Ibn 'UthayminAs‑Saffat · 37:30–63

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Saffat 37:30–63, continued

إذن فالمخلص فيه نوع من الاصطفاء، أخلصهم الله لنفسه فكانوا عبادًا لله تعالى حقًّا، ولهذا قال: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، وعباد الله المخلصون هم الذين أخلصهم الله لنفسه فلم يجعل للشيطان عليهم سلطانًا، كما قال تعالى في حق الشيطان: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص ٨٢، ٨٣] فالمخلص محفوف برعاية الله سبحانه وتعالى، وحمايته عن الشيطان، المهم أن المخلص أشد وقعًا من المؤمن، ولهذا قال هنا: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ الذين أخلصهم الله لنفسه فلم يكونوا عبادًا لغير الله.

﴿الْمُخْلَصِينَ﴾ قال: (استثناء منقطع) هل هناك استثناء غير منقطع؟

نعم وهو المتصل، وضابطه: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، هذا المتصل.

المنقطع: أن يكون المستثنى من غير جنسه، والنحويون يمثلون بمثال للمنقطع يقولون: قام القوم إلا حمارًا، يقول: لأن الحمار ليس من جنس القوم، فالاستثناء منقطع.

وذُكر جزاؤهم ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ذكر جزاؤهم في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ٤١].

(﴿أُولَئِكَ لَهُمْ﴾ في الجنة ﴿رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ بكرة وعشيًّا).

﴿أُولَئِكَ﴾ الضمير يعود على عباد الله المخلصين، وأتى بـ(أولئك) الدال على البعد مع قرب ذكرهم ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، ذكر القريب ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، ﴿أُولَئِكَ﴾ ولم يقل: هؤلاء، بل قال: ﴿أُولَئِكَ﴾ تعظيمًا لشأنهم وبيانًا لعلو مَرتبتهم، والإشارة للبعيد تأتي لتعلية الشأن وتعظيمه؛ كما قال الفرزدق يخاطب جريرًا:

أُولَئِكَ آبَائِي فَجِئْنِي بِمِثْلِهِمْ ∗∗∗ إِذَا جَمَعَتْنَا يَا جَرِيرُالْمَجَامِعُ

قال: (أولئك آبائي) أشار إليهم بإشارة البعيد تعظيمًا لشأنهم وتعلية لهم.

﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ٤١] أي عطاء، قال المؤلف (في الجنة) والأولى أن تطلق كما أطلق الله عز وجل؛ لهم رزق معلوم في الجنة، وقد يقال أيضًا: يجازون أيضًا في الدنيا، لكن ظاهر سياق الآية ﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات ٤٢، ٤٣] يدل على أن المراد الرزق الحاصل لهم في الجنة.

وقوله: ﴿رِزْقٌ﴾ بمعنى عطاء ﴿مَعْلُومٌ﴾ يقول المؤلف: (بكرة وعشيًّا)، فكأنه يشير إلى أن المراد بالمعلوم معلوم الوقت، ولو قيل: إنه أعم معلوم الوقت، ومعلوم النوع، ومعلوم في الدنيا ومعلوم عند ملاقاته، لكان أشمل، فإن هذا الرزق معلوم في الدنيا؛ لأن الله تعالى أعلمنا به، وهو أيضًا معلوم الوقت ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم ٦٢]، وهو معلوم العين والنوع إذا لاقوه، كما قال الله تعالى في سورة البقرة ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة ٢٥]، فهو معلوم لديهم في الدنيا، وكذلك في الآخرة.

(﴿فَوَاكِهُ﴾ [الصافات ٤٢] بدل أو بيان للرزق، وهو ما يُؤكَل تلذذًا، لا لحفظ صحة).

﴿فَوَاكِهُ﴾ بالرفع بدل أو بيان للرزق؛ لأن كلمة رزق أعم من الفواكه، فيكون ﴿فَوَاكِهُ﴾ بدل بعض من كل؛ لأن الرزق أعم، و﴿فَوَاكِهُ﴾ هنا لم تنون لأنها ممنوعة من الصرف، صيغة منتهى الجموع، فواكه على وزن فواعل.

وقال المؤلف في الفاكهة: هي (ما يؤكل تلذذًا، لا لحفظ صحة)، يعني أن الفاكهة ما يأكله الإنسان للتلذذ، لا للتقوت به، فهو عبارة عن أكل كمالي، وهكذا أهل الجنة يأكلون ما يأكلون فيها من باب التفكه، لا لحفظ الصحة؛ لأن صحتهم مضمونة «فَإِنَّ لَهُمْ أَنْ يَصِحُّوا وَلَا يَسْقَمُوا أَبَدًا وَأَنْ يَعِيشُوا فَلَا يَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٣٧ / ٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة.]] فيكون كل ما يأكلونه في الجنة من قسم الفاكهة؛ لأن أهل الجنة يقول المؤلف: مستغنون عن حفظ الصحة بخلق أجسامهم للأبد، ولهذا جاء في الحديث أنهم لا يبولون ولا يتغوَّطون، وإنما يخرج ما يأكلونه رَشْحًا، يعني عرقًا كرِيح المِسكِ[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤ / ١٥) من حديث أبي هريرة.]] فيتنعَّمون بهذا الأكل عند أكله وعند خروجه؛ لأنه يخرج رشحا كرائحة المسك، كما لو اطلى الإنسان بالمسك فإنه يجد لذة ورائحة طيبة. أسأل الله أن يجعلني وإياكم منهم.

﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ﴾ [الصافات ٤٢] (بثواب الله) ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصافات ٤٣] هم مكرمون، جملة اسمية تفيد الثبوت والاستمرار، يعني هم مكرمون في هذه الجنة من كل وجه من قبل الله عز وجل، يكرمهم الله سبحانه وتعالى فينظرون إليه، ويعدهم رضوانه فلا يسخط عليهم أبدًا، مكرمون من قبل الملائكة ﴿الْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد ٢٣، ٢٤] مكرمون من جهة الخدم ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة ١٧، ١٨] مكرمون من كل وجه، لا يجدون يومًا من الأيام، لحظة من اللحظات شيئًا من الإهانة، بل هم في غاية الإكرام من كل وجه، لو لم يكن إلا أن الله عز وجل أكرمهم، وأباح لهم النظر إلى وجهه، ويتحدث إليهم عز وجل، وهذا غاية ما يكون من السرور، لا شيء أسر ولا أنعم ولا أفضل من مناجاة الله عز وجل وهم ينظرون إلى وجهه.

﴿فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ جنات جمع جنة، والجنة في اللغة العربية: البستان الكثير الأشجار، وسمي بذلك لأنه يجنُّ مَن فيه، يجنه يعني يستره ويغطيه، وأصل هذه المادة (الجيم والنون) أصلها من الستر، ولذلك تجد كل معانيها تعود إلى هذا، فالجَنان: القلب، وهو مستتر، والجُنَّة ما يجتن به المقاتل ويستتر به عن السهام، والجِن عالم غيبي مستتر، والجَنَّة بستان مستور بالأشجار، ولكن لا نفسر جنة النعيم بهذا، بل نقول: هي الدار التي أعدها الله لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأنك لو قلت: إنها البستان الكثير الأشجار؛ فإن الشوق إليها والنظر إليها يضعف؛ إذ إن المخاطب يتصور أن هذه الجنة كبساتين الدنيا، فيجول في بساتين الناس، أي بستان أعظم، بستان فلان بن فلان، فلا يتجاوز قلبه أو تصوره هذا البستان، مع أن الجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ كما قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، وقال الله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، فإذن الأحسن أن نفسر الجنة التي هي جنة الخلد بماذا؟ بأنها الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائه، وفيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وقوله: ﴿النَّعِيمِ﴾، ﴿فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، يعني جنات نعيم ما فيها بؤس، ولا فيها شقاء، نعيم للقلب وهو السرور، نعيم للبدن؛ لأنهم ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج ٢٣] فهم منعمون في أبدانهم ومنعمون في قلوبهم وانظر إلى قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ [الإنسان ١٢]، وقال تعالى أيضًا: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١] فالنضرة في الوجه، وهو الحُسن، والسرور في القلب، فكان الحسن فيهم باطنًا وظاهرًا، ولهذا سُميت جنة النعيم؛ لتنعُّم الإنسان فيها ظاهرًا وباطنًا، فقلبه منعَّم بالسرور، وبدنه منعم بالنظرة ولباس الحرير.

(﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات ٤٤] لا يرى بعضهم قفا بعض) على سرر جمع سرير، وهو الكراسي التي يجلس عليها، ولكن ليس كسرر الدنيا، بل ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ﴾ [الواقعة ١٥] مخروزة من الذهب، ولا يمكن أن تتصور حسن هذه السرر؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما لم يخطر على قلب بشر لا يمكن أن يتصوره الإنسان؛ لأنه فوق ما يتصور، كل شيء تقدره من النعيم والحسن فالجنة أعلى وأعظم.

وقوله: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ حال من الضمير المسند في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، يعني حال كونهم متقابلين، وهذا يدل على كمال أدبهم وعلى سعة مجالسهم، على كمال الأدب وسعة المجالس، على كمال الأدب؛ لأنهم متقابلون ما يولي أحدهم قفاه للآخر، كذلك أيضًا يدل على سعة المجالس؛ لأنهم إذا كانوا كثيرين وصاروا متقابلين لا بد أن تكون الدائرة واسعة ولَّا لا؟ نعم لا بد أن تكون واسعة.

إذن فالمجالس واسعة مهما جاء من الناس فإنها تسعهم ويتقابلون فيها ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات ٤٤] يقول: (لا يرى بعضهم قفا بعض) للتقابل.

(﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ على كل منهم ﴿بِكَأْسٍ﴾ هو الإناء بشرابه ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات ٤٥] من خمر يجري على وجه الأرض كأنهار الماء).

﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾: (يُطاف) فعل مضارع مبني للمجهول، ولم يذكر من يطوف عليهم، لكن ذكر في آية أخرى أنه ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان ١٩] ولدان يعني: غلمان صغار، ﴿كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ﴾ [الطور ٢٤]، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان ١٩] من جمالهم (...) وحسنهم.

﴿مَنْثُورًا﴾ لتفرقهم في خدمة أسيادهم، واللؤلؤ إذا نُثر تبعثر في الأرض، فهم متبعثرون في خدمة أسيادهم، كل له عمل، وهذا يسر الإنسان أن يجد هؤلاء الغلمان كل في عمله، ليس فيهم متعطل وليس فيهم منتظر للآخر، ليسوا كغلمان الدنيا يتزاحمون، كل واحد يقول: خلص حتى يأتي دوري، لا، كل في خدمة معينة، وهذا ألذ ما يكون للسيد إذا رأى هؤلاء الغلمان قائمين بخدمته على هذا الوجه الذي (...) ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان ١٩].

وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال المؤلف: (هو الإناء بشرابه) الكأس معروف، وهو الإناء بشرابه، وقد بيَّن الله تعالى أن هذا الكأس دِهاق، ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ ٣٤] أي مملوءة، ومع ذلك مملوءة بقدر معلوم ليست كبيرة وتملأ فإذا شربها الإنسان تعب، وإن أبقى منها فضلة صار غير شهي، وليست صغيرة بحيث لا ترويهم وهم لا يعطشون، ولكن تلذذًا، بل قال الله تعالى: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان ١٦] يعني جعلت بقدر ما يتلذذ به الشارب لا كبيرة ولا صغيرة.

وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال (من خمر يجرى على الأرض) المعين في الأصل: هو الماء الجاري، والمراد هنا ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمر ﴿مَعِينٍ﴾ كعين الماء، يجري..

﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ يقول: (لا يرى بعضُهم قَفَا بعضٍ) للتقابل.

(﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ على كلٍّ منهم ﴿بِكَأْسٍ﴾ هو الإناء بشرابه ﴿مِنْ مَعِينٍ﴾ [الصافات ٤٥] من خمرٍ يجري على وجْه الأرض كأنهار الماء).

﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾، ﴿يُطَافُ﴾ فعل مضارع للمجهول، ولم يذكر مَن يطوف عليهم، لكن ذكر في آيةٍ أُخرى أنَّه ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ [الإنسان ١٩] ﴿وِلْدَانٌ﴾ يعني غِلْمان صِغار، كأنَّهم لؤلؤٌ مكنونٌ، ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ من جمالهم وصفائهم وحُسْنهم، ﴿مَنْثُورًا﴾ لتفرُّقهم في خدمة أسيادهم، واللؤلؤ إذا نُثِر تَبعثر في الأرض، فهُم متبعثرون في خدمة أسيادهم، كلٌّ له عملٌ، وهذا يَسُرُّ الإنسانَ أن يجد هؤلاء الغلمان كلٌّ في عمله، ليس فيهم متعطِّل، وليس فيهم منتظِرٌ للآخَر، ليسوا كغلمان الدنيا يتزاحمون كل واحد يقول: يلَّا خلِّص حتى يأتي دوري، لا، كلٌّ في خدمةٍ معيَّنة، وهذا ألذُّ ما يكون للسيد إذا رأى هؤلاء الغلمان قائمين بخدمته على هذا الوجه الذي (...)؛ ﴿إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾.

وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال المؤلف: (هو الإناء بشرابه). الكأس معروفٌ، وهو الإناء بشرابه، وقد بيَّن الله تعالى أن هذا الكأس دِهاقٌ؛ ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ [النبأ ٣٤] أي: مملوءة، ومع ذلك مملوءة بقَدْر معلوم، ليست كبيرةً وتُملأ فإذا شربها الإنسانُ تَعِب، وإذا أَبْقَى منها فضلةً صار غير شهيٍّ، وليست صغيرةً بحيث لا ترويهم، وهم لا يعطشون لكنْ تلذُّذًا، بل قال الله تعالى: ﴿مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان ١٦]؛ يعني جُعِلتْ بقدْر ما يتلذَّذ به الشاربُ لا كبيرةً ولا صغيرةً.

وقوله: ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ قال: (من خمرٍ يجرى على الأرض). الْمَعين في الأصل هو الماء الجاري، والمراد هنا ﴿بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ أي: من خمرٍ، ﴿مَعِينٍ﴾ كعين الماء يجري، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى في سورة القتال أنَّ مَثَل الجنَّة التي وُعِدَ المتَّقون ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥] أنهارٌ تجري، والذي خَلَق عز وجل مِن هذا الطائر الذي يُشبه الذباب خَلَقَ منه هذه الكميات الكثيرة من العسل قادرٌ على أن يخلق أنهارًا من العسل في الجنة، وليس هذا بغريب، وليست هذه الأنهار تأتي من نحلٍ، لكن تأتي بقول الله (كُنْ) فيكون، عسل مصفَّى ما فيه شمع ولا شوائب، من أحسن ما يكون (...) وطعمًا ورائحةً، وقد قال ابن القيم في النونية بناءً على حديث[[أخرج أبو نعيم في الحلية (٦ / ٢٠٥) عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لعلَّكم تظنُّون أنَّ أنهار الجنة أخدودٌ في الأرض، لا واللهِ، إنها لسائحةٌ على وجه الأرض، حافَتاها خيام اللؤلؤ، وطينُها المسك الأذْفر». قلت: يا رسول الله، وما الأذفر؟ قال: «الذي لا خِلْط معه». وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة الجنة (٦٩) عن أنس موقوفًا.]] وَرَدَ في ذلك:

أَنْهَارُهَا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

يعني ليست كأنهار الدنيا تحتاج إلى أُخدود؛ حدود تمنعها من الذهاب يمين وشمال أو حُفرة تُحفَر للنهر، لا، تجري على سطح الأرض على حسب ما يريده أهلُها من غير عُمَّال يوجِّهونها حَفْرًا أو إقامة أُخدود، بل تجري على ما تريد من غير تعب، قال:

....................... ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

والذي أَمْسك البحرَ أنْ يُغرق أهلَ الأرض -وهو ليس بشيء بالنسبة للجَنَّة- قادرٌ على أن يُمسِك هذه الأنهار لا تزيغ يمينا ولا شِمالًا.

* طالب: شيخ، هل الأفضل (...) المكية؟ (...) لا يستطيعون في نظري في الوقت الحاضر (...) حفظ كتاب الله (...)، يعني بنأخذ من آخِر القرآن (...)؟

* الشيخ: واللهِ اللي أرى أنَّه يبدأ من أول القرآن أحسن؛ لأنه أنشط له، يؤمِّل أنه سيلحق آخر القرآن، أمَّا إذا حفظ (...) من القرآن ما هو على كل حال ينشط.

* طالب: (...) عن التقابل هذا (...)؟

* الشيخ: لا، الظاهر وقْت زيارات بعضهم لبعض.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: (...) ذكر ابن القيم في حادي الأرواح، ولكن سواء الزيارة عند الله يوم الجمعة أو زيارات بعضهم لبعض، هم يتزاورون بلا شك، والظاهر أن حتى جلوس الإنسان مع خاصَّته وأهله أنه لكمال أدبهم يكونون متقابلين.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، في (...) قول النبي ﷺ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[أخرجه مسلم (٢٨٢٥ / ٥) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]، يعني ظاهر الحديث أنها لم تُرَ، فإذا قلنا بأن آدم أُخرج من جنة الخلد (...)، أقول: كيف يُخرَّج الحديث، وكذلك النبي عليه الصلاة والسلام في الإسراء والمعراج؟

* الشيخ: المراد أهل الدنيا الآن، أمَّا النادر -مَثَلًا- أن الرسول رأى الجنة دخلها ورأى ما فيها فهذه حالةٌ نادرة من آيات الله، وكذلك آدم عليه الصلاة والسلام.

* الطالب: يعني المراد أهل الدنيا الآن.

* الشيخ: المراد أهل الدنيا، وأنْ تعرف أنَّ كلَّ عامٍّ يمكن أن يُخصَّص.

* * *

* طالب: (...) ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ (٥٣) قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ (٥٤) فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [الصافات ٤٦ - ٥٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٤٠] هذا مبتدأ النقاش؟

* طالب: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات ٣٨].

* الشيخ: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ (٣٨) وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٣٨، ٣٩] هذه الجملة ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ فيها التفاتٌ من أين إلى أين؟

* الطالب: (...) انتقل السياق من الغائب إلى المخاطَب.

* الشيخ: الغائب إلى المخاطب، مافائدته؟

* الطالب: التنبيه (...) الأول يفيد التنبيه، وذلك يفيد شدة وقْع العذاب.

* الشيخ: التنبيه، طيب هذا واحد، وأصل التنبيه لكل التفات. الثاني: التفتَ من الغيبة إلى الخطاب؟

* الطالب: لشدة وقْع العذاب.

* الشيخ: لأنَّه أَبْلغ في التوبيخ؛ حيث يواجه به الموبَّخ.

طيب (...) طيب، كراسي، لكنها ليست كراسي الدنيا، موضونةٌ من الذهب؛ يعني: مخيطة ومنسوجة من الذهب.

طيب، ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات ٤٤]؟

* الطالب: يقابل بعضهم بعضًا (...).

* الشيخ: ﴿مُتَقَابِلِينَ﴾ أي: يُقابل بعضهم بعضًا فلا أحد يكون قَفَا أحد.

طيب، نأخذ الآن الدرس، الفوائد:

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات ٣٨].

* في هذه الآية وما بعدها فوائد كثيرة:

* منها: أن هؤلاء المكذِّبين أو المستكبرين عن قول (لا إله إلا الله) سيذوقون العذاب؛ لقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو﴾ وهذه الجملة مؤكَّدة باثنين وهما: (إنَّ)، واللام.

* ومن فوائدها: أن عذابَ هؤلاء عذابٌ مباشرٌ كما يباشر الإنسانُ أكْلَه؛ لقوله: ﴿لَذَائِقُو الْعَذَابِ﴾، والأصل في الذَّوق أن يكون للطعام الذي يؤكل، ثم أُطلق على كل شيءٍ محقَّقٍ وقوعه.

* ومن فوائدها: أن عذابَ هؤلاء -والعياذ بالله- مؤلِمٌ، (أليمٌ) أي: مؤلِمٌ، وهو ألَمٌ لا يمكن للأبدان في الدنيا أن تتحمَّل جُزءًا منه؛ لأنهم -والعياذ بالله- يُعذَّبون بنارٍ أشد من نار الدنيا بتسعةٍ وستين جزءًا، وكلَّما نضجت جلودُهم بُدِّلوا جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب. المهم أنَّه عذابٌ أليمٌ ألَمًا لا نظير له في الدنيا، ولا يمكن أن يتخيَّله الإنسان لشدَّته، نسأل الله أن يُجيرنا وإياكم منه.

* ومن فوائد هذه الآيات: كمالُ عدْلِ الله عز وجل حيثُ جَعَل الجزاءَ من جنس العمل؛ لقوله: ﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٣٩]، بخلاف الملوك من الدنيا أو أولياء الأمور من الدنيا فإنَّ جزاءهم على العمل قد يكون أكثر مما يستحق؛ قد يغضب الإنسانُ فيجازي مَن له سُلْطةٌ عليه بأكثر مما يستحق، أمَّا الله عز وجل فإنه لا يجازي الإنسانَ إلا بعمله.

* ومن فوائدها: إثبات الجزاء، ولازمُه إثباتُ البعث؛ لأن الجزاء الكامل على العمل إنما يكون يوم القيامة، فيكون في الآية دليلٌ على إثبات البعث وإثبات الجزاء.

* ومن فوائدها: الردُّ على الجبريَّة الذين يقولون: إنَّ الإنسان لا يعمل، وإنَّ عمل الإنسان لا يُنسب إليه لأنه مُجبَرٌ عليه، فتحرُّك الإنسانِ بالقول أو بالفعل كتحرُّكه الاضطراري، بل كتحرُّك الريشة بالهواء، ولكن هذا القول قولٌ تردُّه النصوصُ والعقولُ.

* ومن فوائد الآيات: أنَّ القرآن مثانٍ تُثَنَّى فيه المعاني حتى يكون الإنسانُ بين الخوف والرجاء فيما إذا ثُنِّي الترغيب والترهيب؛ كما في هذه الآيات ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الصافات ٤٠].

* ومن فوائد الآيات الكريمة: شرفُ القائمين بأمر الله؛ حيث أضافهم الله إلى عبوديَّته في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، ولا شكَّ أن فخرًا للإنسان أن يُنسب إلى عبادة الله، ولهذا يذكر الله سبحانه وتعالى وَصْف نبيِّه محمد صلوات الله وسلامه عليه في أشرف مقاماته؛ وَصَفَه بالعبودية عند ذِكْر إنزال القرآن عليه: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١]، ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة ٢٣]، ووَصَفَه بالعبودية في مقام الإسراء والمعراج: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء ١]، وقال في المعراج: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم ١٠]، ووَصَفَه بالعبودية في مقام الدفاع عنه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة ٢٣]، فإنَّ هذا تحدٍّ لهؤلاء المكذِّبين للرسول عليه الصلاة والسلام أنْ يأتوا بمثل ما جاء به، إذَنْ فالعبودية لله عز وجل لا شكَّ أنها فخرٌ للعابد، والشاعر يقول:

لَا تَدْعُنِي إِلَّا بِيَا عَبْدَهَا ∗∗∗ فَإِنَّــــــــهُ أَشْــــــــرَفُأَسْمَـــــــائِي

أعوذ بالله، فهذا يدلُّ على أنَّ العبودية للمحبوب من أشرف وألذِّ ما يكون للعابد.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ الله سبحانه وتعالى يَمُنُّ على مَن يشاء فيُخلصهم لنفسه حتى لا يكونوا عَبِيدًا لغيره؛ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، وهذا أَبْلغ من ﴿﴿الْمُخْلِصِينَ﴾ ﴾، وإنْ كان لكلٍّ منهما مَزِيَّةٌ، ولكن المخلَص الذي أَخْلصه الله عز وجل لنفسه فلم يكن له إرادةٌ سوى ربِّه، هذا أَبْلغ؛ قال: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ عباد الله عز وجل ينقسمون إلى قسمين: عبادٌ مخلَصون، وعبادٌ غير مخلَصين؛ فالعباد بمعنى عبوديَّة القَدَر هؤلاء غير مخلَصين، بل هم كالأنعام، بل هم أَضَلُّ، وأمَّا العباد لله تَعَبُّد شرعٍ فإنَّ هؤلاء هم المخلَصون.

* ومن فوائد الآيات: أن هؤلاء المخلَصين لهم عطاءٌ عند الله عز وجل معلومٌ عنده وعندهم؛ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات ٤١] معلومٌ عند الله، ومعلومٌ عندهم؛ فإن الله تعالى أخبر عباده بما ينالونه يوم القيامة من أنواع الثواب.

طيب، فإنْ قال قائل: هل هو معلومٌ بالحقيقة أو بالمعنى؟

فالجواب أنَّه معلومٌ بالمعنى، أمَّا الحقيقة فليس بمعلوم؛ يعني أنَّنا لا نعلم كُنْه هذا النعيم أو هذا الرزق؛ لقول الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، ولقوله تعالى في الحديث القدسي: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه، البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]. إذَنْ لا نعلم من نعيم الآخرة إلا الأسماء فقط، أمَّا الحقائق فإنها ليست معلومةً كما قال ابنُ عباس رضي الله عنهما: «ليس في الجنَّة شيءٌ مِمَّا في الدنيا إلا الأسماء»[[أخرجه الطبري في تفسيره (١ / ٣٩٢).]]. فاكهةٌ، نخلٌ، رمَّانٌ، لكن الحقائق تختلف اختلافًا عظيمًا، إذَنْ هو معلومٌ بالمعنى لا معلومُ الحقيقةِ والكُنْهِ؛ لأن ذلك لا يُدرَك إلا بحقِّ اليقين.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ أهل الجنة يأكلون هذا الرزق تَفَكُّهًا وتَنَعُّمًا، لا اقْتِياتًا يحتاجون إليه؛ لقوله: ﴿فَوَاكِهُ﴾ [الصافات ٤٢]. في الدنيا يأكل الإنسانُ الطعامَ أحيانًا اقْتِياتًا للحاجة إليه، وأحيانًا تَفَكُّهًا وتلَذُّذًا، أمَّا في الآخرة فكلُّ طعامها تلذُّذ.

* ومن فوائد الآيات: أن أهل الجنة مُكْرَمون، مُكْرَمون بِمَن؟ من وجوهٍ ثلاثةٍ ذكرناها أمس: مِن قِبَل الله، مِن قِبَل الملائكة، مِن قِبَل الخدَم؛ الغلمان، فهُم مُكْرَمون من كلِّ وجه.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ جزاءَ الله للمحسن أكثرُ من عمله بكثير. أليس كذلك؟ لأنَّ إحساننا نحن للعمل لو نُسِب إلى ثواب الله لم يكُنْ شيئًا؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه.]]. ثم إحساننا مَهْما بَلَغ له مُنتهًى، مُنتهاه الموتُ، لكن ثواب الآخرة لا مُنتهى له، إذَنْ يتبيَّن بذلك أنَّ فضْلَ الله عز وجل وجزاءَه أكثرُ بكثيرٍ من عملِ العامل، فيكون هذا مصداقًا لقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٦١].

* ومن فوائد الآيات الكريمة: أنَّ الجنة أصنافٌ وأنواعٌ، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فِي جَنَّاتِ﴾ [الصافات ٤٣]، ولكنَّها تشترك كلُّها في أنها جنَّاتُ نعيمٍ.

* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ الجنَّة كلَّها نعيمٌ؛ نعيمٌ للبَدَن ونعيمٌ للقلب؛ فنعيمُ القلبِ بالسرور والانبساط والفرح الدائم الذي لا يعتريه هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حزنٌ، والبَدَن ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان ١١]، ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ [الغاشية ٨، ٩]، إلى غير ذلك من الآيات الدالَّة على تنعيم هذا البَدَن، نفْسُ البَدَن منعَّم، وما يلبسه أيضًا من الزينة والحلي كذلك منعَّمٌ فيه.

* ومن فوائد الآيات الكريمة: سعةُ محلَّاتِ أهل الجنة لكونهم متقابلين على السُّرُر؛ لأنَّ التقابل يؤدِّي إلى سعة المكان، لا سِيَّما مع كثرتهم.

* ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: كمالُ أدبِ أهل الجنة؛ حيث كانوا يتقابلون بحيث لا يقفو أحدُهم الآخَر، بل كلُّهم يكونون مستقبلي بعضِهم بعضًا، وهذا لا شكَّ أنَّه من كمال الأدب، والأدبُ في الحقيقة كما أنَّه حَسَنٌ في أهل الجنة فهو حَسَنٌ في أهل الدنيا أيضًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم ٤]، ولا شكَّ أنَّ الإنسان إذا كان مؤدَّبًا كان محبوبًا عند الناس، فالجفاءُ وعدمُ المبالاة بالناسِ خُلُقٌ ذَمِيمٌ.

ومِن ثَمَّ ننظر في مسائل نعملها: أولًا وقَبْل كلِّ شيءٍ مسألة السلام؛ نجدُ كثيرًا من الناس مع أنهم حريصون على العبادة لكنَّهم لا يُبالون بالسلام لا ابتداءً ولا ردًّا، وهذا خلافُ حالِ المؤمن مع أخيه، مِن حقِّ المسْلم على أخيه إذا لَقِيه أن يسلِّم عليه، ويسلِّم عليه سلامًا حقيقيًّا مقرونًا بالبشاشة، أمَّا أن يسلِّم عليه برأس أنْفه لولا حرفُ الصفير ما علمتَ أنَّه يسلِّم فهذا ليس بسلام.

وأقبحُ من ذلك أنْ يسلِّم الإنسانُ على أخيه بصوتٍ بيِّنٍ واضحِ المخارجِ مسموعٍ ثم يردُّ ذلك عليه بصوتٍ لا يُسمَع، بل يردُّ عليه بأنْفه أو يردُّ عليه بيده هكذا، فإنَّ هذا لا شك أنَّه حرامٌ عليه؛ لأن الله يقول: ﴿إِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء ٨٦]، فمعلومٌ أنه إذا.. (السلامُ عليكم)، (..كمُ السلام)، هذا أحسن ولَّا لا؟ أبدًا، ما هو أحسن، ولا مِثْل أيضًا، فلا بدَّ أن يكون إمَّا مِثْل، وهو أدنَى الواجبِ، أو أَحْسَنَ، وهو الأكْمَل.

كذلك أيضًا نجد بعض الناس يستدبر إخوانَه ولا يهتمُّ بهم، وهذا خطأ، هذا لا ينبغي، وأنا أراه بعضَ الأحيانِ إذا سلَّمتُ من الصلاة يجيء واحد من الناس يتقدَّم ما يَشْعر أن وراءه بَشَرًا مِثْله، لماذا تتقدَّم عليهم؟ هذا مِمَّا يُوجِب اختلافَ القلوب، ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام في القوم عند صَفِّ الصلاة، قال: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»[[أخرجه مسلم (٤٣٢ / ١٢٢) من حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه.]]، فجعَل الاختلافَ في التقدُّم والتأخُّر سببًا لاختلاف القلوب، أنا لو كنت جنب هذا الرجُل شعرت بأن هذا الرجُل أهانني حيث تقدَّم عليَّ ولقَّاني ظهرَه.

يتعلَّل بعضُ الناسِ بأنَّه فيه ضيق مثلًا، وأنَّه يحبُّ أن يُريح رجليه فيتقدَّم ليتربَّع.

نقول: إذا كنتَ هكذا فإمَّا أنْ تتقدَّم كثيرًا تقوم وتكون بعيدًا، وإمَّا أن تتأخَّر.

يقول: ما أقْدر أتأخَّر؛ لأنَّ ورائي صفًّا يقضون الصلاة.

نقول: إذَنْ قُمْ وتقدَّم بعيدًا حتى لا تستدبر الناسَ، أمَّا أنْ تستدبر عبادَ الله بعد أن فرغوا من الصلاة وتُخَلِّيهم وراء ظهرك فهذا لا شكَّ أنَّه سوءُ أدب، وأنَّ الذي إلى جانبك سوف يشعر بأنَّك أهنْتَه.

كذلك أيضًا يوجد بعضٌ عندنا لا يُقَدِّر الصغيرُ مِنَّا الكبيرَ، يتقابل اثنانِ عند باب المسجد أو عند باب الدار ثم يتقدَّم الصغير يمكن بعجلة علشان يدخل قبل الكبير، هذا ما هو طيب، توقيرُ الكبيرِ مِن الخصال الطيِّبة ومِن صفات المؤمن، فكَوْن الإنسان لا يُبالي ولا يهتمُّ بغيره لا شكَّ أنَّه خلافُ الأدب، أهلُ الجنَّة -اللهم اجعلنا منهم- يكونون على السُّرُر متقابلين يجعلونها دائرةً حتى يُقابل بعضُهم بعضًا.

* من فوائد الآيات أيضًا: راحةُ أهل الجنَّة حيث كانوا متفرِّغين على السُّرُر يتحدَّث بعضهم إلى بعضٍ ويأنسُ بعضُهم ببعضٍ على وجْه التقابل.

* ومن فوائد الآيات الكريمة أيضًا: أنَّه في حال جلوسهم على السُّرُر فالخدَم تطوفُ عليهم بأنواع الملذَّات والمشروبات، ومنها أنها تطوفُ عليهم بكأسٍ من مَعِينٍ؛ كأسِ الخمر الصافي الخالي من الشوائب، لكنَّ هذا الكأس يكون مقدَّرًا على حسب ما يحتاجه الشاربُ؛ ليس كبيرًا فيُتعبه، ولا صغيرًا فينقص من لذَّته؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ [الإنسان ١٥، ١٦].

* ومن فوائد الآيات الكريمة: صفاءُ هذا الشراب الذي يُطاف عليهم به؛ لقوله: ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات ٤٦].

إلى هنا انتهى ما سبق.

* * *

يقول الله عز وجل: ﴿بَيْضَاءَ﴾ [الصافات ٤٦] (أشدَّ بياضًا من اللبن)، هكذا قال المؤلف: إنها (أشد بياضًا من اللبن)، والواقع أنَّ الآية لا تدلُّ على أنها أشدُّ بياضًا، وإنما جاء «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ» في وصْف حوضِ النبي ﷺ الذي يكون في عَرَصات القيامة، فقد جاء في وصْفه أنَّه «أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، وَأَحْلَى مِنَ الْعَسَلِ، وَأَطْيَبُ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ»[[أخرج أحمد (٥٩١٣) بسنده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لَمَّا أُنزلت (إنَّا أعطيناك الكوثر) قال رسول الله ﷺ: «هو نهرٌ في الجنَّة، حافَتاه من ذهبٍ، يجري على جنادل الدُّرِّ والياقوت، شرابُه أحلى من العسل، وأشدُّ بياضًا من اللبن، وأبردُ من الثلج، وأطيبُ من ريح المسك». وأخرجه مسلم بنحوه (٢٣٠٠ / ٣٦) عن أبي ذر رضي الله عنه.]]، أمَّا الخمر في الجنة فوَصَفه الله بالبياض فقط.

قال: ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ﴾ [الصافات ٤٦] (لذيذة)، وهنا عبَّر بـ﴿لَذَّةٍ﴾ المصدر عن اسم الفاعل أو اسم المفعول؛ لأن (لذيذ) يصلح لاسم الفاعل واسم المفعول؛ لأنَّ الوصف بالمصدر أَبْلغ من الوصف بالمشتقِّ من المصدر؛ فأنت إذا قلتَ: فلانٌ عدْلٌ، أَبْلغ مما إذا قلت: فلانٌ عادلٌ؛ كأنَّك جعلتَه هو العدل بنفسه، فهُنا وَصَفَ هذا الخمرَ أو هذه الكأسَ بأنها ﴿لَذَّةٍ﴾؛ يعني كأنها هي اللَّذَّةُ لا الشيء المتَّصف باللَّذَّة، فالتعبير بالوصف عن الموصوف أَبْلغ من التعبير بالموصوف؛ لأنَّه تعبيرٌ بالأصل عمَّا تفرَّع منه، فالمشتقُّ متفرِّعٌ من المشتقِّ منه؛ من المصدر.

﴿لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [الصافات ٤٦]، ﴿لِلشَّارِبِينَ﴾ هذه من باب التوكيد؛ يعني أنهم في حال شُربهم إيَّاها يتلذَّذون بها، بخِلاف خمر الدنيا فإنَّه يقول: (إنها كريهةٌ عند الشُّرب)، أمَّا خمر الآخرة فهي لذَّةٌ للشاربين. هي أيضًا سالمةٌ من الآثار السيئة؛ كما قال: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات ٤٧].

* * *

* طالب: (...) بعض الناس يوم الجمعة يكون في طرف الصف ما يرى الخطيب (...)؟

* الشيخ: (...) بوجهه.

* الطالب: (...).

* الشيخ: ثم إنَّ استدباره ما هو باستدبار كامل في الواقع؛ أولا: هو في الصف جانبه، والشيء الثاني: ما هو باستدبار كامل؛ يعني ما هو بيخليه مثلًا يسار صاحبه عند ظهره، لا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: يعني ما هو بكامل، ثم هذا لعذرٍ وحاجةٍ، وصاحبك يعذرك في مثل هذه الحال.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском