Ibn 'UthayminAz‑Zumar · 39:49–60

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:49–60

39:49–60Page 464

فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَٰنَ ضُرّٞ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَٰهُ نِعۡمَةٗ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِيَ فِتۡنَةٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٤٩

And when adversity touches man, he calls upon Us; then when We bestow on him a favor from Us, he says, "I have only been given it because of [my] knowledge." Rather, it is a trial, but most of them do not know.

قَدۡ قَالَهَا ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَمَآ أَغۡنَىٰ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٥٠

Those before them had already said it, but they were not availed by what they used to earn.

فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْۚ وَٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنۡ هَٰٓؤُلَآءِ سَيُصِيبُهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا كَسَبُواْ وَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٥١

And the evil consequences of what they earned struck them. And those who have wronged of these [people] will be struck [i.e., afflicted] by the evil consequences of what they earned; and they will not cause failure.1

أَوَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢

Do they not know that Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]? Indeed in that are signs for a people who believe.

۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣

Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."

وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤

And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.

وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥

And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,

أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦

Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."

أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧

Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."

أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."

بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩

But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.

وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠

And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?

نأخذ الفوائد من قوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ﴾ [الزمر ٤٩] إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية: أن الإنسان يلجأ إلى الله تعالى عند الشدائد، وهذه طبيعة فطرية لا يتخلف عنها إلا من نكس قلبه.

* ومن فوائدها: أن المشركين في زماننا الذين يدعون مع الله غيره أشد شركًا من السابقين؛ لأن السابقين إنما يشركون في الرخاء، وإذا مسهم الضر لجئوا إلى الله، أما اللاحقون فإنهم يشركون في حال الشدة كما يشركون في حال الرخاء، إذا أصابهم الضر نادوا: يا فلان، يا فلان، يا فلان، نعم هذا أشد شركًا من الأولين، وهذا أيضًا مخالف للفطرة التي فطر الناس عليها؛ لأن الإنسان لا يلجأ عند الشدائد إلا بمن يؤمن أنه يكشف هذه الشدائد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان إذا أصيب بالنعمة نسي نعمة الله وأضافها إلى غيرها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ضرر الإعجاب بالنفس، حيث يقول: إنما أوتيته على علم عندي.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي بالنقم؛ لقوله: ﴿بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ وقد قال سليمان عليه الصلاة والسلام: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل ٤٠].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أكثر الناس غافلون عن هذه المسألة، أي: عن كون الله سبحانه وتعالى يبتليهم بالنعم فيظنون أن النعم دليل على الرضا، فيستمرون في معاصيهم ويقولون: لو كان الله غاضبًا علينا ما أعطانا، ولكن من العامة من يقول العبارة المشهورة: عطاه لا يدل على رضاه، عطاء الله لا يدل على رضاه، قد يكون هذا من باب الاستدراج بالنعم حتى يهلك الإنسان، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران ١٧٨]، وصح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «إِنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣ / ٦١) من حديث أبي موسى الأشعري.]].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من الناس من منَّ الله عليهم بالعلم والفراسة والتدبر والتأمل، فعرفوا الأمور على حقائقها، يؤخذ هذا من قوله: ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ فإن الأكثر ضد الأقل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة العلم؛ لقوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لأن الذين يعلمون يعرفون مثل هذه الأمور وأنها ابتلاء وامتحان فيتعظون بها.

ثم قال تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الزمر ٥٠].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الشر يتبع بعضه بعضًا؛ لقوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾.

* ومن فوائدها: تسلية الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإن هؤلاء الذين قالوا هذا في عصره قد قاله من سبق.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن لأهل الشر قدوة يقتدون بها كما أن لأهل الخير قدوة يقتدون بها، ولهذا جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله البجلي.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل ما كسبه الإنسان من مال أو جاه فإنه لا يغنيه من الله شيئًا؛ لقوله: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، حتى لو كسب أقوى صنعة في الأرض، فإنها لا تغني عنه من الله شيئًا، إذا أراد الله عز وجل أن يتلف هذه القوة أتلفها بكلمة واحدة منه ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان اللجوء إلى الله، حيث إن جميع ما كسبه من مال أو جاه أو ولد أو زوجة أو غيره لا تغني عنه من الله شيئًا، إذن إلى من يرجع؟ إلى الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الرد على الجبرية؛ لقوله: ﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فإن عمل الإنسان كسب له، أما الجبرية فيقولون: إن عمل الإنسان ليس كسبًا له؛ لأنه مرغم عليه ومجبر عليه، فلا يكون كسبًا له ولا يضاف إليه.

ثم قال الله تعالى: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر ٥١].

* في هذه الآية من الفوائد: أن العقوبة تكون على قدر العمل؛ لقوله: ﴿فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ﴾ مع أن الذي أصابهم ليست السيئات ولكن جزاؤها، إلا أنه لما كان الجزاء من جنس العمل صح أن يعبر بالعمل عنه.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يصيبهم ما أصاب الأولين؛ لقوله: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾.

* ومن فوائد هذه الآية: شؤم الظلم؛ لأنه يوقع صاحبه في الهلاك.

* ومن فوائدها: أن من عصا الله فهو ظالم، ظالم لمن؟

* طلبة: لنفسه.

* الشيخ: ظالم لنفسه وكذلك لغيره إن تعدت معصيته إلى الغير، فلو جنى على أحد محترم من مسلم أو يهودي، ذمي أو نصراني، ذمي أو غيرهم من أهل الكفر الذميين، فإنه يكون ظالمًا لنفسه وظالمًا لغيره.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد يفوت الله ويعجزه؛ لقوله: ﴿وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ وقد قال الشاعر الجاهلي:

أَيْنَ الْمَفَرُّ وَالإِلَهُ الطَّالِبُ ∗∗∗ وَالأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ

فلا أحد يعجز الله عز وجل، أو يفوت الله، لا في السماء ولا في الأرض.

ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الزمر ٥٢] إلى آخره.

ارتباط هذه الآية بما قبلها ظاهر؛ لأنه تكلم عن الإنسان إذا أصابه الضر، وإذا أصابته النعمة، ثم عقب ذلك بأن هذا الأمر كله بيد الله.

* من فوائد الآية الكريمة: تقرير هؤلاء بأن كل شيء من عند الله، بسط الرزق وتضييقه من عند الله، وهم يعلمون ذلك؛ لقوله: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ فإن مثل هذا التركيب يفيد التقرير.

* ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله؛ لقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وليعلم أن كل شيء علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفوًا، لا، هي مشيئة مقرونة بالحكمة. والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فلما بين أن مشيئتهم بمشيئة الله بين أن ذلك مبني على علم وحكمة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الرزق لا يحصل بالشطارة والحذق، وإنما هو من عند الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر.

فإذا قلنا بهذه الفائدة أشكل علينا هل معنى ذلك أن نبطل الأسباب؟ لا، بل نفعل أسباب بسط الرزق لنتحاشى تضييقه، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥] فأمر أن نمشي بمناكبها وأن نأكل من رزقه؛ لأنا إذا مشينا في المناكب وسعينا في أسباب الرزق حصل فأكلنا من رزقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام ملك الله وسلطانه؛ لقوله: ﴿يَبْسُطُ﴾ ﴿وَيَقْدِرُ﴾ وهذا يدل على كمال الملك والسلطان، وأنه لا معارض له سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان وسيلة للاهتداء ومعرفة الآيات؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الزمر ٥٢] وإذا كان هذا الحكم معلقًا على هذا الوصف، فإن القاعدة أن ما علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، هذه القاعدة، كل حكم علق على وصف فإنه يقوى بقوته، ويضعف بضعفه، إذن كلما قوي الإيمان ظهر للإنسان من آيات الله ما لم يظهر له مع ضعف الإيمان، وكلما ضعف الإيمان ضعفت معرفة الإنسان وإدراكه للآيات التي ينزلها الله عز وجل من الوحي والتي يقدرها من القضاء.

ثم قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر ٥٣] ﴿قُلْ﴾ يعني أبلغ عبادي بذلك، أبلغهم بأني أقول: يا عبادي، ولا يصح أن نقول: قل أنت يا محمد: يا عبادي، فتضيف العبادة إلى نفسك، لا، المعنى أبلغ عبادي أني أقول: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم. ولماذا قلنا بهذا التفسير؟

لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال للناس: يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم، فإنه لا يستقيم الكلام، ولكن المعنى: قل للناس أي: أبلغهم بأني أقول: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ وقراءة أخرى: ﴿لا تقنِطوا﴾ ، وقوله: ﴿يَا عِبَادِيَ﴾ يشمل العباد بالمعنى الخاص والعباد بالمعنى العام، يعني حتى الكفار يقال لهم مثل هذا القول.

وقوله: ﴿الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: جاوزوا الحد في رعاية الأنفس، والواجب على الإنسان في رعاية نفسه أن يرعاها حق رعايتها، بحيث يقوم بما يصلحها ويتجنب ما يفسدها، فإذا لم يفعل فقد أسرف على نفسه، مثال ذلك: رجل سرق، السرقة هذه إسراف على النفس؛ لأن الواجب حماية النفس من السرقة، رجل شرب الخمر هذا إسراف على النفس، رجل سجد لصنم إسراف على النفس لأنه مجاوزة للحد.

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ القنوط واليأس معناهما متقارب، لكنهم فرقوا بينهما بأن القنوط أشد اليأس، وأما اليأس فمعروف أنه عدم الرجاء وعدم الأمل في حصول الشيء ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ من رحمة الله لكم، فـ(رحمة) هنا مضافة إلى الفاعل أو إلى المفعول؟

* طلبة: إلى الفاعل.

* الشيخ: إلى الفاعل، أي من رحمة الله إياكم، وبماذا تكون الرحمة؟

تكون الرحمة بأن يهدي الله عز وجل رجل إلى التوبة والاستغفار ويتوب عليه، فأنت لا تقنط من رحمة الله لا بنفسك ولا بغيرك، ولكن افعل السبب، فلو قال قائل مسرف على نفسه: أنا لا أقنط من رحمة الله، ولكنه يفعل المعصية مستمر عليها، نقول: هذا غلط؛ لأنك إذا استمررت على المعصية فأنت آمن من مكر الله، وكلا الطرفين ذميم، لا القنوط من رحمة الله ولا الأمن من مكر الله، لكن نقول: افعل السبب، افعل السبب ولا تقنط من رحمة الله.

(﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ ) ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾، ﴿يَغْفِرُ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها؛ وذلك لأن المغفرة مشتقة من أيش؟

* طلبة: من الغفر.

* الشيخ: من الغفر.

* طالب: (...) مشتقة.

* الشيخ: (...) مشتقة المغفرة.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم من المغفر، المغفر هو الذي يوضع على الرأس في وقت القتال من أجل أن يقيه السهام، ومعلوم أن هذا المغفر فيه ستر وفيه وقاية، وعلى هذا فأنت إذا قلت: رب اغفر لي، لست تسأل الله أن يستر ذنوبك فقط، بل تسأل الله أن يسترها وأن يتجاوز عنها، فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ﴾ أي يسترها ويتجاوز عنها، وقوله: الذنوب، هذه صيغة عموم أو خصوص؟

* الطالب: عموم.

* الشيخ: عموم، الذنوب، وأكد هذا العموم بقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ وهذه المغفرة التي أثبتها الله عز وجل هل هي شاملة لكل ذنب؟ الجواب: نعم، شاملة لكل ذنب فيمن تاب، فكل من تاب تاب الله عليه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهؤلاء جمعوا بين الشرك وقتل النفس، وهو اعتداء على النفوس، والزنا وهو اعتداء على الأعراض والأخلاق، ومع ذلك إذا تابوا تاب الله عليهم.

وهذه الآية أجمع العلماء على أنها في التائبين؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ ولم يقيد، فهي في التائبين، أما غير التائبين فقال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨] فغير التائبين نجزم بأن الله لا يغفر الشرك في حقهم، وما دون الشرك تحت المشيئة؛ إن شاء عذب وإن شاء غفر، فللإنسان حالتان:

الحال الأولى: التوبة، فما حكم ذنبه حينئذ؟

* طالب: الغفران.

* الشيخ: الغفران مهما عظم الذنب، الحال الثانية: عدم التوبة.

* طالب: عدم التوبة (...) لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾ [النساء ٤٨] وأما بقية الذنوب (...).

* الشيخ: كيف ما فهمنا إلى الآن الجواب غير مرتب.

* الطالب: الكبائر (...) فيغفرها الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: الكبائر ولو دون الشرك؟

* الطالب: الشرك.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: أما ما دون الشرك فهي تحت المشيئة.

* الشيخ: تحت المشيئة تمام، يعني بدون التوبة نقول: الشرك لا يغفر قطعًا، وما دون الشرك تحت المشيئة، ويستدل بالآية التي ذكرناها استشهادًا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ يستدل بها المسرفون على أنفسهم بالمعاصي، فإذا نهيتهم عن معصية قالوا لك: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.

نقول له بكل بساطة: وهل تجزم أنت أنك ممن شاء الله أن يغفر له؟ الجواب: لا، إذن أنت على خطر، وأنت الآن فعلت سبب العقوبة، وكونك يغفر لك هذا أمر راجع إلى مشيئة الله عز وجل.

﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ أولًا في الجملة كلمة ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ لو حذفت هذه الكلمة لاستقام الكلام بدونها، فما هي الكلمة؟

* طلبة: (هو).

* الشيخ: (هو)، ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ﴾ كلمة (هو) يسميها النحويون ضمير فصل، وبعضهم يسميها عمادًا.

* طالب: ضمير الشأن؟

* الشيخ: لا، ما هو ضمير الشأن، فما هو فائدة هذا الضمير؟

يقولون: إن في هذا الضمير ثلاث فوائد: الفائدة الأولى: التوكيد، والفائدة الثانية: الحصر، والفائدة الثالثة: التمييز بين الخبر والصفة، مثاله: إذا قلت: زيد هو الفاضل، الضمير في (هو) ضمير فصل، لو قلت: زيد الفاضل وحذفت الضمير.

* طلبة: استقام.

* الشيخ: استقام الكلام، لكن يحتمل أن يكون (الفاضل) صفة والخبر منتظر، ويحتمل أن يكون (الفاضل) هو الخبر، أليس كذلك؟ فإذا قلت: زيد هو الفاضل، ارتفع الاحتمال الأول وهو أن تكون (الفاضل) صفة، وتعين الاحتمال الثاني، وهي أن تكون خبرًا، واضح يا جماعة؟

طيب ما الذي استفدنا من هذا التركيب؟ زيد هو الفاضل، استفدنا أولًا توكيد الفضل في زيد، وثانيًا: حصر الفضل فيه، زيد هو الفاضل، وثالثًا؟

* طالب: التمييز بين الصفة والخبر.

* الشيخ: التمييز بين الصفة والخبر، يعني الآن ليس عندنا احتمال أن تكون صفة، هذا من حيث المعنى في ضمير الفصل، من حيث الإعراب هل هو اسم أو حرف؟ الصحيح أنه حرف لا محل له من الإعراب، حرف جاء بصورة الاسم، وليس له محل من الإعراب، نعم والدليل على أنه لا محل له من الإعراب كثير في القرآن وغير القرآن، قال الله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠]؛ لأنه إذا كان له من الإعراب صار محله الرفع وما بعده خبر، ولكنه ليس له محل من الإعراب، بل هو جاء عمادًا أو جاء فصلًا.

* طالب: قوله تعالى السابق: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ يقول في الحاشية: إن فيه دلالة على أن المراد بالإنسان الجنس، فكيف استدل بهذا؟

* الشيخ: أي وجه أنه لما قال: أكثرهم لا يعلمون؛ لأن فيه من يعلم وهم المؤمنون، فيكون ﴿أَكْثَرَهُمْ﴾ يدل على أن المراد الجنس، لأن غير المؤمن كلهم لا يعلمون.

* طالب: الراجح يا شيخ؟

* الشيخ: سبق لنا القول في هذا أن الراجح هو الكافر، والجواب عن هذا أن نقول: من الكفار من يعلم لكنه مستكبر.

* طالب: ما هو ضمير الشأن؟

* الشيخ: ضمير الشأن هو الضمير الذي يدل على القصة وليس موجودًا، ضمير الشأن في الغالب يكون محذوفًا.

* طالب: فيه ناس من المؤمنين إذا جاءتهم النعمة قال: إنما أوتيته على علم عندي، من المؤمنين ولكن ناقصون الإيمان، ما يؤيد أن الإنسان المقصود به الجنس.

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: المقصود بالإنسان الجنس المؤمن والكافر، يعني حتى المؤمن يقول: إنما أوتيته على علم عندي، لكن يكون.

* الشيخ: إي لكن هو كافر بهذه المقالة، ما هو كافر كفرًا مخرجًا عن الملة، نقول: هو بهذه المقالة كافر، وقد يكون كافرًا كفرًا مخرجًا عن الملة، إذا اعتقد أن الله ليس له سبب في حصول هذه النعمة، وأنه هو الذي حصلت به، لا أنه سبب، فهو كفر؛ لأن إضافة النعم إلى أسبابها بالإعراض عن المسبب وهو الله، وادعاء أو اعتقاد أن هذه النعمة ليس لله فيها علاقة هذا كفر بالربوبية.

* طالب: هل يجزم الإنسان إذا تاب من الذنب بأن الله عز وجل تاب عليه فلا (...) أن يكون موانع التوبة؟

* الشيخ: نقول: نعم، إذا تبت توبة نصوحًا فإن الله يقبلها، لكن من الذين يقول: إن توبته نصوحة؛ لأن المشكل الذي سيكون من فعل العبد، لا من فعل الرب، فالرب إذا وقع فعل العبد على ما يرضى حصل موعوده؛ لأن الله لا يخلف الميعاد، لكن الذي يكون محل إشكال هو فعل العبد، هل هذه التوبة توبة نصوح على حسب ما رسم في الشرع؟ فنحن نجزم، لكن قد يكون في قلب الإنسان بلاء، يكون عنده شيء من الرياء، يكون عنده شيء من المن على الله عز وجل، وغير ذلك من الأسباب، تكون التوبة غير نصوح، يتوب الإنسان مثلا من نظر المرأة الأجنبية، لكنه لا يتوب من غمز المرأة الأجنبية، التوبة الأولى تقبل ولَّا ما تقبل؟

* طالب: لا، ما تقبل.

* الشيخ: لا، ما تقبل؛ لأنه ما تاب من الذنب الذي هو من جنس ذنبه، يتوب الإنسان مثلًا من أكل الربا، ربا النسيئة، ولكنه يرابي ربا الفضل، هذه غير نصوح، ولهذا نقول: من تاب إلى الله توبة نصوحًا فإنه مقبول التوبة، ومن اختل فيه النصح فليس مقبول التوبة (...)

* * *

قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر 53] ما المراد بالإسراف؟ أسرفوا على أنفسهم.

* الطالب: جنوا.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: جنوا.

* الشيخ: جنوا.

* طالب: ظلموا.

* الشيخ: ظلموا نعم.

* طالب: جاوزا الحد في رعايتها.

* الشيخ: صحيح، جاوزا الحد في رعايتها، وذلك بأن أوقعوها في المعاصي أو جنبوها الطاعات.

* الشيخ: قوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا﴾ معناها؟

* طالب: القنوط أشد اليأس.

* الشيخ: القنوط أشد اليأس، طيب يعني: ما تيئسوا من رحمة الله.

جملة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ موقعها مما قبلها؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: لا، أظن ما ذكرناها؟ طيب، هل هذه الآية في عموم العصاة؟

* طالب: هذا في التائبين.

* الشيخ: في التائبين، أي أجمع المفسرون على أنها في التائبين، غير التائبين ما حالهم يا أخ؟

* طالب: غير التائبين؟

* الشيخ: نعم ما حالهم؟

* الطالب: هي تختلف.

* الشيخ: إي نعم هي تختلف، كيف الاختلاف؟

* الطالب: حالهم في الآية التي ذكرناها في سورة النساء، قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾.

* الشيخ: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أحسنت، هذه حالهم.

قوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ الغفور معناه؟

* طالب: الغفور الذي يستر الذنب ويتجاوز عنه.

* الشيخ: أحسنت، لماذا زدت: ويتجاوز عنه؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: بارك الله فيك.

نأخذ الدرس الآن الجديد: قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ﴾ أوردنا إشكالًا أمس على قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾ يعني أمر الله الرسول أن يقول: يا عبادي؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أبلغهم بأن الله يقول: يا عبادي الذين أسرفوا.

* طالب: (...).

* الشيخ: طيب.

قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر 53]، هذه الجملة موقعها مما قبلها أنها تعليل للنهي عن القنوت، يعني لا تقنطوا فإن الله يغفر الذنوب جميعًا إذا استغفرتموه ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ سبق لنا تفسير هذه الآية، نأخذ فوائدها الآن.

* طالب: (...).

* الشيخ: طيب، نرجع إلى كلام المفسر، قال المفسر رحمه الله: (﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنِطُوا﴾ بكسر النون وفتحها) قراءتان سبعيتان، وقاعدة المؤلف رحمه الله أنه إذا قال مثل هذا القول يعني بالوجهين أو قال: وفي قراءة، فالقراءة سبعية، أما إذا قال: وقرئ فالقراءة شاذة، إذن فيها قراءتان سبعيتان بفتح النون وبكسر النون.

﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ نعم.

* طالب: وقرئ بضمها.

* الشيخ: وقرئ بضمها (لا تقنُطوا)، وهذه القراءة شاذة، يعني ليست سبعية.

واختلف العلماء في القراءة غير السبعية هل يجوز أن يقرأ بها الإنسان أو لا، والصحيح أنها إذا صحت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن القراءة بها جائزة؛ لأن القرآن كله حق، فإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قرأ بهذه القراءة فهي صحيحة، سواء جاءت عن طريق القراء السبعة أم لم تأتِ.

قال: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ (﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ لمن تاب من الشرك)، نعم لمن تاب من الشرك، وكذلك من تاب من غيره مما دونه، لكن ذكر المؤلف الشرك لأنه أعظم الذنوب، ولأنه لا يُغفر إلا بتوبة، وإذا تاب الإنسان من الشرك وبقي على شيء من المعاصي كان يقوم بها في حال كفره، فهل تغفر هذه المعاصي أو لا بد لها من توبة؟

الصحيح أنه لا بد لها من توبة كما لو كان يشرب الخمر وهو كافر، ثم أسلم وبقي على شرب الخمر، فإن إسلامه لا يوجب أن يسقط عنه إثم شرب الخمر؛ لأنه أيش؟ لم يتب منه، لكن إذا تاب من الشرك ولم يصر على المعاصي الأخرى ولم تطرأ له على بال، فإن جميع ذنوبه تغفر، فالتائب من الشرك في الحقيقة له ثلاث حالات:

إما أن يستحضر أنه تاب من الشرك ومن جميع المعاصي التي كان يعملها، فهذا لا شك بأن توبته تعم كل ذنب، وإما أن يتوب من الشرك مع الإصرار على بعض المعاصي التي كان يفعلها في حال الشرك، فهنا لا تغفر له هذه المعاصي التي أصر عليها، لأنه استمر فيها، مثل أن يكون معتادًا لشرب الخمر في حال كفره، فيسلم وهو مصِر على شرب الخمر، فإنه لا يغفر له ما قد سلف من الذنوب ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال ٣٨].

الحالة الثالثة: أن يتوب من الشرك ولم يطرأ على باله بقية المعاصي، لكنه لم يفعلها بعد إسلامه، فهنا أيش؟ يغفر له، يغفر له جميع الذنوب؛ لأنها تندمج الصغار بالكبار فيغفر له جميع الذنوب.

﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ انتهت الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تعليل لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ تعليل لقوله: ﴿لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ فهو تعليل لتعليل.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: عناية الله عز وجل بهذا الأمر، أي بإبلاغ عباده أنه يغفر الذنوب جميعًا نعم.

عناية الله تعالى بهذه الجملة أو بهذا الأمر، حيث أمر نبيه أمرًا خاصًّا بأن يبلغ الناس هذه القضية، انتبهوا، القرآن كله قد أمر النبي ﷺ أن يبلغه ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة ٦٧] لكن هناك أشياء خاصة ينص الله عليها أن يبلغها، وهذا يقتضي العناية بها، مثل: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور ٣٠]، ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور ٣١]، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه توصية خاصة بأن يبلغها الرسول ﷺ إلى الأمة، فيقتضي ذلك العناية بها، انتبهوا لهذه النقطة، قد لا تكون مرت عليكم من زمان قريب، أقول: إذا صدر الله الحكم بـ(قل) فهو دليل على أيش؟

* طلبة: على العناية.

* الشيخ: على العناية به؛ لأن هذا أمر بإبلاغه على وجه الخصوص، أما القرآن فقد أمر أن يبلغه على سبيل العموم ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الخلق كلهم عباد الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا﴾ لأن العباد هنا المراد بها العبادة العامة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من تاب إلى الله تاب الله عليه من الشرك فما دونه، وهذا أمر مجمع عليه.

لكن اختلف العلماء فيمن قتل نفسًا عمدًا هل له من توبة؟ فروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لا توبة لقاتل، فأخذ بها بعض العلماء وقالوا: إن القاتل لا توبة له ولو تاب، ولكن هذا ليس بصحيح؛ لأنه مخالف للآيات والأحاديث الدالة على قبول توبة التائب من الشرك فما دونه، ويدل على بطلان هذا القول قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان ٦٨ - ٧٠] فهنا ذكر الله القتل وذكر الشرك وذكر الزنا، وأخبر أن من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فيعطى زيادة على توبته بأن يبدل الله سيئاته حسنات.

ومن السنة ما قصه علينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن رجل أسرف على نفسه فقتل تسعًا وتسعين نفسا، ثم سأل عابدًا من العُبَّاد: هل له من توبة؟ وقد قتل تسعة وتسعين نفسًا؟ فاستعظم العابد هذا الذنب وقال: ما لك توبة، تقتل تسعة وتسعين نفسًا ثم تأتي وتقول: لي توبة! ما لك توبة. قال: نكمل بك المئة. فقتله أتم به المئة، ثم دُلَّ على عالم فسأله قال: إني قاتل مئة نفس فهل له من توبة؟ قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة! وهذا يدلكم على فضل العلم وعلى قبح الجهل، شف الجهل جنى على نفسه الجاهل، جنى على نفسه وأيس هذا الآخر من رحمة الله، فكان جزاؤه أن قتل، فقال له العالم: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة، ولكن أنت في قرية أهلها ظالمون، اذهب إلى القرية الفلانية يعني فإنها مرتع خصب لك، فذهب وفي أثناء الطريق جاءه الموت، فأرسل الله إليه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فتنازعوا، ملائكة الرحمة تقول: أنا أقبض الروح لأن الرجل جاء تائبًا مهاجرًا، وملائكة العذاب قالت: لا، أنا أقبض روحه لأنه رجل مسرف ولم يصل إلى بلده التي يهاجر إليها، فأرسل الله إليهم حكمًا يحكم بينهم وقال: قيسوا ما بين القريتين، فإلى أيتهما كان أقرب فهو من أهلها، فقاسوا فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بقليل بنحو شبر[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤٧٠)، ومسلم (٢٧٦٦ / ٤٦) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وقد قيل: إنه كان إلى غير الصالحة أقرب، لكنه في أثناء الموت في سياق الموت لشدة رغبته في الأرض الصالحة أهلها كان يزحزح نفسه وهو في سياق الموت، فقبضته ملائكة الرحمة، قالوا: فإذا كان هذا في الأمم السابقة، فهذه الأمة أكرم على الله منها من الأمم السابقة، كيف لا يكون للقاتل توبة؟

إذن القول الراجح أن الآية هذه عامة، حتى للقاتل له توبة، وقد حمل ابن القيم رحمه الله ما روي عن ابن عباس محملًا حسنًا، فقال: إن القتل العمد تتعلق به ثلاثة حقوق:

حق الله وحق الميت وحق أوليائه.

أما حق الله فإنه يسقط بالتوبة بلا إشكال، ولا يخفى مثل هذا عن ابن عباس رضي الله عنه، وأما حق الميت فلا يمكن إسقاطه الآن في الدنيا؛ لأنه انتقل عن الدنيا، وسيطالب بحقه يوم القيامة وأما حق أولياء المقتول فبأن يسلم نفسه لهم، إذا سلم نفسه لهم فهذا دليل على صدق توبته وتبرأ ذمته، هذا ما وجه ابن القيم كلام ابن عباس إليه.

وعندي أنه إذا تاب تاب الله عليه حتى عن حق الميت المقتول، والله عز وجل يتحمل حق المقتول يوم القيامة ويرضيه، وذلك لعموم الأدلة الدالة على أن من تاب من الذنب وإن عظم فإن الله يتوب عليه، فإذا جاء هذا الرجل تائبًا وسلم نفسه لأولياء المقتول وقال: أنا الآن بين أيديكم إن شئتم القصاص أو الدية أو العفو، هذا أعلى ما يقدر عليه، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة ٢٨٦] فالقول الصحيح عندي أنه يُعفى عنه حتى حق المقتول، وذلك بأن يتحمله الله تعالى يوم القيامة.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن رحمة الله سبقت غضبه، وذلك بكونه يغفر الذنوب جميعًا بالتوبة.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أحكام الله تعالى من مقتضى أسمائه وصفاته، أحكامه هنا أحكام جزائية ولَّا قدرية ولَّا شرعية؟

* طلبة: جزائية.

* الشيخ: جزائية، من مقتضى أسمائه وصفاته، فلكونه غفورًا رحيمًا كان ذا مغفرة فغفر لمن تاب.

* ومن فوائدها: الإشارة إلى أن الإنسان بعد التوبة قد يكون خيرًا منه قبلها وقبل فعل الذنب؛ لقوله: ﴿الرَّحِيمُ﴾؛ لأن الرحمة تقتضي عطاء جديدًا، وهذا هو المشاهد، فإن الله عز وجل ذكر عن آدم أنه لما عصى ربه وغوى وتاب قال: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه ١٢٢]، وهذه المنقبة الاجتباء والهداية لم تذكر له قبل، والإنسان يحس بنفسه أيضًا، أنه إذا أناب وندم يحس من نفسه رجوعًا إلى الله وشدة افتقاره إليه، بخلاف ما إذا كان مستقيمًا على طاعة الله، فإنه لا يحس بالرجوع إلى الله عز وجل والإنابة إليه، وربما يصاب بالغرور بأنه لم يذنب، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم: «لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ ثُمَّ جَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ وَيَسْتَغْفِرُونَ اللهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ»[[(٢٧٤٩ /١١) من حديث أبي هريرة.]].

إذن نقول: إن الإنسان إذا تاب إلى الله، فقد يكون بعد التوبة خيرًا منه قبلها، نعم، وقد يكون بالعكس، لكن هذا أمر حصل قدرًا في آدم، وكذلك شرعًا كما تدل عليه هذه الآية ﴿إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском