Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Sad 38:34–40, continued
قد نقول: إن القول الأول أصح وأن النبي ﷺ ترك ذلك تورعًا؛ لأنه خاف أن يكون مراد سليمان أيش؟ لا ينبغي لأحد من بعدي زمنا، فترك هذا من باب التورع لكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام إذا فسَّر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما فإنه لا شك أولى من الاحتمال الآخر أن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: من سواي، والله أعلم.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الله تعالى بأنه وهاب يعطي العطاء الكثير.
* ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى في الدعاء بالاسم المناسب لما يدعو به؛ لأن قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ يناسب قوله: ﴿وَهَبْ لِي﴾ وهذا هو أحد معاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف 180]؛ لأن أحد معانيها أن تجعلها وسيلة لما تدعو به فإذا أردت أن تسأل المغفرة تقول: يا غفور. أو الرحمة: يا رحيم وهكذا.
ثم قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ إلى آخره [ص: 36].
* من فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل وتمام سلطانه حيث سخَّر الريح وذللها.
* ومن فوائدها: عموم سلطان الله على الجماد والحي وغير ذلك؛ لأنه أمر الريح، والريح جماد فامتثلت.
* ومن فوائدها: أن الله تعالى قد يسخر شيئًا من الكون لعبد من عباده كما سخر الريح لسليمان فإنه من الجائز أن يسخرها لغيره إذا دعي.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الرياح لها شعور واختيار؛ لقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾؛ لأنه إذا كان يأمرها وتشعر بالأمر، ثم تمتثل فهو دليل على أن لها شعورًا ولها إرادة، وهكذا كل شيء في الكون له شعور وله إرادة بحسب ما يليق به لقول الله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [الإسراء 44]، ولا تسبيح إلا بإرادة ولا تسبيح إلا بشعور بعظمة المسبح.
ومن هنا نرد على من قالوا: إن المراد بقوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف 77] أنه مجاز لأننا نقول لهم: ما الذي يمنع من إرادة الجدار، الجدار له إرادة لكنها ليست كإرادة البشر أو إرادة الحيوان المتحرك الذي يتحرك بالإرادة، لكن له إرادة وهو ساكن لا يتحرك.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح المسخرة تجري بسهولة ولين ليس بعصف مقلق كما هي عادة الرياح، عادة الرياح العاصفة كما تعرفون مقلقة لكن هذه غير مقلقة رخاء لينة سهلة كأنما هم على سطح.
* ومن فوائد هذه الآية: أن من ترك شيئًا لله عَوَّضه الله خيرًا منه؛ لأن كثيرًا من المفسرين جعلوا تسخير الريح لسليمان تنقله حيث شاء عوضًا عن الخيل التي أتلفها غضبًا لله عز وجل حينما ألهته عن ذكر الله، وهذا قد يكون حقيقة أن هذا الذي أعطاه الله من (...) كان جزاء له على فعله بالخيل، ولا شك أن مَنْ ترك شيئا لله عوضه الله خيرًا منه، وهذا يقع كثيرًا في مسائل عديدة، وإذا أردت أن تطبق هذا على نفسك فجرب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هذه الريح تتجه حيث أراد سليمان ولو كانت في الأصل على وجه آخر يعني بمعنى إذا كانت الريح جنوبية وأراد هو أن يذهب إلى الجنوب فإنه يأمرها أن تكون؟
* طلبة: شمالية..
* الشيخ: الريح جنوبية، وهو يريد الجنوب فيأمرها أن تكون شمالية لتحمله إلى الجنوب، لو أمرها أن تكون جنوبية ردته إلى الشمال.
ثم قال تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ إلى آخره [ص: 37].
* في هذا أيضًا: بيان ما بسط الله لسليمان من السلطان حيث كانت الشياطين المؤذية لبني آدم مسخرة له على هذا الوجه العظيم وهذا التقسيم.
* ومن فوائدها؛ أي فوائد الآية: حسن تدبير سليمان حيث وزع هذا الجند من الشياطين حسب ما يليق بهم فمنهم البناء ومنهم الغواص.
* ومن فوائدها: جواز تفخيم الأبنية وتكثيرها..
* طلبة: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة.
* الشيخ: لأن ﴿بَنَّاءٍ﴾ صيغة مبالغة، وبناء تبنيه الشياطين لا بد أن يكون فخمًا محكمًا، ولكن هل يقال: إن هذا كان في شريعة سليمان؛ لأنه مَلِك يحتاج إلى أُبَّهَةٍ وعظمة وإظهار قوة وإظهار غنى وإظهار سلطة، وأما عامة الناس فلا؛ ولهذا جاءت شريعتنا بذم مَنْ يجعل ماله في البناء؟ وربما يقال: إنه يُفَرَّق بين الملك ذو السلطان وبين غيره؛ لأن إظهار الملك السلطان نفسه بمظهر العظمة أمام أعدائه لا شك أن هذا أمر مطلوب.
ويُذْكَر أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه كان أميرًا على الشام في إمارة عمر بن الخطاب، وكان معاوية إذا أتى الإنسان إليه يجد حجابًا وحُرَّاسًا وشيئًا من الأبهة، وإذا جاء إلى الخليفة الذي فوقه يجد أمرًا بخلاف ذلك يجد رداءًا مُرَقَّعًا وإزارًا مُرَقَّعًا وشخصًا ينام في المسجد يُكَوِّم كتلة من الحصباء ويتوسَّدها وليس بين يديه حاجب ولا حوله جنود، فيتعجب؛ كيف أمير.. هذا الرجل بهذه الأبهة وهذا الخليفة الذي فوقه بهذا الضعف والتواضع؟!
لكن أجاب العلماء عن ذلك بأن معاوية رضي الله عنه كان في بلاد الشام وكانوا لا يخضعون لأمرائهم وسلاطينهم إلا إذا كانوا أمامهم على وجه فيه أبهة وعظمة فرأى معاوية رضي الله عنه أن من المناسب للحال أن يكرم نفسه غاية التكريم وليس قصده أن يتعاظم، والدليل على هذا أنه لما أتاه كتاب عمر أظنه في كسرة عظم في قصة اليهودي الذي أُدْخِل بيته في بيت المال بعد أن أُعْطِيَ عنه عوضًا كثيرًا فرأى أن ذلك ظلم فركب إلى عمر في المدينة يشكو معاوية يقول: إن معاوية غصبني وأخذ بيتي وأدخله في بيت المال، يعني معناه يجعلون بيتًا لبيت المال. فكتب عمر إلى معاوية يأمره بأن يرد إليه بيته، فلما جاءه الكتاب أخذه -كما يقال- معاوية ووضعه على رأسه تعظيمًا للكتاب، وقال لليهودي: الآن افعل ما تشاء؛ تريد أن نعيد إليك بيتك ونبنيه بأحسن، تريد أن تأخذ القيمة، فلما رأى هذا الأمر انبهر كيف معاوية يفعل في كتاب عمر هذا الفعل فتشهَّد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وقال: بيتي لبيت مال المسلمين. لما رأى العدل انبهر.
فالمهم أن نقول: قد يكون سليمان عليه الصلاة والسلام أراد بهذا العمل أن يظهر قوة سلطانه وعظمته أمام أعدائه، وأن يفصل بين ما يكون فيه غرض مقصود وما ليس فيه غرض؛ فالإنسان العامي لا يُشْرَع له أن يذهب ماله ببناء القصور وتفخيمها. وذو السلطة الذي يريد أن يظهر سلطته ليكون مهيبًا أمام الناس حتى يتم له الأمر لا حرج عليه في هذا.
* طالب: (...) يجب أو ينبغي لمن يُسْلَب منه الملك (...) أن يجب عليه الصبر أو ينبغي له الصبر والإنابة إلى الله سبحانه وتعالى (...).
* الشيخ: نعم (...) ملكه.
* طالب: قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ﴾ ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ فالشياطين إذا سخرها الله تبارك وتعالى له في البناء والغواص وكذلك البواقي مربوطون هل يوسوس للناس في زمانه ولَّا لا..؟
* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: مثلًا إذا كان الشياطين عند سليمان بعضهم يبني وبعضهم يغوص وبعضهم مُقَرَّن في الأصفاد: معناها الناس لا يعصون الله؛ لأن ما عندهم شياطين، كذا؟
نقول: ما هو لازم، الشياطين كثيرون جدًّا، والمراد الجنس، (أل) هنا في قوله: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ ليست للاستغراق المراد الجنس؛ يعني: الشياطين اللي عنده قسمهم هذا التقسيم.
* طالب: بارك الله فيك، قول عيسى عليه السلام (...).
* * *
* الطالب: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ (40) وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (41) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (42) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (43) وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (44) وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (45) إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ﴾ [ص 39 - 47].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى في بقية قصة سليمان: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص 39].
قال الله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص 37، 38] سبق لنا أن قلنا: إن في الآية دليلًا على كمال ملك سليمان وسلطانه وتنظيمه لعمله وعماله حيث جعل لكل طائفة ما يختص بها من العمل فمنهم البناء ومنهم الغواص، ومن تمام سلطانه أن العاصي منهم المتمرد قد صَفَّدَهُ وقرَّنَهُ مما يدل على عقوبة هؤلاء المخالفين.
* ومن فوائدها: جواز التعزير بمثل هذا العمل أي بالشدِّ والغَلِّ وذلك أي بالشد والغل؛ وذلك أن التعزير لا يختص بعقوبة معينة؛ لأن المقصود به الإصلاح، فأي عقوبة كان بها الإصلاح فهي الواجبة، قد يكون التعزير بالضرب وبالحبس وبالحرمان من بعض الحقوق وبالتغريم المالي وبالتوبيخ أمام الناس، المهم أن التعزير يقصد به الإصلاح، فأي طريق كان به الإصلاح كان به التعزير.
* ومن فوائد هذه الآيات في قصة سليمان: إن الله تعالى أباح لسليمان العطاء والإمساك كما يشاء بدون أن يحاسبه عليه، ولكننا نعلم أن سليمان لن يتجرأ على الإعطاء في معصية الله، ولا عن الإمساك عما أوجب الله لأنه نبي من الأنبياء لا يُقَرُّ على خطأ، فتكون الإباحة هنا في الأشياء التي يباح له فعلها أو التقوى، ويكون هذا من باب التوسعة الصريحة له بأن يمسك أو يعطي.
* ومن فوائد هذه الآيات: أن الله لما ذكر أن أنعم عليهم في هذه الدنيا وكان الواهم قد يتوهم أن ذلك يُنْقِص من ثوابه في الآخرة بَيَّن أن ثوابه في الآخرة لا ينقص بهذا العطاء الذي أعطيه في الدنيا فقال: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص 40].
* ومن فوائد الآية هذه؛ الأخيرة: أن الناس يختلفون في القرب من الله؛ لقوله: ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ وأقربهم من الله جوارًا يوم القيامة، أقربهم منه عبادة في الدنيا فكلما كان الإنسان في الدنيا أقوم بطاعة الله وأقرب إلى الله كان في الآخرة كذلك؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أليس كذلك؟ ما الذي قلت؟
* طالب: الجزاء من جنس العمل.
* الشيخ: وقبلها؟
* الطالب: الذي هو قريب إلى الله في الدنيا بالعبادة من باب أولى أن يكون قريب منه..
* الشيخ: فإنه يكون قريبًا منه في الثواب يوم القيامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن ينظر إلى مآبه ومآله هل هو حسن أو سيء حتى إن كان سيئًا سعى في إصلاحه، وإن كان حسنًا حَمِدَ الله وازداد من فضل الله.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences