذا أمرٌ طبيعيٌّ لا يحرِّك له ساكنًا. ولا ريب أن هذا يدلُّ على قسوة القلوب وموتها، وإلا فإن الواجب على الإنسان أن يتَّعظ بهذه الآيات، فالإعراضُ عن الآيات الكونية معناه أيش؟ عَدَمُ المبالاةِ بها، وعَدَمُ الاكتراثِ بها، وألَّا تحرِّكَ من الإنسان ساكنًا ولا تهزَّ له عاطفة، هذا الإعراض عن الآيات الكونية، فيقول الله عز وجل: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ يعني: إلا قابلوها بالإعراض، ولا يتأمَّلونها، ولا يفكرون فيها، فإذا جاءت الآيات الشرعية بخبر كذَّبوها على طول وقالوا: هذا كَذِبٌ، هذا سِحْرٌ، هذا شِعْرٌ، وإذا جاءت الأحكام الشرعية استكبروا عنها ولم يُذعِنوا لها ولم ينقادوا لها بدون أن يتأمَّلوا فيها وما فيها من المصالح، وكذلك في الآيات الكونية لا يكترثون بها ولا يهتمُّون؛ ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾.
* ففي هذه الآية: دليلٌ على أن الله عز وجل يَذْكر أو يبيِّن لعباده من الآيات ما يؤمن على مِثْله البَشَر؛ وجْه ذلك أنَّه لولا هذا لم يكن في الآيات فائدة.
* ومن فوائدها: أن بني آدم قد يَعْتون عن الآيات فيُعرِضون عنها بدون نظر، والواجب على الإنسان أن ينظر أولًا ثم يحكم ثانيًا، ولهذا يقال: الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوُّره، فأنت انظر أولًا في الآيات، شوف هل هي آيات مُقْنعة موجِبة للصلاح؟ فلتكنْ صالحًا بها، هل هي لا تنفع؟ فحينئذٍ تُعذَر بالإعراض عنها.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان قسوة قلوب هؤلاء؛ فإنهم لم يَقْبلوا آيةً من الآيات، دليله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية العامَّة؛ لقوله: ﴿مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ﴾، فأثبت الله تعالى أنَّه ربُّ هؤلاء، وهو سبحانه وتعالى ربُّ كلِّ شيء؛ ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ [النمل ٩١]، كلُّ شيءٍ فالله ربُّه، حتى الكفار، لكن نقول: أحيانًا تكون الربوبيَّة خاصَّةً؛ أي إنه يُراد بها ربوبيةٌ خاصةٌ فيها مزيدُ عنايةٍ واعتناءٍ مثل قوله تعالى: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢]، فإن هذه الربوبية غير الربوبية العامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تقبيح حال هؤلاء والتحذير من فِعْلهم؛ لقوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾، مع أنها جاءت مِمَّن؟ من ربِّهم الذي هو مالكُهم وخالقُهم وأمْرُهم إليه، ومع ذلك يُعرِضون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences