Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:171–182

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:171–182

37:171–182Page 452

وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١

And Our word [i.e., decree] has already preceded for Our servants, the messengers,

إِنَّهُمۡ لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢

[That] indeed, they would be those given victory

وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ١٧٣

And [that] indeed, Our soldiers [i.e., the believers] will be those who overcome.1

فَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٤

So, [O Muḥammad], leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡهُمۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٥

And see [what will befall] them, for they are going to see.

أَفَبِعَذَابِنَا يَسۡتَعۡجِلُونَ ١٧٦

Then for Our punishment are they impatient?

فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمۡ فَسَآءَ صَبَاحُ ٱلۡمُنذَرِينَ ١٧٧

But when it descends in their territory, then evil is the morning of those who were warned.

وَتَوَلَّ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ حِينٖ ١٧٨

And leave them for a time.

وَأَبۡصِرۡ فَسَوۡفَ يُبۡصِرُونَ ١٧٩

And see, for they are going to see.

سُبۡحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلۡعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ١٨٠

Exalted is your Lord, the Lord of might, above what they describe.

وَسَلَٰمٌ عَلَى ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٨١

And peace upon the messengers.

وَٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٨٢

And praise to Allāh, Lord of the worlds.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، ولقد سبقت كلمتنا؛ أي: تقدمت في الأزل، وكلمة الله بيَّنها هنا في قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، هذه هي الكلمة السابقة التي قضى بها الله عز وجل في الأزل.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ الجملة هنا فيها عدة مؤكدات، وهي؟

* الطالب: لام القسم، و(قد).

* الشيخ: لام القسم، و(قد)؟

* الطالب: تأكيد لعبادنا بالمرسلين.

* الشيخ: لا.

* طالب: ضمير الفصل.

* الشيخ: لا.

* طالب: القسم المقدر.

* الشيخ: والقسم المقدر، ما دام تقول: لام القسم معناه لا بد من قسم، فإذن التقدير: وتالله لقد سبقت، أو ووالله لقد سبقت، وكل جملة تأتي على هذا الوجه ففيها هذه المؤكدات: القسم واللام و(قد).

وقوله: ﴿كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ المراد بالعباد هنا العبودية الخاصة، بل أخص الخاصة؛ وهي عبودية الرسالة، والعبودية عبودية الخلق لله عز وجل عبودية كونية، وهذه عامة شاملة لجميع الخلق؛ ما من مخلوق إلا وهو ذال لله قدرًا، عبودية شرعية، وهي خاصة بمن يطيع الله، وأخص هذا النوع عبودية الرسالة؛ لأن الرسل مُكلَّفون بما لم يكلَّف به غيرهم؛ مُكلَّفون بتحمل الرسالة وإبلاغها إلى الخلق ودعوة الناس إليها، ولهذا لا يرسل الله رسولًا إلا وهو يعلم أنه أهل للرسالة، كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقال الله تعالى لنبيه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (٢٣) فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ [الإنسان ٢٣، ٢٤]، فلما ذكر أنه نزل عليه القرآن، لم يقل: فاشكر الله على هذه النعمة، قال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾ إشارة إلى أن تنزيل القرآن عليه أمر يحتاج إلى صبر؛ لأنه يحتاج إلى معاناة ومجابهة الناس.

ومن تأمل ما حصل للرسول ﷺ من منابذة قومه له وإيذائهم إياه تبين له الحكمة في أنه قال ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّك﴾.

﴿سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾، قال المؤلف: (﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا﴾ بالنصر، ﴿لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ وهي ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، أو هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ) فـ(أو) هنا للترديد؛ يعني هل الكلمة قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة ٢١] أو أن الكلمة هي قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾؟ والاحتمال الثاني أولى؛ لأن الاحتمال الثاني يجعل تفسير الكلام في ضمن الكلام، والأول يجعل تفسير الكلام منفصلًا عنه، وإذا كان التفسير متصلًا كان أولى، وعلى هذا فتكون الكلمة: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، وهي جزء من قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾.

وقوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات؛ الأول: (إنَّ)، والثاني: اللام في ﴿لَهُمُ﴾، والثالث: (هم)؛ لأن (هم) ضمير فصل. إذن هذه الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات.

* الطالب: (إن) واللام و(هم) ضمير الفصل.

* الشيخ: و(هم) ضمير الفصل.

ثم هي أيضًا من حيث بنيتها جملة تأكيدية بل جملة توكيدية، توكيدية أحسن من تأكيدية؛ لأن هي لغة القرآن: ﴿وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل ٩١] هي جملة توكيدية؛ لأنها جملة اسمية، والجملة الاسمية تفيد الثبوت والاستمرار.

طيب ذكرنا أن (إنَّ) للتوكيد، وهذا واضح، واللام للتوكيد، كذلك واضح، (هم) ضمير الفصل للتوكيد، وضمير الفصل من حيث الإعراب ليس له محل من الإعراب، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الصفة والخبر، كم هذه؟ ثلاثة. عدها لنا أنت.

* طالب: الحصر.

* الشيخ: يفيد الحصر نعم.

* الطالب: والصفة.

* الشيخ: لا.

* الطالب: والفصل (...).

* الشيخ: أنا أريد أن تسمع.

* طالب: تفيد التوكيد والحصر والفصل.

* الشيخ: التوكيد والحصر والفصل بين الخبر والصفة، ولهذا سمي ضمير فصل.

مثال يتضح به الكلام؛ إذا قلت: زيد الفاضل، فكلمة (الفاضل) في هذا السياق يحتمل أن تكون صفة، فيتطلع الإنسان إلى الخبر، زيد الفاضل ويش فيه؟ تقول: قائم مثلًا، زيد الفاضل قائم، فالفاضل هنا أيش؟ صفة، فإذا قلت: زيد الفاضل وحذفت (قائم) صار الكلام محتملًا أن تكون (الفاضل) صفة والخبر يأتي بعد، أو أن تكون (الفاضل) هي الخبر، فإذا قلت: زيد هو (الفاضل) تعيَّن أن تكون (الفاضل) خبر المبتدأ.

إذن ففصل (هو) الضمير بين الصفة وبين الخبر حيث تعين أن يكون ما بعده خبرًا لا صفة، كذلك إذا قلت: (زيد هو الفاضل) صار أوكد من قولك: زيد الفاضل؛ لأنك تقول: (هو) تؤكد.

ثالثًا: أنك إذا قلت: زيد هو الفاضل؛ يعني لا غيره، فيحصر الفضل فيه.

إذن ضمير الفصل من حيث الإعراب لا محل له من الإعراب؛ لا مبتدأ، ولا خبر، ولا شيء أبدًا، من حيث المعنى يفيد ثلاثة أشياء: التوكيد، والحصر، والفصل بين الخبر والصفة.

طيب هنا ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ نقول: الهاء اسم (إن)، واللام للتوكيد، و(هم) ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ خبر (إن).

طيب يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿لَهُمْ﴾ يعني: لا غيرهم، ﴿الْمَنْصُورُونَ﴾ مِن قِبَلِ مَن؟ مِن قِبَلِ اللهِ الذين ينصرهم الله عز وجل بما يقدره من الآيات، أو بما يرسله من الجنود؛ ففي بدر أرسل الله الملائكة فقاتلت مع النبي ﷺ، وفي الأحزاب أرسل الله على أعدائهم الريح الشديدة ومعها جنود ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب ٩]، فجمع الله في الأحزاب بين الملائكة تدخل الرعب في قلوب هؤلاء الأعداء وبين الريح التي تزلزلهم، حتى لم يقرَّ لهم قرارٌ فهربوا، طيب إذن منصورون مِن قِبَلِ الله بما يرسله من الآيات أو من الملائكة.

وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ الجند هم المدافعون، عمن؟ هم جند له الذين ينصرونه ويدافعون عنه، ومنه: جنود الأمير والسلطان وما أشبه ذلك، وهنا يقول: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا﴾ جند الله، وهؤلاء الجند ليسوا جندًا لله لحاجة الله إليهم ولكن لأنهم يدافعون عن شرعه، فصاروا جندا له، وهؤلاء الجند هم الغالبون؛ لكونهم جند الله، والله سبحانه وتعالى له الغلبة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فجند الله الذين يذبُّون عن شريعته لا بد أن تكون لهم الغلبة، ولهذا قال: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، والجملة كالأولى مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (إن) واللام وضمير الفصل.

طيب هنا ﴿الْغَالِبُونَ﴾ كما تعلمون اسم فاعل مِن: غَلَبَ، وغلَبَ فعلٌ متعدٍّ أو قاصرٌ؟ متعدٍّ، الفعل المتعدي لا بد فيه من فاعل ومفعول، (الغالِب) هنا اسم فاعل من فعلٍ متعدٍّ، فلا بد فيه من فاعل ومفعول، مَن الفاعل؟

* طلبة: الله.

* الشيخ: لا، الجند؛ ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، لكن غالبون بأمر الله لا شك. المفعول محذوف، التقدير كما قال المؤلف: (لغالبون الكفار بالحجة والنصرة عليهم في الدنيا، وإن لم ينتصر بعض منهم في الدنيا ففي الآخرة).

أشار المؤلف إلى إشكال كنا نريد أن نؤخره إلى الفوائد لكن الآن لا بد من الكلام عليه، ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ فبيَّن الله بيانًا مؤكدًا بثلاثة مؤكدات: أن جنده المؤمنون الذين يدافعون عن دينه هم الغالبون، وأكَّد فيما قبل أن الرسل هم المنصورون.

فإذا قال قائل: هل هذا الكلام المؤكَّد من الرب عز وجل مطابق للواقع أو أن في الواقع ما يخالفه؟

إذا قلت: مطابق للواقع ورد علينا في أُحُدٍ؛ كانت الغلبة للمشركين، في الأنبياء من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة ٦١]، في أهل الخير من قُتِلَ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران ٢١]، فما هو الجواب عن هذا؟

الجواب عن هذا أن نقول: إما أن يكون النصر الذي وعد الله به الرسل، بناء على الأغلب الأكثر؛ فإن الأغلب الأكثر بلا شك انتصار الرسل على أعدائهم، واقرأ الآيات في الرسل تجد أن الله يقول: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الأعراف ٦٤] وأهلك الآخرين، هذا انتصار لا شك.

أو يقال: إن المراد بالنصر نصر من أمروا بالجهاد، فمن أمروا بالجهاد فإن الله قد تكفَّل لهم بالنصر، وأما من لم يؤمروا به فليس هناك مغالبة بينهم وبين أعدائهم، حتى يقال: إنهم انتصروا، ويكون قتلهم غير منافٍ للآية.

الوجه الثالث أن يقال: إن المراد بالنصر المطلق هو نصر الآخرة، أما نصر الدنيا فليس بمضمون، فالأجوبة الآن ثلاثة طيب.

فيه وجه رابع: أن المراد بالنصر انتصارهم بالحجة لا بالشخص؛ يعني: انتصار ما جاؤوا به وظهوره دون الغلبة الحسية، فإن ذلك ليس بذي أهمية بالنسبة لغلبة ما جاؤوا به من الشريعة.

فهذه أربعة أوجه في الجواب عن الواقع الذي قد يخالف ظاهر الآية، ويجب أن نعلم أنه لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع أبدًا، لا يمكن، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، أقول: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع، الأخ ما الفرق بين العبارتين؟

* طالب: من الكتاب ومن السنة؟

* الشيخ: إي، ويش الفرق بينهما؟ أنا قلت: لا يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا يوجد في السنة شيء صحيح صريح يخالف الواقع.

* الطالب: لأنه قد يكون في السنة أحاديث غير صحيحة.

* الشيخ: غير صحيحة، فلهذا احتجنا أن نقول: صحيح، في القرآن ما نحتاج نقول: صحيح. لأيش؟ لأنه منقول بالتواتر كله صحيح ما فيه إشكال.

إذن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء صريح يخالف الواقع، ولا في السنة الصحيحة شيء صريح يخالف الواقع، فإن وُجِدَ ما ظاهره مخالفة الواقع فاعلم أنه إما ألَّا يكون مخالفة، لكن المخالفة من وهمك بمعنى أن يكون الواقع غير مخالف لظاهر القرآن، أو يكون ما ظننته صريحًا من القرآن غير صريح.

فمثلًا كثير من العلماء -وليس أكثر العلماء- يقولون: إن الأرض ليست كروية؛ لأن الله يقول ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية ١٧ - ٢٠]، والسطحية تنافي الكروية، فإذن من قال: إن الأرض كروية فقد خالف صريح القرآن؛ لأنه الله يقول: ﴿سُطِحَتْ﴾، فأنكروا أن تكون الأرض كروية بناء على أيش؟ على فهمهم أن القرآن صريح في ذلك.

ومن العلماء من قال: إنها كروية، والواقع يشهد لقول هؤلاء؛ لأنه ما يمكن الآن أن نقول: إنها غير كروية أبدًا؛ إذ إنك لو قمت من مطار جدة متجهًا إلى الغرب في طائرة، أين يكون منتهاك؟ ترجع إلى جدة.

إذن هي كروية، وأين تروح؟ فالشاهد الواقع المحسوس يشهد لهذا، نقول: إذن لا بد أن يكون القرآن الذي زعموا أنه صريح في أنها ليست كروية لا بد أن يكون على خلاف ما فهموا، ولَّا لا؟ هل يمكن أن يقول قائل: لا بد أن يكون الواقع المحسوس كذبًا؟ ما يمكن.

لو قال: إن الواقع المحسوس كذب لرماه الناس بالحجارة فضلًا عن حجارة الأفواه؛ يعني: ما يرمونه بالسب والشتم باللسان بل بالحجارة: هذا مجنون، حينئذٍ يتعين علينا أي شيء؟ أن نقول: إن القرآن ليس صريحًا في هذا، فتُحْمَل السطحية فيه على ما يحتاج الإنسان إليه من الأرض، فكل ما تحتاج إليه من الأرض إليه فهو سطح؛ يعني: ما جعلت الأرض مُسَطَّحة مثل ظهر الجبل أو مثل سفح الجبل؛ يعني صعودًا، أبدًا، كل ما تحتاج إليه فهو مُسَطَّح، تواسيه وتصب عليه الماء وتزرع، مُسَطَّح.

ثم نقول: في القرآن ما يدل على أنها كروية؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق ١ - ٤]، فيفهم من قوله: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ أنها الآن غير ممدودة، ولهذا جاء في الحديث «أنه إذا كان يوم القيامة فإن الله يمد الأرض مدَّ الأديم »[[أخرجه ابن ماجه (٤٠٨١)، وأحمد (٣٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٣٤٨٩) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، الأديم؛ يعني: الجلد، تُمَدُّ هكذا، تكون سطحًا واحدًا.

فيه أيضًا دليل آخر مثل قوله: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾ [الزمر ٥]، التكوير: التدوير، ومعلوم أن الليل والنهار يدور على الأرض، فإذا كان هذا يدور فالذي يدور عليه يكون مستديرًا ولا بد.

على كل حال المهم القاعدة عندنا: لا يمكن أبدًا أن يوجد في الواقع المحسوس ما يخالف صريح المنقول، أبدًا لا يمكن، كما أنه لا يوجد في صريح المعقول ما يخالف صحيح المنقول، فالأول نخاطب بها أهل المادة الجملة الأولى، والثانية نخاطب بها أهل العقول الذين يدعون أنهم أصحاب العقول؛ كالمتكلمين وغيرهم، نقول: ليس في صريح القرآن ولا في صريح صحيح السنة ما يخالف المعقول، مَن نخاطب بهذا؟ أهل الكلام وغيرهم ممن يتكلمون في العقائد بالمعقولات.

طيب ليس في صريح القرآن ولا صريح صحيح السنة ما يخالف المحسوس، نخاطب به أصحاب المادة؛ يعني المادييين الذين ليس عندهم إلا ما يشاهدونه بأعينهم أو يسمعونه بآذانهم.

وعلى هذا فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ محمولًا على أحد المحامل الأربعة التي سمعتم، ويتم البحث فيها -إن شاء الله- غدًا.

* طالب: في مثل هذه (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ ﴿إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾، وهذه الضمائر إذا كان ليس من ضمير الفصل، والضمير لا يوصف ولا يوصف فيه، وإذا كان ضمير الفصل موصوفًا به يحتمل التوصيف، كذلك ضمير الفصل إذا يختزل ضمير فصل آخر؟

* الشيخ: ما يوصف بها، الآن (الصافون) ما هي صفة لضمير الفصل (الصافون) خبر.

* الطالب: وإذا كان الخبر (...) ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾.

* الشيخ: طيب، (هم) ضمير فصل لا لها محل له من الإعراب.

* الطالب: و(هم) مبتدأ.

* الشيخ: لا، ما هي مبتدأ، هذا ضمير فصل ليس له محل من الإعراب.

* الطالب: ضمير فصل؛ لأجل يفصل الخبر من المبتدأ؟

* الشيخ: نعم، مع أن هنا أيضًا عندنا سبب آخر يبين الصفة من الخبر، وهي لام التوكيد؛ لأن لام التوكيد ما تدخل إلا على الخبر، فعندنا الآن شيئان: لام التوكيد، وضمير الفصل، كلها تؤيد أن ما بعدهما هو الخبر.

* الطالب: ما يحتمل أن المنصورين صفة؛ لأن ما يحتمل..؟

* الشيخ: لا، ما يحتمل ولا يمكن، وكيف تكون صفة وهي مرفوعة والضمير في (إن) منصوب؟! ما تكون صفة، ما فيه إشكال.

* طالب: عفا الله عنك، بعضهم يحمل وإن جندنا لهم المنصورون يقول: هذا باعتبار النهائي أن الرسل الذين ابتلوا وعذبوا، يقول: هذا في أثناء الرسالة، وأما في نهاية الرسالة كان النصر معهم.

* الشيخ: يأتينا -إن شاء الله- غدًا تمام البحث فيه.

* * *

السؤال هذه الجملة ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ﴾ هل هي مؤكدة وبكم مؤكِّدٍ أُكِّدَت؟

* طالب: مؤكدة بثلاث مؤكدات؛ أولًا: القسم (...) و(بقد) وباللام.

* الشيخ: ما الذي أعلمك أن فيها قسمًا؟

* طالب: الواو ﴿وَلَقَدْ﴾.

* الشيخ: الواو، الواو إذن حرف قسَمٍ، طيب ما هي؟ مرَّ علينا في الآجرومية أن حروف القسم ما تدخل إلا على الاسم، وهنا (لقد) ما هي اسم.

* الطالب: محذوفة (...) واللهِ لقد.

* الشيخ: ما يمكن القسم بالواو ما يحذف منه المقسَم به.

* طالب: القسم مقدر.

* الشيخ: مقدر.

* الطالب: وتالله لقد.

* الشيخ: وتالله لقد سبقت.

قوله: ﴿إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ﴾، كيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ٢١]؟

* طالب: ما يشترط أن يكون النصر؟

* الشيخ: ذكرنا فيه أجوبة.

* الطالب: إما أن يكون النصر بالتأييد حتى تنقطع الأسباب، وإما أن يكون النصر لبعضهم على بعض وإن لم يكن دائمًا.

* الشيخ: كيف نصر بعضهم على بعض، الرسل ما ينصر بعضهم على بعض، كلهم على هدف واحد؟

* الطالب: ينصر بعضهم ببعض.

* الشيخ: لا.

* الطالب: قلنا: إن النصر يتوقف على أربع حالات.

* الشيخ: إما أن يكون النصر بالحجة والبرهان، هذا واحد.

* الطالب: وإما يكون بالأكثرية.

* الشيخ: أو بناء على الأغلب ثالثًا.

* الطالب: ثالثًا: للذين أمروا بالجهاد.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: رابعًا: أن يكون النصر مطلق وهو نصر الآخرة.

* الشيخ: وهو نصر الآخرة. هذه أربعة أوجه.

قوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، ما المراد بجند الله؟

* طالب: جند الله هم الملائكة.

* الشيخ: الملائكة، لا.

* الطالب: النبيون هم الذين يدافعون عن شرعه ودينه.

* الشيخ: صح، المدافعون عن شرعه ودينه.

طيب قوله: ﴿لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ هل الغلبة هنا تكون غلبة بالسيف والسلاح، أو بشيء من آيات الله، أم ماذا؟

* طالب: تكون بالحجة والبرهان أولًا.

* الشيخ: لا، الغلبة غير النصر.

* الطالب: إما تكون بالآيات.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: أو تكون بالملائكة.

* الشيخ: بالملائكة، مثل؟

* الطالب: في غزوة بدر.

* الشيخ: أيَّدهم الله تعالى بالملائكة غلبوا بما أيدهم به من الملائكة، وفي الأحزاب..

* الطالب: بالريح.

* الشيخ: بالريح وكذلك الملائكة.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ﴾ [الصافات ١٧٤] (تول) الخطاب للرسول ﷺ، و﴿عَنْهُمْ﴾ الضمير يعود على أهل مكة، والمراد بالتولي ما فسره المؤلف بقوله: (أي: أعرض عن كفار مكة)، ﴿حَتَّى حِينٍ﴾ يعني: إلى حين غير مبين لكن علمه عند الله، ولهذا قال المؤلف: (حتى حين تؤمر فيه بقتالهم)، وعلى هذا فتكون الآية منسوخة بآيات السيف؛ فإن الرسول ﷺ لم يؤمر بالقتال إلا حين كان له قوة وكان له شوكة، وذلك بعد هجرته إلى المدينة، أما في مكة فلم يؤمر بالقتال؛ لأن الحكمة لا تقتضيه، وعلى هذا فيكون الحين الذي أجل إليه التولي هو الأمر بقتالهم.

﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ﴾ [الصافات ١٧٤، ١٧٥] (إذا نزل بهم العذاب فسوف يبصرون عاقبة كفرهم) (أبصِرْهم) يعني: انظر إليهم إذا نزل بهم العذاب، وعلى هذا فيكون الإبصار البصر بالرؤية؛ يعني أنك ستبصرهم إذا نزل بهم العذاب، فيكون أمرًا له للنبي ﷺ بالإبصار حينما ينزل بهم العذاب، والمراد بقوله (أبصِرْهم) تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء سوف يرون جزاءهم.

وقيل: إن المراد بالإبصار هنا الإنظار؛ (أبصِرْهم) يعني: أنظرهم؛ يعني: أمهلهم، كما في قوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق ١٧]، وكما في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [السجدة ٢٩]، وغاية القولين واحدة؛ يعني سواء قلنا: أبصرهم بعينك حين ينزل بهم العذاب أو أنظرهم حتى يأتيهم العذاب.

وقوله: ﴿فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ هذه الجملة يراد بها التهديد؛ تهديد هؤلاء بأنهم سوف يبصرون عاقبة أمرهم، وذلك بالذل والخزي والعار في الدنيا، وكذلك في الآخرة بالعذاب.

قال المؤلف: (فقالوا استهزاء: متى نزول هذا العذاب، قال الله تعالى تهديدًا لهم: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦]) الهمزة ﴿أَفَبِعَذَابِنَا﴾ للاستفهام، والفاء عاطفة، وقد ذكر أهل العلم أن همزة الاستفهام إذا دخلت على حرف العطف فإنه يجوز في إعرابها وجهان:

الوجه الأول: أن يكون المعطوف عليه مُقَدَّرًا بين الهمزة وحرف العطف، ويُقَدَّرُ بما يناسب المقام.

والثاني: أن تكون الجملة معطوفةً على ما سبق بدون تقدير، ويكون محل الهمزة بعد حرف العطف.

وعلى هذا يكون التقدير: فأبعذابنا يستعجلون، وعلى الأول نقدر ما يناسب المقام، فنقول: أسخروا فبعذابنا يستعجلون.

استعجالهم العذاب على وجهين:

الوجه الأول: أن يكون بالقول، فيقولون: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين.

والثاني: أن يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية؛ لأن المتمادي بالمعصية هو مستعجل للعذاب في حقيقة الأمر؛ لأن المعاصي سبب للعذاب، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]، وعلى هذا فاستعجال الناس بالعذاب يكون على وجهين. الوجه الأول ما هو؟ ويش؟

* طالب: يكون بالفعل؛ وذلك بتماديهم بالمعصية، ويكون بالقول.

* الشيخ: مثل قولهم أيش؟ مثاله بالقول؟

* الطالب: قالوا.

* الشيخ: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، هم يقولون للرسول: متى هذا الوعد إن كنتم صادقين، متى هذا الفتح إن كنتم صادقين، هذا استعجال بالقول.

الاستعجال بالفعل هو التمادي في المعصية؛ لأن المعاصي سبب لوقوع العذاب، فاستمرار هؤلاء بتكذيب الرسول عليه الصلاة والسلام يقتضي أن يتعجل لهم العذاب، وهذا استعجال بالفعل، الاستعجال بالقول أنهم يقولون: متى هذا الوعد؟ أين العذاب الذي تعدوننا به؟ فهؤلاء جمعوا بين الوجهين في الاستعجال بالفعل وبالقول.

قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الصافات ١٧٦] (نا) هنا للتعظيم وليست للجمع؛ لأن الله تعالى واحد، وكل ضمير أضافه الله إلى نفسه بصيغة الجمع فالمراد به التعظيم، ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات ١٧٦، ١٧٧] (إذا نزل) الفاعل يعود على العذاب؛ أي: إذا نزل العذاب بساحتهم، والساحة ساحة القوم؛ أي: فناؤهم، وهو ما قرب من بيوتهم وأرضهم، وهذا يُعَبَّرُ عنه بالتهديد والوعيد، فيقال: نزل العدو بساحتهم، كما جاء في الحديث الصحيح في قصة خيبر «أن النبي ﷺ لما أقبل عليهم جعلوا يركضون إلى مخابئهم، يقولون: هذا محمد، أو جاء محمد والخميس، فقال النبي ﷺ: «إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٧١)، ومسلم (١٣٦٥ / ٨٤) من حديث أنس.]].

فهنا يقول الله عز وجل: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ ﴿نَزَلَ﴾ أي أيش؟ العذاب؛ أي: حل بهم، و(﴿بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: بفنائهم) وهذه كلمة يقولها العرب للتهديد.

(قال الفرَّاء: العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم)، الفرَّاء أحد علماء اللغة العربية، وهو حجة فيما يقول إن العرب تكتفي بذكر الساحة عن القوم، فكأنه يقول: فإذا نزل بهم، على كلام الفراء أن يكون تقدير الآية: فإذا نزل بهم، ولكن لا حاجة إلى أن نقول هذا القول؛ لأنه من المعروف أن العدو إذا نزل بقوم ليس ينزل في دورهم من أول وهلة، ولكنه ينزل بساحتهم وفنائهم ثم يهجم عليهم ويُغِير عليهم.

وفي هذا استعارة كما يقول البلاغيون؛ حيث شبَّه العذاب بعدو ينزل بهم -يعني بساحتهم- ثم حذف المشبَّه به، ورمز إليه بشيء من لوازمه؛ وهو النزول بالساحة، ومثل هذه الاستعارة يسمونها استعارة مكنية؛ لأنه حذف فيها المشبَّه به ورمز إليه بشيء من لوازمه.

قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ قال المؤلف في (ساء): (بئس)، ثم قال: (صباحًا)، ثم قال: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾؛ وذلك لأن (ساء) من أفعال الذم، وأفعال الذم تحتاج إلى شيئين: فاعل وتمييز، فقدَّرَ المؤلف التمييز في قوله: (صباحًا)، وأما الفاعل فهو في الآية، وهو قوله: ﴿صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ أي: بئس صباح المنذرين صباحًا، أو ساء صباح المنذَرين صباحًا.

والمهم أن أفعال الذم وكذلك أفعال المدح مثل: نِعْمَ وحبَّذا وما أشبهها تحتاج إلى فاعل وإلى تمييز، فالمؤلف قدَّر التمييز، ولكن هل هذا التقدير لازم؟ الصحيح أنه ليس بلازم، وأن الفاعل يسدُّ مسدَّه، كما في هذه الآية وفي كثير من الآيات أيضًا؛ مثل: ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٣٠]، ولم يقل: نعم العبد عبدًا.

طيب ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ﴿الْمُنْذَرِينَ﴾ اسم فاعل ولَّا اسم مفعول؟ اسم مفعول؛ أي: ساء صباح القوم الذين لا حجة لهم؛ لأنهم أُنْذِروا وقامت عليهم الحجة فليس لهم عذر، قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ففيه إقامة الظاهر مقام المضمر؛ لأن مقتضى السياق أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكنه قال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، فأقام الظاهر مقام المضمر. اشرح لي ها العبارة هذه.

* طالب: يعني مدلول الكلام أنه..

* الشيخ: مقتضى السياق أن يقول..

* الطالب: أن يقول: فإذا نزل بساحتهم فساء صباحهم، لكن ذكر هنا المنذَرين..

* الشيخ: فأقام الظاهر؛ لأن (المنذَرين) اسم ظاهر مقام؟

* الطالب: مقام الضمير المضمر.

* الشيخ: مقام الضمير أو المضمر، وإقامة الظاهر مقام المضمر لا بد لها من فائدة؛ إما لفظية، وإما معنوية، وإما لفظية معنوية، فلننظر هنا: إقامة الظاهر هنا مقام المضمر له فائدة لفظية؛ وهي مراعاة فواصل الآيات؛ لأن الله تعالى يعبِّر بالكلمة والظاهر خلاف التعبير بها من أجل مراعاة الفواصل، ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] في سورة طه، ومن المعلوم أن موسى أفضل من هارون، وهو يُقَدَّم عليه في كتاب الله لكن في هذه الآية ﴿رَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ قدَّمَ هارون على موسى مراعاة للفواصل؛ لأن سورة (طه) فواصلها كلها غالبها بالألف.

هنا نقول: فساء صباحهم، لو قال: (فساء صباحهم) لم تنسجم الفاصلة مع التي قبلها والتي بعدها فقال: ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾، وهذه فائدة لفظية أو معنوية لفظية؛ أما المعنوية فهي إقامة الحجة على هؤلاء الذين نزل العذاب بساحتهم؛ وهي أنهم قد أنذروا ولم يكن لهم عذرٌ واستحقوا العذاب بعدل الله عز وجل.

﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ طيب ما الإنذار؟ يقول العلماء: إن الإنذار هو الإعلام المقرون بالتخويف، والبشارة هي الإعلام المقرون بالتفريح بما يفرح ويسر، فالبشارة بالسارِّ، والإنذار بخلافه، إذن (المنذَرين) الذين أنذورا بإقامة الحجة عليهم؛ أي: أعلموا بما يخوفهم إذا خالفوا أمر الله.

قال: (﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ [الصافات ١٧٨، ١٧٩] كرَّر تأكيدًا لتهديدهم وتسلية لرسول الله ﷺ) هذه الآية -كما تشاهدون- هي نفس الآية اللي قبلها الآية؛ اللي قبلها يقول: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٤) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾، وهنا قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (١٧٨) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ لم تختلف عنها إلا بحرف العطف، الأولى ﴿فَتَوَلَّ﴾ والثانية ﴿وَتَوَلَّ﴾، أيضًا الأولى قال: (أبصِرْهم) وهنا قال: (أبصِرْ) فأطلَقَ، وإلا فهي هي، والفائدة من التكرار هو تكرار إنذارهم؛ وذلك بتهديدهم، وتسلية الرسول ﷺ؛ لأنه كلما كرر الكلام ازداد توكيدًا.

ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصافات ١٨٠، ١٨١] ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ نريد إعرابها من الأخ.

* طالب: (سبحان) اسم مصدر لـ(سبح).

* الشيخ: هذا من حيث التصريف، الإعراب وهي منصوبة.

* طالب: مفعول مطلق.

* الشيخ: على أنها مفعول مطلق، عامله محذوف وجوبًا، إذن (سبحان) من حيث التصريف اسم مصدر (سبح)، من حيث الإعراب منصوبة على أنها مفعول مطلق لفعل محذوف وجوبًا، ولهذا لا يجمع بين (سبحان) و(سبح) ما يقال: سبح سبحان.

طيب و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾؛ أي تنزيهًا له، وقد مرَّ علينا ماذا يُنَزَّه الله عنه. ما الذي ينزه الله عنه؟ نريد منك أن تكون طالب علم ومراقب مسجل.

* طالب: عما لا يريده.

* الشيخ: ويدور على.

* الطالب: على التمثيل و(...) النقص.

* الشيخ: على شيئين: التنزيه عن المماثلة، وعن النقص في صفات الكمال.

وقوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ أضاف الربوبية إلى الرسول ﷺ، فيكون المراد بها ربوبية خاصة؛ لأن الربوبية تنقسم إلى قسمين: عامة لجميع الخلق، وهذه ربوبية السلطة والتدبير، وخاصة، وهي ربوبية التربية والعناية، وقد اجتمع النوعان في قوله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]، فالأولى عامة (رب العالمين)، والثانية خاصة ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾، ولهذا صار من مقتضى هذه الربوبية أن الله تعالى قال لهما: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦].

قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ﴾ والخطاب للرسول ﷺ؛ أي تنزيهًا لربك الذي شملك برعايته وعنايته.

ثم قال: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أي: الغلبة، و(رب) هنا بمعنى صاحب، وليست بمعنى خالق، وهي في القرآن تأتي بمعنى خالق ومالك ومدبِّر إلا في هذا الموضع، فالمراد بها صاحب فقط، ولا يمكن أن تكون بمعنى خالق؛ لأن العزة صفة من صفات الله، وصفات الله غير مخلوقة، فيتعين أن يكون المراد بالرب في قوله: ﴿رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ صاحب العزة وليس خالق؛ لأن صفات الرب غير مخلوقة.

وقوله: ﴿رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ أضاف الرب هنا إلى العزة دون غيرها من صفاته؛ لأن المقام يقتضي ذلك؛ فإن المقام الآن في ذكر مآل النبي ﷺ ومآل المكذبين له، وأن مآله أن ينصره الله، وأن تكون الغلبة له، وأن يكون الذل والخذلان لأعدائه، إذن المقام هنا يقتضي الصفة التي تكون بها الغلبة، وهي العزة، قال الله عز وجل في سورة المنافقين: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون ٨]، وهذا حقيقةً يخرج الأعز الأذل، ولكن من الأعز؟ ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وأما المنافقون فلا عزَّة لهم.

وعلى هذا فنقول: إن الله ذكر هنا صفة العزة دون غيرها؛ لأن المقام يقتضي ذلك حيث إنه في سياق الغلبة للرسول ﷺ والذل لأعدائه.

ومن أسماء الله تعالى العزيز، وما أكثر وروده في الكتاب العزيز، قال العلماء: والعزة ثلاثة معان: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام قُلْها لنا.

* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.

* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء، وعزة القدر أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا، وعزة الامتناع أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء، ومن الثالث قولهم: أرض عزاز؛ يعني صلبة قوية ما تؤثر فيها المعاول.

(﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ﴾ الغلبة، ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ بأن له ولدًا) قوله: ﴿عَمَّا يَصِفُونَ﴾ يجوز في (ما) أن تكون مصدرية، ويكون تقدير الكلام: سبحان ربك رب العزة عن وصفهم.

والعزة ثلاثة معان: عزة الغَلَبَة، وعزة القَدْر، وعزة الامتناع، ثلاثة أقسام؟ قلها لنا؟

* طالب: عزة الغلبة، وعزة القدر، وعزة الامتناع.

* الشيخ: ثلاثة، فعزة الغلبة معناها أن الله تعالى غالب لكل شيء.

وعزة القدر: أن الله تعالى فوق كل شيء قدرًا.

وعزة الامتناع: أن الله تعالى ممتنع أن يناله أحد بسوء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском