Ibn 'UthayminAz‑Zumar · 39:2–4

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:2–4

39:2–4Page 458

إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢

Indeed, We have sent down to you the Book, [O Muḥammad], in truth. So worship Allāh, [being] sincere to Him in religion.

أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ فِي مَا هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣

Unquestionably, for Allāh is the pure religion.1 And those who take protectors besides Him [say], "We only worship them that they may bring us nearer to Allāh in position." Indeed, Allāh will judge between them concerning that over which they differ. Indeed, Allāh does not guide he who is a liar and [confirmed] disbeliever.

لَّوۡ أَرَادَ ٱللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَدٗا لَّٱصۡطَفَىٰ مِمَّا يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّارُ ٤

If Allāh had intended to take a son, He could have chosen from what He creates whatever He willed. Exalted is He; He is Allāh, the One, the Prevailing.1

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [الزمر ٢] لَمَّا بَيَّن أن تنزيل الكتاب من الله؛ بيَّن إلى مَن أُنزِل فقال: (﴿﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴾ يا محمد) ﴿أَنْزَلْنَا﴾ ضمير جمع لكنه إذا كان عائدًا إلى الله فليس للجمع قطعًا بل هو للتعظيم، وقد اشتبه على النصراني مثل هذا الجمع وقال: إن الله ثالث ثلاثة؛ لأن الله تعالى يذكر الضمير عائدًا إليه بصيغة الجمع، وأقل الجمع ثلاثة، فنقول في الرد عليه: إن هذا من زيغ النصارى، ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥]، فاتَّبَعُوا المتشابه من القرآن، ولو أنهم ردوا هذا المتشابه إلى المحكم لعلموا أنهم مخطئون غاية الخطأ؛ وذلك أن الله صرَّح في آيات كثيرة بأنه إلهٌ واحد فقال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة ١٦٣]، وهذا نصٌّ صريح مُحكَم، وأما (نا) التي هي ضمير الجمع فإنها في اللغة العربية التي نزَل بها القرآن صالحة للجمع وللمُعَظِّم نفسَه، إذن هي من المتشابه؛ لأن اللفظ إذا احتمل معنيين فإنه يقال فيه: متشابه، والمتشابه يجب أن يُرَد إلى المحكم.

قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ﴿إِلَيْكَ﴾ هذا الغاية، والخطاب للرسول ﷺ، ﴿الْكِتَابَ﴾ أي: المكتُوب، وهو القرآن، وسبق وجه كونه كتابًا.

(﴿﴿بِالْحَقِّ﴾ ﴾ متعلِّق بـ(أنزل)) ﴿بِالْحَقِّ﴾ الباء هنا للملابسة وللتعدية؛ يعني: أن الكتاب نفسه نزل حقًّا من عند الله لا من عند غيره، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ بالحق؛ يعني بالتأكيد، أننا أنزلناه إليك من عندنا، وقلنا أيضًا: للتعدية؛ بمعنى أن الكتاب نزل بالحق؛ أي أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حقٌّ.

فعلى الوجه الأول يكون المراد بالحق تأكيد أنه نزل من الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى أن كلَّ ما اشتمل عليه القران من أخبار وأوامر ونواهٍ وغيرها فهو حق.

إذن ﴿بِالْحَقِّ﴾ له معنيان:

المعنى الأول: أن القرآن نزَلَ من عند الله حقًّا لا باطلًا.

الثاني: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق؛ أوامر، نواهٍ، أخبار، قصص، كلها حق.

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ قال: (متعلِّق بـ(أنزل)) ولم يقل: متعلق بـ﴿أَنْزَلْنَا﴾؛ لأنَّ المتعَلِّق إنما يتعَلَّق بالفعل، أما (نا) فهي ضمير خارجة عن الفعل.

قال: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ الفاء للتفريع، وعلامة فاء التفريع أن ما بعدَها يكون مرَتَّبًا على ما قبلها، فالمعنى: فلإنزالِنا إليك الكتاب اعبدِ الله مخلصًا له الدين، (اعْبُد) الخطاب للنبي ﷺ، وقوله: ﴿مُخْلِصًا﴾ حال من فاعل (اعبد)، وإخلاص الشيء تنقِيَتُه من الشوائب وإزالة ما يُخالطه، فإذا كان مخلصًا له الدين فالمعنى أن تُنَقِّىَ دينك من كل شرك، ولهذا قال المؤلف: (﴿﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ ﴾ من الشرك) أي: موحِّدًا له؛ أي: لله.

وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿الدِّينَ﴾ يعني: العمَل، والمراد به هنا العمل المخصوص وهو العبادة؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ولم يقل: مخلصًا له العبادة؛ لأن الدين هو العمل الذي يريد العامل عليه مكافأةً، هذا الدين، ومنه قولهم: كما تَدِين تُدَان.

واعلم أن (الدِّين) يُطلَق على العمل الذي يُراد به المكافأة، ويُطلقُ على نفس المكافأة وهي الثواب على العمل، فمِن الأول مثل هذه الآية ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون ٦]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣]؛ أي عملًا تتعبدون به.

ومثال الثاني قوله تبارك وتعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة ٤] يعني: يوم الجزاء على العمل، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار ١٧، ١٨] أي: يوم الجزاء على العمل.

قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر ٣] ﴿أَلَا﴾ إداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه. ويش قلنا؟

* طالب: ﴿أَلَا﴾ أداة تنبيه.

* الشيخ: أداة تنبيه، إي نعم.

* الطالب: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح.

* الشيخ: ﴿أَلَا﴾ أداة استفتاح، وهي حرف يُراد به التنبيه، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ هذه أداة استفتاح، وهي حرف يراد به التنبيه؛ لأنَّ المتكلم إذا قال: (أَلَا) انتبه المخاطب، وقوله: ﴿لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ الجار والمجرور خبر مقدم، و﴿الدِّينُ﴾ مبتدأ مؤخر، ويفيد تقديم الخبر الحصر؛ أي: لله وحده.

وقوله: ﴿الدِّينُ﴾ يعني: العمل الذي يُراد الثواب عليه، وقوله: ﴿الْخَالِصُ﴾ يعني: النَّقي من الشوائب والشرك؛ أي أنه يجب على العاقل أن يجعل الدين الخالص لله وحدَه؛ إذ كيف يلِيق بالعاقل أن يتعبد بالحقِّ لله من أجلِ التَّقَرُّبِ إلى غيره؟! هذا خلاف العقل، فإذا قام الإنسان يصلِّي من أجل أن يراه الناس فهو سفيه في عقله ضالٌّ في دينه، كيف تجعل الحق الخالص للناس؟ الحق الخالص لله تجعَلُه للناس؟! العمل الذي للناس للناس، لكن العمل الذي لله يجِب أن يكون لله، ولهذا قال: ﴿أَلَا لِلَّهِ﴾ وحده ﴿الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، فلا يجوز أن نجعلَه لغيرِه.

ولهذا قال: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ إلى آخرِه، الواو هنا للاستئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ، و﴿اتَّخَذُوا﴾ صلة الموصول، وخبر المبتدأ محذوف تقديره: يقولون: ما نعبدهم، أو قالوا: ما نعبدهم.

وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴿اتَّخَذُوا﴾ بمعنى صيَّرُوا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء ١٢٥] يعني: صيَّرَه، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية ٢٣] أي: صيَّرَ إلهَه هواه، إذا كانت (اتخذ) بمعنى صيَّر فإنها تحتاج إلى مفعولين؛ مُصَيَّر ومُصَيَّرٍ إليه.

يقول المؤلف رحمه الله: (الأصنام ﴿﴿أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾)، وعليه فيكون المفعول الأول محذوفًا، والثاني ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، وحَذْف المفعول إذا دلَّ عليه الدليل جائز، قال ابن مالك رحمه الله في بابِ المبتدأ والخبر قال:

وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا ∗∗∗ تَقُولُ (زَيْدٌ) بَعْدَ (مَنْعِنْدَكُمَا)

(حذف ما يعلم جائز) الواقع أن هذا البيت في المبتدأ والخبر لكن هل هو عام؟ نعم هو عام، حذْف ما يعلم جائز، وقد يكون من الفصاحة والبلاغة أن يُحذَف، إنما الأصل أن ما يُعلَم يجوز الحذف، وما لا يعلم لا يجوز الحذف؛ لأن الكلام لا بد أن يكون مُبَيِّنًا لمراد المتكلم، وهذا لا يكون مع حذف ما لا يُعلَم.

طيب إذن المفعول الأول محذوف، والتقدير: الأصنام، والثاني موجود وهو قوله: ﴿أَوْلِيَاءَ﴾، (أولياء) جمع وليٍّ؛ أي يتوَلَّوْنَها ولاية عبادة يتضَرَّعُون إليها، يسجُدُون لها، ينذُرُون لها، يتصَدَّقُون لها، لكن لا يعتقدون أن هذه الأصنام تنفعُهم أو تضرهم بذاتها ولا أنها تخلُق ولا أنها ترزُق لكن يدَّعون أنهم اتَّخَذُوها وسيلة.

ولهذا يقول: (﴿﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ ﴾ وهم كفارُ مكة) وتخصيصها هذا بكفار مكة فيه قصورٌ، ولا ينبغي أن نفَسِّر العامَّ بما هو أخص إلا على سبيل التمثيل، أما على سبيل تحديد المعنى بحيث يأتي اللفظ في القرآن عامًّا ثم نفَسِّرُه بمعنًى أخص فإنَّ هذا قصور في الحقيقة، أليس كذلك؟ لكن إن أراد الإنسان بهذا التفسير، إن أراد التمثيل؛ يعني: مثل كفار مكة فهذا لا بأس به، لكن القارئ الذي يقرأ مثل هذه العبارة من كلام المؤلف لا يشك أن المؤلف أراد بهذا التخصيص، وفي هذا نظرٌ ظاهر، فالواجب إبقاءُ دلالة عموم الآيات وكذلك الأحاديث على ما هي عليه حتى يقوم دليل عقلي أو قرينة لفظِيَّة على أن المراد الخاص.

طيب يقول: (وهم كفار مكة قالوا: ﴿﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ﴾) (قالوا) هذه الجملة محذوفة؛ لأنها معلومةٌ من السياق، ويصح أن نقدِّر (يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ )، ولعلها أنسَب من قول المؤلف: (قالوا) حكايةً للحال التي هم عليها، وعلى كُلٍّ فالجملة المحذوفة هي خبر المبتدأ، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾، ولا يجوز أن نجعل جملة ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ هي الخبر؛ لفساد المعنى.

قال: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ هذا حصر لمرادهم بعبادة هذه الأصنام؛ يعني: ما نعبدهم إلا لهذا الغرض ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وهذا إقرار منهم واعتراف بأنهم يعبدون الأصنام؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، وأنَّ هذه العبادة وسيلة لغاية أشرف منها وهي القُرْبى إلى الله عز وجل، وهذا من جهلهم؛ لأنه الآن إذا عبَدُوهم جعلوها غاية؛ لأنَّ المقصود هو الوصول إلى الله عز وجل، والوصول إلى الله لا يكون إلا بعبادته، فهم إذا عبدوهم جعلوهم هم الغاية، ولهذا سنبين -إن شاء الله- أن هذا من سفَهِهم.

﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (قُرْبى) مصدر بمعنى: تقريبًا، ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ﴿زُلْفَى﴾ يقول المؤلف: إنها مصدر لكنَّها مصدرٌ معنوي؛ لموافقته العامل في المعنى دون اللفظ، لأنَّ المصدر قد يكون لفظيًّا وقد يكون معنوِيًّا؛ فإن وافَق عاملَه في اللفظ فإنَّه لفظي، مثل: قمتُ قيامًا، وإن خالفَه في اللفظ دون المعنى صار معنَوِيًّا، كقولك: قمتُ وقوفًا.

قعدتُ قعودًا؟

* طالب: لفظِي.

* الشيخ: لفظي. قعدتُ جلوسًا؟

* طالب: معنوي.

* الشيخ: معنوي، طيب.

يقول: تقرَّبُوا إلى الله زلفى، يقول: إنه بمعنى قربى، وقربي أيضًا يراد بها التقريب، وإنما قال المؤلف: إنه يراد بها التقريب؛ من أجل أن يطابِق الفعل، الفعل (قرَّبَ) مضارِعُه يُقَرِّب، المصدر المطابق أيش؟ تقريبًا لا قُرْبَى.

ولكن من المعلوم أنه قد يوافق المصدر عاملَه في اللفظ ولكنه لا يُطابِقُه في الحروف، ومثل هذا يسمَّى عندهم اسم مصدَر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧]، لو كان مصدرًا لقال: إنباتًا، فلما قال: ﴿نَبَاتًا﴾ ونقصت حروفه عن حروف فعلِه سُمِّي اسمَ مصدر. المهم أنهم يقولون: نحن لا نعبد هذه الأصنام إلا من أجل أن تقرِّبَنا إلى الله تعالى قربى.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الجملة استئنافية لبيانِ مآلِ هؤلاء الذين اتَّخَذُوا الأصنام أولياء؛ يعني فماذا تكون نهايتهم؟ يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ طيب ﴿بَيْنَهُمْ﴾ قال المؤلف: (وبين المسلمين)، فأشار إلى أن الطرف الآخر من البينُونة -أو من البَيْنِيَّة على الأصح- محذوف وبين المسلمين، وهذا التقدير ليس في السياق ما يدلُّ عليه، لو قال: (بينكم) لكان صحيحًا أن المراد: بينكم وبينهم، لكن هو قال: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين هؤلاء الكفار، ﴿فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وكأن المؤلف رحمه الله ظنَّ أنه لا اختلافَ بين الكفار، وليس كذلك، بل الخلاف بينهم حاصل في الدنيا وفي الآخرة، قال الله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ [الأعراف ٣٨] إلى آخر الآيات، محاورة، منازعة، مخاصمة، فيحكم الله بينهم، وقد ذكر الله ذلك في عدة آيات، فالصواب أن الضمير ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي يعود على الكفار، وأنَّ الخلاف أو الاختلاف حاصل بينهم أنفسهم.

النصارى واليهود بينهم خلاف؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣]، وهذا خلاف ثابت بين الأمم الكافرة، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، فيُدْخِلُ المؤمنين الجنة والكافرين النار، هذا بناءً على ما ذهب إليه المؤلف.

ولكن على القول الذي هو ظاهر الآية الكريمة ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيجعل كلَّ إنسان في منزلته، وقد بيَّن الله عز وجل ذلك في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ ٣٣]، لما ذكر المحاورة بين المستضعفين والمستكبرين.

في هاتين الآيتين فوائد:

* أولًا: فضيلة رسول الله ﷺ وعُلُو مرتبتِه، وذلك بإنزال كتاب الله إليه؛ لقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾.

وهنا نسأل هل إنزال القرآن إلى الرسول إنزالٌ إلينا؟ نعم إنزال إلينا؛ لأنه رسولنا، وقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ [النساء ١٧٤]، فالنازل إلى رسول الله نازل إلينا ولكنه هو المباشر لهذا الإنزال ويبَلِّغُه لنا.

* من فوائد الآية: ما سبق من أن القرآن نازِلٌ من عند الله، فيكون كلامَه.

* ومنها: علو الله عز وجل؛ لأنَّ النزول إنما يكون من أعلى (...).

دلَّ عليه الكتاب والسنة والعقل والفطرة، خمسة أنواع من الأدلة كلها تثبت علُوَّ الله على خلقه، وقد خالَف في هذا طائفتان:

الطائفة الأولى: طائفة الحلولية الذين قالوا: إن الله بذاته في كل مكان، يقولون: الله بذاته نفسُه سبحانه وتعالى في كل مكان؛ في المسجد، في السوق، في البيت، في السطح، في الحجرة، في أقبح مكان، والعياذ بالله. وهؤلاء الآن أقول: إنهم كفار، لكن مَن كان متأَوِّلًا وجب إعلامُه وبيانُ الحقيقة له فإن أصَرَّ فهو كافر.

الطائفة الثانية المخالفة: المعطلة الجاحدة الذين يقولون: إن الله تعالى ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا متصل ولا منفصل، هؤلاء وصفوا الله بالعدم، كما قال محمود بن سبكتكين رحمه الله لابن فورك لمَّا قال: إن الله لا موجود ولا معدوم.. إلى آخره، قال له محمود بن سبكتكين: إنك وصفتَ الله تعالى بالعدم. وصدق، لو أردنا أن نصِفَ معدومًا ما وجدنا أشد إحاطةً من هذا الوصف بالمعدوم.

طيب، هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، وقالوا: إن الله تعالى نفسَه فوق كل شيء كما دلَّ على هذا الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة.

* ومن فوائد هذه الآية: أن الكتاب حقٌّ من عند الله لم يتقَوَّلْه النبي ﷺ على ربِّه، بل هو من عند الله؛ لقوله: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ يعني: أنه حقٌّ من عند الله عز وجل، وقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٦].

ولا بأس أن نتكلم عن هذه الآية، قال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ بعد أن قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا﴾ [الحاقة ٤٠ - ٤٤] لئلا يتوَهَّم واهم أنه لما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ صار القرآن من عند الرسول عليه الصلاة والسلام وأنه هو الذي قاله، فقال: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة ٤٤ - ٤٧].

* ومن فوائد هذه الآية: أن جميع ما في القرآن حق، على الوجه الثاني، أخباره وقصصُه وأوامرُه ونواهيه، إذن أخبارُه ليس فيها كذب بوجه من الوجوه، قصصُه ليس المراد منها إمضاء الوقت وإتلاف الوقت بل هي قصص نافعة، ويأتي -إن شاء الله- البقية (...).

* * *

* الطالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ﴾ [الزمر ٣ - ٥].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ ما معنى هذه الجملة من الآية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ليس كذلك.

* الطالب: (...).

* الشيخ: معنى الآية، ما نريد التفصيل.

* الطالب: تنبيه على أن دين الله تبارك تعالى دينٌ نقيٌّ..

* الشيخ: نقي من الشرك، وأنَّ كلَّ دين صار فيه شرك فإنَّ الله لا يقبله، نعم طيب.

قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ كيف نُعرِب هذه الجملة؟

* طالب: الواو حرف استئناف، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ.

* الشيخ: نعم، أين خبره؟

* الطالب: خبرُه مقول قول ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، التقدير: يقولون (...).

* الشيخ: تقول: الخبر مقول القول، وأنت تقول: محذوف تقديره يقولون، أيش (...)؟

* الطالب: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ مقول.

* الشيخ: أين خبر (الذين)؟

* الطالب: محذوف.

* الشيخ: ويش التقدير؟

* الطالب: يقولون.

* الشيخ: يقولون، نعم طيب، إذا كانوا يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ فهنا جعَلُوا الوسيلة؟

* الطالب: هي عبادة الأصنام، جعلوا الوسيلة..

* الشيخ: إي نعم، لكن هنا جعلوا الوسيلة غاية.

* الطالب: (...).

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: (...) هم يقولون: نحن ما نجعلها (...) بل نجعلها وسيلة.

* الشيخ: يا أخي قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا﴾ فهم عبدوها ليكون ذلك وسيلة ليقربهم إلى الله، فجعلوا الوسيلة جعلوها غاية؛ لأن الغاية من التقرب إلى الله هو عبادته، فهنا قلبوا الواقع فجعلوا الوسيلة غاية.

طيب هل حال بعض الناس عند القبور كحال هؤلاء؟ نعم، فيه ناسٌ يطوفون بالقبور ينذرون لها، يسجدون لها، يقولون: هؤلاء أولياء يقربوننا إلى الله كحال هؤلاء. وهل لهؤلاء القبوريين وجود؟

* طالب: الآن، إي نعم.

* الشيخ: الآن موجود.

* الطالب: الذين يعبدون (...).

* الشيخ: أنا وصفت لك حال الذين يطوفون بالقبور ويعبدونهم، فقلت: هل يشبهون حال المشركين؟ فقلت لي: نعم، فأقول لك الآن: هل لهؤلاء الآن وجود في العالم الإسلامي أو لا؟

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: لهم وجود.

طيب قال المؤلف: (﴿﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ ﴾ وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ المؤلف يقول: (وبين المسلمين)، فما مدى صحة هذا التفسير؟

* الطالب: ليس بصحيح.

* الشيخ: ليس بصحيح، ما هو الصحيح؟

* الطالب: الصحيح أنه (...).

* الشيخ: أحسنت، يعني بين الكفار أنفسهم.

طيب هل لك أن تُبَيِّن لي صورة من اختلاف الكفار؟

* طالب: (...).

* الشيخ: يعني مثل آية تشهد على أنه يكون بينهم اختلاف.

* الطالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ﴾ [آل عمران ١٩].

* الشيخ: لا، هذا يوم القيامة، اختلافهم يوم القيامة؛ لأن الله يحكم بينهم يوم القيامة.

* الطالب: مثل قوله تعالى (...): ﴿قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ [الأعراف ٣٨].

* الشيخ: أحسنت، مثلما قال: ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ [سبأ ٣١]، والآيات في هذا متعددة.

قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.

* من فوائد هذه الآية: أن إنزال القرآن حُجَّةٌ على الناس يُلْزِمُهم بعبادة الله؛ لقوله: ﴿فَاعْبُدِ﴾، والفاء هذه للتفريع؛ أي: فلأجل إنزال الكتاب إليك اعبُدِ الله.

* ومن فوائدها: أن من لم يبلُغْه الكتاب لم تلزمْه العبادة، ويدل لهذا آياتٌ أخرى مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء ١٥]، ومثل قوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء ١٦٥]، ومثل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص ٥٩].

ومثل قول النبي ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِمَا جِئْتُ بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ»[[أخرجه مسلم (١٥٣ / ٢٤٠) من حديث أبي هريرة.]]، فقال: «لَا يَسْمَعُ بِي»، والنصوص في هذا المعنى كثيرة أن من لم تبلغه دعوةُ الرسل لا تلزمُه العبادة.

والدليل التطبيقي لهذه المسألة عدة شواهد؛ منها: حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه «بعثَه النبي ﷺ في سرية، فأجْنَب فلم يجِدِ الماء، فتمَرَّغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة ظنًّا منه أن هذا لازِمٌ له وصلَّى، وأخبر النبيَّ ﷺ بهذا، فبيَّن له النبي ﷺ أنه يكفِيه عن الغُسْل أن يضْرِبَ الأرض بيديه ثم يمسَح وجهَه وكفَّيه، ولم يأمُرْه بإعادة الصلاة»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٨)، ومسلم (٣٦٨ / ١١٢) من حديث عمار.]].

وكذلك «الرجل الذي جاء فصلى ولا يطمَئِنُّ في صلاته فقال له النبي ﷺ: «إِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فقال له: والذي بعثك بالحق لا أحسن غير هذا»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥) من حديث أبي هريرة.]]. فعلَّمَه النبي ﷺ ولم يأمره بإعادة ما مضى من صلاته مع أنه كان لا يصَلِّي صلاة لا تجْزِئُه.

وكذلك المرأة التي كانت تُسْتَحَاض فتَظُنُّ أن هذا حيضٌ فلا تصلي فلم يأمُرْها النبي ﷺ بالإعادة[[أخرجه أحمد (٢٧٦٣١) من حديث فاطمة بنت أبي حبيش.]]. وأمثال هذا كثير.

وعليه فلو أن رجلًا أسلم في بلاد الكفر أو في بلاد نائية لا يصِلُها أحكام الشرع وترَك الصلاة مدة ثم علِم بعد ذلك بوجوب الصلاة فإننا لا نأمُرُه بإعادة ما ترك وإنما نأمره بصلاة ما حضَر وقتُه فقط.

وكذلك لو كانت امرأة في محلٍّ ناءٍ بلغَتْ بالحيض وهي صغيرة ولم تصُمْ رمضان ولكنَّها في محلٍّ ليس حولَها علماء تسألهم قد غلب عليها الجهل كالبادية -مثلًا- فإننا لا نأمُرُها بقضاء ما تركَتْ من الصوم؛ للجهل، وهذا هو اللائق بالشريعة الإسلامية المبنِيَّة على اليسر والسهولة، وعلى أن الله تعالى لا يكلِّفُ نفسًا إلا وسْعَها، ولا يكلف نفسًا إلا ما آتاها، وهنا الآية التي معنا يمكن أن يكون فيها إشارة لِمَا ذكر، ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ ﴿فَاعْبُدِ﴾ بعد الإنزال أُمِر بالعبادة.

* ومن فوائد هذه الآية: وجوب الإخلاص لله في العبادة؛ لقوله: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾، والإخلاص تنقية الشيء مما يشوبه، ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله قال: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]]، فلو تصدَّق الإنسان بمال لكنه مُرَاءٍ بذلك من أجل أن يُمدَح فإنه لم يعبُدِ الله، وهو آثم وليس بمأجُور، ولو صلَّى لِيُمْدَح فإنه لم يعبد الله وهو آثم وليس بمأجور؛ لأن الله أمر بعبادة خاصة وهي الإخلاص، ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبادة دِينٌ يَدِينُ به الإنسان، ومعنى كونِه دينًا أنه يعمل لِيُثَاب.

* ويتفرَّع على هذه الفائدة أنَّه ينبغي للإنسان حين العبادة أن يُلَاحِظ هذا المعنى وهو أنه يعمَل لِيُثَاب؛ لأنه إذا شعر بهذا الشعور فسوف يتقِن العمل؛ إذْ إن العقلَ يهدي الإنسان إلى أن الثواب على قدْر العمل؛ إن أحسنْتَ العمل حسُنَ الثواب، وإن قصَّرْت فالثواب ينقُص، وهذه المسألة -أعني شعور كون الإنسان يعمل من أجل الثواب- أعتقد أنها تفوت كثيرًا من الناس لا ينتبِهُون لها.

* ومِن فوائدها أيضًا: الإشارة إلى نية المعمول له حينما تعمل تريد التقرُّب إلى الله عز وجل بامتثال أمره، فمثلًا عندما تريد تتوضأ تنوي بأنك تتوضأ امتثالًا لأَمْر الله حينما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة ٦]؛ من أجل أن تشعُر بالعبادة ولَذَّة العبادة، لا لأجل أن تبرِئَ ذمَّتَك بفعل ما هو فرْضٌ عليك من الطهارة للصلاة، هذا لا شكَّ أنه نية طيبة، لكن أطيب منها أن تستشعر بأنك تمتثل أمر الله لتشعر بلَذَّةِ العبادة وأنَّك حقيقةً عبدٌ لربك عز وجل، هذه مسائل ينبغي للإنسان أن ينتبه لها في عبادته، ولهذا قال: ﴿مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.

* من فوائد هذه الجملة: أن الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾، أما ما سواه فليس لله حتى وإن أشرَكْت به مع الله -حطوا بالكم يا جماعة- لأنَّ الدين لله ما هو؟ الخالص النقي من شوائب الشرك.

فإن قال قائل: إذا كان العمل خالصًا في أولِه مُشْرَكًا فيه في آخره فهل يبطل العمل كله، أو يبطل ما فيه الشرك، أم ماذا؟

نقول: في هذا تفصيل؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشرك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنها تبطل، مثل الصلاة: رجل أحرم بالصلاة مخلِصًا لله، وفي أثنائها سمع حوله أحد فراءَى في ذلك في صلاته في أثناء العبادة، ماذا نقول؟ نقول: الصلاة تبطل، تبطُل كلها؛ لأن أولها وآخرها مبْنِيٌّ بعضُه على بعض.

أما إذا كانت لا ينبني بعضُها على بعض فإن ما كان خالصًا يصِح، وما كان مشوبًا لا يصح؛ مثل رجل كان يتصدَّق عنده ألف رِيال، كلما جاء فقير أعطاه منها، أنفق خمس مئة رِيال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضر أناسٌ فراءاهم، فهل تبطل الصدقة الأولى التي بها الإخلاص؟ لا. لماذا؟ لأن بعضها لا ينبني على بعض؛ كل درهم منفصل أو كل رِيال منفصل عن الذي قبله، هذه مسألة مهمة.

المسألة الثانية: أحيانًا يهاجِم الرياءُ القلبَ ويدافعه الإنسان يدافع، فهل يؤثر هذا على إخلاصِه؟

الجواب: لا يؤَثر ما دام يدافعه ويعرض عنه؛ لأنه الآن في جهاد لعدوه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسان من كل وجه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف ١٦]؛ يعني: في كل مكان، يأتي الإنسان يثَبِّطُه عن العبادة، يثَبِّطُه عن طلب العلم، يثَبِّطُه عن صلة الرحم عن برِّ الوالدين، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليك، فإذا رأى منه تصميمًا على القيام بالعبادة أتاه من جهة أخرى وهو الغلو في العبادة والزيادة فيها والتنَطُّع والتكلف، فإذا عجز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النية أنك مراءٍ، ولكن الإنسان يجب عليه أن يدافع الشيطان بقدر ما يستطيع مستعينًا بالله عز وجل.

* من فوائد الآية الكريمة في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ غِنَى الله عز وجل، غِنى الله الغِنَى التام.

ووجه ذلك أنه إذا كان الله لا يقبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غِناه عن عملِ العباد؛ لأنه -وحاشاه من ذلك- لو كان فقيرًا محتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشاركة، كالإنسان المحتاج يقبَل منك ما كان خاصًّا له وما كان مشترَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) من حديث أبي هريرة.]].

ثم قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية: أن عابدي الأصنام قد توَلَّوا الأصنام واتخَذُوها أولياء.

* ومن فوائدها أنهم -أي عباد الأصنام- يمَوِّهُون على الناس، يقولون: نحن ما نعبدُهم إلا لِغَاية وهي أن يقرِّبُونا إلى الله زلفى.

* ومن فوائدها: أنه يمكن أن نعَدِّيَ هذا الحكم إلى جمِيع أهل الباطل؛ يدَّعون أنهم يحسِنُون صنعًا وهم كذَبَة.

ولنضرب لهذا مثلًا بأهل التعطيل: أهل التعطيل يدَّعون أنهم بتعطيلهم هذا منَزِّهُون لله وأنَّ قصدَهم تنزيهُ الله عز وجل عن النقص وعن مشابهة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنهم إذا عطَّلُوه عن كمال صفاته فهو ضد التنزيه، هؤلاء يقولون: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، والحقيقة أن هذه العبادة تبعدهم من الله مسافات كثيرة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: إقرار المشركين بأنهم يعبدون أصنامهم ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾، فهم يصرحون بأنهم يعبدونهم لكن لا يقولون: نعبدهم لنتقرب إليهم بل ليقربونا.

* ومن فوائدها: أن المشركين في عهد الرسول ﷺ يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعظَم من كل عظيم؛ لقولهم: ﴿لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾، فهم معترِفُون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم، ولهذا جعلوها وسيلة له أو للتقرب إليه.

* ومن فوائدها: أنه سيكون بين هؤلاء المشركين وبين أوليائهم سيكون نزاع وخصومة يوم القيامة؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [الزمر ٣].

* ومن فوائدها: أن الحكم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم -أعني يوم القيامة- وأنَّ المرجع إليه.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر ٣] هذه الجملة مؤَكَّدة، كما تشاهدون مؤكدة بـ﴿إِنَّ﴾. وقوله: ﴿لَا يَهْدِي﴾ المراد بذلك هداية التوفيق، وأما هداية الدَّلالة فإنها حجة الله على خلقه لا بد أن تنال كل أحد، كما قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت ١٧]، هديناهم هداية؟

* طالب: دلالة.

* الشيخ: دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ هداية توفيق لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي: الذي هو كاذب.

قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسَبُوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة؛ أما اليهود فقالت: عزيرٌ ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيحُ ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصَّصَها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].

* طالب: (...).

* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾، وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾..

هداية دلالة، إذن ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي﴾ [الزمر ٣] هداية توفيق، لا هداية دلالة، بل هداية الدلالة ثابتة لكل أحد، نعم ﴿لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، ﴿مَنْ هُوَ﴾ أي الذي هو كاذبٌ.

قال المؤلف: (في نسبة الولد إليه) والذين نسبوا الولد إليه هم اليهود والنصارى والمشركون، ثلاثة، أما اليهود فقالت: عزير ابن الله، وأما النصارى فقالوا: المسيح ابن الله، وأما المشركون فقالوا: الملائكة بنات الله، والآية كما تشاهدون ﴿مَنْ هُوَ كَاذِبٌ﴾ عامة، لكن كأن المؤلف خصصها بنسبة الولد إلى الله؛ لقوله فيما بعد: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ [الزمر ٤].

* طالب: (...).

* الشيخ: كأن المؤلف خصها بنسبة الولد إليه؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ واضح؟

وإلا فلو نظرنا إلى الآية ﴿كَاذِبٌ﴾ لكانت مطلقة لم تقيد بنسبة الولد إلى الله عز وجل، لكن المؤلف قيدها باعتبار أو بقرينة السياق.

﴿كَفَّارٌ﴾ كفار هذه يحتمل أن تكون صيغة مبالغة، ويحتمل أن تكون للنسبة، فإن كانت النسبة صارت صفة لازمة، كما نقول: نجار وحداد وخشاب وبنَّاء، وما أشبه ذلك، وإن كانت صيغة مبالغة لم تكن صفة لازمة، لكنها تدل على الكثرة، وعلى كل حال فسواء للمبالغة أو للنسبة فالمراد بها الكفور بالله عز وجل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском