Ibn 'UthayminAz‑Zumar · 39:49–60

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Az-Zumar 39:49–60, continued

قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة ١٧٩]، هذا إيجاز قصر ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء ١٢٣] هذا إيجاز قصر؛ لأنك لو أردت أن تبسط هذه الجملة ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا﴾ وتذكر أنواع السوء وتذكر أنواع المجازاة، لكان الكلام طويلًا، لكنه اقتصر على هاتين الكلمتين ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وهما تشملان كل ما يمكن أن يدخل في هذه الجملة من التفاصيل.

طيب هنا على كلام المؤلف: (فبادروا قبل ﴿أَنْ تَقُولَ﴾ ) نقول: هذا من باب إيجاز الحذف؛ لأنه حذف من الكلام ما يدل عليه السياق، ويمكن أن نقدر ما هو دون ذلك بأن نقول: خشية أن تقول نفس، يعني: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم خشية أن تقول نفس: يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله، وهذا الذي ذكرناه أخصر من كلام المؤلف.

﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ (نفس) هنا نكرة في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم، وإنما تدل على العموم إذا كانت في سياق النفي أو الشرط، أو الاستفهام الاستنكاري أو ما أشبه ذلك مما ذكره العلماء، لكنهم قالوا: إن نفس هنا نكرة يراد بها العموم، يعني أن تقول كل نفس: فرطت يا حسرتا.

(أصله يا حسرتي، أي: ندامتي) فالحسرة هي الندامة، وقال: (يا حسرتا) الألف هذه منقلبة عن ياء، وأصلها ياء المتكلم: يا حسرتي، لكن في اللغة العربية يجوز أن تقلب الياء ألفا، فيقال: يا حسرتا بدل يا حسرتي، ومنه قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ [هود ٧٢] التقدير: يا ويلتي.

(﴿يَا حَسْرَتَا﴾ أي ندامتي ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ﴾ ) التفريط معناه الإهمال والإضاعة، وعكسه الإفراط، الإفراط: التجاوز، والتفريط: القصور عن الشيء، فالمفرط هو المهمل المقصر، والمفرط هو المتجاوز للحد، وكلاهما مذموم، والخيار هو الوسط.

﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ قال: (أي: طاعته) ففسر الجنب هنا بالطاعة، وذلك لأنه لا يمكن أن يراد به جنب الله الذي هو جنب ذاته؛ لأن الإنسان يشعر بأنه لم يفرط في نفس الجنب الذي هو جنب الله ذاته، لكن بعض العلماء يقول: الجنب بمعنى الجانب لغة، وإذا كان بمعنى الجانب لغة فلا حاجة إلى التأويل، يكون المعنى: في جنب الله أي في جانب الله، وجانب الله يعني حقه، وهذا التفصيل الذي ذكرناه هو مؤداه كما قال المؤلف رحمه الله: (يعني طاعته) لكن إذا فسرنا الجنب بالطاعة خرجنا به عن المعنى المطابق للفظ، أما إذا قلنا: الجنب لغة بمعنى الجانب فإننا فسرناه بما دلت عليه الكلمة لغة، والجانب من المعلوم أن جانب الله عز وجل أي حقه وشرعه.

﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن مخففة من الثقيلة، أي: وإني) (إن) في اللغة العربية تأتي لمعانٍ: الأول: الشرطية، والثاني: النافية، والثالث: مؤكدة، والرابع: زائدة، أربعة معانٍ. (إن) تأتي في اللغة العربية بمعنى أربعة معانٍ، بعضهم زاد معنى خامسًا أن تكون بمعنى نعم لكنه قليل.

(إن) شرطية، مثاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] هذه (إن) شرطية.

تكون نافية مثل قول الكافرين: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة ١١٠] و(إن) النافية هي التي يعقبها دائمًا (إلا).

وتأتي مؤكدة، وهي المخففة من الثقيلة كما هنا، وعلامتها أن يحل محلها (إن)، مثل: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه مخففة من الثقيلة تفيد التوكيد؛ لأن الثقيلة (إنَّ) معروفة أنها للتوكيد، فإذا كانت هذه مخففة منها فهي للتوكيد.

الرابع: زائدة، ومن ذلك قول الشاعر:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

الشاهد قوله: (ما إن أنتم ذهب).

لأن معنى الكلام: ما أنتم ذهب، فهي إذن زائدة، طيب الذهب معروف، الصريف: الفضة، وسُميت صريفًا لأنها يسمع لها صريف عند العدد أو الوزن، (ولكن أنتم الخزف) ما هو الخزف؟ الطين المشوي، يعني أنكم أصلكم رديء، وعلامة (إن) الزائدة أن يصح الكلام مع حذفها، فإذا صح الكلام مع حذفها فهي زائدة، طيب.

﴿إِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ قال المؤلف: (وإني ﴿كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ ) فقدر اسم (إن) ضميرًا مطابقًا للسياق، فقال: إني كنت. وهذا الذي ذهب إليه المؤلف هو الصحيح، أما عند جمهور النحويين فإنهم يقولون: إن اسم (إن) محذوف ضمير الشأن، فيقدرون: إن كنت وإنه أي الشأن، لكن الصحيح أننا نقدر ضميرًا مطابقًا للسياق، ولا حرج أن نقول: إنه محذوف، ولو لم يكن ضمير الشأن. فعليه نقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ التقدير: وإني كنت لمن الساخرين. واللام في قوله: ﴿لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ هذه للتوكيد، وهي أيضًا دليل على أن (إن) مخففة من الثقيلة.

طيب وهل تلزم لام التوكيد مع (إن) المخففة من الثقيلة؟

الجواب: لا تلزم، إلا إذا كان يخشى من الالتباس بالنافية، فإن كان يخشى الالتباس بالنافية فإنه يجب أن تذكر اللام، والحاصل أن اللام تأتي كثيرًا في خبر (إن) المخففة من الثقيلة، وقد تحذف إلا إذا خيف الالتباس فإنه يجب أن تُذكر اللام، إذا خيف الالتباس بأيش؟ إذا خيف أن تلتبس بـ(إن) النافية، فإنه يجب أن يؤتى باللام؛ لأنه إذا أتت اللام تعين أن تكون (إن) مخففة من الثقيلة، ومحل هذا البحث في النحو.

يقول: ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ الساخر بمعنى المستهزئ، ساخرين بمن؟ ساخرين بمن يدعو إلى الله؛ كما قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ﴾ [ص ٦٣] ساخرين بدين الله، ساخرين بكتب الله، ساخرين برسل الله ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة ٦٥]، ولهذا حذف المفعول في الساخرين لإفادة العموم، أي: الساخرين بالله وآياته ورسله وأوليائه فهو عام، ويأتي إن شاء الله تعالى بقية الكلام على الآية.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٥٩)﴾ [الزمر ٥٥ - ٥٩].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.

ما المراد بقوله: ﴿أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾؟

* طالب: المراد به القرآن.

* الشيخ: القرآن ، ما وجه حسنه؟

* طالب: حسنه في ذاته وفي (...).

* الشيخ: في ذاته؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: طيب، وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، أربعة أشياء، طيب قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ كيف تقدر أن تقول: نفس؟

* طالب: خشية أن تقول: نفس.

* الشيخ: نعم، خشية أن تقول: نفس، ما الذي قدره المؤلف؟

* الطالب: الذي قدره المؤلف قال: بادروا.

* الشيخ: قال: بادروا.

* الطالب: قبل أن تقول: نفس.

* الشيخ: قبل أن تقول، أيهما أرجح؟

* الطالب: قبل أن تقول: نفس.

* الشيخ: لماذا؟

* الطالب: لأنه أخصر.

* الشيخ: أخصر، أقل تقديرًا، وكلما كان أقل تقديرًا فهو أوضح.

طيب قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾ هذه نكرة في سياق؟

* طالب: الإثبات.

* الشيخ: فهل هي للإطلاق أو للعموم؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم تعم، يعني أي نفس.

طيب قوله: ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ يا حسرتا أصلها نعم؟

* طالب: يا حسرتي.

* الشيخ: فقلبت؟

* الطالب: فقلبت الياء إلى ألف.

* الشيخ: إلى ألف لأنها للندبة.

طيب قوله: ﴿عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ ما المراد بجنب الله؟

* طالب: المراد بجنب الله؟

* الشيخ: نعم.

* الطالب: بجانب الله.

* الشيخ: بجانب الله، كذا؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: والمؤلف فسرها؟

* طالب: المؤلف فسرها بطاعة الله.

* الشيخ: بطاعة الله، طيب.

* الطالب: (...) جانب الله (...).

* الشيخ: يعني متى أمكن حمل اللفظ على معناه اللغوي فهو أولى، طيب ألا يمكن أن يراد بها جنب الله الذي هو جنبه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: والتفريط من الإنسان ليس في جنب الله ذاته، لكنه في حق الله يعني جانب الله الذي هو حقه، طيب،

﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (إن) هذه؟

* طالب: شرطية.

* الشيخ: (إن) شرطية، لا.

* طالب: (إن) مخففة من الثقيلة.

* الشيخ: مخففة من الثقيلة، أيش تقتضي؟ التوكيد، ذكرنا استطرادًا أن (إن) تأتي لمعانٍ.

* طالب: أربعة، أو خمسة، تأتي زائدة، تأتي مؤكدة، تأتي شرطية، تأتي نافية، قد تأتي بمعنى نعم.

* الشيخ: ما الذي يعين هذه المعاني؟

* طالب: السياق.

* الشيخ: السياق طيب، المخففة من الثقيلة مثالها؟

* طالب: مثل هذه الآيات ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾.

* الشيخ: التقدير؟

* الطالب: إني كنت لمن الساخرين.

* الشيخ: إني كنت لمن الساخرين، طيب، وتأتي نافية، مثالها؟

* طالب: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر ٢٣].

* الشيخ: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ المعنى؟

* الطالب: ما أنت إلا نذير.

* الشيخ: ما أنت إلا نذير وعلامة هذه.

* طالب: (إن) نافية.

* الشيخ: أي لكن ما علامتها؟

* طالب: صحة تعويضها بالنفي.

* الشيخ: أن يحل محلها (ما)، وغالبًا تأتي بعدها (إلا)، طيب وتأتي أيضًا؟ إي نعم.

* طالب: زائدة.

* الشيخ: مثالها؟

* طالب:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ وَلا صَرِيفٌ ..............

* الشيخ:

بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ∗∗∗ ......................

طيب، ما علامتها؟

* الطالب: علامتها (...) صح السياق (...).

* الشيخ: نعم أنها إذا حذفت صح السياق بدونها، الأخ تأتي؟

* طالب: شرطية.

* الشيخ: شرطية.

* الطالب: (...).

* الشيخ: أحسنت، طيب، والشرطية علامتها ظاهرة أنها تحتاج إلى؟

* طلبة: جواب.

* الشيخ: جواب.

نأخذ الدرس الجديد، قال الله عز وجل: ﴿أَوْ تَقُولَ﴾: (أو) حرف عطف، ﴿تَقُولَ﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾.

* طالب: ما أخدنا.

* الشيخ: ما أخذناه؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: من أي مكان؟ ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ أخذنا هذه؟

طلبة : (...).

* الشيخ: طيب إلى؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: نعم أخذنا الفوائد إلى؟

* طالب: (...).

* الشيخ: أنتم الآن تقولون: لم نأخذ الفوائد، فمن أين لم نأخذ الفوائد؟

طيب قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ إلى آخره، فيها فوائد:

* أولًا: وجوب الإنابة إلى الله؛ لقوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب إلا بدليل.

* ومن فوائدها: وجوب الإسلام له، أي الاستسلام التام مع الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾.

* ومن فوائدها: التحذير من عدم المبادرة بالإنابة والإسلام؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عقوبة من لم ينب إلى ربه ويسلم له؛ إذ إن العذاب عقوبة.

* ومن فوائدها: أنه إذا أتى عذاب الله فإنه لا دافع له؛ لقوله: ﴿ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية التي بعدها: وجوب اتباع القرآن الكريم؛ لقوله: ﴿اتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

* ومن فوائدها: الثناء على القرآن الكريم بأنه أحسن ما أنزل إلى العباد، وعرفتم أنه أحسن في ذاته وفي أخباره وفي أحكامه وفي آثاره، فلم تنل أمة العزة والكرامة كما نالته هذه الأمة بما آتاها الله من القرآن.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

فإن قال قائل: هذا لا نسلمه لكم؛ لأن مما أنزل الله ما لا يكون كلامًا له، كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الزمر ٢١]، ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [الزمر ٦]، ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥] وأمثالها، فلا نسلم لكم أن القرآن كلام الله، بل نقول: هو كغيره من المخلوقات التي أنزلها الله، فإن الحديد مخلوق، والمطر مخلوق والأنعام مخلوقة.

فالجواب عن هذا أن نقول: ما أنزله الله ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يكون عينًا قائمة بنفسه، فهذا مخلوق، والثاني: ألا يكون وصفًا لا يقوم إلا بغيره، فهذا غير مخلوق، فلننظر إلى القرآن هل هو عين قائمة بنفسها أو وصف لا يقوم إلا بغيره؟ الثاني، إذن هو غير مخلوق، كلام الله غير مخلوق، واضح يا جماعة؟ طيب.

* من فوائد هذه الآية الكريمة إثبات علو الله؛ لقوله: ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر ٥٥] وجه ذلك أن النزول لا يكون إلا من أعلى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة هذه الأمة حيث كانت الغاية في إنزال القرآن، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿إِلَيْكُمْ﴾ فإن الإنزال غايته إلينا، إذن فهذا شرف لنا أن نكون غاية إنزال القرآن.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الربوبية لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مِنْ رَبِّكُمْ﴾.

* ومن فوائدها، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن إنزال القرآن إلينا من كمال ربوبيته، حيث أضاف إنزاله إلى نفسه بوصف الربوبية، فمن كمال ربوبيته لخلقه وتربيته لهم أن نزل عليهم هذا القرآن.

* ومن فوائدها أيضًا: وجوب العمل بما في القرآن؛ لأنه نزل من الرب، والرب له السلطان الكامل على خلقه، أرأيتم لو أن ملكًا من الملوك أصدر مرسومًا ملكيًّا، أفلا يكون مقتضى سلطانه أن نعمل بهذا المرسوم؟ بلى، إذن مقتضى ربوبية الله لنا أن نعمل بما أنزل إلينا؛ لأن هذا القرآن بمنزلة المراسيم الملكية التي لا بد من تنفيذها، بل وأعظم كما هو معروف، ولا إشكال فيه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحذر من أن يأتي عذاب الله بغتة؛ لقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً﴾ [الزمر ٥٥] والعذاب المباغت أشد من العذاب الذي لم يباغت؛ لأن العذاب الذي لم يباغت يكون الإنسان قد تهيأ له، لكن الذي يأتي بغتة يأتي الإنسان وهو في غاية ما يكون من الغفلة وغاية ما يكون من السرور، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ [الأعراف ٩٧، ٩٨] فتأمل الآن، غفلة وهدوء واطمئنان أتاهم العذاب في هذا الوقت يكون أشد وقعًا والعياذ بالله مما لو أتى والإنسان متهيئًا.

وأضرب لكم مثلًا حسيًّا واضحًا، لو كنت تنزل مع الدرج فغفلت ثم زلت رجلك على إحدى الدرجات، هل يكون مثلما لو كنت تنزل وأنت ترى كل درجة وتضع قدمك عليها؟ أجيبوا، إذن المباغت أشد مما يأتي إنسان متهيأ له.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المباغت يأتي بغير شعور من العبد؛ لأنه غافل، وليس يفكر في أن يأتيه العذاب؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ والجملة هذه يسميها علماء النحو جملة حالية، يعني والحال أنكم لا تشعرون.

ثم قال تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ إلخ.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان مآل المفرط، وهو التحسر، وهو التندم مع الغم، التحسر والتندم مع الغم.

* ومن فوائدها، من فوائد الآية الكريمة: أن المفرط سيتحسر على تفريطه، وينبني على هذه فائدة أنه ينبغي أن يكون الإنسان حازمًا ذا نشاط وقوة، حتى لا تفوته الأمور ثم بعد ذلك يندم.

* ويتفرع على ذلك فائدة ثالثة: أنه ينبغي انتهاز الفرص فمتى واتتك الفرصة فلا تضيعها.

* ويترتب على هذا أيضًا رابعة: أنه إذا صار أمامك حاجتان فابدأ بما أنت تريد أولًا، وبادر إليها، واجعل الثانية نافلة، وهذا يظهر في سنة الرسول ﷺ في أمثلة متعددة، منها أن عتبان بن مالك رضي الله عنه لما ضعف بصره، وصار لا يتمكن من الوصول إلى مسجد قومه، دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيته ليصلي في مكان يتخذه مصلى، فخرج النبي ﷺ إليه ومعه جماعة من أصحابه، فلما وصل البيت، وإذا الرجل قد هيأ لهم طعامًا، ولكن الرسول ﷺ لم يشأ أن يبدأ بالطعام، بل بدأ بما أتى إليه، أي بالقصد الأول فقال له: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ؟» فأراه المكان فصلى فيه[[متفق عليه؛ البخاري (٤٢٤)، ومسلم (٣٣ / ٢٦٣) من حديث عتبان بن مالك. ]].

هذا مثال، وبناء على ذلك ينبغي لكم أنتم طلبة العلم إذا أردتم أن تراجعوا فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مسألة معينة فتستعرض الفهرس، ثم يمر بك مسألة تشوقك إلى أن تراجعها فتذهب وتراجعها، ثم تترك الذي كنت تراجع من أجلها، وهذا لا شك أنه يضر طالب العلم، يشتت عليه الفكر ويشتت عليه الوقت؛ لأن فكره أول ما طالع الكتاب منصب على أيش؟ على المسألة التي يطلبها، فإذا عرضت له هذه العارضة واتجه إليها وانشغل بها، وهي ليست مقصودًا له بالذات، تشتت ذهنه، ثم يتشتت وقته أيضًا، ربما يكون وقت مراجعته في خلال ربع ساعة، فتذهب ربع الساعة هذه وهو لم يراجع المسألة التي كانت من أجلها يفتش، وهذا جربناه، جرى علينا، نراجع لمسألة ما ثم يمر بنا عنوان شيق ونأخذ به، يضيع علينا الوقت، فالإنسان ينبغي أن يكون حازمًا، وأن يبدأ بالأهم قبل المهم.

ومن ذلك -أي من الحزم- أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يبادر بإزالة المؤذيات ولا يتأخر؛ لأن التأخير له آفة، بل آفات، «لما بال الأعرابي في المسجد أمر في الحال أن يصب عليه ماء ليطهره»[[أخرجه البخاري (٢٢٠ من حديث أبي هريرة. ]]، «ولما بال الصبي في حجره دعا في الحال بماء فأتبعه إياه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٢٣)، ومسلم (٢٨٧ / ١٠٣) من حديث أم قيس بنت محصن. ]]، وكان من الممكن أن يترك المكان في المسجد حتى يأتي وقت الصلاة ويحتاج الناس إلى الصلاة في هذا المكان، لكنه بادر، وكذلك من الممكن أن يدع ثوبه حتى يحضر وقت الصلاة ثم يطهره لكنه بادر، فالمهم أن مثل هذه الوقائع ينبغي للإنسان أن يتخذ منها تربية لنفسه، لا تمر به على أنها مسألة فقهية عرفها فقط، بل لا بد أن يظهر علمه في عمله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجهة لله عز وجل؛ لقوله أيش؟ ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ وقلنا: إن جنب بمعنى جانب، لكن الذين لا يثبتون الجهة يفرون من هذا، ويفسرونه بأمر آخر، كما فسره المؤلف بقوله: (في طاعة الله) مع أن هذا التفسير يعني قد يقال: إنه تفسير صحيح، وإن جانب الله تعالى هو طاعته وحقه وما أشبه ذلك، لكن نحن نعلم أن كثيرًا من الناس ينكرون أن يكون الله في جهة، ويقولون: لا يجوز أن تقول: إن الله في جهة، لا فوق ولا تحت، وعكس قوم آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة بذاته، وبين الأمرين أو بين الطائفتين كما بين السماء والأرض.

وتوسط آخرون فقالوا: إن الله في كل جهة لكنه فوق كل شيء ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة ١١٥] إن اتجهتم شرقًا أو غربًا، أو شمالًا أو جنوبًا فثم وجه الله، لكن ليس الله نفسه في تلك الجهات، ولكنه فوق، وفوقيته لا تناقض أن يكون في كل جهة استقبلته، واضح يا جماعة؟ طيب.

فلو قال قائل: كيف يجتمع أن يكون في جهة المشرق مثلًا أو المغرب أو الشمال أو الجنوب وهو فوق كل شيء؟

نقول: (كيف) اجعلها فيما يمكن تكييفه، وصفات الله لا يمكن تكييفها، عليك أن تسلم، ثم نقول: إن هذا ممكن لو كانت الشمس عند الشروق أو عند الغروب واستقبلتها كانت في جهة المشرق أو في جهة المغرب وهي أين مكانها؟ في السماء، هذا في المخلوق، فما بالك بالخالق المحيط بكل شيء.

فالصواب أن الله سبحانه وتعالى في جهة، وهي جهة العلو، لكنه عز وجل من اتجه إليه في أي مكان فالله تعالى قبل وجهه أي مكان ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ أما ذاته عز وجل فإنه فوق كل شيء.

* من فوائد الآية الكريمة: إقرار المكذبين على أنفسهم بما هم عليه من التكذيب، لكن في وقت لا ينفعهم، من أين يؤخذ؟ ﴿وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ يعني: إن كنت من الساخرين هذه تأكيد وإثبات أنه كان في الدنيا من الساخرين بشرع الله المستهزئين به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم السخرية بالله عز وجل، من أين يؤخذ؟ من كون هذا الساخر ندم، وتحسر على ذلك، ولولا أنه أصيب بعذاب عليه لم يندم.

فإن قال قائل: ما حكم السخرية بالله؟

قلنا: حكمها الكفر، فمن سخر بالله أو آياته أو رسوله فإنه كافر، كل من سخر بالله أو آياته أو رسوله فهو كافر.

فإن قال قائل: هل تكفرونه ولو كان يمزح؟

فالجواب: نعم نكفره ولو كان يمزح؛ لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ يعني ما قصدنا ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة ٦٥، ٦٦].

فإن قيل: ما الدواء لمن ابتُلي بهذا؟ أي: سخر بالله أو آياته أو رسوله، فما هو الدواء؟

قلنا: الدواء في هذه السورة: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] الدواء أن يتوب إلى الله، فإذا تاب إلى الله عز وجل وقلع من قلبه هذه السخرية والاستهزاء، وأثبت مكانها التعظيم والمحبة، فحينئذ يرتفع عنه حكم الكفر.

ثم قال الله عز وجل، وهو بدء الدرس اليوم: ﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [الزمر ٥٧] يعني أو تقول نفس، وهذه معطوفة على قوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، أو تقول: أي النفس (﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي﴾ بالطاعة فاهتديت ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ).

﴿أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (لو) هذه شرطية، فعل الشرط فيها محذوف، وجواب الشرط فيها قوله: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، وتقديره، أي: تقدير المحذوف وهو فعل الشرط، لو ثبت أن الله هداني لكنت من المتقين، وهذا احتجاج بالقدر، يعني لو أن الله هداني ووفقني فاهتديت لكنت من المتقين، فهي تندم وتحتج، يعني جمعت بين الندم على عدم التقوى والهداية وبين الاحتجاج، كقول القائل: لو أعطيتني أجرة لعملت لك، لو أطعمتني لشبعت، يعني: فلم تطعمني ولم تعطني أجرة، فهم يقولون: لو أن الله هداني لاهتديت وكنت من المتقين، وعلى هذا فالمراد بالهداية هنا هداية التوفيق، ويكون هذا احتجاجًا من النفس بقدر الله على الضلال والعياذ بالله.

يقول: ﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ قال المؤلف المفسر: (عذابه) وهذا مفعول المتقين، ولكن الصواب أن نقدر: لكنت من المتقين الله؛ لأن الأصل هو تقوى الله عز وجل، وتقوى عذاب الله من تقوى الله، فينبغي أن نقدر الأصل أي: لكنت من المتقين الله.

وما هي تقوى الله؟

نعرف تقوى الله بمعرفة الأصل، أصل التقوى مأخوذة من الوقاية، فأصلها وقوى بالواو، لكن قُلبت الواو تاء لعلة تصريفية، فإذا كانت من الوقاية فسرناها بأنها اتخاذ ما يقي من عذاب الله، ولا يقي من عذاب الله إلا فعل أوامره واجتناب نواهيه، ولهذا نقول: إن أجمع ما قيل في التقوى أنها فعل الأوامر واجتناب النواهي.

وقيل: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وهذا المعنى أطول مما قلنا، لكن ما قلنا مشتمل عليه، وقيل في التقوى:

خَلِّ الذُّنُوبَ صَـــــــغِيرَهَا ∗∗∗ وَكَبِـــــــــــــــــيرَهَـا ذَاكَالـــــــــتُّقَى؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لَا تَحْقِــــــــــرَنَّ صَـــــــــــــــغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَــــــــــصَى

وهذا أيضًا تعريف شيق لأنه منظوم، (خَلِّ الذُّنُوبَ صَغِيرَهَا وَكَبِيرَهَـا) والذنوب إما فعل محرم أو ترك واجب، (ذَاكَ التُّقَى، وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى) الذي يمشي على أرض الشوك يمشي بسرعة ولَّا ببطء؟

* طلبة: ببطء.

* الشيخ: ببطء

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى

الجبال العظيمة الضخمة حصى متجمعة، إما كتل أو صغار أو كبار.

﴿لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

﴿أَوْ تَقُولَ﴾ هذه معطوفة على أيش؟

* طلبة: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾.

* الشيخ: على ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ﴾، يعني: أو تقول نفس حين ترى العذاب، ترى العذاب بعينها، فيكون الموعود مشهودًا، تراه بالعين، ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾، والرؤية بالعين تُعتبَر عين اليقين، والوعد بالعذاب علم اليقين، ومس العذاب حق اليقين، ولهذا قالوا: اليقين ثلاثة: علم وعين وحق، وكلها في القرآن: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥ - ٧] مشاهدة، وقال تعالى في آخر الواقعة: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] الذي يكون عند الاحتضار حق اليقين، وأيها أعلى في اليقين؟

* طلبة: حق اليقين.

* الشيخ: حق اليقين أعلى؛ لأن عين اليقين قد تشاهد الشيء على خلاف ما هو عليه، كما ترى، ولا سيما إن كان نظرك ضعيفًا، ترى الشيء الساكن متحركًا، أو المتحرك ساكنًا، إي نعم، فعلى كل حال حق اليقين أعلاه. وهنا ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ﴾ المراد أيش؟

* طلبة: عين اليقين.

* الشيخ: عين اليقين ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، (لو) هنا ليست شرطية، ولكنها للتمني، يعني ليت لي كرة.

ونستطرد فنقول: (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، وتأتي مصدرية، ثلاثة معانٍ، شرطية، تمنية، مصدرية، فتأتي شرطية فيما إذا قلت: لو زرتني لأكرمتك، وعلامتها أن يحل محلها (إن) الشرطية، لو زرتني لأكرمتك، اجعل بدلها (إن)، إن زرتني أكرمتك.

والثانية التي للتمني هي التي تأتي غالبًا بعد ود، في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] وعلامتها أن يحل محلها (أن) المصدرية، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ لو وضعت بدلها (أن): ودوا أن تدهن، يصح الكلام أو لا؟ طيب، وهل يصح أن تضع بدلها (أن) في القرآن؟

* طلبة: لا يصح.

* الشيخ: لا يصح، تقديرًا يصح ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ لو جعلت بدلها (أن) استقام الكلام، لكن لا يجوز في القرآن أن تجعل بدلها (أن)، طيب لو قلت: وددت لو زرتني، صحيح؟ طيب، لكن هنا إذا حولتها إلى (أن) حول الفعل إلى مضارع، (وددت أن تزورني)، طيب.

الثالثة للتمني.

* طلبة: مصدرية.

* الشيخ: مصدرية؟ لا، أنا أقول: مصدرية التي تأتي بعد (ود)، والشرطية، بقي عندنا التمنية التي للتمني، المصدرية هي التي تأتي في الغالب بعد ود، وعلامتها أن يحل محلها (أن).

التي للتمني تكون بمعنى أتمنى، يعني يعين معناها السياق، فهنا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ﴾ ضع بدلها أتمنى، أتمنى أن يكون لي كرة فأكون من المؤمنين، واضح؟ ويدلك لهذا قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا﴾ [الأنعام ٢٧] فصار معاني (لو) ثلاثة: شرطية ومصدرية وللتمني.

﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً﴾ قال المفسر: (رجعة إلى الدنيا ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ) يعني يتمنى أن يكون له رجعة ليكون من المحسنين. وقوله: ﴿فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ولم يقل: من المتقين؛ لأن الإحسان درجة فوق التقوى، فكل محسن متقٍ، وليس كل متقٍ محسنًا، الإحسان درجة عالية، قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: «أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]، ولكن هذا التمني هل هذه النفس صادقة في أنها تتمنى لتكون من المحسنين؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام ٢٨] لكن عند العذاب ليس لها إلا أن تقول هكذا ﴿لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ثم قال تعالى: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾.

* طالب: أحسن الله إليك، سئل رجل فقالوا له: ما آخر نكتة سمعتها، قال: إن اثنين من المتطرفين قالوا: استو واعتدل في الصف، هل يدخل هذا في السخرية بالله وسنة النبي ﷺ؟

* الشيخ: هذا يسأل يقول: إن آخر نكتة إي نعم سمعتها أنه سمع رجل يقول: استووا اعتدلوا كذا؟

* الطالب: (...) استووا اعتدلوا (...).

* الشيخ: لكن كان الإمام قال هكذا؟ الإمام قال: استووا اعتدلوا؟

لا، ما يصير.

* الطالب: (...) آخر نكتة سمعتها يقول: استووا واعتدلوا (...).

* الشيخ: لا، هل هو صحيح ما حكاه عن هذا الإمام، أن الإمام يقول: استووا واعتدلوا؟

* طلبة: هو نفسه بيسأل.

* الشيخ: لا، على كل حال دعونا من كونه صورها ملاكمة، لكن لو قال إنسان في إمام قال: استووا واعتدلوا: إن هذه نكتة، ووصفه بالتطرف، فهل يكون كافرًا أو لا؟

الواقع أن هذه المسألة مهمة جدًّا، الاستهزاء بالشخص الذي يفعل طاعة أو يتجنب معصية، تارة يغلب عليه الجانب الشخصي، فهذا لا يكفر، وتارة يغلب عليه الجانب الحكمي، بمعنى أنه يسخر بالحكم من أي مصدر جاء، فهذا كفر، ويوضح هذا المثال: بعض الناس لو رأى مثلًا عالمًا من العلماء المعتبرين المحبوبين عند الناس الموثوقين، رأى ثوبه إلى نصف الساق، لا يسخر به أبدًا، ولا يمكن أن يسخر، لكن لو رأى شابًّا فربما يسخر به، إذن هنا السخرية منصبة على أيش؟

* طلبة: على الشخص.

* الشيخ: على الشخص، مغلب فيها جانب الشخصية، فهذا لا يكفر؛ لأنه لم يكره الحكم، لكن كره هذا الذي قام بالحكم.

والثاني: أن يكره الحكم الشرعي، ويسخر بالحكم الشرعي فهذا كافر، ولهذا قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ولم يقل: والمؤمنين، الرسول معلوم أي إنسان يسخر به فهو كافر، حتى وإن كان قد غلب الجانب الشخصي؛ لأن الرسول مشرع عليه الصلاة والسلام، فكل شيء صدر منه فهو تشريع، لكن اللي يصدر من غير الرسول، إن كان محل ثقة عند الناس اعتبروه حكمًا شرعيًّا ولم يسخروا به، وإن كان غير ثقة سخروا به مغلبين جانب الشخصية؛ لأنهم مثلًا لا يثقون به الثقة التامة، أو يرون أنه متزمت أو متنطع أو ما أشبه ذلك، وهذه المسألة يجب على الإنسان أن يدرك الفرق بين الأمرين؛ لأن هذه المسائل دقيقة جدًّا.

ولهذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله أن الإمام أحمد يكفر الجهمية، لكن لا يكفر أعيانهم؛ لأن هناك فرقًا بين التكفير باعتبار الحكم والتكفير باعتبار الشخص.

ومن ثم نحذر طلبة العلم من التسرع في التكفير الشخصي العيني؛ لأن المسألة ما هي هينة، لو كفَّرت شخصًا والله عز وجل لم يحكم بكفره عاد التكفير إليك، وصار يخشى عليك من الضلال ولو في المستقبل إذا لم تتب.

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском