Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:1–17

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:1–17, continued

ولكن يجب أن نعلم أن الله لا يحلف بشيء من خلقه إلا كان هذا الشيء من أعظم آياته، فيكون الحلف بهذا المخلوق متضمنًا للحلف بآيات الله عز وجل التي هي فعله؛ لأن عِظَم المخلوق يدل على عظم الخالق.

* من فوائد الآية الكريمة: أن من صفات الملائكة الصَّفَّ؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات ١٦٥]، وقال النبي ﷺ: «أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا»[[أخرجه مسلم (٤٣٠ / ١١٩) من حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة مُوَكَّلة بالتصرف بالزجر كزجر السحاب وزجر الكفار عند احتضارهم؛ لقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الملائكة تتلو الذكر؛ أي: تتلو القرآن، وهذا يدل على قيام الملائكة بعبادة الله، وعلى فضيلة القرآن؛ حيث تتلوه الملائكة؛ لقوله تعالى: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ [الصافات ٤] إلى آخر الآيات.

* من فوائدها؛ هذه الآيات: وحدانية الله عز وجل في ألوهيته؛ لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.

* ومن فوائدها: بطلان ألوهية ما سوى الله؛ لقوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ فإذا كان واحدًا فما سواه فهو باطل.

* ومن فوائدها: أهمية التوحيد؛ لأن الله تعالى أَقْسَم على ثبوته، أقسم بالملائكة على ثبوت هذا التوحيد؛ ولأن الله تعالى أَكَّدَه بثلاثة مؤكدات: بالقسم، والثاني (إن)، والثالث اللام ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾.

* ومن فوائد الآيات الكريمات: التناسب بين المُقسَم به وعليه. ما المقسم به؟ الملائكة في حال تلك الأوصاف؛ الصف، والزجر، والتلو. والمُقسَم عليه وحدانية الله. والتناسب بينهما أن الملائكة إنما تفعل ذلك توحيدًا لله سبحانه وتعالى وتعظيمًا له.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾.

* ومن فوائدها: عموم ربوبيته في قوله: ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾.

* ومن فوائدها: التلازم بين توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية؛ فإن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ بعد قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ كالدليل على توحده بالألوهية؛ وذلك أنه إذا كان متوحِّدًا بالربوبية لزم أن يكون متوحِّدًا في الألوهية؛ كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١] فكيف تعبدون غيره ممن لم يخلقكم ولا خلق أحدًا؟! ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج ٧٣]؛ ولهذا قال أهل العلم: مَنْ أقرَّ بتوحيد الربوبية لزمه أن يُقِرَّ بتوحيد الألوهية وإلَّا كان متناقضًا؛ لأنه يقال له: كيف تقر بأن الله وحده هو الرب الخالق، ثم تعبد معه مَنْ لا يخلق، وهل هذا إلا تناقض؟

وهذه الآية وما شابهها من آيات الكتاب العزيز تدل على التلازم بين؟ أقول: هذه الآية وشبهها تدل على التلازم بين توحيد الربوبية والألوهية، وجه ذلك؟

* طالب: الذي يقر بتوحيد الربوبية يجب أن يُقِرَّ بتوحيد الألوهية.

* الشيخ: يلزمه أن يُقِرَّ بتوحيد الألوهية. وكيف نلزمه؟

* الطالب: لأنه إذا قال: إن الله تعالى واحد، يجب ألا (...).

* الشيخ: واحد في الخلق، فيجب ألا يعبد غيرَه، نعم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن السماوات عدد؛ لقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾، وقد بُيِّنَ في مواضع بأنها سبع وكذلك الأرض.

* ومن فوائدها: الإشارة إلى عِظَم السماوات والأرض وما بينهما؛ لأن الله أضاف الربوبية إليها في مقام إقامة الحجة، وهذا يدل على عظمتها، وأنها لعظمتها صارت كالدليل المُلْزِم لتوحيد الألوهية.

* ومن فوائدها: أن بين السماوات والأرض من المخلوقات العظيمة ما اقتضى أن يكون ما بين السماء والأرض قسيمًا للسماوات والأرض.

* ومن فوائد الآيات: تمام قدرة الله سبحانه وتعالى بتصريف المشارق والمغارب؛ لقوله: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾، ولا أحد يستطيع أن يتصرف في هذه المشارق والمغارب لا بتقديم، ولا بتأخير، ولا بحرف، بحرف يعني: تغيير مكان؛ لو أن الخلق كلهم اجتمعوا على أن يُقَدِّموا طلوع الشمس بدقيقة واحدة أو يؤخروه أو يزحزحوه عن مكانه ما استطاعوا، وإنما ذلك إلى مَنْ؟ إلى الله عز وجل هو الذي يتصرف فيها، وقد أمرها أن تسير بحكمته، فسارت إلى أجل مسمى. فإذا أراد الله تعالى أن يُغَيِّرَها غَيَّرَها، رَدَّها من حيث جاءت فشرقت من حيث غربت.

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ إلى آخر الآيات

* في هذه الآيات من الفوائد: بيان أن الله تعالى زَيَّن السماء بهذه الكواكب؛ فإنك إذا رأيت في السماء في ليلة صاحية ليس فيها قمر ولا حولك إضاءة وجدت لها من الحُسْن ما لا تتصوره، من حُسْن هذه النجوم؛ فيها اللامع، والخفي، والقريب بعضهم من بعض، والمتباعد بعضه من بعض، والمختلف الأشكال، مما يدل على عظمة الخالق عز وجل، وأنه سبحانه وتعالى جعل هذه النجوم زينةً للسماء، وفيها أيضا فائدة غير الزينة أشار إليها بقوله: ﴿وَحِفْظًا﴾، وفيها فائدة ثالثة غير الحفظ والزينة: الاهتداء ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦]، فهذه النجوم فيها هذه الفوائد الثلاثة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السماوات متطابقة بعضها أدنى من بعض؛ لقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ مما يدل على أن هناك سماوات فوقها، وهو كذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه؛ حيث زَيَّن لهم السقف الذي فوق رؤوسهم؛ لأنه لو كان مظلمًا حالكًا لا يرون فيه شيئًا مُنيرًا لكان في ذلك شيء من الإيحاش، ولكن الله تعالى اعتنى بهذا فزينه لهم. وفيه أيضًا: عناية الله من وجه آخر؛ حيث حَفِظَ السماء الدنيا بهذه الكواكب.

فإذا قال قائل: ما فائدة هذا الحفظ؟ قلنا: الفائدة لئلا تعبث الشياطين بما ينزل من السماء من الوحي، أو تعبث الشياطين بتغرير الخلق بالكهان وأنهم يعلمون الغيب.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الشياطين مردة؛ لقوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ بناء على أن كلمة (مارد) صفة كاشفة، فإن جُعِلَت صِفَة مُقَيِّدَة ففيها دليل على أن الشياطين منهم مردة ومنهم دون ذلك، والآية محتملة لأنْ تكون مارد صفةً لكل شيطان، ومحتملة لأنْ تكون صفة لبعض الشياطين وأنْ يكون بعضهم غير ماردْ.

* ومن فوائد الآيات: أن هؤلاء الشياطين لا يسْمَعون إلى الملإ الأعلى السماع الكامل بحيث ينالون مرادهم، بماذا؟ بسبب هذه الشهب التي تحرقهم فلا يستطيع الواحد منهم أن يَسْمَعَ سماعًا كاملًا يُصْغِي إلى الملأ الأعلى كما يصغي الإنسان إلى شيخه وإلى مُحَدِّثِه، بل تَجِدُهُم يأتون إلى السماء خطفًا فيخطفون ما يسمعون دون أن يكون هناك مهلة وتأنٍّ؛ لأنها تخشى من الشهب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشياطين أجسام؛ لقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾؛ لأنه لا يُخْرَق ولا يُحْرَق إلا ما كان جسمًا وهو كذلك فإن الشياطين أجسام، لكنهم أجسام لطيفة تَخْتَرِق الأجسام الكثيفة أجسام البشر؛ ولهذا قال النبي ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٨١)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]] كما أن الروح تجري من الجسد مجرى الدم، والروح جسم لطيف، فكذلك الشياطين أجسام لطيفة تَخْتَرِق الأجسام الثقيلة أو الكثيفة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى قد يُعْطِي هذه الأجسام اللطيفة قُدْرَةً يَصِلُون بها إلى السماء، أليس كذلك؟ لقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى﴾ ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾، ولا شك أنهم قد يصلون إلى السماء، وأن لديهم من القوة ما هو أشد من قوة البشر ذوي الأجساد الكثيفة، أرأيتم لما قال سليمان: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (٣٨) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل ٣٨، ٣٩]، وكان له وَقْتٌ مُعَيَّن يقوم فيه من مقامه، فقال: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ يعني: قبل أن يأتي الوقت الذي تقوم فيه، وكان سليمان في الشام وعرش ملكة سبأ في اليمن، ويقول: ﴿آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (٣٩) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [النمل ٣٩، ٤٠] والذي دعا الله عز وجل بما دعاه به ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾؛ يعني: قبل أن تُرْسِلَ طرفك ثم تَرُدُّه؛ لأن الذي تأتي به الملائكة، والملائكة أقوى من الشياطين؛ فلهذا رآه في الحال، فلما رآه مُسْتَقِرًّا عنده ﴿قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي﴾ إلى آخر الآيات.

المهم أن الشياطين لهم قدرة وقوة توصلهم إلى السماء، والذي أعطاهم هذه القدرة والقوة هو الله عز وجل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الملائكة حيث وُصِفوا بأنهم الملأ الأعلى؛ لعُلُوِّ مكانهم ومكانتهم؛ ففيه العلو الحسي والعلو المعنوي.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن الشهب التي يُقْذَف بها الشياطين تأتيهم من كل جانب فإلى أي جهة حاولوا الفرار يجدون الشهب، ولا يلزم أن تجتمع هذه الشهب عليهم، لا، قد يكون شهاب واحد يأتيهم من جهة، لكن لو حاولوا الفرار أتاهم شهاب ثانٍ، وهكذا أي جهة يحاولون الفرار منها سيجدون الشهاب، قال: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشياطين ليست أهلًا لأنْ تَحُل السماء أو تقعد فيها أو تقرب منها؛ ولهذا يقذفون لإبعادهم ﴿دُحُورًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشياطين مكلفون يقع عليهم العقاب ويحصل لهم الثواب؛ يقع عليهم العقاب الدائم؛ لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ يعني: دائم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشياطين قد تأتي بخبر السماء؛ لقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾، ولكن قد يقول قائل: إن الله قال: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ﴾ ثم قال: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ وحينئذ لا يصل إلى مراده، فالجواب أنه قد دَلَّت نصوص أخرى على أنه قد يصل إلى مراده فيصل إلى الكاهن قبل أن يدركَه الشهاب.

قال: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات ١١].

* في هذه الآية الكريمة: ما يدل على أن رسول الله ﷺ مُكَلَّف بالإبلاغ والمحاجة؛ لقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ﴾، وهو كذلك؛ فإن الله أَمَرَه أن يبلغ ما أُنْزِلَ إليه من ربه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧]، وأمره أن يجادل قومه ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وأخبر بأنه يحاجهم لقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران ٢٠].

* ويتفرع على هذه الفائدة: أن وظيفة أهل العلم الذين ورثوا علمه كوظيفته في هذا الباب فيلزمهم محاجة أهل الباطل ومقارعتهم، ويتفرع على ذلك وضوح أن العلم نوع من الجهاد في سبيل الله؛ لأن طالب العلم يُحاجَّ أعداء الشريعة بالحق ليُدْحِرَ به باطلهم، وأحيانًا يكون الغزو الفكري أعظم فتكًا من الغزو المسلح، كما تشاهدون، فإن الغزو الفكري يدخل كل بيت باختيار صاحب البيت بدون أن يَجِدَ معارضة أو مقاومة، لكن الغزو العسكري لا يدخل البيت، بل ولا يدخل البلد إلا بعد قتال مرير ومدافعة شديدة؛ فأعداء المسلمين يَتَسَلَّطُون عليهم أحيانًا بالغزو المسلح بالقتال، وهذا يمكن التحرز منه، وأحيانًا بالغزو الفكري وهو أشد وأنكى من الغزو المسلح؛ لأنه يصيب المسلمين في قعر بيوتهم ولا يعلمون به، ربما يخرجون من الإسلام ويُمْسَح الإسلام من أفئدتهم مسحًا كاملًا وهم لا يشعرون؛ لأنهم يُغْرون المسلمين بالشهوات، والقلب إذا انغمس في الشهوات نَسِيَ ما خُلِق له، نسي عبادة الله ولم يكن في قلبه تعلق بالله عز وجل، فتجد الإنسان في حال قيامه وقعوده وذهابه ومجيئه لا يفكر إلا بهذه الشهوات، ولا يسعى إلا لهذه الشهوات، وكأنه لم يُخْلَق لغيرها. كذلك أيضًا يُغَذُّون في نفوس الضعفاء تعظيم هؤلاء الكفار وأنهم أكثر تقدمًا وأشد حضارة وأقوم طريقًا وما أشبه ذلك، فيموع المسلم وينصهر في حرائق هؤلاء القوم، وهذا لا شك أنه موجود، وأن كثيرًا من البلاد الإسلامية زالت معنوياتها وهلكت شخصيتها بسبب هذا الغزو الفكري.

إنهم لو غَزَوُا البلاد الإسلامية غزوًا عسكريًّا لَحَلُّوا بأبدانهم البلاد، ولكن قلوب الناس نافرة منهم مبغضة لهم، لكن المشكل أن يغزوا الناس بصفاتهم وأخلاقهم وعقائدهم وهم جالسون في بيوتهم قد فتحوا لهم القلوب، هذا هو المشكل، وهذا هو الدمار؛ ولهذا كان الغزو بالسلاح العلمي المُسْتَمَدُّ من كتاب الله وسنَّةِ رسوله مساويًا إن لم يكن أنفع وأبلغ من الغزو العسكري، فأنا أَحُثُّكم -بارك الله فيكم- وأحث نفسي على أن نُعِدَّ العُدَّة لمكافحة أعدائنا الذين يريدون أن يغزونا في بيوتنا بأفكارهم الخبيثة وأخلاقهم المُلَوَّثة، بل بأفكارهم المنحرفة وأخلاقهم الملوثة حتى نحمي المسلمين من شرِّ هؤلاء؛ لأن سلاحهم أعظم فتكًا وأشد من سلاح الحديد والنار، كما هو ظاهر، وربما من خرج منكم إلى البلاد الأخرى عَرِفَ أكثر مما أعرف، مما أدى إلى الانحراف في العقيدة، والانجراف وراء الشهوات حتى أصبحت بعض البلاد الإسلامية كأنها بلاد كافرة.

وهم الآن يحاولون أن يغزوا هذه البلاد بكل ما استطاعوا حتى إننا نجد أحيانًا في الصحف يُنْشَر الدعوة إلى اضمحلال أخلاق المسلمين وعاداتهم، يُنْشَر أحيانًا دعاية للأزياء الأوربية والإفرنجية، وبهذا اللفظ: (يفتتح معرض للأزياء الغربية أو الأزياء الأوربية أو الموضات الأوربية) أو ما أشبه ذلك، كل هذا لأجل أن يُفْسِدوا أخلاقَنا، وإذا فَسَد الخُلُق فسدت العقيدة، وإذا فَسَدَتِ العقيدة زال تعلق المسلمين بربهم، وحينئذ صاروا أضعف الأمم، نسأل الله الحماية والسلامة.

طيب، ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا﴾ نقف على هذا.

* * *

* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾ [الصافات ١٢ - ٢٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ في هذه الآية قراءتان؟

* طالب: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، و﴿بَلْ عَجِبْتُ﴾ .

* الشيخ: على أي ضمير يعود؛ الفتح؟

* الطالب: على الفتح على الرسول ﷺ. الضم على الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: نعم، هذا هو القول الصحيح، طيب، إذا كان عائدًا إلى الله عز وجل، فهل هو عجب حقيقي أم مجاز؟

* طالب: الصحيح أنه حقيقي.

* الشيخ: الصحيح أنه حقيقي وأنه كسائر الصفات؟

* طالب: (...).

* الشيخ: إذا قال قائل: إن العجب هو حالة تطرأ على الإنسان لحصول ما يخطر له على بال، فكيف يمكن أن يوصف الله به؟

* طالب: العجب ثلاثة أقسام عجب استحسان، وعجب (...)، وعجب (...) وهذا لا يكون في حق الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: نقول: هذا نوع من العجب الذي ذكرته أنا لا يكون في حق الله. ما الدليل على أنه ممتنع في حق الله؟

* طالب: لأن هذا لا يكون (...).

* الشيخ: طيب، مَثِّل للعجب الذي بمعنى الاستحسان، للعجب الذي يحمله عليه الاستحسان.

* طالب: هو للاستبعاد الذي ما هو كمال العلم عليه..

* الشيخ: لا، أنا أقول: أعطني مثالًا للعجب.

* الطالب: المثال ما يحضرني.

* طالب آخر: «عَجَبَ رَبُّكُمْ مِنْ شَابٍّ لَيْسَ لَهُ صَبْوَةٌ»[[أخرج أحمد (١٧٣٧٠) من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إن الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة».]]

* الشيخ: هذا عجب؟

* الطالب: الاستحسان.

* الشيخ: طيب، العجب الإنكار.

* الطالب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [ص ٥].

* الشيخ: هذا من المشركين.

* الطالب: نعم.

* الشيخ: لا، أريد عجب الإنكار اللي من الله.

* الطالب: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد ٥].

* الشيخ: هذا قد يقول قائل: ﴿فَعَجَبٌ﴾ ما أضيف العجب لأحد.

* طالب: ﴿عَجِبْتَ﴾.

* الشيخ: هذه الآية: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ هذا عجب إنكار.

قوله: ﴿إِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ما المراد بالآية؟

* طالب: الترفع مع..

* الشيخ: لا، ما المراد بالآية: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً﴾؟

* الطالب: انشقاق القمر.

* الشيخ: فقط؟

* الطالب: على (...).

* الشيخ: لكن المراد آية واحدة ولَّا أي آية؟

* الطالب: أي آية.

* الشيخ: طيب، ما دليلك على أن المراد أي آية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نكرة في سياق الشرط، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، وأما قول المؤلف: كانشقاق القمر فهذا للتمثيل فقط.

قال: ﴿يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ولم يقل: (يسخرون).

* الطالب: (...).

* الشيخ: يعني: سخرية مع تكبر وتعالٍ، طيب، هل هناك قاعدة عند النحويين تفيد مثل هذا الكلام الذي قلت؛ أي أنه إذا زاد المبنى يزيد المعنى؟

* الطالب: إن زاد المبنى يزيد المعنى.

* طالب آخر: (...) شجرة وشجر (...).

* الشيخ: إي، غالبًا. طيب يقول: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (إن)؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني أنها؟

* طالب: نافية.

* الشيخ: نافية، أين خبرها؟

* طالب: ﴿مُبِينٌ﴾.

* الشيخ: ﴿مُبِينٌ﴾؟!

* طالب: ﴿سِحْرٌ﴾.

* الشيخ: نعم، ﴿سِحْرٌ﴾، أما ﴿مُبِينٌ﴾ فهي صفة لـ(سحر)، طيب، هذا النوع من الاستثناء يسميه النحويون، ماذا يسميه النحويون؟

* الطالب: استثناء بعد (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: يسمى استثناء (...).

* الشيخ: لا.

* طالب: مفرغ.

* الشيخ: يُسَمَّى استثناء مفرغًا؛ لأن ما بعد (إلا) يتطلبه العامل الذي قبلها، فإذا كان ما بعد (إلا) يتطلبه العامل اللي قبلها سُمِّيَ استثناء مفرغًا تقول: ما قام إلا زيد، وما أكرمت إلا المجتهد، وما مررت إلا بعلي، فإذا كان الذي قبل (إلا) يتطلب ما بعدها سُمِّيَ استثناء مُفَرَّغًا.

مبين بمعنى؟

* الطالب: بَيِّن ظاهر.

* الشيخ: بين ظاهر، ما هو فعلها؛ (مبين) فعله الماضي؟

* الطالب: (بان).

* الشيخ: لا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: (أبان)، طيب، وإذا قلت: (بَيِّن) ما فعلها؟

* الطالب: مبين.

* الشيخ: لا، الماضي.

* الطالب: (بان).

* الشيخ: (بان)؟! كيف تقول: (مبين) الذي فعله (أبان) بمعنى (بَيِّن) الذي فعله (بان)؟

* طالب: فعله (بين).

* الشيخ: لا، (بَيِّن) اسم يا شيخ.

* طالب: من الرباعي، (أبان) (مبين) هذا رباعي.

* الشيخ: إي، لكن هل الثلاثي يأتي بمعنى الرباعي، تقول: (أكرم) (وكَرُم) بينهما فرق، (أخرج) و(خرج) بينهما فرق.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، كثيرًا مر علينا. لأن (أبان) تأتي لازمًا ومتعديًا، ألم نقل ذلك لكم؟ كثيرًا ما نقولها، (أبان) تأتي لازمة ومتعدية، إذا كانت لازمة فهي بمعنى (بان) تقول: أبان الصبحُ أي: بان وظهر. وتقول: أبان الحقَّ أي: أظهره، (...) يمر علينا كثيرًا بأن (أبان) تُسْتَعمل لازمًا ومتعديًا، وإذا استُعْمِل لازمًا صارت بمعنى (بان)، وإذا استُعْمِل متعديًا صار بمعنى أظهر.

قوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ما المراد بهذا الاستفهام؟

* الطالب: الاستبعاد والإنكار.

* الشيخ: الاستبعاد والإنكار؛ يعني: أننا ننكر ونستبعد أننا نُبْعَث إذا كنا عظامًا ورفاتًا. في قوله: ﴿أَإِذَا﴾ كنا عدة قراءات؟

* الطالب: قراءة ﴿أَإِذَا﴾، وتسهيل همزة (أإذا).

* الشيخ: أولًا التحقيق؛ تحقيق الهمزتين. تقول؟

* الطالب: ﴿أَإِذَا﴾.

* الشيخ: ﴿أَإِذَا﴾. ثانيًا تسهيل الثانية فتقول؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ثالثًا: إدخال الألف في التحقيق فتقول؟

* الطالب: ﴿آإِذَا﴾ .

* الشيخ: ﴿آإِذَا﴾ ، رابعًا؟

* الطالب: إدخال ألف في التسهيل.

* الشيخ: فتقول؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: زين، أحسنت. المؤلف ذكر أربع قراءات. قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ فيها قراءتان أيضًا

* طالب: تسكين الواو.

* الشيخ: طيب، أعربها على الوجهين.

* الطالب: (...).

* الشيخ: ﴿أَوْ آبَاؤُنَا﴾ هي عاطفة على أيش؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا.

* الطالب: على ﴿أَإِنَّا﴾.

* الشيخ: على ﴿أَإِنَّا﴾؟! يعني: على الهمزة والنون!

* الطالب: لا، على الضمير.

* الشيخ: لا.

* طالب: ﴿أَإِذَا مِتْنَا﴾.

* الشيخ: لا.

* الطالب: محل (إن) واسمها.

* الشيخ: محل (إن) واسمها. كذا؟ وجه آخر؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، بالعطف على أيش؟

* الطالب: معطوف على الضمير المستتر في إسم إن.

* الشيخ: اللي هو؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، زين، طيب، الضمير المستتر أو المتصل إذا عُطِفَ عليه فلا بد من الفصل بالضمير المنفصل. ويش تقول يا أخ؟

* طالب: إذا عطف ضمير الفصل عطف على ضمير آخر فلا بد من فاصل.

* الشيخ: بالضمير أو بأي فاصل، وهنا؟

* الطالب: هنا أتي بفاصل (...).

* طالب آخر: الهمزة.

* الشيخ: همزة الاستفهام. تمام.

قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾ [الصافات١١].

* في هذه الآية فوائد:

* أولًا: أمر الله النبي ﷺ أن يتحدى هؤلاء المكذبين بالاستفتاء ﴿أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن ينبغي في المجادلة أن يُؤْتَى بما يُقِرُّ به الخصم؛ ليكون حجة عليه؛ لأنهم هم سيُقِرُّون بأن مَنْ خلق اللهُ أشدُّ خلقًا منهم، فإذا أقروا بذلك قامت عليهم الحجة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة الله تبارك وتعالى بعظمة خلقه؛ لأن عِظَم المخلوق يدل على عِظَم الخالق؛ ولهذا إذا شاهدنا قصرًا جيِّدًا في بنائه وهندسته عرفنا أن الذي بناه كان جيِّدًا ماهرًا، والعكس بالعكس.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى خلق بني آدم أو إلى أصل خلقهم بأنهم خُلِقوا من طين لازب يلصق باليد مهين؛ لقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.

* ومن فوائدها: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى؛ حيث خلق الإنسان الخصيم المبين من هذا الطين؛ من طين لازب.* ومن فوائدها: الإشارة إلى إمكان البعث وأن الله قادر عليه؛ وجهه أن القادر على هذه المخلوقات التي هي أشد خلقًا منهم وعلى خلقهم من الطين قادر على إعادتهم؛ ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الخلق لله؛ في قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: التفاوت بين الخلق في العِظَم؛ لقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ فتكون المخلوقات متفاوتة في عِظَمِها ودلالتها على قدرة الله؛ لأن ما كان أعظم كان أدلَّ على القدرة، ويتفرع على هذه القاعدة أنه كما تتفاضل الآيات الكونية كذلك تتفاضل الآيات الشرعية؛ ولهذا كان أعظم سورة في كتاب الله سورة الفاتحة، وأعظم آية آية الكرسي، و(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدل ثلث القرآن؛ فالآيات الكونية تتفاوت بعضها أدلُّ على القدرة من بعض، وكلُّها دليل على القدرة حتى الذباب أهون شيء يدل على قدرة الله، وكذلك الآيات الشرعية.

وقال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ﴾ إلى آخره.

* في هذه الآيات من الفوائد:

* أولًا: إثبات العجب لله عز وجل على قراءة ضمِّ التاء، وهو من صفات الله الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، وكلُّ شيء يتعلق بمشيئته فهو من الصفات الفعلية عند أهل العلم.

فإذا قال قائل: ما الذي يعلمنا أنه يتعلق بمشيئته؟

فالجواب أن كل صِفَةٍ عُلِّقَت على سبب فهي من الصفات الفعلية؛ لأن الأسباب حادثة، وما ترتب على الحادث فإنه حادث، وعلى هذا فنقول: الرضا من الصفات الفعلية؛ لأن له سببًا، والغضب، والكراهة، والسَّخَط، وما أشبهها كذا؟

عرفنا طريق أهل السنة الجماعة في مثل هذه الصفة؛ وأنه إثباتها لله على الوجه اللائق به، لا على وجه القصور والنقص.

* ومن فوائدها أيضًا: عُلُوِّ منزلة الرسول ﷺ على قراءة الفتح؛ حيث اعتبر الله عز وجل تَعَجبه تعجبًا يُنَوَّه عنه في قوله: ﴿بَلْ عَجِبْتَ﴾، ومعلوم أن الذي يُنَوَّه عن أحواله عظيم عند مَنْ نَوَّه عنه بخلاف من لا يُؤْبَه له، ولا يُهْتَم به؛ ولهذا في أوساط الناس إذا غَضِبَ الملك ليس كغضب سائر الناس، تجده مثلًا يُقال: (تَحَدَّث الملك فغضب) لكن لو يأتي واحد من السوقة، من عامة الناس، لو تَفَجَّرت عيونه من الغضب ما تحدث الناس عنه. فإذن تَحَدُّث الله عن عَجَبِ الرسول عليه الصلاة والسلام يدل على عُلُوِّ منزلته عند الله وعلى عِظَم شأنه ﷺ.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أن هؤلاء القوم الذين أنكروا الباطل زادوا في طغيانهم فصاروا يسخرون من أهل الحق، الذين أنكروا الحق زادوا في طغيانهم حتى صاروا يسخرون من الحق وأهل الحق؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، يعني: مع تعجبك من أحوالهم هم يسخرون مما جئت به ويسخرون بك، وهذه عادة أعداء الرسل يَسْخَرون من الرسل ومما جاؤوا به ومما يفعلونه أيضًا؛ قال الله تعالى عن نوح: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود ٣٨، ٣٩].

* من هذه الفائدة نأخذ فائدة أخرى: وهو أنه يجب على الدعاة إلى الحق أن يصبروا على ما ينالهم من الناس من السخرية؛ لأن أعداء الرسل أكثر من أولياء الرسل. كم أعداء الرسل من بني آدم؟ تسع مئة وتسعة وتسعين بالألف، فهم أكثر من أولياء الرسل؛ فالدعاة إلى الحق يجب عليهم الصبر إذا سمعوا مَنْ يسخر به سواء كان هؤلاء الساخرون من الكفار أو من أولياء الكفار؛ لأنه يوجد من المؤمنين أو بالأصح يوجد من المسلمين من هو من أولياء الكافرين.

فالواجب على الدعاة أن يصبروا؛ لأن الرسل الذين هم أهل الحق وقادة الحق وأئمة الحق قد سخر الناس منهم، فكيف بك أنت؟! فالواجب عليك أن تصبر، الواجب على كل داعية أن يصبر على ما يَحْصُل له من السخرية، وليعلم أن العاقبة للمتقين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عُتُوُّ هؤلاء المكذبين لرسول الله ﷺ لكونهم إذا ذُكِّروا لا يَذْكُرون ولا يتعظون؛ وذلك لقسوة قلوبهم وعتوهم، نسأل الله والعافية. عكس المؤمنين الذين إذا ذُكِّروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صمًّا وعميانًا.

* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء المكذبين إذا رأوا الآية الدالة على صدق الرسل ازدادوا سخرية وترفُّعًا؛ ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾، وهذا فوق السخرية السابقة اللي قال: ﴿وَيَسْخَرُونَ﴾، بل هؤلاء إذا رأوا آية، وكان المفروض إذا رأوا الآيات أن يستسلموا، ولكنهم على العكس من ذلك إذا رأوا الآية يستسخرون، والعجب من قوم النبي ﷺ الذين كذبوه أنهم قالوا: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال ٣٢]، شوف العتو والعياذ بالله، كان ينبغي أن يقولوا: اللهم إن كان هذا الحق من عندك فاهدنا إليه ووفقنا له، أما أن يقولوا هكذا فهذا أكبر دليل على أنهم -والعياذ بالله- طاغون معتدون.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المعادين للرسل يصفون ما جاؤوا به بالصفات القبيحة تنفيرًا للناس منهم، يؤخذ من قوله: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿إِنْ هَذَا﴾ الآية التي رأوا أو ما جاءت به الرسل إلا سحر مبين، وهم في ذلك كاذبون يعملون أنه ليس بسحر، لكن قالوا هذا تنفيرًا للناس عن طريق الرسل.

وهل وُرِثَت هذه المقالة؟ الجواب: نعم، وُرِثَت، هذه المقالة ورثت من أول من جاء من الرسل إلى عصرنا هذا وإلى يوم القيامة؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات ٥٢]، كل أعداء الرسل يقول هذا؛ ساحر أو مجنون، هذه الكلمة -وأريد جنس هذه الكلمة لا نوعها- وُرِثَ فصار أهل الباطل الآن يلقبون أهل الحق بألقاب السوء.

انظر مثلًا إلى أهل التعطيل ماذا يلقبون به أهل الإثبات؟ يقولون: إنهم حشوية، مجسمة، مشبهة، وما أشبه ذلك. لا، فهُمْ يقولون مثل هذا الكلام من أجل أن ينفروا الناس عن طريق الحق، كذلك أيضًا أعداء أهل الحق يقولون: هؤلاء رجعيون، هؤلاء متحجرون، هؤلاء متشددون، هؤلاء متزمتون، هؤلاء متنطعون، إلى غير ذلك من الألقاب، لكنَّ أهل الحق الذين هُمْ أهلُه لا يزدادون بهذه الألقاب إلا قُوَّةً وثباتًا على ما هم عليه؛ لأنهم يعلمون أنهم منصورورن بنصر الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد ٧].

وأنا كررت عليكم كثيرًا بأن انتصار الإنسان ليس انتصارَ شخصِه فقط، قد يُنْصَر الإنسان في حياته ويتبين له النصر، وقد يُنْصَر بعد مماته، بماذا يُنْصَر بعد مماته؟ يُنْصَر بعد مماته بِنَصْرِ ما قاله من الحق، ويكون كل من عمل بالحق الذي جاء به أو الذي بَيَّنَه يكون له مثل أجره، وهذا انتصار، كل إنسان يحب أن ينتصر الحق الذي بَيَّنَه للناس في حياته أو بعد مماته.

يقول عز وجل: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات ١٦، ١٧].

* في هاتين الآيتين: دليل على قوة إنكار هؤلاء المكذبين للبعث، كيف ذلك؟ لأنهم أَتَوْا به بصيغة الاستفهام المؤكد بـ(إنَّ) ﴿أَإِنَّا﴾، وهذا كقول أخوة يوسف له ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ﴾ [يوسف ٩٠] يعني: أتؤكد أنك يوسف. فهؤلاء قالوا: أَيُؤَكَّد لنا أننا مبعوثون؟ وإذا دخلت همزة الاستفهام على هذا دَلَّ على أنهم يؤكدون إنكارهم للبعث.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يأتون بالشُّبَه؛ لأنهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ يعني: أويبعث أيضًا آباؤنا الأولون؟ وهذا لقوة إنكارهم؛ لأنهم كما قال الله عنهم في سورة الجاثية: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الجاثية ٢٥]، وهل الذين قالوا: إنكم تبعثون قالوا: إن البعث يكون في الدنيا حتى تقولوا: ائتوا بآبائنا؟ نعم، لو قالت الرسل: إنكم تبعثون في الدنيا أو إن آباءكم يبعثون في الدنيا صَحَّ أن يقولوا: ائتوا بآبائنا، لكن الرسل يقولون: إن البعث لهم ولآبائهم يكون يوم القيامة، فهذه الشُّبْهَة التي أوردوها لا تزيد عند الناس إلا سَفَهًا على سفههم؛ يعني: لا تزيدهم إلا سَفَهًا إلى سفههم. انتبه، حُجَّتُهم التي ادَّعَوْها قالوا: إنكم تقولون: إن آباءنا يبعثون فأتوا بهم، ابعثوهم، هل هذه حجة؟ لا، ليش؟ لأن الرسل ما قالوا: إن آباءكم يبعثون الآن في الدنيا حتى تتحدوا بقولكم: ائتوا بآبائنا. إنما قال: يبعثون متى؟ يوم القيامة ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة ٤٩، ٥٠]، فهم يقولون: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ ليتوصلوا إلى الحجة الداحضة، فيقول الناس: إن هؤلاء يقولون: إن الناس يبعثون نحن وآباؤنا، خلوهم يجيبون آباءنا، دعوهم يأتون بآبائنا. والجواب على هذه الشُّبْهَة واضح جدًّا هو أن الرسل لم يقولوا: إن آباءهم يبعثون الآن، وإنما يكون البعث يوم القيامة، وحينئذ تبطُل حجتهم، وينادون على أنفسهم بالسَّفَهِ والعدوان، فإنهم ألزموا الرسل ما لم يلتزموه ولم يقولوا به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجدَّ يُسَمَّى أبًا؛ لأنهم قالوا: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾، وآباؤهم الأولون أجداد سابقون، فالجَدُّ يُسَمَّى أَبًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском